As-Suyuti · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:110–117
5:110Page 126
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ.
(p-٥٩١)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دُعِيَ بِالأنْبِياءِ وأُمَمِها، ثُمَّ يُدْعى بِعِيسى، فَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، فَيُقِرُّ بِها فَيَقُولُ: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فَيُنْكِرُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتى بِالنَّصارى فَيُسْألُونَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هو أمَرَنا بِذَلِكَ، فَيَطُولُ شَعْرُ عِيسى، حَتّى يَأْخُذَ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِن شَعْرِ رَأْسِهِ وجَسَدِهِ، فَيُجاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِقْدارَ ألْفِ عامٍ، حَتّى يُوقِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، ويُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ، ويُنْطَلَقَ بِهِمْ إلى النّارِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَمَنَ، فَقالَ أبِي: ائْتِهِ فاسْمَعْ مِنهُ، فَقُلْتُ: تُحِيلُنِي عَلى رَجُلٍ نَصْرانِيٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، ائْتِهِ واسْمَعْ مِنهُ، فَأتَيْتُهُ فَقالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَهُ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، فَقالَ لَهُ: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ، فَعَلْتُ بِكَ وفَعَلْتُ بِكَ، ثُمَّ أخْرَجْتُكَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ، فَفَعَلْتُ بِكَ وفَعَلْتُ بِكَ، وسَتَكُونُ أُمَّةٌ بَعْدَكَ يَنْتَحِلُونَكَ ويَنْتَحِلُونَ رُبُوبِيَّتَكَ، ويَشْهَدُونَ أنَّكَ قَدْ مُتَّ، وكَيْفَ يَكُونُ رَبٌّ يَمُوتُ؟ فَبِعِزَّتِي حَلَفْتُ لَأُناصِبَنَّهُمُ الحِسابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَأُقِيمَنَّهم مَقامَ الخَصْمِ مَعَ الخَصْمِ، حَتّى يُنَفِّذُوا ما قالُوا، ولَنْ يُنَفِّذُوهُ أبَدًا، ثُمَّ أسْلَمَ، وجاءَ مِنَ الأحادِيثِ بِشَيْءٍ لَمْ أسْمَعْ مِثْلَها. (p-٥٩٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ، مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وإبْراءِ الأسْقامِ، والخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ مِمّا يَدَّخِرُونَ في بُيُوتِهِمْ وما رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ مَعَ الإنْجِيلِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كُفْرَهم بِذَلِكَ كُلِّهِ.
5:111Page 126
وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١
And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ يَقُولُ: قَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ قالَ: وحْيٌ قُذِفَ في قُلُوبِهِمْ، لَيْسَ بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ، والوَحْيُ وحْيانِ: وحْيٌ تَجِيءُ بِهِ المَلائِكَةُ، ووَحْيٌ يُقْذَفُ في قَلْبِ العَبْدِ.
5:112–115Page 126
إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢
[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣
They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."
قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤
Said Jesus, the son of Mary, "O Allāh, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥
Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَهُ؟ (p-٥٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ الحَوارِيِّينَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ؟ أوْ: (تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟) فَقالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِالتّاءِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ وبِنَصْبِ (رَبَّكَ) .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقْرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قالَ: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وأبِي رَجاءٍ، أنَّهُما قَرَآ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: قالُوا: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، فِيها جَمِيعُ الطَّعامِ إلّا اللَّحْمَ، فَأكَلُوا مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مائِدَةً﴾ قالَ: المائِدَةُ (p-٥٩٤)الخِوانُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ﴾ قالَ: تُوقِنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في (فَوائِدِهِ) المَعْرُوفَةِ بِالغَيْلانِيّاتِ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَمّا سَألَ الحَوارِيُّونَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ المائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا، وقالَ: اقْنَعُوا بِما رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الأرْضِ، ولا تَسْألُوا المائِدَةَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّها إنْ نَزَلَتْ عَلَيْكم كانَتْ آيَةً مِن رَبِّكُمْ، وإنَّما هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَألُوا نَبِيَّهم آيَةً، فابْتُلُوا بِها حَتّى كانَ بَوارُهم فِيها، فَأبَوْا إلّا أنْ يَأْتِيَهم بِها، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، فَلَمّا رَأى عِيسى أنْ قَدْ أبَوْا إلّا أنْ يَدْعُوَ لَهم بِها، قامَ فَألْقى عَنْهُ الصُّوفَ ولَبِسَ الشَّعَرَ الأسْوَدَ، وجُبَّةً مَن شَعَرٍ، وعَباءَةً مِن شَعَرٍ، ثُمَّ (p-٥٩٥)تَوَضَّأ، واغْتَسَلَ، ودَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قامَ قائِمًا مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتّى اسْتَوَيا، فَألْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وحاذى الأصابِعَ بِالأصابِعِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، فَوْقَ صَدْرِهِ، وغَضَّ بَصَرَهُ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ، فَما زالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلى خَدَّيْهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ، حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ حِيالَ وجْهِهِ مِن خُشُوعِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دَعا اللَّهَ فَقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ تَكُونُ عِظَةً مِنكَ لَنا، ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ عَلامَةً مِنكَ، تَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وارْزُقْنا عَلَيْها طَعامًا نَأْكُلُهُ، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْراءَ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ فَوْقَها، وغَمامَةٍ تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها في الهَواءِ مُنْقَضَّةً مِن فَلَكِ السَّماءِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وعِيسى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيها، أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن يَكْفُرُ بِها مِنهم بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو يَدْعُو اللَّهَ في مَكانِهِ ويَقُولُ: إلَهِي اجْعَلْها رَحْمَةً، إلَهِي لا تَجْعَلْها عَذابًا، إلَهِي كَمْ مِن عَجِيبَةٍ سَألْتُكَ فَأعْطَيْتَنِي، إلَهِي اجْعَلْنا لَكَ شاكِرِينَ، إلَهِي أعُوذُ بِكَ أنْ تَكُونَ أنْزَلْتَها غَضَبًا ورِجْزًا، إلَهِي اجْعَلْها سَلامَةً وعافِيَةً، ولا تَجْعَلْها فِتْنَةً ومُثْلَةً، فَما زالَ يَدْعُو حَتّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى، والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَوْلَهُ، يَجِدُونَ رائِحَةً طَيِّبَةً، لَمْ يَجِدُوا فِيما مَضى رائِحَةً مِثْلَها قَطُّ، وخَرَّ عِيسى والحَوارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا، شُكْرًا لَهُ بِما رَزَقَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وأراهم فِيهِ آيَةً (p-٥٩٦)عَظِيمَةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبْرَةٍ، وأقْبَلَتِ اليَهُودُ يَنْظُرُونَ، فَرَأوْا أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ، وأقْبَلَ عِيسى والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَتّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإذا عَلَيْهِ مِندِيلٌ مُغَطًّى، قالَ عِيسى: مَن أجْرَؤُنا عَلى كَشْفِ المِندِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وأوْثَقُنا بِنَفْسِهِ، وأحْسَنُنا بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ، فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى نَراها، ونَحْمَدَ رَبَّنا، ونَذْكُرَ بِاسْمِهِ، ونَأْكُلَ مِن رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنا؟ فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أنْتَ أوْلانا بِذَلِكَ، وأحَقُّنا بِالكَشْفِ عَنْها، فَقامَ عِيسى، فاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى بِذَلِكَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ بَكى طَوِيلًا ودَعا اللَّهَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الكَشْفِ عَنْها، ويَجْعَلَ لَهُ ولِقَوْمِهِ فِيها بَرَكَةً ورِزْقًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وجَلَسَ إلى السُّفْرَةِ وتَناوَلَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، وكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، وإذا هو عَلَيْها سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْها بَواسِيرُ، ولَيْسَ في جَوْفِها شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنها سَيْلًا، قَدْ نُضِّدَ حَوْلَها بُقُولٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الكُرّاثِ، وعِنْدَ رَأْسِها خَلٌّ، وعِنْدَ ذَنَبِها مِلْحٌ، وحَوْلَ البُقُولِ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الآخَرِ ثَمَراتٌ، وعَلى الآخَرِ خَمْسُ رُمّاناتٍ، فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أمِن طَعامِ الدُّنْيا هَذا، أمْ مِن طَعامِ الجَنَّةِ؟ فَقالَ: أما آنَ لَكم أنْ تَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ، وتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ المَسائِلِ، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ شَمْعُونُ: لا وإلَهِ إسْرائِيلَ، (p-٥٩٧)ما أرَدْتُ بِها سُوءًا يا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ، فَقالَ عِيسى: لَيْسَ شَيْءٌ مِمّا تَرَوْنَ عَلَيْها مِن طَعامِ الجَنَّةِ، ولا مِن طَعامِ الدُّنْيا، إنَّما هو شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ في الهَواءِ بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ، فَقالَ لَهُ: كُنْ، فَكانَ أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمّا سَألْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، واحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ، يَمُدَّكم مِنهُ ويَزِدْكُمْ، فَإنَّهُ بَدِيعٌ قادِرٌ شاكِرٌ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، إنّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيَةً في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عِيسى: سُبْحانَ اللَّهِ، أما اكْتَفَيْتُمْ بِما رَأيْتُمْ مِن هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى تَسْألُوا فِيها آيَةً أُخْرى، ثُمَّ أقْبَلَ عِيسى عَلى السَّمَكَةِ فَقالَ: يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَما كُنْتِ، فَأحْياها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فاضْطَرَبَتْ وعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كَما يَتَلَمَّظُ الأسَدُ، تَدُورُ عَيْناها، لَها بَصِيصٌ، وعادَتْ عَلَيْها بَواسِيرُها، فَفَزِعَ القَوْمُ مِنها وانْحاسُوا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ما لَكم تَسْألُونَ الآيَةَ، فَإذا أراكُمُوها رَبُّكم كَرِهْتُمُوها، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا بِما تَصْنَعُونَ، يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما كُنْتِ، فَعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَما كانَتْ في خَلْقِها الأوَّلِ، فَقالُوا لِعِيسى: كُنْ أنْتَ يا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالأكْلِ مِنها، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ، يَبْدَأُ بِالأكْلِ مَن طَلَبَها، فَلَمّا رَأى الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ امْتِناعَ نَبِيِّهِمْ مِنها، خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها سُخْطَةً، وفي أكْلِها مُثْلَةٌ، فَتَحامَوْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عِيسى دَعا لَها الفُقَراءُ والزَّمْنى، وقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم ودَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، واحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَها لَكُمْ، يَكُونُ مَهَناها لَكم وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكُمْ، وافْتَتِحُوا أكْلَكم بِاسْمِ اللَّهِ، واخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ إنْسانٍ، بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، يَصْدُرُونَ (p-٥٩٨)عَنْها كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَبْعانُ يَتَجَشَّأُ، ونَظَرَ عِيسى والحَوارِيُّونَ، فَإذا ما عَلَيْها كَهَيْئَةِ إذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ، فاسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها، وبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنهم أكَلَ مِنها، فَلَمْ يَزالُوا أغْنِياءَ صِحاحًا حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ونَدِمَ الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ الَّذِينَ أبَوْا أنْ يَأْكُلُوا مِنها نَدامَةً سالَتْ مِنها أشْفارُهُمْ، وبَقِيَتْ حَسْرَتُها في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ المَماتِ، قالَ: فَكانَتِ المائِدَةُ إذا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، أقْبَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلَيْها مِن كُلِّ مَكانٍ يَسْعَوْنَ، يُزاحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، الأغْنِياءُ والفُقَراءُ، والنِّساءُ والصِّغارُ والكِبارُ، والأصِحّاءُ والمَرْضى، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ جَعَلَها نُوَبًا بَيْنَهُمْ، فَكانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا، ولا تَنْزِلُ يَوْمًا، فَلَبِثُوا في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَلا تَزالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنها، حَتّى إذا قالُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ، بِإذْنِ اللَّهِ إلى جَوِّ السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ حَتّى تَوارى عَنْهم.
فَأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى أنِ اجْعَلْ رِزْقِي في المائِدَةِ لِلْيَتامى، والفُقَراءِ، والزَّمْنى، دُونَ الأغْنِياءِ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، ارْتابَ بِها الأغْنِياءُ، وغَمَصُوا ذَلِكَ، حَتّى شَكُّوا فِيها في أنْفُسِهِمْ، وشَكَّكُوا فِيها النّاسَ، وأذاعُوا في أمْرِها القَبِيحَ والمُنْكَرَ، وأدْرَكَ الشَّيْطانُ (p-٥٩٩)مِنهم حاجَتَهُ، وقَذَفَ وسْواسَهُ في قُلُوبِ المُرْتابِينَ حَتّى قالُوا لِعِيسى: أخْبِرْنا عَنِ المائِدَةِ ونُزُولِها مِنَ السَّماءِ حَقٌّ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتابَ بِها بَشَرٌ مِنّا كَثِيرٌ؟ قالَ عِيسى: هَلَكْتُمْ وإلَهِ المَسِيحِ، طَلَبْتُمُ المائِدَةَ إلى نَبِيِّكم أنْ يَطْلُبَها لَكم إلى رَبِّكُمْ، فَلَمّا أنْ فَعَلَ، وأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْكم رَحْمَةً ورِزْقًا، وأراكم فِيها الآياتِ والعِبَرَ، كَذَّبْتُمْ بِها، وشَكَكْتُمْ فِيها، فَأبْشِرُوا بِالعَذابِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم إلّا أنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ، وأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى: إنِّي آخِذٌ المُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإنِّي مُعَذِّبٌ مِنهم مَن كَفَرَ بِالمائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ بِها، وأخَذُوا مَضاجِعَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنازِيرَ، وأصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الأقْذارَ في الكُناساتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم ما سَألْتُمْ، فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ؟ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا: إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا، فَـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ، وسَبْعَةُ (p-٦٠٠)أرْغِفَةٍ، حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا، ولَحْمًا، وأُمِرُوا ألّا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثَمَرٌ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ ما خَنِزَ الخُبْزُ، ولا نَتَنَ اللَّحْمُ، ولَكِنَّهم خَبَّؤُوهُ لِغَدٍ، فَأنْتَنَ اللَّحْمُ، وخَنِزَ الخُبْزُ») . (p-٦٠١)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: خُبْزًا وسَمَكًا.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ وهي طَعامٌ يَفُورُ، فَكانُوا يَأْكُلُونَ مِنها قُعُودًا، فَأحْدَثُوا، فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا عَلى الرُّكَبِ، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا قِيامًا، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ ألْبَتَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَتْ مائِدَةً يَجْلِسُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَقالُوا لِقَوْمٍ مِن وُضَعائِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ يُلَطِّخُونَ ثِيابَنا عَلَيْنا، فَلَوْ بَنَيْنا لَها دُكّانًا يَرْفَعُها، فَبَنَوْا لَها دُكّانًا، فَجَعَلَتِ الضُّعَفاءُ لا تَصِلُ إلى شَيْءٍ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَفَعَها عَنْهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها مِن طَعْمِ كُلِّ طَعامٍ. (p-٦٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ الخُبْزَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ المائِدَةِ كانَ مِن أُرْزٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خِوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا إذا شاؤُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المائِدَةِ قالَ: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حَيْثُما نَزَلُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو الطَّعامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَةُ أحْواتٍ يَأْكُلُونَ مِنها ما شاؤُوا، فَسَرَقَ بَعْضُهم مِنها، وقالَ: لَعَلَّها لا تَنْزِلُ غَدًا، فَرُفِعَتْ. (p-٦٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مائِدَةً يَنْزِلُ عَلَيْها الثَّمَرُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأُمِرُوا ألّا يُخَبِّئُوا، ولا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، بَلاءٌ أبْلاهُمُ اللَّهُ بِهِ، وكانُوا إذا فَعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْبَأهم بِهِ عِيسى، فَخانَ القَوْمُ فِيهِ فَخَبَّؤُوا، وادَّخَرُوا لِغَدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أُنْزِلَ عَلى المائِدَةِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا اللَّحْمَ، والمائِدَةُ الخِوانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، وزاذانَ قالا: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتِ الأيْدِي فِيها بِكُلِّ طَعامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المائِدَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ في تِلْكَ المائِدَةِ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، فَأكَلُوا ما شاؤُوا مِن ضُرُوبٍ شَتّى، فَكانَتْ يَقْعُدُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَإذا أكَلُوا أبْدَلَ اللَّهُ مَكانَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٤)﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: هو مَثَلٌ ضُرِبَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مائِدَةٌ عَلَيْها طَعامٌ، أبَوْها حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ العَذابُ إنْ كَفَرُوا، فَأبَوْا أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها، فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم لَمّا صَنَعُوا في المائِدَةِ ما صَنَعُوا حُوِّلُوا خَنازِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما جاءَتْهُ المائِدَةُ، ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ يَقُولُ: أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا غَيْرَ أهْلِ المائِدَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ، والمُنافِقُونَ، (p-٦٠٥)وآلُ فِرْعَوْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ مُثَقَّلَةً.
5:116–117Page 127
وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١١٦
And [beware the Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allāh?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.
مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١١٧
I said not to them except what You commanded me - to worship Allāh, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «يُلْقِي عِيسى حُجَّتَهُ، واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (فَلَقّاهُ اللَّهُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، الآيَةَ كُلَّها») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْسَرَةَ قالَ: لَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُرْعِدَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنهُ حَتّى وقَعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ حَسَنِ بْنِ صالِحٍ قالَ: لَمّا قالَ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ زالَ كُلُّ مَفْصِلٍ لَهُ عَنْ مَكانِهِ خِيفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٦)﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إلَيْهِ قالَتِ النَّصارى ما قالَتْ وزَعَمُوا أنَّ عِيسى أمَرَهم بِذَلِكَ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طاوُسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: احْتَجَّ عِيسى ورَبُّهُ، واللَّهُ وفَّقَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنَّ عِيسى حاجَّهُ رَبُّهُ، فَحاجَّ عِيسى رَبَّهُ، واللَّهُ لَقّاهُ حُجَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ ) الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُمِعَتِ الأُمَمُ ودُعِيَ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ)، قالَ: (ويُدْعى عِيسى، فَيَقُولُ لِعِيسى: يا عِيسى، ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فَيَقُولُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة»: ١١٩] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والنّاسُ يَسْمَعُونَ، فَراجَعَهُ بِما قَدْ رَأيْتَ، فَأقَرَّ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ، فَعَلِمَ مَن كانَ يَقُولُ في عِيسى ما كانَ يَقُولُ، أنَّهُ إنَّما كانَ يَقُولُ باطِلًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ( ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ما كُنْتُ فِيهِمْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ، حُفاةً عُراةً غُرْلًا)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنْبِياءِ: ١٠٤]، ثُمَّ قالَ: (ألا وإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ، ألا وإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِن أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ، فَأقُولُ: (p-٦٠٨)يا رَبِّ، أصْحابِي أصْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقالُ: أمّا هَؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُذْ فارَقْتَهُمْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ﴾ قالَ: الحَفِيظَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences