Al-QasimiYusuf · 12:70–88

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:70–88

12:70Page 244

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠

So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٠ ] ﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾

﴿فَلَمّا جَهَّزَهم بِجَهازِهِمْ﴾ أيْ مِنَ الطَّعامِ ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ في رَحْلِ أخِيهِ﴾ وهي جامُ فِضَّةٍ يَشْرَبُ بِهِ يُوسُفُ، وضَعَهُ في مِيرَةِ أخِيهِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّ يُوسُفَ لَمّا جَهَّزَهم وارْتَحَلُوا، أمْهَلَهم حَتّى انْطَلَقُوا وبَعُدُوا قَلِيلًا عَنِ المَدِينَةِ، ثُمَّ أمَرَ أنْ يَسْعى في إثْرِهِمْ، ويُؤَذَّنُوا بِما فَقَدَ، كَما أشارَ إلَيْهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ أيَّتُها العِيرُ إنَّكم لَسارِقُونَ﴾

12:71–72Page 244

قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١

They said while approaching them, "What is it you are missing?"

قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢

They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."

(p-٣٥٧٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧١ ] ﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ [ ٧٢ ] ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] .

﴿قالُوا وأقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾

﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ المَلِكِ ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] مَعْنى (أذَّنَ) نادى. يُقالُ: آذَنَهُ: أعْلَمَهُ، وأذَّنَ أكْثَرَ الإعْلامَ، ومِنهُ (المُؤَذِّنُ) لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنهُ.

و(العِيرُ): الإبِلُ الَّتِي عَلَيْها الأحْمالُ، لِأنَّها تُعِيرُ، أيْ تَذْهَبُ وتَجِيءُ، وهو اسْمُ جَمْعٍ لِلْإبِلِ، لا واحِدَ لَهُ، فَأُطْلِقَ عَلى أصْحابِها. وقِيلَ: هي قافِلَةُ الحَمِيرِ، ثُمَّ كَثُرَ حَتّى قِيلَ لِكُلِّ قافِلَةٍ (عِيرٌ). و(الصُّواعُ) هو السِّقايَةُ المُتَقَدِّمَةُ، إناءُ فِضَّةٍ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ في (الإكْلِيلِ): في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحِيلَةِ في التَّوَصُّلِ إلى المُباحِ، وما فِيهِ الغِبْطَةُ والصَّلاحُ، واسْتِخْراجُ الحُقُوقِ.

قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: وفي إطْلاقِ السَّرِقَةِ عَلَيْهِمْ ولَيْسُوا بِسارِقِينَ، جَوازُ دَفْعِ الضَّرَرِ بِضَرَرٍ أقَلَّ مِنهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٧٢] أصْلٌ في الجَعالَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أصْلٌ في الضَّمانِ والكَفالَةِ. انْتَهى.

ولَمّا اتَّهَمَهُمُ المُؤَذِّنُ ومَن مَعَهُ مِنَ الفِتْيانِ:

12:73Page 244

قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣

They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٣ ] ﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾

﴿قالُوا تاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ في الأرْضِ وما كُنّا سارِقِينَ﴾ أيْ ما جِئْنا لِلسَّرِقَةِ، أوْ لِمُطْلَقِ فَسادٍ، وإنَّما جِئْنا لِلْمِيرَةِ، وما كُنّا نُوصَفُ بِالسَّرِقَةِ. وإنَّما اسْتَشْهَدُوا بِعِلْمِهِمْ عَلى بَراءَتِهِمْ، لِما تَيَقَّنُوهُ مِن حالِهِمْ، في كَرَّتَيْ مَجِيئِهِمْ.

12:74–75Page 244

قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤

They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"

قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥

[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."

(p-٣٥٧٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٤ ] ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [ ٧٥ ] ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] .

﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ﴾ أيِ السّارِقِ ﴿إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ لِثِقَتِهِمْ بِبَراءَتِهِمْ ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ: جَزاءُ سَرِقَتِهِ، أُخِذَ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ رَقِيقًا، وهو قَوْلُهُمْ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] تَقْرِيرٌ لِذَلِكَ الحُكْمِ وإلْزامِهِ، أيْ: فَأخْذُهُ جَزاؤُهُ لا غَيْرُهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " جَزاؤُهُ" مُبْتَدَأً، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ كَما هي خَبَرُهُ، عَلى إقامَةِ الظّاهِرِ مَقامَ المُضْمَرِ، والأصْلُ جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو هو. ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ بِالسَّرِقَةِ، تَأْكِيدٌ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وبَيانٌ لِقُبْحِ السَّرِقَةِ.

12:76Page 244

فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦

So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٦ ] ﴿فَبَدَأ بِأوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَها مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾

﴿فَبَدَأ﴾ أيْ فَتى يُوسُفَ ﴿بِأوْعِيَتِهِمْ﴾ أيْ فَفَتَّشَها ﴿قَبْلَ وِعاءِ أخِيهِ﴾ أيْ بِنْيامِينَ، نَفْيًا لِلتُّهْمَةِ ﴿ثُمَّ اسْتَخْرَجَها﴾ أيِ السِّقايَةَ ﴿مِن وِعاءِ أخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أيْ دَبَّرْنا لِتَحْصِيلِ غَرَضِهِ ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ أيْ شَرْعِهِ وقانُونِهِ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ وتَعْلِيلٌ لِذَلِكَ الكَيْدِ وصُنْعِهِ. أيْ: ما صَحَّ لَهُ أنْ يَأْخُذَ أخاهُ في قَضاءِ المَلِكِ، فَدَبَّرَ تَعالى ما حَكَمَ بِهِ إخْوَةُ يُوسُفَ عَلى السّارِقِ، لِإيصالِ يُوسُفَ إلى أرْبِهِ، رَحْمَةً مِنهُ وفَضْلًا. وفِيهِ إعْلامٌ بِأنَّ يُوسُفَ ما كانَ يَتَجاوَزُ قانُونَ المَلِكِ، وإلّا لاسْتَبَدَّ بِما شاءَ، وهَذا مِن وُفُورِ (p-٣٥٧٦)فِطْنَتِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ. ويُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى جَوازِ تَسْمِيَةِ قَوانِينِ مِلَلِ الكُفْرِ (دِينًا) لَها والآياتُ في ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي: أنَّ ذَلِكَ الأمْرَ كانَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كانَ إلْهامًا مِنَ اللَّهِ لِيُوسُفَ وإخْوَتِهِ، حَتّى جَرى الأمْرُ وفْقَ المُرادِ.

﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ أيْ بِالعِلْمِ، كَما رَفَعْنا يُوسُفَ. وفي إيثارِ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ إشْعارٌ بِأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ إلَهِيَّةٌ مُسْتَمِرَّةٌ، غَيْرُ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ المادَّةِ.

﴿وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ أيْ مِن أُولَئِكَ المَرْفُوعِينَ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ فَوْقَهُ أرْفَعُ دَرَجَةً مِنهُ.

12:77Page 244

۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧

They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٧ ] ﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾

﴿قالُوا إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ هَذا تَنَصُّلٌ مِنهم إلى العَزِيزِ بِالتَّشْبِيهِ بِهِ. أيْ: إنَّ هَذا فَعَلَ كَما فَعَلَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ، يَعْنُونَ بِهِ يُوسُفَ.

﴿فَأسَرَّها يُوسُفُ في نَفْسِهِ ولَمْ يُبْدِها لَهم قالَ أنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا﴾ أيْ: مَنزِلَةً، حَيْثُ سَرَقْتُمْ أخاكم مِن أبِيكُمْ، ثُمَّ طَفِقْتُمْ تَفْتَرُونَ عَلى البَرِيءِ.

﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أيْ: مِن أمْرِ يُوسُفَ.

12:78Page 244

قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨

They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٨ ] ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾

﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ إنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أحَدَنا مَكانَهُ إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ لَمّا تَعَيَّنَ أخْذُ بِنْيامِينَ وإبْقاؤُهُ عِنْدَ يُوسُفَ بِمُقْتَضى فَتْواهُمْ، طَفِقُوا يُعَطِّفُونَهُ (p-٣٥٧٧)عَلَيْهِمْ، بِأنَّ لَهُ أبًا شَيْخًا كَبِيرًا يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا يَتَسَلّى بِهِ عَنْ أخِيهِ المَفْقُودِ، فَخُذْ أحَدَنا بَدَلَهُ رَقِيقًا عِنْدَكَ.

قالَ بَعْضُهُمُ: الفِقْهُ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّ لِلْكَبِيرِ حَقًّا يَتَوَسَّلُ بِهِ، كَما تَوَسَّلُوا بِكِبَرِ يَعْقُوبَ. وقَدْ ورَدَ في الِاسْتِسْقاءِ إخْراجُ الشُّيُوخِ. انْتَهى.

وفِي ما عَزَمُوا عَلَيْهِ لِإنْقاذِ أخِيهِمْ مِن شَرَكِ العُبُودِيَّةِ، المَقْضِيُّ عَلَيْهِ بِها، ما يَشُفُّ عَنْ حُسْنِ طَوِيَّةٍ، ووَفاءٍ بِالوَعْدِ، ويُعْرِبُ عَنْ أمانَةٍ، وصِدْقِ بِرٍّ، وشِدَّةِ تَمَسُّكٍ بِمَوْثِقِ أبِيهِمْ، مُحافَظَةً عَلى رِضاهُ وإكْرامِهِ، وهَكَذا فَلْيَتَمَسَّكِ البارُّ بِمَرْضاةِ أبَوَيْهِ.

وقَوْلُهُمْ: ﴿إنّا نَراكَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾ أيْ إلَيْنا، فَأتْمِمْ إحْسانَكَ بِهَذِهِ التَّتِمَّةِ. أوْ مِنَ المُتَعَوِّدِينَ بِالإحْسانِ، فَلْيَكُنْ هَذا مِنهُ.

12:79Page 245

قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩

He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٧٩ ] ﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾

﴿قالَ مَعاذَ اللَّهِ أنْ نَأْخُذَ إلا مَن وجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ أيْ إنَّ أخْذَنا بَرِيئًا بِمُتَّهَمٍ؛ لِأنَّهُ لا يُؤْخَذُ أحَدٌ بِجُرْمِ غَيْرِهِ. قالَ بَعْضُهُمْ: إلّا ما ورَدَ في العَقْلِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:80Page 245

فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠

So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٠ ] ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهم ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ ومِن قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وهو خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾

﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أيْ يَئِسُوا مِن يُوسُفَ وإجابَتِهِ لَهم أشَدَّ يَأْسٍ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ (السِّينُ والتّاءُ) فَإنَّهُما يُزادانِ في المُبالَغَةِ.

(p-٣٥٧٨)قالَ أبُو السُّعُودِ: وإنَّما حَصَلَتْ لَهم هَذِهِ المَرْتَبَةُ مِنَ اليَأْسِ، لِما شاهَدُوهُ مِن عَوَذِهِ بِاللَّهِ لِما طَلَبُوهُ، الدّالِّ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ عِنْدَهُ في أقْصى مَراتِبِ الكَراهَةِ، وأنَّهُ مِمّا يَجِبُ أنْ يُحْتَرَزَ عَنْهُ، ويُعاذَ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ومِن تَسْمِيَتِهِ (ظُلْمًا) بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَظالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٩] و﴿خَلَصُوا﴾ بِمَعْنى اعْتَزَلُوا وانْفَرَدُوا عَنِ النّاسِ، خالِصِينَ، لا يُخالِطُهم سِواهُمْ، و(نَجِيًّا) حالٌ مِن فاعِلِ ﴿خَلَصُوا﴾ أيِ: اعْتَزَلُوا في هَذِهِ الحالَةِ مُناجِينَ. وإنَّما أُفْرِدَتِ الحالُ وصاحِبُها جَمْعٌ؛ إمّا لِأنَّ النَّجِيَّ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مُفاعِلٍ) كالعَشِيرِ والخَلِيطِ، بِمَعْنى المُعاشِرِ والمُخالِطِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وقَرَّبْناهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢] أيْ مُناجِيًا، وهَذا في الِاسْتِعْمالِ يُفْرَدُ مُطْلَقًا. يُقالُ: هم خَلِيطُكَ وعَشِيرُكَ أيْ: مُخالِطُوكَ ومُعاشِرُوكَ. وإمّا لِأنَّهُ صِفَةٌ عَلى (فَعِيلٍ) بِمَنزِلَةِ صَدِيقٍ، وبابِهِ. فَوُحِّدَ لِأنَّهُ بِزِنَةِ المَصادِرِ، كالصَّهِيلِ والوَحِيدِ والذَّمِيلِ. وإمّا لِأنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى التَّناجِي، أُطْلِقَ عَلى المُتَناجِينَ مُبالَغَةً، أوْ لِتَأْوِيلِهِ بِالمُشْتَقِّ والمَصْدَرِ، ولَوْ بِحَسَبِ الأصْلِ، يَشْمَلُ القَلِيلَ والكَثِيرَ، وتَنْزِيلُ المَصْدَرِ مَنزِلَةَ الأوْصافِ أبْلَغُ في المَعْنى، ولِذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأحْسَنُ مِنهُ -أيْ مِن تَأْوِيلِ ﴿نَجِيًّا﴾ بِذَوِي نَجْوى، أوْ فَوْجًا نَجِيًّا أيْ مُناجِيًا- أنَّهم تَمَحَّضُوا تَناجِيًا لِاسْتِجْماعِهِمْ لِذَلِكَ، وإفاضَتِهِمْ فِيهِ، بِجِدٍّ واهْتِمامٍ، كَأنَّهم في أنْفُسِهِمْ صُورَةُ التَّناجِي وحَقِيقَتُهُ، وكانَ تَناجِيهِمْ في تَدْبِيرِ أمْرِهِمْ عَلى أيِّ صِفَةٍ يَذْهَبُونَ، وما يَقُولُونَ لِأبِيهِمْ في شَأْنِ أخِيهِمْ؟ كَقَوْمٍ تَعايَوْا بِما دَهَمَهم مِنَ الخَطْبِ، فاحْتاجُوا إلى التَّشاوُرِ. انْتَهى.

لَطِيفَةٌ:

ذَكَرَ القاضِي عِياضٌ في (الشَّفا) في (بَحْثِ إعْجازِ القُرْآنِ): أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ مَخْلُوقًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ هَذا الكَلامِ.

وقالَ الثَّعالِبِيُّ في كِتابِ (الإيجازُ والإعْجازُ) في البابِ الأوَّلِ: مَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ (p-٣٥٧٩)جَوامِعَ الكَلِمِ، ويَتَنَبَّهَ لِفَضْلِ الِاخْتِصارِ، ويُحِيطَ بِبَلاغَةِ الإيماءِ، ويَفْطُنَ لِكِفايَةِ الإيجازِ، فَلْيَتَدَبَّرِ القُرْآنَ، ولْيَتَأمَّلْ عُلُوَّهُ عَلى سائِرِ الكَلامِ.

ثُمَّ قالَ: فَمِن ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ ذِكْرُهُ، في إخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿فَلَمّا اسْتَيْأسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ وهَذِهِ صِفَةُ اعْتِزالِهِمْ جَمِيعَ النّاسِ وتَقْلِيبِهِمُ الآراءَ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، وأخْذِهِمْ في تَزْوِيرِ ما يَلْقَوْنَ بِهِ أباهم عِنْدَ عَوْدِهِمْ إلَيْهِ، وما يُورِدُونَ عَلَيْهِ مِن ذِكْرِ الحادِثِ. فَتَضَمَّنَتْ تِلْكَ الكَلِماتُ القَصِيرَةُ مَعانِيَ القِصَّةِ الطَّوِيلَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ﴾ أيْ في السِّنِّ، كَما هو المُتَبادِرُ، وهو فِيما يُرْوى، (رَؤُبِينُ): ﴿ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّ أباكم قَدْ أخَذَ عَلَيْكم مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ عَهْدًا وثِيقًا في رَدِّ أخِيكم. وإنَّما جُعِلَ مِنهُ تَعالى لِكَوْنِ الحَلِفِ كانَ بِاسْمِهِ الكَرِيمِ. ﴿ومِن قَبْلُ﴾ أيْ قَبْلَ هَذا ﴿ما فَرَّطْتُمْ في يُوسُفَ﴾ أيْ قَصَّرْتُمْ في شَأْنِهِ و(ما) إمّا مَزِيدَةٌ، و(مِن) مُتَعَلِّقٌ بِالفِعْلِ بَعْدَهُ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وإمّا مَصْدَرِيَّةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و(مِن قَبْلُ) خَبَرُهُ، أوْ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى مَعْمُولِ (تَعْلَمُوا). وإمّا مَوْصُولَةٌ بِالوَجْهَيْنِ، أيْ: قَدَّمْتُمُوهُ في حَقِّهِ مِنَ الخِيانَةِ، ولَمْ تَحْفَظُوا عَهْدَ أبِيكم بَعْدَ ما قُلْتُمْ: ﴿وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]

﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ أيْ: فَلَنْ أُفارِقَ أرْضَ مِصْرَ ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أبِي﴾ أيْ في الرُّجُوعِ ﴿أوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي﴾ أيْ بِالخُرُوجِ مِن مِصْرَ، أوْ بِخَلاصِ أخِي بِسَبَبٍ ما. ﴿وهُوَ خَيْرُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّهُ لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ والعَدْلِ.

ثُمَّ أمَرَ كَبِيرُهم أنْ يُخْبِرُوا أباهم بِما جَرى، فَقالَ:

12:81Page 245

ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١

Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1

(p-٣٥٨٠)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨١ ] ﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾

﴿ارْجِعُوا إلى أبِيكم فَقُولُوا يا أبانا إنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ أيْ: نُسِبَ إلى سَرِقَةِ صُواعِ المَلِكِ، ﴿وما شَهِدْنا إلا بِما عَلِمْنا﴾ أيْ ما شَهِدْنا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، إلّا بِما تَيَقَّنّاهُ مِن إخْراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِهِ.

تَنْبِيهٌ:

اسْتَنْبَطَ بَعْضُهم مِن هَذا عَدَمَ جَوازِ الشَّهادَةِ عَلى الكِتابَةِ بِلا عِلْمٍ وتَذَكُّرٍ. وكَذا مَن سَمِعَ كَلامَهُ مِن وراءِ حِجابٍ؛ لِعَدَمِ العِلْمِ بِهِ -كَذا في (الإكْلِيلِ)- ولا يَخْفى أنَّ مِثْلَ هَذا مِمّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ في مَواقِعِ الخِلافِ.

﴿وما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ أيْ: وما عَلِمْنا أنَّهُ سَيَسْرِقُ حِينَ أعْطَيْناكَ المَوْثِقَ.

12:82Page 245

وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢

And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٢ ] ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها وإنّا لَصادِقُونَ﴾

﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ يَعْنُونَ مِصْرَ. أيْ: أرْسِلْ إلى أهْلِها فَسَلْهم عَنْ كُنْهِ القِصَّةِ. ﴿والعِيرَ الَّتِي أقْبَلْنا فِيها﴾ أيْ جِئْنا مَعَها. وكانَ صَحِبَهم قَوْمٌ مِن كَنْعانَ ﴿وإنّا لَصادِقُونَ﴾ أيْ فِيما أخْبَرْناكَ.

12:83Page 245

قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣

[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٣ ] ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾

﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ مَعْناهُ: فَرَجَعُوا إلى أبِيهِمْ، فَقالُوا لَهُ ما قالَ لَهم أخُوهم. فَقالَ: بَلْ سَوَّلَتْ، أيْ زَيَّنَتْ وسَهَّلَتْ أنْفُسُكم أمْرًا، فَفَعَلْتُمُوهُ.

(p-٣٥٨١)لَطِيفَةٌ:

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أمْرًا أرَدْتُمُوهُ، وإلّا فَما أدْرى ذَلِكَ الرَّجُلَ أنَّ السّارِقَ يُؤْخَذُ بِسَرِقَتِهِ، لَوْلا فَتْواكم وتَعْلِيمِكُمْ؟!.

قالَ النّاصِرُ: هَذا مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ إسْلافُ جَوابٍ عَنْ سُؤالٍ، كَأنَّ قائِلًا يَقُولُ: هم في الوَقْعَةِ الأُولى سَوَّلَتْ لَهم أنْفُسُهم أمْرًا بِلا مِراءٍ، وأمّا في هَذِهِ الوَقْعَةِ الثّانِيَةِ، فَلَمْ يَتَعَمَّدُوا في حَقِّ بِنْيامِينَ سُوءًا، ولا أخْبَرُوا أباهم إلّا بِالواقِعِ عَلى جَلِيَّتِهِ، وما تَرَكُوهُ بِمِصْرَ إلّا مَغْلُوبِينَ عَنِ اسْتِصْحابِهِ، فَما وجْهُ قَوْلِهِ ثانِيًا: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ كَما قالَ لَهم أوَّلًا؟ وإذا ورَدَ السُّؤالُ عَلى هَذا التَّقْرِيرِ؛ فَلا بُدَّ مِن زَيْدِ بَسْطٍ في الجَوابِ، فَنَقُولُ: كانُوا عِنْدَ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَئِذٍ مُتَّهَمِينَ، وهم قَمِنٌ بِاتِّهامِهِ لِما أسْلَفُوهُ في حَقِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقامَتْ عِنْدَهُ قَرِينَةٌ تُؤَكِّدُ نَفْيَ التُّهْمَةِ وتُقَوِّيها، وهي أخْذُ المَلِكِ لَهُ في السَّرِقَةِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا مِن دِينِ يَعْقُوبَ وحْدَهُ، لا مِن دِينِ غَيْرِهِ مِنَ النّاسِ، ولا مِن عادَتِهِمْ. وإلى ذَلِكَ وقَعَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ﴾ [يوسف: ٧٦] تَنْبِيهًا مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى وجْهِ اتِّهامِ يَعْقُوبَ لَهُمْ، فَعَلِمَ أنَّ المَلِكَ إنَّما فَعَلَ ذَلِكَ بِفَتْواهم لَهُ بِهِ، وظَنَّ أنَّهم أفْتَوْهُ بِذَلِكَ بَعْدَ ظُهُورِ السَّرِقَةِ تَعَمُّدًا؛ لِيَتَخَلَّفَ أخُوهُمْ، وكانَ الواقِعُ أنَّهُمُ اسْتُفْتُوا مِن قَبْلِ أنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِمُ السَّرِقَةَ، فَذَكَرُوا ما عِنْدَهُمْ، ولَمْ يَشْعُرُوا أنَّ المَقْصُودَ إلْزامُهم بِما قالُوا. واتِّهامُ مَن هو بِحَيْثُ تَتَطَرَّقُ التُّهْمَةُ إلَيْهِ لا حَرَجَ فِيهِ، وخُصُوصًا فِيما يَرْجِعُ إلى الوالِدِ مِنَ الوَلَدِ. ويُحْتَمَلُ -واللَّهُ أعْلَمُ- أنْ يَكُونَ الوَجْهُ الَّذِي سَوَّغَ لَهُ هَذا القَوْلَ في حَقِّهِمْ، أنَّهم جَعَلُوا مُجَرَّدَ وُجُودِ الصُّواعِ في رَحْلِ مَن يُوجَدُ في رَحْلِهِ، سَرِقَةً، مِن غَيْرِ أنْ يُحِيلُوا الحُكْمَ عَلى ثُبُوتِ كَوْنِهِ سارِقًا بِوَجْهٍ مَعْلُومٍ، وهَذا في شَرْعِنا لا يُثْبِتُ السَّرِقَةَ عَلَيْهِ -واللَّهُ أعْلَمُ-.

وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا﴾ واقِعٌ بِمَكانِهِ مِن حالِهِمْ، وإنْ كانَ شَرْعُهم يَقْتَضِي ذَلِكَ مُخالِفًا لِشَرْعِنا، فالعُمْدَةُ عَلى الجَوابِ الأوَّلِ. اهـ.

(p-٣٥٨٢)وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أيْ بِلا جَزَعٍ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ أيْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ المُتَوَقِّفِ بِمِصْرَ، فَتَذْهَبُ أحْزانُهُ بِمَرَّةٍ واحِدَةٍ ﴿إنَّهُ هو العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾ أيِ العَلِيمُ بِحالِي وحالِهِمُ، الحَكِيمُ في تَشْدِيدِ الأمْرِ لِيَنْظُرَ مِقْدارَ الصَّبْرِ فَيَفِيضُ بِقَدْرِهِ الأجْرُ، ومِنَ الأجْرِ المُعَجَّلِ تَعْجِيلُ الفَرَجِ.

12:84Page 245

وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤

And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٤ ] ﴿وتَوَلّى عَنْهم وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ فَهو كَظِيمٌ﴾

﴿وتَوَلّى﴾ أيْ: أعْرَضَ ﴿عَنْهُمْ﴾ أيْ عَنْ بَنِيهِ كَراهَةً لِما جاؤُوا بِهِ ﴿وقالَ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ أيْ يا حُزْنِي الشَّدِيدَ، و(الألِفُ) بَدَلٌ مِن ياءِ المُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ. وقِيلَ: هي ألِفُ النُّدْبَةِ، والهاءُ مَحْذُوفَةٌ. و(الأسَفُ) أشَدُّ الحُزْنِ والحَسْرَةِ عَلى ما فاتَ. وإنَّما تَأسَّفَ عَلى يُوسُفَ دُونَ أخَوَيْهِ، والحادِثُ رَزَأهُما. والرُّزْءُ الأحْدَثُ أشَدُّ عَلى النَّفْسِ، وأظْهَرُ أثَرًا؛ لِأنَّ الرُّزْءَ في يُوسُفَ كانَ قاعِدَةَ مُصِيباتِهِ الَّتِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْها الرَّزايا في ولَدِهِ، فَكانَ الأسَفُ عَلَيْهِ أسَفًا عَلى مَن لَحِقَ بِهِ، ولِأنَّهُ لَمْ يَزُلْ عَنْ فِكْرِهِ، فَكانَ غَضًّا طَرِيًّا عِنْدَهُ، كَما قِيلَ:

؎ولَمْ تُنْسِنِي أوْفى المُصِيباتِ بُعْدَهُ وكُلُّ جَدِيدٍ يُذَكِّرُ بِالقَدِيمِ

ولِأنَّهُ كانَ واثِقًا بِحَياتِهِما- دُونَ حَياتِهِ.

(p-٣٥٨٣)﴿وابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الحُزْنِ﴾ وذَلِكَ لِكَثْرَةِ بُكائِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا كَثُرَ الِاسْتِعْبارُ مَحَقَتِ العَبْرَةُ سَوادَ العَيْنِ، وقَلَبَتْهُ إلى بَياضٍ كَدْرٍ. ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أيْ مَمْلُوءٌ مِنَ الغَيْظِ عَلى أوْلادِهِ، ولا يَظْهَرُ ما يَسُوؤُهم. (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ) كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم: ٤٨] أوْ بِمَعْنى شَدِيدِ التَّجَرُّعِ لِلْغَيْظِ أوِ الحُزْنِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَشْكُهُ إلى أحَدٍ قَطُّ. فَهو بِمَعْنى (فاعِلٍ).

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ التَّأسُّفِ والبُكاءِ عِنْدَ المُصِيبَةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ جازَ لِنَبِيِّ اللَّهِ أنْ يَبْلُغَ بِهِ الجَزَعُ ذَلِكَ المَبْلَغَ؟

قُلْتُ: الإنْسانُ مَجْبُولٌ عَلى أنْ لا يَمْلِكَ نَفْسَهُ عِنْدَ الشَّدائِدِ مِنَ الحُزْنِ، ولِذَلِكَ حُمِدَ صَبْرُهُ، وأنْ يَضْبِطَ نَفْسَهُ حَتّى لا يَخْرُجَ إلى ما لا يَحْسُنُ.

ولَقَدْ بَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى ولَدِهِ إبْراهِيمَ وقالَ: ««إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولا نَقُولُ إلّا ما يُرْضِي رَبَّنا، وإنّا بِفِراقِكَ يا إبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ»» .

وإنَّما الجَزَعُ المَذْمُومُ ما يَقَعُ مِنَ الجَهَلَةِ مِنَ الصِّياحِ والنِّياحَةِ ولَطْمِ الصُّدُورِ والوُجُوهِ وتَمْزِيقِ الثِّيابِ.

وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ بَكى عَلى ولَدٍ، أوْ غَيْرِهِ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ؟ فَقالَ: ما رَأيْتُ اللَّهَ جَعَلَ الحُزْنَ عارًا عَلى يَعْقُوبَ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:85Page 245

قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥

They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."

(p-٣٥٨٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٥ ] ﴿قالُوا تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾

﴿قالُوا﴾ أيْ أوْلادُ يَعْقُوبَ لِأبِيهِمْ عَلى سَبِيلِ الرِّفْقِ بِهِ، والشَّفَقَةِ عَلَيْهِ: ﴿تاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضًا﴾ أيْ مَرِيضًا مُشْفِيًا عَلى الهَلاكِ، ﴿أوْ تَكُونَ مِنَ الهالِكِينَ﴾ أيْ بِالمَوْتِ. يَقُولُونَ: إنِ اسْتَمَرَّ بِكَ هَذا الحالُ، خَشِينا عَلَيْكَ الهَلاكَ والتَّلَفَ، واسْتَدَلَّ بِهِ عَلى جَوازِ الحَلِفِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ. وقِيلَ: إنَّهم عَلِمُوهُ، لَكِنَّهم نَزَّلُوهُ مَنزِلَةَ المُنْكَرِ، فَلِذا أكَّدُوهُ. و(تَفْتَأُ) مُضارِعُ فَتِئَ، مُثَلَّثَةُ التّاءِ. يُسْتَعْمَلُ مَعَ النَّفْيِ مَلْفُوظًا أوْ مَنوِيًّا؛ لِأنَّ مَوْضِعَهُ مَعْلُومٌ، فَيُحْذَفُ لِلتَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِ:

؎فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أبْرَحُ قاعِدًا ولَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالِي

أيْ: لا أبْرَحُ. ومَعْنى (تَفْتَأُ): لا تَزالُ ولا تَبْرَحُ.

12:86Page 245

قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦

He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٦ ] ﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾

﴿قالَ إنَّما أشْكُو بَثِّي﴾ أيْ غَمِّي وحالِي، ﴿وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ أيْ لا أشْكُو إلى أحَدٍ مِنكم ومِن غَيْرِكُمْ، إنَّما أشْكُو إلى رَبِّي داعِيًا لَهُ، ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ، فَخَلُّونِي وشِكايَتِي.

﴿وأعْلَمُ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ لِمَن شَكا إلَيْهِ مِن إزالَةِ الشَّكْوى، ومَزِيدِ الرَّحْمَةِ ﴿ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ما يُوجِبُ حُسْنَ الظَّنِّ بِهِ، وهو مَعَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ.

ولَمّا عَلِمَ مِن شِدَّةِ البَلاءِ مَعَ الصَّبْرِ، قَرُبَ الفَرَجُ، قَوّى رَجاءَهُمْ، وأمَرَهم أنْ يَرْحَلُوا لِمِصْرَ، ويَتَطَلَّبُوا خَبَرَ يُوسُفَ وأخِيهِ بِقَوْلِهِ:

12:87Page 246

يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧

O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."

(p-٣٥٨٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٧ ] ﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾

﴿يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وأخِيهِ﴾ أيْ تَعَرَّفُوا مِن نَبَئِهِما، وتَخَبَّرُوا خَبَرَهُما ﴿ولا تَيْأسُوا مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ أيْ: فَرَجِهِ ورَحْمَتِهِ المُرِيحَةِ مِنَ الشِّدَّةِ. ﴿إنَّهُ لا يَيْأسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ﴾ -لَمْ يُقَلْ (مِنهُ) إشارَةٌ إلى ظُهُورِ حُصُولِهِ لِمَن لَمْ يَيْأسْ- ﴿إلا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ أيْ بِاللَّهِ ورَحْمَتِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلى إفاضَةِ الرَّوْحِ، بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ في الشِّدَّةِ، وسُنَّتِهِ في إفاضَةِ اليُسْرِ مَعَ العُسْرِ، لا سِيَّما في حَقِّ مَن أحْسَنَ الظَّنَّ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

12:88Page 246

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨

So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[ ٨٨ ] ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ وتَصَدَّقْ عَلَيْنا إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾

﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ عَلى يُوسُفَ بَعْدَ ما رَجَعُوا إلى مِصْرَ، ولِانْفِهامِهِ مِنَ المَقامِ طَوى ذِكْرَهُ إيجازًا: ﴿قالُوا يا أيُّها العَزِيزُ﴾ أيِ المَلِكُ القادِرُ، المُتَمَنِّعُ، ﴿مَسَّنا وأهْلَنا الضُّرُّ﴾ أيِ الشِّدَّةُ مِنَ الجَدَبِ، ﴿وجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أيْ: بِدَراهِمَ قَلِيلَةٍ في مُقابَلَةِ ما نَمْتارُهُ. اسْتَقَلُّوا الثَّمَنَ واسْتَحْقَرُوهُ؛ اتِّضاعًا لِهَيْبَةِ المَلِكِ، واسْتِجْلابًا لِرَأْفَتِهِ وحَنانِهِ. وأصْلُ مَعْنى (التَّزْجِيَةِ): الدَّفْعُ والرَّمْيُ، فَكَنَّوْا بِهِ عَنِ القَلِيلِ الَّذِي يُدْفَعُ؛ رَغْبَةً عَنْهُ، لِذَلِكَ ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ أيْ: أتْمِمْهُ ووَفِّرْهُ بِهَذِهِ الدَّراهِمِ المُزْجاةِ، كَما تُوَفِّرُهُ بِالدَّراهِمِ الجِيادِ. ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ أيْ: بِرَدِّ أخِينا، أوْ بِالإيفاءِ، أوْ بِالمُسامَحَةِ وقَبُولِ ما لا يُعَدُّ عِوَضًا: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ أيْ يُثِيبُهم أحْسَنَ المَثُوبَةِ.

(p-٣٥٨٦)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: في الآيَةِ إرْشادٌ إلى أدَبٍ جَلِيلٍ، وهو تَقْدِيمُ الوَسائِلِ أمامَ المَآرِبِ، فَإنَّها أنْجَحُ لَها. وهَكَذا فَعَلَ هَؤُلاءِ: قَدَّمُوا ما ذُكِرَ مِن رِقَّةِ الحالِ، والتَمَسْكُنِ، وتَصْغِيرِ العِوَضِ، ولَمْ يَفْجَؤُوهُ بِحاجَتِهِمْ؛ لِيَكُونَ ذَرِيعَةً إلى إسْعافِ مَرامِهِمْ، بِبَعْثِ الشَّفَقَةِ، وهَزِّ العَطْفِ والرَّأْفَةِ، وتَحْرِيكِ سِلْسِلَةِ الرَّحْمَةِ -كَما قَدَّمْنا- ومِن ثَمَّ رَقَّ لَهُمْ، ومَلَكَتْهُ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَتَمالَكْ أنْ عَرَّفَهم نَفْسَهُ، -كَما يَأْتِي-.

الثّانِي: يُؤْخَذُ مِنَ الآيَةِ جَوازُ شَكْوى الحاجَةِ لِمَن يُرْجى مِنهُ إزالَتُها.

الثّالِثُ: اسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأوْفِ لَنا الكَيْلَ﴾ عَلى أنَّ أُجْرَةَ الكَيّالِ عَلى البائِعِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ عَلَيْهِ تَوْفِيَةُ الكَيْلِ، فَعَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ، وما يَتِمُّ بِهِ.

الرّابِعُ: اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ مَن قالَ: إنَّ الصَّدَقَةَ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلى الأنْبِياءِ -كَذا في الإكْلِيلِ- وهَذا بَعْدَ تَسْلِيمِ نُبُوَّةِ إخْوَةِ يُوسُفَ. وفِيها خِلافٌ. وسَيَأْتِي في التَّنْبِيهاتِ، آخِرُ السُّورَةِ، تَحْقِيقُ ذَلِكَ.

الخامِسُ: في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ﴾ حَثٌّ عَلى الإحْسانِ، وإشارَةٌ إلى أنَّ المُحْسِنَ يُجْزى أحْسَنَ جَزاءٍ مِنهُ تَعالى، وإنْ لَمْ يُجْزِهِ المُحْسَنُ إلَيْهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском