Al-QasimiAn‑Nur · 24:11–25

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:11–25

24:11Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١

Indeed, those who came with falsehood1 are a group among you. Do not think it bad for you; rather, it is good for you. For every person among them is what [punishment] he has earned from the sin, and he who took upon himself the greater portion thereof2 - for him is a great punishment [i.e., Hellfire].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكم لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكم لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ﴾ أيْ: بِأبْلَغِ ما يَكُونُ مِنَ الكَذِبِ، وقِيلَ هو البُهْتانُ لا تُشَهَّرُ بِهِ حَتّى يَفْجَأكَ. والمُرادُ بِهِ ما أفَكَ بِهِ الصِّدِّيقَةَ، أُمَّ المُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ؟ فاللّامُ لِلْعَهْدِ ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الجِنْسِ. قِيلَ: فَيُفِيدُ القَصْرَ، كَأنَّهُ لا إفْكَ إلّا هو. وفي لَفْظِ (المَجِيءِ ) إشارَةٌ إلى أنَّهم أظْهَرُوهُ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ أصْلٌ: ﴿عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ أيْ: جَماعَةٌ مِنكم، خَبَرُ (إنَّ ) و(مِنكم ) نَعْتٌ لَها. وبِهِ أفادَ الخَبَرَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ﴾ (p-٤٤٦٠)مُسْتَأْنَفٌ، والهاءُ ضَمِيرُ الإفْكِ أوِ القَذْفِ. والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولِآلِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، ولِمَن ساءَهُ ذَلِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. تَسْلِيَةً لَهم مِن أوَّلِ الأمْرِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ﴾ زِيادَةٌ في التَّسْلِيَةِ والتَّكْرِيمِ. أيْ: لا تَظُنُّوهُ يُلْحِقُ تُهْمَةً بِكم أوْ يُوقِعُ نَقِيصَةً فِيكم، بَلْ قَدْ جَرَّ لَكم خَيْرًا عَظِيمًا.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَعْنى كَوْنِهِ خَيْرًا لَهم، أنَّهُمُ اكْتَسَبُوا فِيهِ الثَّوابَ العَظِيمَ. لِأنَّهُ كانَ بَلاءً مُبِينًا ومِحْنَةً ظاهِرَةً. وأنَّهُ نَزَلَتْ فِيهِ ثَمانِي عَشْرَةَ آيَةً، كُلُّ واحِدَةٍ مِنها مُسْتَقِلَّةٌ، بِما هو تَعْظِيمٌ لِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَسْلِيَةٌ لَهُ، وتَنْزِيهٌ لِأُمِّ المُؤْمِنِينَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْها، وتَطْهِيرٌ لِأهْلِ البَيْتِ، وتَهْوِيلٌ لِمَن تَكَلَّمَ في ذَلِكَ أوْ سَمِعَ بِهِ فَلَمْ تَمُجَّهُ أُذُناهُ. وعِدَّةُ ألْطافٍ لِلسّامِعِينَ والتّالِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وفَوائِدُ دِينِيَّةٌ وأحْكامٌ وآدابٌ لا تَخْفى عَلى مُتَأمِّلِيها ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم ما اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ﴾ أيْ: جَزاؤُهُ، وذَلِكَ الذَّمُّ في الدُّنْيا إلى يَوْمِ القِيامَةِ، والجَلْدُ ثَمانِينَ. ولَعَذابُ الآخِرَةِ أشَدُّ: ﴿والَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ مِنهم لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: قامَ بِعِظَمِهِ وإشاعَتِهِ، بَعْدَ ابْتِدائِهِ بِالخَوْضِ فِيهِ، وهو رَأْسُ المُنافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، لِإمْعانِهِ في عَداوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وانْتِهازِهِ الفُرَصَ، وطَلَبِهِ سَبِيلًا إلى الغَمِيزَةِ.

رَوى الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: أمّا الَّذِي تَوَلّى كِبْرَهُ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ الخَبِيثُ. هو الَّذِي ابْتَدَأ هَذِهِ الكَلامَ وقالَ: امْرَأةُ نَبِيِّكم باتَتْ مَعَ رَجُلٍ حَتّى أصْبَحَتْ، ثُمَّ جاءَ يَقُودُ بِها. والعَذابُ العَظِيمُ يَعُمُّ عَذابَيِ الدّارَيْنِ، كَما قُلْنا.

24:12Page 351

لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ ١٢

Why, when you heard it, did not the believing men and believing women think good of themselves [i.e., one another] and say, "This is an obvious falsehood"?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ .

﴿لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بِأنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أيْ: بِالَّذِينِ مِنهم مِنَ (p-٤٤٦١)المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] قالَ الشِّهابُ: وهَذا مِن بَدِيعِ الكَلامِ. وقَدْ وقَعَ في القُرْآنِ كَثِيرًا. وهو بِحَسَبِ الظّاهِرِ يَقْتَضِي أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَظُنُّ بِنَفْسِهِ خَيْرًا، ولَيْسَ بِمُرادٍ. بَلْ أنْ يَظُنَّ بِغَيْرِهِ ذَلِكَ. وتَوْجِيهُهُ أنَّهُ مَجازٌ لِجَعْلِهِ اتِّحادَ الجِنْسِ كاتِّحادِ الذّاتِ ولِذا فُسِّرَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] بِلا تَقْتُلُوا مَن كانَ مِن جِنْسِكم أوْ يَجْعَلُهم كَنَفْسٍ واحِدَةٍ، فَمَن عابَ مُؤْمِنًا فَكَأنَّما عابَ نَفْسَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ فِيهِ مُضافٌ. أيْ: ظَنَّ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنْفُسِ بَعْضِهِمْ الآخَرِ. وقالَ الكَرْمانِيُّ في حَدِيثِ: ««أمْوالُكم عَلَيْكم حَرامٌ»» إنَّهُ كَقَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا أنْفُسَهم أيْ: قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، مَجازًا أوْ إضْمارًا لِلْقَرِينَةِ الصّارِفَةِ عَنْ ظاهِرِهِ. و(لَوْلا ) تَحْضِيضِيَّةٌ بِمَعْنى: (هَلّا ): ﴿وقالُوا هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي سَمِعْناهُ، مِن رَمْيِ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، إفْكٌ مُبِينٌ جَلِيٌّ لِمَن عَقَلَ وفَكَّرَ فِيهِ. قالَ العَلّامَةُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: هَلّا قِيلَ: (لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَنْتُمْ بِأنْفُسِكم خَيْرًا وقُلْتُمْ ) ؟ ولِمَ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ ؟ وعَنِ الضَّمِيرِ إلى الظّاهِرِ ؟ قُلْتُ: لِيُبالِغَ في التَّوْبِيخِ بِطَرِيقَةِ الِالتِفاتِ. ولِيُصَرِّحَ بِلَفْظِ (الإيمانِ ) دَلالَةً عَلى أنَّ الِاشْتِراكَ فِيهِ مُقْتَضٍ ألّا يُصَدِّقَ مُؤْمِنٌ عَلى أخِيهِ، ولا مُؤْمِنَةٌ عَلى أُخْتِها، قَوْلَ عائِبٍ ولا طاعِنٍ. وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَقَّ المُؤْمِنِ، إذا سَمِعَ قالَةً في أخِيهِ، أنْ يَبْنِيَ الأمْرَ فِيها عَلى الظَّنِّ، لا عَلى الشَّكِّ. وأنْ يَقُولَ بِمَلْءِ فِيهِ - بِناءً عَلى ظَنِّهِ بِالمُؤْمِنِ الخَيْرَ -: ﴿هَذا إفْكٌ مُبِينٌ﴾ هَكَذا بِاللَّفْظِ المُصَرِّحِ بِبَراءَةِ ساحَتِهِ. كَما يَقُولُ المُسْتَيْقِنُ المُطَّلِعُ عَلى حَقِيقَةِ الحالِ. وهَذا يَدُلُّ مِنَ الأدَبِ الحَسَنِ الَّذِي قَلَّ القائِمُ بِهِ والحافِظُ لَهُ. ولَيْتَكَ تَجِدُ مَن يَسْمَعُ فَيَسْكُتُ، ولا يُشِيعُ ما سَمِعَهُ بِأخَواتٍ ! انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

24:13Page 351

لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٣

Why did they [who slandered] not produce for it four witnesses? And when they do not produce the witnesses, then it is they, in the sight of Allāh, who are the liars.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ .

(p-٤٤٦٢)﴿لَوْلا جاءُوا عَلَيْهِ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: في حُكْمِهِ وشَرِيعَتِهِ المُؤَسَّسَةِ عَلى الدَّلائِلِ الظّاهِرَةِ المُسْتَيْقَنَةِ: ﴿هُمُ الكاذِبُونَ﴾ أيْ الكامِلُونَ في الكَذِبِ، المَشْهُودُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَوْبِيخٌ وتَعْنِيفٌ لِلَّذِينِ سَمِعُوا الإفْكَ فَلَمْ يَجِدُّوا في دَفْعِهِ وإنْكارِهِ. واحْتِجاجٌ عَلَيْهِمْ بِما هو ظاهِرٌ مَكْشُوفٌ في الشَّرْعِ، مِن وُجُوبِ تَكْذِيبِ القاذِفِ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ والتَّنْكِيلِ بِهِ، إذا قَذَفَ امْرَأةً مُحْصَنَةً مِن عِرْضِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ. فَكَيْفَ بِأُمِّ المُؤْمِنِينَ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ حُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وحَبِيبَةِ حَبِيبِ اللَّهِ ؟

24:14Page 351

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٤

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy in this world and the Hereafter, you would have been touched for that [lie] in which you were involved by a great punishment

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لَمَسَّكم في ما أفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: لَعُوجِلْتُمْ بِالعِقابِ، بِسَبَبِ ما خُضْتُمْ فِيهِ مِنَ الإفْكِ. ولَكِنَّهُ واسِعُ الفَضْلِ والرَّحْمَةِ. يُمْهِلُ المُذْنِبَ لِلتَّوْبَةِ، ويَحْلُمُ عَنْهُ لِلْأوْبَةِ.

24:15Page 351

إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ ١٥

When you received it with your tongues1 and said with your mouths that of which you had no knowledge and thought it was insignificant while it was, in the sight of Allāh, tremendous.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهو عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ .

﴿إذْ تَلَقَّوْنَهُ﴾ أيْ: وقْتَ تَلَقِّي بَعْضِكم مِن بَعْضٍ: ﴿بِألْسِنَتِكم وتَقُولُونَ بِأفْواهِكم ما لَيْسَ لَكم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ أيْ: لا تَبِعَةَ لَهُ ولا عُقُوبَةَ عَلى مُشِيعِهِ: ﴿وهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَظِيمٌ في الوِزْرِ واسْتِجْرارِ العَذابِ. قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ الجَراءَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى أوْلِيائِهِ، تُشْبِهُ الجَراءَةَ عَلى اللَّهِ تَعالى. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿بِأفْواهِكُمْ﴾ (p-٤٤٦٣)والقَوْلُ لا يَكُونُ إلّا بِالفَمِ ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ أنَّ الشَّيْءَ المَعْلُومَ يَكُونُ عِلْمُهُ في القَلْبِ، فَيُتَرْجِمُ عَنْهُ اللِّسانُ. وهَذا الإفْكُ لَيْسَ إلّا قَوْلًا يَجْرِي عَلى ألْسِنَتِكم، ويَدُورُ في أفْواهِكم، مِن غَيْرِ تَرْجَمَةٍ عَنْ عِلْمٍ بِهِ في القَلْبِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧] انْتَهى. فالقَيْدُ لَيْسَ تَأْكِيدًا صِرْفًا، (كَنَظَرَ بِعَيْنِهِ ) بَلْ لِيُفِيدَ نَفْيَهُ عَمّا عَداهُ. وقِيلَ إنَّهُ تَوْبِيخٌ، كَما تَقُولُ: (قالَهُ بِمَلْءِ فِيهِ )، فَإنَّ القائِلَ رُبَّما رَمَزَ، ورُبَّما صَرَّحَ وتَشَدَّقَ. وقَدْ قِيلَ هَذا في قَوْلِهِ: ﴿بَدَتِ البَغْضاءُ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقِيلَ: فائِدَتُهُ ألّا يُظَنَّ أنَّهُ كَلامٌ نَفْسِيٌّ. فَهو تَأْكِيدٌ لِدَفْعِ المَجازِ. والسِّياقُ يَقْتَضِي الأوَّلَ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

24:16Page 351

وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ ١٦

And why, when you heard it, did you not say, "It is not for us to speak of this. Exalted are You, [O Allāh]; this is a great slander"?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ أيْ: تَكْذِيبًا لِمُشِيعِيهِ: ﴿ما يَكُونُ لَنا﴾ أيْ: ما يَصِحُّ لَنا بِوَجْهٍ ما: ﴿أنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذا سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ أيْ: تَنْزِيهًا لَكَ، وبَراءَةً إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ. فَإنَّهُ بُهْتانٌ عَظِيمٌ يَسْتَحِيلُ صِدْقُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَلِمَةُ (سُبْحانَكَ ) لِلتَّعَجُّبِ مِن عِظَمِ الأمْرِ. فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى التَّعَجُّبِ في كَلِمَةِ التَّسْبِيحِ ؟ قُلْتُ: الأصْلُ في ذَلِكَ، أنْ يُسَبِّحَ اللَّهَ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَجِيبِ مِن صَنائِعِهِ. ثُمَّ كَثُرَ حَتّى اسْتُعْمِلَ في كُلِّ مُتَعَجَّبٍ مِنهُ. أوْ لِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى مِن أنْ تَكُونَ حُرْمَةُ نَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ فاجِرَةً. انْتَهى.

فَعَلى الأوَّلِ، هو مِنَ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ، وهو كَثِيرٌ. وقَدْ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ في (الأذْكارِ ") وكَذا (لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ) تُسْتَعْمَلُ لِلتَّعَجُّبِ أيْضًا. وأمّا الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مَقامِ التَّعَجُّبِ فَلَمْ تَرِدْ ولَمْ تُسْمَعْ في لِسانِ الشَّرْعِ. وقَدْ صَرَّحَ الفُقَهاءُ بِالمَنعِ. وإنَّما وقَعَ مِنَ العَوامِّ وبَعْضِ المُحَدِّثِينَ كَقَوْلِهِ:(p-٤٤٦٤)

؎فَمَن رَأى حُسْنَهُ المُفَدّى في الحالِ صَلّى عَلى مُحَمَّدْ

وعَلى الثّانِي، هو حَقِيقَةٌ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

24:17–18Page 351

يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧

Allāh warns you against returning to the likes of this [conduct], ever, if you should be believers.

وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ١٨

And Allāh makes clear to you the verses [i.e., His rulings], and Allāh is Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧ - ١٨] ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] .

﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أبَدًا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فَإنَّ الِاتِّصافَ يَصُدُّ عَنْ كُلِّ مُقَبَّحٍ: ﴿ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ﴾ [النور: ١٨] أيِ: الدّالَّةَ عَلى الشَّرائِعِ ومَحاسِنِ الآدابِ، دَلالَةً واضِحَةً لِتَتَّعِظُوا وتَتَأدَّبُوا بِها. أيْ: يُنْزِلُها كَذَلِكَ مُبَيَّنَةً، ظاهِرَةَ الدَّلالَةِ عَلى مُعايِنِها: ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨]

ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى تَأْدِيبٍ ثالِثٍ لِمَن سَمِعَ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ السَّيِّئِ، فَعَلَقَ بِذِهْنِهِ مِنهُ شَيْءٌ، ألّا يَتَكَلَّمَ بِهِ ولا يُذِيعَهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ مُتَوَعِّدًا:

24:19Page 351

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ١٩

Indeed, those who like that immorality1 should be spread [or publicized] among those who have believed will have a painful punishment in this world and the Hereafter. And Allāh knows2 and you do not know.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ .

﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ﴾ أيْ: تَنْتَشِرُ الخَصْلَةُ المُفْرِطَةُ في القُبْحِ، وهي الفِرْيَةُ والرَّمْيُ بِالزِّنى ونَحْوِهِ، كاللِّواطِ وما عَظُمَ فُحْشُهُ: ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الدُّنْيا﴾ أيْ: مِنَ الحَدِّ وغَيْرِهِ، مِمّا يَتَّفِقُ مِنَ البَلايا الدُّنْيَوِيَّةِ: ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: مِن عَذابِ النّارِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أيْ: ما في القُلُوبِ مِنَ الأسْرارِ والضَّمائِرِ: ﴿وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي أنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَحَبَّةَ مَن أحَبَّ الإشاعَةَ، وهو مُعاقِبُهُ عَلَيْها.

24:20Page 351

وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ٢٠

And if it had not been for the favor of Allāh upon you and His mercy...1 and because Allāh is Kind and Merciful.

(p-٤٤٦٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .

﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمِنَّةِ، بِتَرْكِ المُعاجَلَةِ بِالعِقابِ، لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ الجَرِيمَةِ. وحُذِفَ الجَوابُ وهو مُسْتَغْنى عَنْهُ بِذِكْرِهِ مَرَّةً. وهو (لَمَسَّكم ) .

24:21–22Page 352

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢١

O you who have believed, do not follow the footsteps of Satan. And whoever follows the footsteps of Satan - indeed, he enjoins immorality and wrongdoing. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, not one of you would have been pure, ever, but Allāh purifies whom He wills, and Allāh is Hearing and Knowing.

وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٢٢

And let not those of virtue among you and wealth swear not to give [aid] to their relatives and the needy and the emigrants for the cause of Allāh, and let them pardon and overlook. Would you not like that Allāh should forgive you? And Allāh is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢١ - ٢٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: بِإشاعَةِ الفاحِشَةِ: ﴿ومَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ والمُنْكَرِ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ما زَكا﴾ أيْ: ما طَهَّرَ مِن دَنَسِها: ﴿مِنكم مِن أحَدٍ أبَدًا ولَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ مِن عِبادِهِ بِإلْهامِهِ التَّوْبَةَ والإنابَةَ: ﴿واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]

(p-٤٤٦٦)قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (يَأْتَلِ ) مِنَ (ائْتَلى ) إذا حَلَفَ، افْتِعالٌ مِنَ الألِيَّةِ وهو القَسَمُ وقِيلَ مِن قَوْلِهِمْ: (ما ألَوْتُ جُهْدًا ) إذا لَمْ تَدَّخِرْ مِنهُ شَيْئًا. ويَشْهَدُ لِلْأوَّلِ قِراءَةُ الحَسَنِ: و(لا يَتَألَّ ) والمَعْنى: لا يَحْلِفُوا عَلى أنْ لا يُحْسِنُوا إلى المُسْتَحِقِّينَ لِلْإحْسانِ. أوْ لا يُقَصِّرُوا في أنْ يُحْسِنُوا إلَيْهِمْ، وإنْ كانَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهم شَحْناءُ لِجِنايَةٍ اقْتَرَفُوها، فَلْيَعُودُوا عَلَيْهِمْ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ. ولْيَفْعَلُوا بِهِمْ مِثْلَ ما يَرْجُونَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ رَبُّهم، مَعَ كَثْرَةِ خَطاياهم وذُنُوبِهِمْ وسَيَأْتِي سَبَبُ نُزُولِها فِيمَن عُنِيَ بِها.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى وعِيدَ القاذِفِينَ لِلْبَرِيئاتِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

24:23–24Page 352

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٢٣

Indeed, those who [falsely] accuse chaste, unaware and believing women are cursed in this world and the Hereafter; and they will have a great punishment

يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢٤

On a Day when their tongues, their hands and their feet will bear witness against them as to what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٣ - ٢٤] ﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا والآخِرَةِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] .

﴿إنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ﴾ أيِ: العَفائِفَ عَنِ الفاحِشَةِ، النَّقِيّاتِ القُلُوبِ عَنْها: ﴿المُؤْمِناتِ لُعِنُوا في الدُّنْيا﴾ بِالذَّمِّ والحَدِّ ورَدِّ الشَّهادَةِ إلّا إذا تابُوا: ﴿والآخِرَةِ﴾ أيْ: حَيْثُ يَلْعَنُهم ثَمَّةَ المَلائِكَةُ ومَن شاءَ اللَّهُ: ﴿ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] أيْ: يَعْتَرِفُونَ بِها بِإنْطاقِ اللَّهِ تَعالى إيّاها أوْ بِظُهُورِ آثارِ ما عَمِلُوهُ عَلَيْها. بِحَيْثُ يَعْلَمُ مَن يُشاهِدُهم ما عَمِلُوهُ. وذَلِكَ بِكَيْفِيَّةٍ يَعْلَمُها اللَّهُ. فَهو اسْتِعارَةٌ. ورَجَعَ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت: ٢١] فَظاهِرُهُ الحَقِيقَةُ، وحَمْلُهُ عَلى الثّانِي بِعِيدٌ. قِيلَ: سَيَأْتِي في (يس "): ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥] والخَتْمُ عَلى الأفْواهِ (p-٤٤٦٧)يُنافِي شَهادَةَ الألْسِنَةِ. والجَوابُ أنَّ الخَتْمَ عَلى الأفْواهِ مَعْناهُ المَنعُ عَنِ التَّكَلُّمِ بِما يُرِيدُهُ ويَنْفَعُهُ، بِحَسَبِ زَعَمِهِ، اخْتِيارًا. كالإنْكارِ والِاعْتِذارِ، أوْ أنَّ هَذا في حالٍ، وذَلِكَ في حالٍ، أوْ كُلٌّ مِنهُما في حَقِّ قَوْمٍ غَيْرِ الآخَرِينَ، أوْ هَذا في حَقِّ القَذَفَةِ، وذاكَ في حَقِّ الكَفَرَةِ - ولَيْسَ بِشَيْءٍ - إذْ لا مُنافاةَ فالسِّرُّ في التَّصْرِيحِ بِالألْسِنَةِ هُنا، وعَدَمِ ذِكْرِها هُناكَ، أنَّ الآيَةَ لَمّا كانَتْ في حَقِّ القاذِفِ بِلِسانِهِ، وهو مُطالَبٌ مَعَهُ بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، ذَكَرَ هُنا خَمْسَةً أيْضًا، وصَرَّحَ بِاللِّسانِ الَّذِي بِهِ عَمَلُهُ لِيَفْضَحَهُ، جَزاءً لَهُ مِن جِنْسِ فِعْلِهِ. كَذا في (العِنايَةِ ") .

24:25Page 352

يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥

That Day, Allāh will pay them in full their true [i.e., deserved] recompense, and they will know that it is Allāh who is the manifest Truth [i.e., perfect in justice].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٥] ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الحَقَّ ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ .

﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِما ذُكِرَ: ﴿يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ﴾ أيْ: جَزاءَهم: ﴿الحَقَّ﴾ أيِ: الواجِبَ الثّابِتَ: ﴿ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ المُبِينُ﴾ أيِ: المُظْهِرُ لِلْأُمُورِ كَما هي في أنْفُسِها. ثُمَّ أشارَ تَعالى إلى ما يُؤَكِّدُ التَّبْرِئَةَ مِن شاهِدِ العُرْفِ والعادَةِ، في أنَّهُ لا يَضُمُّ الشَّكْلَ إلّا إلى شَكْلِهِ، ولا يُساقُ الأهْلُ إلّا إلى أهْلِهِ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском