Al-QasimiAl‑Isra · 17:49–66

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:49–66

17:49–52Page 286

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩

And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"

۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠

Say, "Be you stones or iron1

أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١

Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -

يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢

On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤٩-٥٢] ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكم فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهم ويَقُولُونَ مَتى هو قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١] ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] .

﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا﴾ وهو ما بَلِيَ وتَفَتَّتَ: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٥٠] ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يَعْظُمُ في نُفُوسِكم عَنْ قَبُولِ الحَياةِ ويَعْظُمُ في زَعْمِكم عَلى الخالِقِ إحْياؤُهُ. فَإنَّهُ يُحْيِيكم ولا يُعْجِزُهُ بَعْثُكم. فَكَيْفَ إذا كُنْتُمْ عِظامًا مَرْفُوتَةً وقَدْ كانَتْ مَوْصُوفَةً بِالحَياةِ قَبْلُ ! والشَّيْءُ أقْبَلُ لِما عُهِدَ فِيهِ مِمّا لَمْ يُعْهَدْ: ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: بَعْدَ لُزُومِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ: ﴿مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: يُحَرِّكُونَها بِرَفْعٍ وخَفْضٍ، تَعَجُّبًا واسْتِهْزاءً: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ [الإسراء: ٥١] أيْ: ما ذَكَرَتْهُ مِنَ الإعادَةِ: ﴿قُلْ عَسى أنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ [الإسراء: ٥١]

﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: يَوْمَ يَبْعَثُكم فَتَنْبَعِثُونَ. قالَ القاضِي: اسْتَعارَ لَهُما الدُّعاءَ والِاسْتِجابَةَ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى سُرْعَتِهِما وتَيَسَّرَ أمْرُهُما، وإنَّ المَقْصُودَ مِنهُما الإحْضارُ لِلْمُحاسَبَةِ والجَزاءِ. انْتَهى.

وقِيلَ: إنَّهُما حَقِيقَةٌ كَما في آيَةِ: ﴿يَوْمَ يُنادِ المُنادِ مِن مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١] وفي قَوْلِهِ: (p-٣٩٣٩)﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٢] وُجُوهٌ لِلْمُعْرِبِينَ. كَكَوْنِهِ بَدَلًا مِن (قَرِيبًا) عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ. أوْ مَنصُوبٌ بِـ (يَكُونُ) أوْ بِمُقَدَّرٍ كَـ (اذْكُرْ) أوْ (تُبْعَثُونَ) وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: ولَهُ الحَمْدُ عَلى ما أحْضَرَكم لِلْجَزاءِ وتَحَقَّقَ وعْدُهُ الصِّدْقُ: ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٥٢] أيْ: تَسْتَقْصِرُونَ مُدَّةَ لُبْثِكم في القُبُورِ والمَضاجِعِ لِذُهُولِكم عَنْ ذَلِكَ الزَّمانِ. أوْ في الحَياةِ الأُولى، لِاسْتِقْصارِكم إيّاها، بِالنِّسْبَةِ إلى الحَياةِ الآخِرَةِ.

17:53–54Page 287

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا ٥٣

And tell My servants to say that which is best. Indeed, Satan induces [dissension] among them. Indeed Satan is ever, to mankind, a clear enemy.

رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا ٥٤

Your Lord is most knowing of you. If He wills, He will have mercy upon you; or if He wills, He will punish you. And We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a manager.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٣-٥٤] ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ إنَّ الشَّيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهم إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] .

﴿وقُلْ لِعِبادِي﴾ أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ. إرادَةَ تَقْرِيبِ أصْحابِهِمْ إلى الصَّوابِ، كَأمْرِ البَعْثِ: ﴿يَقُولُوا﴾ في النَّصِيحَةِ، الكَلِمَةَ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ أيْ: فَلا يُخاشِنُوا أحَدًا، ولا يَغْلَطُوا بِالقَوْلِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ يَنْـزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: يُفْسِدُ ويُهَيِّجُ الشَّرَّ والمِراءَ، لِتَقَعَ بَيْنَهُمُ المُضارَّةُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكم أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ [الإسراء: ٥٤] خِطابٌ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ مِن قُرَيْشٍ. أيْ: إنْ يَشَأْ يَرْحَمُكم فَيَتُوبُ عَلَيْكم بِرَحْمَتِهِ وتُنِيبُوا إلَيْهِ. وإنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكم بِأنْ يَخْذُلَكم عَنِ الإيمانِ، فَتَمُوتُوا عَلى الشِّرْكِ فَيُعَذِّبْكم عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٥٤] أيْ: مَوْكُولًا إلَيْكَ أمْرُهم، تَقْسِرُهم عَلى الإيمانِ. وإنَّما أرْسَلْناكَ مُبَشِّرًا ونَذِيرًا، تُبَلِّغُهم رِسالاتُنا.

(p-٣٩٤٠)

17:55Page 287

وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥

And your Lord is most knowing of whoever is in the heavens and the earth. And We have made some of the prophets exceed others [in various ways], and to David We gave the book [of Psalms].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٥] ﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ .

﴿ورَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِما. فَهو أعْلَمُ بِهَؤُلاءِ ضَرُورَةً. وفِيهِ إشارَةٌ إلى رَحْمَتِهِ تَعالى بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ؛ لِحاجَةِ الخَلْقِ إلَيْها، وإلى مَشِيئَتِهِ فِيمَن يَصْطَفِي لِرِسالَتِهِ، ويَخْتارُ لِنُبُوَّتِهِ. ويَعْلَمُهُ أهْلًا لَها. وقَوْلُهُ تَعالى:

﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ أيْ: لِاقْتِضاءِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ ذَلِكَ. فَإنَّهُ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ وأحْوالِهِمْ. فَآتى مُوسى التَّوْراةَ وكَلَّمَهُ. وعِيسى الإنْجِيلَ، وداوُدَ الزَّبُورَ. فَضَّلَهم بِما آتاهم عَلى غَيْرِهِمْ. وقَدْ آتى مُحَمَّدًا القُرْآنَ فَفَضَّلَهُ بِهِ عَلى الأنْبِياءِ كافَّةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ أيْ: يَشْتَمِلُ عَلى الحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطابِ، فَفَضَّلْناهُ بِهِ. قِيلَ: الآيَةُ رَدٌّ عَلَيْهِمْ إذِ اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ ﷺ نَبِيًّا، دُونَ مَن يَعُدُّونَهُ عَظِيمًا بَيْنَهم في الغِنى والجاهِ. وذَكَرَ مَن في السَّماواتِ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ [الفرقان: ٢١] وذَكَرَ مَن في الأرْضِ لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا نُـزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] وتَخْصِيصُ داوُدَ بِالذِّكْرِ؛ إشارَةٌ لِتَفْضِيلِ النَّبِيِّ ﷺ كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما كُتِبَ فِيهِ مِن: ﴿أنَّ الأرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فَفِيهِ تَلْمِيحٌ إلى ما وقَعَ فِيهِ مِن وصْفِهِ بِما ذُكِرَ فِيهِ. وإيثارُ الزَّبُورِ عَلى المَلِكِ؛ بَيانٌ لِحَيْثِيَّةِ شَرَفِهِ، وأنَّهُ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ والعِلْمِ، لا بِالمُلْكِ والمالِ، كَذا قالُوا. والظّاهِرُ أنَّهُ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ في نَشْأتِهِ الأُولى مِمَّنْ يَظُنُّ أنَّهُ يَبْلُغُ ما بَلَغَ في الحِكْمَةِ والمُلْكِ، وقَدِ اخْتَصَّهُ اللَّهُ بِهِما ومَيَّزَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ عَصْرِهِ. وإذْ كانَ ذَلِكَ اخْتِصاصًا رَبّانِيًّا، فَلا غَرابَةَ أنْ يَخْتَصَّ سُبْحانَهُ مِنَ العَرَبِ، مَن عَلِمَ أنَّهُ أرْجَحُهم عَقْلًا، وأكْمَلُهم فَضْلًا، لِخَتْمِ نُبُوَّتِهِ، وهِدايَةِ بَرِيَّتِهِ، بِمِنهاجِهِ وشِرَعْتِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى:

(p-٣٩٤١)

17:56–57Page 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Say, "Invoke those you have claimed [as gods] besides Him, for they do not possess the [ability for] removal of adversity from you or [for its] transfer [to someone else]."

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Those whom they invoke1 seek means of access to their Lord, [striving as to] which of them would be nearest, and they hope for His mercy and fear His punishment. Indeed, the punishment of your Lord is ever feared.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٦-٥٧] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] .

﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ إنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]

أيْ قُلْ لِهَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مَن دُونِ اللَّهِ مَن خَلَقَهُ: ادْعُوا مِن زَعَمْتُمُوهم أرْبابًا وآلِهَةً مِن دُونِهِ، عِنْدَ ضُرٍّ يَنْزِلُ بِكم، وانْظُرُوا هَلْ يَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ ذَلِكَ عَنْكم أوْ تَحْوِيلِهِ عَنْكم إلى غَيْرِكم، فَتَدْعُونَهم آلِهَةً، أيْ: فَإنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ ولا يَمْلِكُونَهُ، وإنَّما يَمْلِكُهُ ويَقْدِرُ عَلَيْهِ خالِقُكم وخالِقُهم.

رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ أنَّ الآيَةَ عُنِيَ بِها قَوْمٌ مُشْرِكُونَ، كانُوا يَعْبُدُونَ المَسِيحَ وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ. فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ عَبِيدُهُ يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ، ويَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ بِالأعْمالِ. ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنْ أنْ يُشْرَكَ بِهِ تَعالى المَلائِكَةُ والأنْبِياءُ، قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الكِتابَ والحُكْمَ والنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِن دُونِ اللَّهِ ولَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] ﴿ولا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا (p-٣٩٤٢)أيَأْمُرُكم بِالكُفْرِ بَعْدَ إذْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٨٠] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] إشارَةٌ إلى أنَّ العِبادَةَ لا تَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ. فَبِالرَّجاءِ تَكْثُرُ الطّاعاتُ، وبِالخَوْفِ تَقِلُّ السَّيِّئاتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧] أيْ: يَنْبَغِي أنْ يُحْذَرَ مِنهُ ويُخافَ مِن حُلُولِهِ. عِياذًا بِاللَّهِ مِنهُ. وقَوْلُهُ تَعالى:

17:58Page 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

And there is no city but that We will destroy it1 before the Day of Resurrection or punish it with a severe punishment. That has ever been in the Register2 inscribed.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٨] ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ .

﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ أوْ مُعَذِّبُوها عَذابًا شَدِيدًا كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾

إخْبارٌ بِأنَّهُ حَتَّمَ وقَضى؛ أنَّهُ ما مِن قَرْيَةٍ يَتَمَرَّدُ أهْلُها عَلى نَبِيِّهِمْ، إلّا ويُبِيدُهم، أوْ يُنْزِلُ بِهِمْ مِنَ العَذابِ شَدِيدُهُ. وذَلِكَ لِذُنُوبِهِمْ وخَطِيئاتِهِمْ وعَدَمِ اسْتِجابَتِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [هود: ١٠١] وقالَ تَعالى: ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩] وقالَ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ [الطلاق: ٨] الآياتِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

17:59Page 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

And nothing has prevented Us from sending signs [i.e., miracles] except that the former peoples denied them. And We gave Thamūd the she-camel as a visible sign, but they wronged her. And We send not the signs except as a warning.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥٩] ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِها وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ .

﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ أيِ: الَّتِي تَقْتَرِحُها قُرَيْشٌ: ﴿إلا أنْ كَذَّبَ بِها (p-٣٩٤٣)الأوَّلُونَ﴾ أيْ: إلّا تَكْذِيبَ الأوَّلِينَ الَّذِينَ هم أمْثالُهم، كَعادٍ وثَمُودَ. وأنَّها لَوْ أُرْسِلَتْ لَكَذَّبُوا بِها تَكْذِيبَ أُولَئِكَ. فاسْتَوْجَبُوا الِاسْتِئْصالَ، عَلى ما مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ. وقَدْ قَضَيْنا أنْ لا نَسْتَأْصِلَهم، لِأنَّ مِنهم مَن يُؤْمِنُ أوْ يَلِدُ مَن يُؤْمِنُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الأُمَمِ المُهْلَكَةِ بِتَكْذِيبِ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ، فَقالَ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ﴾ أيْ: أعْطَيْنا قَوْمَ صالِحٍ النّاقَةَ بِسُؤالِهِمْ: ﴿مُبْصِرَةً﴾ أيْ: بَيِّنَةً، تُبْصِرُ الغَيْرَ بِرِهانِها: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ أيْ: فَكَفَرُوا بِها وظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ عَقْرِها، فَأبادَهُمُ اللَّهُ عَنْ آخِرِهِمْ وانْتَقَمَ مِنهم: ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ أيْ: وما نُرْسِلُ الآياتِ المُقْتَرَحَةِ إلّا تَخْوِيفًا لِلنّاسِ، لِيَعْلَمُوا السُّنَّةَ الإلَهِيَّةَ مَعَ العاتِينَ، فَيَتَذَكَّرُوا ويَتُوبُوا.

رَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ الجِبالَ عَنْهم فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ يَأْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا، هَلَكُوا كَما أهْلَكْتُ مَن كانَ قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ. قالَ: «لا بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ»، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ﴾ الآيَةَ» . ورَواهُ النَّسائِيُّ.

17:60Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

And [remember, O Muḥammad], when We told you, "Indeed, your Lord has encompassed the people."1 And We did not make the sight which We showed you2 except as a trial for the people, as was the accursed tree [mentioned] in the Qur’ān. And We threaten [i.e., warn] them, but it increases them not except in great transgression.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٠] ﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ ونُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ .

﴿وإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ أيْ: عِلْمًا، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن كُفْرِهِمْ (p-٣٩٤٤)وتَكْذِيبِهِمْ. ومِنهُ ما جَرى مِنهم، إثْرَ اَلرُّؤْيا والإخْبارِ بِالشَّجَرَةِ، مِنَ اَلْجُحُودِ والهَزْءِ واللَّغْوِ. كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿وما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ قالَ اَلْأكْثَرُونَ: يَعْنِي ما رَآهُ اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ اَلْإسْراءِ مِنَ اَلْآياتِ. فَلَمّا ذَكَرَها اَلنَّبِيُّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ، أنْكَرَ بَعْضُهم ذَلِكَ وكَذَّبُوا. وجَعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ ثَباتًا ويَقِينًا لِلْمُخْلِصِينَ. فَكانَتْ فِتْنَةً، أيِ: اخْتِبارًا وامْتِحانًا. وتَمَسَّكَ بِهَذا مَن جَعَلَ اَلْإسْراءَ مَنامًا؛ لِكَوْنِ اَلرُّؤْيا مَخْصُوصَةً بِالمَنامِ. وأُجِيبُ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ يَرُدُّهُ؛ لِأنَّ رُؤْيا اَلْمَنامِ لا يَفْتَتِنُ بِها أحَدٌ ولا يَكْذِبُ. وجاءَ في اَللُّغَةِ (اَلرُّؤْيا بِمَعْنى اَلرُّؤْيَةِ مُطْلَقًا) وهو مَعْنًى حَقِيقِيٌّ لَها. وقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ في رُؤْيا اَلْمَنامِ ورُؤْيا اَلْيَقَظَةِ لَيْلًا. وقَدْ ذَكَرَ اَلسُّهَيْلِيُّ أنَّهُ ورَدَ في كَلامِ اَلْعَرَبِ بِهَذا اَلْمَعْنى، وأنَّهُ كالقُرْبى والقُرْبَةِ. وقِيلَ: إنَّهُ مَجازٌ، إمّا مُشاكَلَةٌ لِتَسْمِيَتِهِمْ لَهُ رُؤْيا، أوْ جارٍ عَلى زَعْمِهِمْ. أوْ عَلى اَلتَّشْبِيهِ بِها لِما فِيها مِن خَرْقِ اَلْعادَةِ أوْ لِوُقُوعِها لَيْلًا، أوْ لِسُرْعَتِها. أفادَهُ اَلشِّهابُ.

ورَوى اَلطَّبَرِيُّ عَنِ اَلْحَسَنِ في اَلْآيَةِ هَذِهِ؛ قالَ: «أُسْرِيَ بِهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِشاءً إلى بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ، فَصَلّى فِيهِ وأراهُ اَللَّهُ ما أراهُ مِنَ اَلْآياتِ، ثُمَّ أصْبَحَ بِمَكَّةَ، فَأخْبَرَهم أنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ إلى بَيْتِ اَلْمَقْدِسِ. فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ ! ما شَأْنُكَ؟ أمْسَيْتَ فِيهِ ثُمَّ أصْبَحْتَ فِينا، تُخْبِرُنا أنَّكَ أتَيْتَ بَيْتَ اَلْمَقْدِسِ ؟ فَعَجِبُوا مِن ذَلِكَ حَتّى اِرْتَدَّ بَعْضُهم عَنِ اَلْإسْلامِ» .

وقالَ قَوْمٌ: اَلْآيَةُ في رُؤْياهُ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلَّتِي رَأى أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ. فَرَوى اَلْبَرِّيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، قالَ: يُقالُ: إنَّ رَسُولَ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أُرِيَ أنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمَئِذٌ بِالمَدِينَةِ، فَعَجَّلَ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ اَلسَّيْرَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ اَلْأجَلِ، فَرَدَّهُ اَلْمُشْرِكُونَ، فَقالَتْ أُناسٌ: قَدْ رُدَّ رَسُولُ اَللَّهِ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وقَدْ كانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها. فَكانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهم. وذَلِكَ عامَ اَلْحُدَيْبِيَةِ. ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ في اَلْعامِ اَلْمُقْبِلِ. وأنْزَلَ اَللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ﴾ [الفتح: ٢٧] ولا يُقالُ: إنَّ اَلسُّورَةَ مَكِّيَّةٌ وقِصَّةَ اَلْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ اَلْهِجْرَةِ، لِاحْتِمالِ أنَّهُ رَأى تِلْكَ اَلرُّؤْيا بِمَكَّةَ، (p-٣٩٤٥)ونَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ اَلْآيَةُ. ولَكِنَّهُ ذَكَرَها عامَ اَلْحُدَيْبِيَةَ؛ لِأنَّهُ كانَ إذْ ذاكَ بِمَكَّةَ. فَعَلِمَ أنَّ دُخُولَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنها. كَذا قِيلَ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ كَثِيرًا مِنَ اَلسُّوَرِ اَلْمَكِّيَّةِ ضُمَّ إلَيْها آياتٌ مَدَنِيَّةٌ، كَما في " اَلْإتْقانِ " . والطَّبَرِيُّ رَجَّحَ اَلْأوَّلَ وِفاقًا لِلْأكْثَرِ. وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا؛ أنَّ اَلسَّلَفَ قَدْ يُرِيدُونَ بِقَوْلِهِمْ: (نَزَلَتِ اَلْآيَةُ في كَذا) أنَّ لَفْظَ اَلْآيَةِ مِمّا يَشْمَلُ ذَلِكَ. لا أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِهِ حَقِيقَةً. وعَلَيْهِ، فَلا إشْكالَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾ عَطْفٌ عَلى اَلرُّؤْيا، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّها شَجَرَةُ اَلزَّقُّومِ، اَلْمَذْكُورَةُ في سُورَةِ اَلصّافّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُـزُلا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] ﴿إنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ [الصافات: ٦٣] ﴿إنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أصْلِ الجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٦٤] ﴿طَلْعُها كَأنَّهُ رُءُوسُ الشَّياطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥] اَلْآياتِ. وفِتْنَتُهم فِيها ما رَواهُ اَلطَّبَرِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ؛ أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: زَعَمَ صاحِبُكم هَذا - يَعْنِي اَلنَّبِيَّ صَلَواتُ اَللَّهِ عَلَيْهِ - أنَّ في اَلنّارِ شَجَرَةً، والنّارَ تَأْكُلُ اَلشَّجَرَ ! فَكَذَّبُوا بِذَلِكَ. وفي رِوايَةٍ: أنَّ أبا جَهْلٍ قالَ: أيُخَوِّفُنِي بِشَجَرِ اَلزَّقُّومِ ؟ ثُمَّ دَعا بِتَمْرٍ وزُبْدٍ وجَعَلَ يَأْكُلُ ويَقُولُ: تَزَقَّمُوا، فَما نَعْلَمُ اَلزَّقُّومَ غَيْرَ هَذا. والمُرادُ بِلَعْنِها في اَلْقُرْآنِ: لَعْنُ طاعِمِها فِيهِ، عَلى أنَّهُ مَجازٌ في اَلْإسْنادِ. أوِ اَلْمَلْعُونُ بِمَعْنى اَلْمُؤْذِي لِأنَّها تَغْلِي في اَلْبُطُونِ كَغَلْيِ اَلْحَمِيمِ. فَهو إمّا مَجازٌ مُرْسَلٌ أوِ اِسْتِعارَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُخَوِّفُهُمْ﴾ أيْ: بِذَلِكَ وبِنَظائِرِهِ مِنَ اَلْآياتِ: ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾ أيِ: اَلتَّخْوِيفُ: ﴿إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾ أيْ: تَمادِيًا فِيما هم فِيهِ مِنَ اَلضَّلالِ والكُفْرِ.

(p-٣٩٤٦)قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَلَوْ أرْسَلَنا إلَيْهِمُ اَلْآياتِ اَلْمُقْتَرَحَةَ لَقالُوا: إنَّهُ أجَلُّ مَن أحاطَ بِأبْوابِ اَلسِّحْرِ. فَلا فائِدَةَ في إرْسالِها سِوى تَعْجِيلِ اَلْعَذابِ اَلدُّنْيَوِيِّ. لَكِنَّهُ يُنافِي إظْهارَ دِينِهِ عَلى اَلدِّينِ كُلِّهِ.

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى أنَّ هَذا اَلطُّغْيانَ مِنِ اتِّباعِ اَلشَّيْطانِ. وأنَّهُ وحِزْبُهُ، لِعُتُوِّهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ عَنِ اَلْحَقِّ، في اَلنّارِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

17:61–62Page 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

And [mention] when We said to the angels, "Prostrate to Adam," and they prostrated, except for Iblees.1 He said, "Should I prostrate to one You created from clay?"

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

[Iblees] said, "Do You see this one whom You have honored above me? If You delay me [i.e., my death] until the Day of Resurrection, I will surely destroy1 his descendants, except for a few."

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦١-٦٢] ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] .

﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ أيْ: تَحِيَّةً وتَكْرِيمًا: ﴿فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ قالَ أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ كَما قالَ في اَلْآيَةِ اَلْأُخْرى: ﴿أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]

﴿قالَ﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: جَراءَةً عَلى اَلرَّبِّ وكُفْرًا بِهِ: ﴿أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا اَلَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ بِأنْ أمَرْتَنِي بِالسُّجُودِ لَهُ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ ؟ . أوِ اَلْمَعْنى: أخْبِرْنِي أهَذا اَلَّذِي كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إلا قَلِيلا﴾ [الإسراء: ٦٢] أيْ: لَأُعْمِنَّهم وأُهْلِكَنَّهم بِالإغْواءِ، إلّا اَلْمُخْلَصِينَ.

(p-٣٩٤٧)

17:63–65Page 288

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

[Allāh] said, "Go, for whoever of them follows you, indeed Hell will be the recompense of [all of] you - an ample recompense.

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

And incite [to senselessness] whoever you can among them with your voice and assault them with your horses and foot soldiers and become a partner in their wealth and their children and promise them." But Satan does not promise them except delusion.

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Indeed, over My [believing] servants there is for you no authority. And sufficient is your Lord as Disposer of affairs.1

اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٣-٦٥] ﴿قالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهم بِصَوْتِكَ وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ وشارِكْهم في الأمْوالِ والأوْلادِ وعِدْهم وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] .

﴿قالَ اذْهَبْ﴾ أيِ: اِمْضِ لِشَأْنِكَ اَلَّذِي اِخْتَرْتَهُ: ﴿فَمَن تَبِعَكَ مِنهم فَإنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكم جَزاءً مَوْفُورًا﴾ أيْ: جَزاءً مُكَمَّلًا.

﴿واسْتَفْزِزْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اِسْتَخِفَّ وأزْعِجْ: ﴿مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: أنْ تَسْتَفِزَّهُ فَتَخْدَعَهُ: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِدُعائِكَ إلى اَلْفَسادِ. وعَبَّرَ عَنِ اَلدُّعاءِ بِالصَّوْتِ تَحْقِيرًا لَهُ حَتّى كَأنَّهُ لا مَعْنى لَهُ: ﴿وأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: صِحْ عَلَيْهِمْ، مِنَ اَلْجَلَبَةِ (بِفَتَحاتٍ) وهي اَلصِّياحُ. و(اَلْخَيْلُ) اَلْخَيّالَةُ، أيْ: رُكْبانُ اَلْخَيْلِ مَجازًا. وأصْلُ مَعْنى اَلْخَيْلِ اَلْأفْراسُ. (والرَّجِلُ) اِسْمُ جَمْعٍ لِلرّاجِلِ وهو خِلافُ اَلْفارِسِ، والمُرادُ اَلْأعْوانُ والأتْباعُ مُطْلَقًا.

قالَ اَلزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى اِسْتِفْزازِ إبْلِيسَ بِصَوْتِهِ وإجْلابِهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ ؟ . قُلْتُ: هو كَلامٌ ورَدَ مَوْرِدَ اَلتَّمْثِيلِ، مُثِّلَتْ حالُهُ في تَسَلُّطِهِ عَلى مَن يُغْوِيهِ، بِمِغْوارٍ - بِكَسْرِ اَلْمِيمِ، اَلْكَثِيرِ اَلْغارَةِ وهي اَلْحَرْبُ والنَّهْبُ - أُوقِعَ عَلى قَوْمٍ فَصَوَّتَ بِهِمْ صَوْتًا يَسْتَفِزُّهم مِن أماكِنِهِمْ، ويُقْلِقُهم عَنْ مَراكِزِهِمْ. وأجْلَبَ عَلَيْهِمْ بِجُنْدِهِ مِن خَيّالَةٍ حَتّى اِسْتَأْصَلَهم - أيْ: فالكَلامُ اِسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُرَكَّبَةٌ، اُسْتُعِيرَ فِيهِ اَلْمَجْمُوعُ والهَيْئَةُ لِلْمَجْمُوعِ والهَيْئَةِ. ووَجْهُهُ ما ذَكَرَهُ مِنِ اِسْتِئْصالِهِمْ وإهْلاكِهِمْ، أوْ غَلَبَتِهِ وتَسْخِيرِهِ لَهم. وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ اَلتَّجَوُّزُ في اَلْمُفْرَداتِ تَجَوُّزًا بِصَوْتِهِ عَنْ دُعائِهِ إلى اَلشَّرِّ بِالوَسْوَسَةِ، وبِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ عَنْ كُلِّ راكِبٍ وماشٍ مِن أهْلِ اَلْعَبَثِ (p-٣٩٤٨)والفَسادِ بِإغْوائِهِ ﴿وشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِحَمْلِهِ إيّاهم عَلى إنْفاقِها في اَلْمَعاصِي وجَمْعِها مِن حَرامٍ والتَّصَرُّفِ فِيها تَحْرِيمًا وتَحْلِيلًا بِما لا يَرْضى: ﴿والأوْلادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيْ: بِالتَّفاخُرِ فِيهِمْ وتَضْلِيلِهِمْ بِصَبْغِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ اَلدِّينِ ووَأْدِهِمْ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا يُعْصى اَللَّهُ بِسَبَبِهِ: ﴿وعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] أيِ: اَلْمَواعِيدَ اَلْباطِلَةَ والأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ مِن سَلامَةِ اَلْعاقِبَةِ ودَوامِ اَلْغَلَبَةِ: ﴿وما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إلا غُرُورًا﴾ [الإسراء: ٦٤] وهو تَزْيِينُ اَلْباطِلِ بِزِينَةِ اَلْحَقِّ.

﴿إنَّ عِبادِي﴾ [الإسراء: ٦٥] أيِ: اَلْمُخْلَصِينَ: ﴿لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: تَسَلُّطٌ بِالإغْواءِ: ﴿وكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ [الإسراء: ٦٥] أيْ: كَفِيلًا لَهم يَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ ولا يَلْجَؤُونَ في أُمُورِهِمْ إلّا إلَيْهِ. وهو كافِيهِمْ.

وقَدْ أشارَ القاشانِيُّ إلى أنَّ اَلْآيَةَ تُشِيرُ إلى اِنْقِسامِ اَلنّاسِ مَعَ اَلشَّيْطانِ عَلى أصْنافٍ. وعِبارَتُهُ: تَمَكُّنُ اَلشَّيْطانِ مِن إغْواءِ اَلْعِبادِ عَلى أقْسامٍ؛ لِأنَّ اَلِاسْتِعْداداتِ مُتَفاوِتَةً. فَمَن كانَ ضَعِيفَ اَلِاسْتِعْدادِ اِسْتَفَزَّهُ. أيِ: اِسْتَخَفَّهُ بِصَوْتِهِ، يَكْفِيهِ وسُوسَةٌ وهَمْسٌ بَلْ هاجِسٌ ولَمَّةٌ. ومَن كانَ قَوِيَّ اَلِاسْتِعْدادِ، فَإنْ أخْلَصَ اِسْتِعْدادَهُ عَنْ شَوائِبِ اَلصِّفاتِ اَلنَّفْسانِيَّةِ، أوْ أخْلَصَهُ اَللَّهُ تَعالى عَنْ شَوائِبِ اَلْغَيْرِيَّةِ، فَلَيْسَ لَهُ إلى إغْوائِهِ سَبِيلٌ، كَما قالَ: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ [الإسراء: ٦٥] وإلّا فَإنْ كانَ مُنْغَمِسًا في اَلشَّواغِلِ اَلْحِسِّيَّةِ، غارِزًا رَأْسَهُ في اَلْأُمُورِ اَلدُّنْيَوِيَّةِ، شارَكَهُ في أمْوالِهِ وأوْلادِهِ، بِأنْ يُحَرِّضَهُ عَلى إشْراكِهِمْ بِاَللَّهِ في اَلْمَحَبَّةِ، بِحُبِّهِمْ كَحُبِّ اَللَّهِ. ويُسَوِّلُ لَهُ اَلتَّمَتُّعَ بِهِمْ، والتَّكاثُرَ والتَّفاخُرَ بِوُجُودِهِمْ. ويُمَنِّيهِ اَلْأمانِيَ اَلْكاذِبَةَ ويُزَيِّنُ عَلَيْهِ اَلْآمالَ اَلْفارِغَةَ. وإنْ لَمْ يَنْغَمِسْ، فَإنْ كانَ عالِمًا بَصِيرًا بِتَسْوِيلاتِهِ، أجْلَبَ عَلَيْهِ بِخَيْلِهِ ورَجِلِهِ. أيْ: مَكَرَ بِهِ بِأنْواعِ اَلْحِيَلِ. وكادَهُ بِصُنُوفِ اَلْفِتَنِ. وأفْتى لَهُ في تَحْصِيلِ أنْواعِ اَلْحُطامِ والمَلاذِ بِأنَّها مِن جُمْلَةِ مَصالِحِ اَلْمَعاشِ. وغَرَّهُ بِالعِلْمِ وحَمَلَهُ عَلى اَلْإعْجابِ، وأمْثالِ ذَلِكَ حَتّى يَصِيرَ مِمَّنْ أضَلَّهُ اَللَّهُ عَلى عِلْمٍ. وإنْ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بَلْ عابِدًا مُتَنَسِّكًا، أغْواهُ بِالوَعْدِ والتَّمْنِيَةِ. وغَرُّهُ بِالطّاعَةِ والتَّزْكِيَةِ أيْسَرُ ما يَكُونُ. اِنْتَهى.

17:66Page 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

It is your Lord who drives the ship for you through the sea that you may seek of His bounty. Indeed, He is ever, to you, Merciful.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى بَعْضًا مِن آياتِ وحْدانِيَّتِهِ وأُلُوهِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ:

(p-٣٩٤٩)اَلْقَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦٦] ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ .

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ أيْ: يُسَيِّرُ لَكُمُ اَلسُّفُنَ في اَلْبَحْرِ: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ أيْ: مِن رِزْقِهِ. والآيَةُ صَرِيحَةٌ في رُكُوبِ اَلْبَحْرِ لِلتِّجارَةِ: ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ حَيْثُ سَهَّلَ لَكم أسْبابَ ذَلِكَ.

قالَ أبُو اَلسُّعُودِ: وهَذا تَذْكِيرٌ لِبَعْضِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي هي مِن دَلائِلِ اَلتَّوْحِيدِ، وتَمْهِيدٌ لِذِكْرِ تَوْحِيدِهِمْ عِنْدَ مِساسِ اَلضُّرِّ، تَكْمِلَةً لِما مَرَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ٥٦] اَلْآيَةَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском