Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:93–96
5:93Page 123
لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣
There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٣] ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ أيْ: إثْمٌ: ﴿فِيما طَعِمُوا﴾ مِمّا حُرِّمَ بَعْدَ تَناوُلِهِمْ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾
وهُنا مَسائِلُ:
الأُولى: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنْ قِيلَ: لِمَ خَصَّ المُؤْمِنِينَ بِنَفْيِ الجُناحِ في الطَّيِّباتِ إذا (p-٢١٤٧)ما اتَّقَوْا، والكافِرُ كَذَلِكَ؟ قالَ الحاكِمُ: لِأنَّهُ لا يَصِحُّ نَفْيُ الجُناحِ عَنِ الكافِرِ، وأمّا المُؤْمِنُ فَيَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الكافِرَ سَدَّ عَلى نَفْسِهِ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرامِ. انْتَهى.
وفِي "العِنايَةِ": تَعْلِيقُ نَفْيِ الجُناحِ بِهَذِهِ الأحْوالِ لَيْسَ عَلى سَبِيلِ اشْتِراطِها، فَإنَّ عَدَمَ الجُناحِ في تَناوُلِ المُباحِ الَّذِي لَمْ يُحَرَّمْ لا يُشْتَرَطُ بِشَرْطٍ. بَلْ عَلى سَبِيلِ المَدْحِ والثَّناءِ والدَّلالَةِ عَلى أنَّهم بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثالُهُ أنْ يُقالَ لَكَ: هَلْ عَلى زَيْدٍ فِيما فَعَلَ جُناحٌ؟ فَتَقُولُ - وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ مُباحٌ - لَيْسَ عَلى أحَدٍ جُناحٌ في المُباحِ إذا اتَّقى المَحارِمَ وكانَ مُؤْمِنًا مُحْسِنًا، تُرِيدُ: إنَّ زَيْدًا تَقِيٌّ مُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ، وأنَّهُ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِما فَعَلَ.
وقالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: ما عَدا اتِّقاءَ المُحَرَّماتِ مِنَ الصِّفاتِ الجَمِيلَةِ المَذْكُورَةِ، لا دَخْلَ لَها في انْتِفاءِ الجُناحِ. وإنَّما ذُكِرَتْ في حَيِّزِ (إذا) شَهادَةً بِاتِّصافِ الَّذِينَ سُئِلَ عَنْ حالِهِمْ بِها، ومَدْحًا لَهم بِذَلِكَ، وحَمَدًا لِأحْوالِهِمْ. وقَدْ أُشِيرَ إلى ذَلِكَ حَيْثُ جُعِلَتْ تِلْكَ الصِّفاتُ تَبَعًا لِلِاتِّقاءِ في كُلِّ مَرَّةٍ تَمْيِيزًا بَيْنَها وبَيْنَ ما لَهُ دَخْلٌ في الحُكْمِ؛ فَإنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ بِطَرِيقِ العِبارَةِ - وإنْ كانَ لِبَيانِ حالِ المُتَّصِفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَنعُوتِ فِيما سَيَأْتِي بِقَضِيَّةِ كَلِمَةِ (إذْ ما) - لَكِنَّهُ قَدْ أُخْرِجَ مَخْرَجَ الجَوابِ عَنْ حالِ الماضِينَ لِإثْباتِ الحُكْمِ في حَقِّهِمْ في ضِمْنِ التَّشْرِيعِ الكُلِّيِّ عَلى الوَجْهِ البُرْهانِيِّ بِطَرِيقِ دَلالَةِ النَّصِّ بِناءً عَلى كَمالِ اشْتِهارِهِمْ بِالِاتِّصافِ بِها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جُناحٌ فِيما طَعِمُوهُ إذا كانُوا في طاعَتِهِ تَعالى. مَعَ ما لَهم مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ - بِحَيْثُ كُلَّما أُمِرُوا بِشَيْءٍ تَلَقَّوْهُ بِالِامْتِثالِ - وإنَّما كانُوا يَتَعاطَوْنَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ في حَياتِهِمْ لِعَدَمِ تَحْرِيمِهِما إذْ ذاكَ. ولَوْ حُرِّما في عَصْرِهِمْ، لاتَّقَوْهُما بِالمَرَّةِ.
وقالَ الطِّيبِيُّ: المَعْنى أنَّهُ لَيْسَ المَطْلُوبُ مِنَ المُؤْمِنِينَ الزَّهادَةَ عَنِ المُسْتَلَذّاتِ وتَحْرِيمَ الطَّيِّباتِ. وإنَّما المَطْلُوبُ مِنهُمُ التَّرَقِّي في مَدارِجِ التَّقْوى والإيمانِ إلى مَراتِبِ الإخْلاصِ واليَقِينِ ومَعارِجِ القُدْسِ والكَمالِ. وذَلِكَ بِأنْ يَثْبُتُوا عَلى الِاتِّقاءِ عَنِ الشِّرْكِ، وعَلى الإيمانِ بِما يَجِبُ (p-٢١٤٨)الإيمانُ بِهِ، وعَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِتَحْصِيلِ الِاسْتِقامَةِ التّامَّةِ الَّتِي يُتَمَكَّنُ بِها إلى التَّرَقِّي إلى مَرْتَبَةِ المُشاهَدَةِ ومَعارِجِ (أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ) وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: وأحْسِنُوا إلَخْ. وبِهِ يُنْتَهى لِلزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ ومَحَبَّتِهِ. واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ.
قالَ الخَفاجِيُّ: وهَذا دَفْعٌ لِلتَّكْرِيرِ وأنَّهُ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، لِأنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ العَطْفُ بِ (ثُمَّ) كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٤] بَلْ بِهِ بِاعْتِبارِ تَغايُرِ ما عُلِّقَ بِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى. واللَّهُ أعْلَمُ.
الثّانِيَةُ: الإحْسانُ المَذْكُورُ في الآيَةِ: إمّا إحْسانُ العَمَلِ، أوِ الإحْسانُ إلى الخَلْقِ، أوْ إحْسانُ المُشاهَدَةِ المُتَقَدِّمُ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ.
الثّالِثَةُ: رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها عَنْ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ في مَنزِلِ أبِي طَلْحَةَ. فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ فَأمَرَ ﷺ مُنادِيًا فَنادى. فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فانْظُرْ ما هَذا الصَّوْتُ. قالَ: فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقالَ لِي: اذْهَبْ فَأهْرِقْها. قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ.
قالَ: وكانَتْ خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ. فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطُونِهِمْ. (p-٢١٤٩)قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ». رَواهُ البُخارِيُّ في "التَّفْسِيرِ".
رَوى التِّرْمِذِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «ماتَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ. فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُها قالَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: فَكَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟ قالَ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ﴾ الآيَةَ». وقالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! أرَأيْتَ الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ (لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ)، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ﴾ الآيَةَ». أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وقالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢١٥٠)المَدِينَةَ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ. فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُما؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] إلى آخِرِ الآيَةِ. فَقالَ النّاسُ: ما حُرِّمَتْ عَلَيْنا. إنَّما قالَ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ، صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ. أمَّ أصْحابَهُ في المَغْرِبِ. خَلَطَ في قِراءَتِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةً أغْلَظَ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ، ثُمَّ أُنْزِلَتْ آيَةٌ أغْلَظُ مِن ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] فَقالُوا: انْتَهَيْنا. رَبَّنا؟ فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ ماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا ومِن عَمَلِ الشَّيْطانِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا ... الآيَةَ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوها كَما تَرَكْتُمْ».
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: انْفَرَدَ بِهِ أحْمَدُ.
وعَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ! بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ. فَدُعِيَ عُمَرُ (p-٢١٥١)فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ! بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - إذا قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ - نادى: لا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سَكْرانٌ. فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ! بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا. فَنَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ. فَلَمّا بَلَغَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] قالَ عُمَرُ: انْتَهَيْنا! انْتَهَيْنا! رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ. وأصْحابُ السُّنَنِ.
ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ. شَرِبُوا فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ. فَلَمّا أنَّ صَحُوا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرى الأثَرَ بِوَجْهِهِ ورَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٌ. وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، فَيَقُولُ: واللَّهِ! لَوْ كانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا. حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّما الخَمْرُ﴾ [المائدة: ٩٠] - إلى قَوْلِهِ -: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]
فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ وهي في بَطْنِ فُلانٍ وقَدْ قُتِلَ في أُحُدٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ﴾ الآيَةَ. ورَواهُ النَّسائِيُّ في "التَّفْسِيرِ".
وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ البَزّارُ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قُتِلُوا شُهَداءَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقالَتِ اليَهُودُ: فَقَدْ ماتَ بَعْضُ الَّذِينَ قُتِلُوا وهي في بُطُونِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ﴾ الآيَةَ. قالَ البَزّارُ: إسْنادُهُ صَحِيحٌ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو كَما قالَ.
وقَدْ ساقَ ابْنُ كَثِيرٍ - أحادِيثَ كَثِيرَةً في تَحْرِيمِ الخَمْرِ مِمّا رَواهُ أصْحابُ الصِّحاحِ والسُّنَنِ والمَسانِيدِ، فَمَن شاءَ فَلْيَرْجِعْ إلَيْهِ. ولا يَخْفى أنَّ تَحْرِيمَها مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ.
(p-٢١٥٢)وقَدْ رَوى السُّيُوطِيُّ في "الجامِعِ الكَبِيرِ" عَنِ ابْنِ عَساكِرَ بِسَنَدِهِ إلى سَيْفِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الرَّبِيعِ وأبِي عُثْمانَ وأبِي حارِثَةَ قالُوا: كَتَبَ أبُو عُبَيْدَةَ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّ نَفَرًا مِنَ المُسْلِمِينَ أصابُوا الشَّرابَ. مِنهم ضِرارٌ وأبُو جَنْدَلٍ. فَسَألْناهم فَتَأوَّلُوا وقالُوا: خُيِّرْنا فاخْتَرْنا. قالَ: فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ ؟ ولَمْ يَعْزِمْ. فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: فَذَلِكَ بَيْنَنا وبَيْنَهُمْ: فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ يَعْنِي: فانْتَهُوا. وجَمَعَ النّاسَ فاجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُضْرَبُوا ثَمانِينَ جَلْدَةً ويَضْمَنُوا النَّفْسَ، ومَن تَأوَّلَ عَلَيْها بِمِثْلِ هَذا، فَإنْ أبى قُتِلَ. وقالُوا: مَن تَأوَّلَ عَلى ما فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنهُ، يُزْجَرُ بِالفِعْلِ والقَتْلِ. فَكَتَبَ عُمَرُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ أنِ ادْعُهم. فَإنْ زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ فاقْتُلْهم. وإنْ زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثَمانِينَ. فَبَعَثَ إلَيْهِمْ فَسَألَهم عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ فَقالُوا: حَرامٌ. فَجَلَدَهم ثَمانِينَ. وحَدَّ القَوْمَ، ونَدِمُوا عَلى لَجاجَتِهِمْ، وقالَ: لَيَحْدِثَنَّ فِيكم - يا أهْلَ الشّامِ! - حادِثٌ، فَحَدَثَ الرَّمادَةُ.
ورَواهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ والحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ.
5:94Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤
O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.
(p-٢١٥٣)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٤] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكم لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أيْ: يُرْسِلُهُ إلَيْكم وأنْتُمْ مُحْرِمُونَ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾ لِتَأْخُذُوهُ، وهو الضَّعِيفُ مِنَ الصَّيْدِ وصَغِيرُهُ: ﴿ورِماحُكُمْ﴾ لِتَطْعَنُوهُ، وهو كِبارُ الصَّيْدِ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ فَيَمْتَنِعَ عَنِ الِاصْطِيادِ لِقُوَّةِ إيمانِهِ.
قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ. فَكانَتِ الوَحْشُ والطَّيْرُ والصَّيْدُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ فِيما خَلا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ وهم مُحْرِمُونَ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي أنَّهُ تَعالى يَبْتَلِيهِمْ بِالصَّيْدِ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ، يَتَمَكَّنُونَ مِن أخْذِهِ بِالأيْدِي والرِّماحِ سِرًّا وجَهْرًا، لِتَظْهَرَ طاعَةُ مَن يُطِيعُ مِنهم في سِرِّهِ أوْ جَهْرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢]
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ أيْ: بِالصَّيْدِ: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي بَعْدَ الإعْلامِ والإنْذارِ: ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِمُخالَفَتِهِ أمْرَ اللَّهِ وشَرْعَهُ.
لَطِيفَةٌ:
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ في قَوْلِهِ: بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ؟ قُلْتُ: قَلَّلَ وصَغَّرَ لِيُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ الَّتِي تَدْحَضُ عِنْدَها أقْدامُ الثّابِتِينَ - كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأرْواحِ والأمْوالِ - وإنَّما هو شَبِيهٌ بِما ابْتُلِيَ بِهِ أهْلُ أيْلَةَ مِن صَيْدِ السَّمَكِ، وأنَّهم إذا لَمْ يَثْبُتُوا عِنْدَهُ، فَكَيْفَ شَأْنُهم عِنْدَ ما هو أشَدُّ مِنهُ...؟
(p-٢١٥٤)قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": قَدْ ورَدَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ بِعَيْنِها في الفِتَنِ العَظِيمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥] فَلا خَفاءَ في عِظَمِ هَذِهِ البَلايا والمِحَنِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ الصّابِرُ عَلَيْها أنْ يُبَشَّرَ؛ لِأنَّهُ صَبْرٌ عَظِيمٌ. فَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّهُ قَلَّلَ وصَغَّرَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ هَذِهِ الفِتْنَةَ لَيْسَتْ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ - مَدْفُوعٌ بِاسْتِعْمالِها مَعَ الفِتَنِ المُتَّفَقِ عَلى عِظَمِها. والظّاهِرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المُرادَ بِما أشْعَرَ بِهِ اللَّفْظُ مِنَ التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ، التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ جَمِيعَ ما يَقَعُ الِابْتِلاءُ بِهِ مِن هَذِهِ البَلايا بَعْضٌ مِن كُلٍّ، بِالنِّسْبَةِ إلى مَقْدُورِ اللَّهِ تَعالى. وأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى أنْ يَكُونَ ما يَبْلُوهم بِهِ مِن ذَلِكَ أعْظَمَ مِمّا يَقَعُ وأهْوَلَ. وأنَّهُ مَهْما انْدَفَعَ عَنْهم مِمّا هو أعْظَمُ في المَقْدُورِ فَإنَّما يَدْفَعُهُ عَنْهم إلى ما هو أخَفُّ وأسْهَلُ، لُطْفًا بِهِمْ ورَحْمَةً. لِيَكُونَ هَذا التَّنْبِيهُ باعِثًا لَهم عَلى الصَّبْرِ، وحامِلًا عَلى الِاحْتِمالِ. والَّذِي يُرْشِدُ إلى أنَّ هَذا مُرادٌ، أنَّ سَبْقَ التَّوَعُّدِ بِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ إلّا لِيَكُونُوا مُتَوَطِّنِينَ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِهِ. فَيَكُونُ أيْضًا باعِثًا عَلى تَحَمُّلِهِ. لِأنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ بَغْتَةً أصْعَبُ. والإنْذارُ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ مِمّا يُسَهِّلُ مَوْقِعَهُ. وحاصِلُ ذَلِكَ لُطْفٌ في القَضاءِ... فَسُبْحانُ اللَّطِيفِ بِعِبادِهِ. وإذا فَكَّرَ العاقِلُ فِيما يُبْتَلى بِهِ مِن أنْواعِ البَلايا، وجَدَ المُنْدَفِعَ عَنْهُ مِنها أكْثَرَ، إلى ما لا يَقِفُ عِنْدَ غايَةٍ. فَنَسْألُ اللَّهَ العَفُوَّ والعافِيَةَ واللُّطْفَ في المَقْدُورِ.. انْتَهى.
ولِلزَّمَخْشَرِيِّ أنْ يُجِيبَ بِأنَّ الآيَةَ: ولَنَبْلُوَنَّكم شاهِدَةٌ لَهُ لا عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ فِيهِ أيْضًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما دَفَعَهُ اللَّهُ عَنْهم - كَما صَرَّحَ بِهِ النّاصِرُ - مَعَ أنَّهُ لا يَتِمُّ دَفْعُهُ بِالآيَةِ إلّا إذا كانَ: ونَقْصٍ مَعْطُوفًا عَلى مَجْرُورِ (مِن)، ولَوْ عُطِفَ عَلى (شَيْءٍ) لَكانَ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ بِلا فَرْقٍ.. كَذا في "العِنايَةِ".
5:95Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥
O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2
(p-٢١٥٥)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أيْ: مُحْرَمُونَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ.
قالَ المَهايِمِيُّ: لِأنَّ قَتْلَهُ تَجَبُّرٌ. والمُحْرِمُ في غايَةِ التَّذَلُّلِ. انْتَهى.
وذَكَرَ القَتْلَ دُونَ الذَّبْحِ والذَّكاةِ، لِلتَّعْمِيمِ. أوْ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في حُكْمِ المَيْتَةِ. والصَّيْدُ: ما يُصادُ مَأْكُولًا أوْ غَيْرُهُ. ولا يُسْتَثْنى إلّا ما ثَبَتَ في "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ عائِشَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««خَمْسُ فَواسِقَ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والعَقْرَبُ والفَأْرَةُ والكَلْبُ العَقُورُ»» . وفي رِوايَةٍ: (الحَيَّةُ) بَدَلَ (العَقْرَبِ).
قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وابْنُ عُيَيْنَةَ: الكَلْبُ العَقُورُ يَشْمَلُ السِّباعَ العادِيَةَ كُلَّها. ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا بِما رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَعا عَلى عُتْبَةَ بْنِ أبِي لَهَبٍ قالَ: «اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبَكَ» . فَأكَلَهُ السَّبُعُ بِالزَّرْقاءِ».
﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُمْ﴾ أيُّها المُحْرِمُونَ: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ ذاكِرًا (p-٢١٥٦)لِإحْرامِهِ: ﴿فَجَزاءٌ﴾ بِالتَّنْوِينِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ، أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ هُوَ: ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ: شَبَهُهُ في الخِلْقَةِ. وفي قِراءَةٍ بِإضافَةِ (جَزاءٍ): ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ: بِالمِثْلِ مُجْتَهِدانِ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ لَهُما فِطْنَةٌ يُمَيِّزانِ بِها أشْبَهَ الأشْياءِ بِهِ. وقَدْ حَكَمَ ابْنُ عَبّاسٍ وعُمَرُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم في النَّعامَةِ بِبَدَنَةٍ. وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عُبَيْدَةَ في بَقَرِ الوَحْشِ وحِمارِهِ بِبَقَرَةٍ. وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَوْفٍ في الظَّبْيِ بِشاةٍ. وحَكَمَ بِها ابْنُ عَبّاسٍ وعُمَرُ وغَيْرُهُما في الحَمامِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُها في العَبِّ: ﴿هَدْيًا﴾ حالٌ مِن (جَزاءٌ): ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ أيْ: يُبْلَغُ بِهِ الحَرَمُ. فَيُذْبَحُ فِيهِ ويَتَصَدَّقُ بِهِ عَلى مَساكِينِهِ. فَلا يَجُوزُ أنْ يُذْبَحَ حَيْثُ كانَ: ﴿أوْ﴾ عَلَيْهِ: ﴿كَفّارَةٌ﴾ غَيْرُ الجَزاءِ. وإنْ وجَدَهُ. هِيَ: ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ مِن غالِبِ قُوتِ البَلَدِ ما يُساوِي قِيمَةَ الجَزاءِ. لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ. وفي قِراءَةٍ بِإضافَةِ (كَفّارَةٍ) لِما بَعْدَهُ، وهي لِلْبَيانِ: ﴿أوْ﴾ عَلَيْهِ: ﴿عَدْلٍ﴾ مِثْلُ: ﴿ذَلِكَ﴾ الطَّعامِ: ﴿صِيامًا﴾ يَصُومُ، عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا: ﴿لِيَذُوقَ﴾ أيْ: هاتِكُ حُرْمَةِ اللَّهِ: ﴿وبالَ أمْرِهِ﴾ أيْ: شَدَّةَ وثِقْلَ هَتْكِهِ لِحُرْمَةِ الإحْرامِ. و(ولِيَذُوقَ) مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرارِ في الجارِّ والمَجْرُورِ. أيْ: فَعَلَيْهِ جَزاءٌ لِيَذُوقَ أوْ بِفِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ. أيْ: شُرِعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلَيْهِ: ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ بِطَلَبِ الجَزاءِ في الدُّنْيا والمُعاقَبَةِ في الآخِرَةِ. وكَيْفَ يَتْرُكُ ذَلِكَ: ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ﴾ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ. ومُقْتَضى عِزَّتِهِ الِانْتِقامُ مِن هاتِكِ حُرْمَتِهِ، فَهو لا مَحالَةَ: ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمَّنْ عَصاهُ.
تَنْبِيهاتٌ:
الأوَّلُ: - رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ طاوُسٍ قالَ: لا يُحْكَمُ عَلى مَن أصابَ صَيْدًا خَطَأً، إنَّما يُحْكَمُ عَلى مَن أصابَهُ مُتَعَمِّدًا.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا مَذْهَبٌ غَرِيبٌ. وهو تَمَسُّكٌ بِظاهِرِ الآيَةِ.
ورَأيْتُ في بَعْضِ تَفاسِيرِ الزَّيْدِيَّةِ نِسْبَةَ هَذا القَوْلِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ وسالِمٍ وأبِي ثَوْرٍ وابْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنِ (فِي إحْدى الرِّوايَتَيْنِ)، والقاسِمِ والهادِي والنّاصِرِ وغَيْرِهِمْ. انْتَهى.
(p-٢١٥٧)والجُمْهُورُ: أنَّ العامِدَ والنّاسِيَ سَواءٌ في وُجُوبِ الجَزاءِ عَلَيْهِ.
وقالَ الزُّهْرِيُّ: دَلَّ الكِتابُ عَلى العابِدِ. وجَرَتِ السُّنَّةُ عَلى النّاسِي.
الثّانِي: إذا لَمْ يَكُنِ الصَّيْدُ مِثْلِيًّا حَكَمَ ابْنُ عَبّاسٍ بِثَمَنِهِ يُحْمَلُ إلى مَكَّةَ. رَواهُ البَيْهَقِيُّ.
الثّالِثُ: ذَهَبَ مُعْظَمُ الأئِمَّةِ إلى التَّخْيِيرِ في هَذا المَقامِ بَيْنَ الجَزاءِ والإطْعامِ والصِّيامِ، لِأنَّهُ بِلَفْظِ (أوْ) وحَقِيقَتُها التَّخْيِيرُ.
وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّ ذَلِكَ عَلى التَّرْتِيبِ. قالُوا: إنَّما دَخَلَتْ (أوْ) لِبَيانِ أنَّ الجَزاءَ لا يَعْدُو أحَدَ هَذِهِ الأشْياءِ، ولِأنّا وجَدْنا الكَفّاراتِ مِنَ الظِّهارِ والقَتْلِ عَلى التَّرْتِيبِ. قُلْنا: هَذا مُعارَضٌ بِكَفّارَةِ اليَمِينِ وبِدَمِ الأذى، فَلا يَخْرُجُ عَنْ حَقِيقَةِ اللَّفْظِ وهو التَّخْيِيرُ.
الرّابِعُ: تَعَلَّقَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ مَن قالَ: لا كَفّارَةَ عَلى العائِدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَذْكُرْها. هو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وشُرَيْحٍ. والجُمْهُورُ: عَلى وُجُوبِها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ وعِيدَ العائِدِ لا يُنافِي وُجُوبَ الجَزاءِ عَلَيْهِ. وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ لِعِلْمِهِ فِيما مَضى. مَعَ أنَّ الآيَةَ يُحْتَمَلُ أنْ مَعْناها: مَن عادَ بَعْدَ التَّحْرِيمِ إلى ما كانَ قَبْلَهُ.
الخامِسُ: قالَ الحاكِمُ: كَما دَلَّتِ الآيَةُ عَلى الرُّجُوعِ إلى ذَوِي العَدْلِ في المُماثَلَةِ. فَفي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ وتَصْوِيبِ المُجْتَهِدِينَ. وجَوازِ تَعْلِيقِ الأحْكامِ بِغالِبِ الظَّنِّ. وجَوازِ رُجُوعِ العامِّيِّ إلى العالِمِ، وأنَّ عِنْدَ التَّنازُعِ في الأُمُورِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى أهْلِ البَصَرِ... انْتَهى.
وقَوْلُهُ تَعالى:
5:96Page 124
أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦
Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[٩٦] ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾
﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُحْرِمِينَ: ﴿صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ المَهايِمِيُّ: إذْ لَيْسَ فِيهِ التَّجَبُّرُ المُنافِي لِلتَّذَلُّلِ الإحْرامِيِّ. و: صَيْدُ البَحْرِ ما يُصْطادُ مِنهُ طَرِيًّا، و: ﴿وطَعامُهُ﴾ ما يُتَزَوَّدُ (p-٢١٥٨)مِنهُ مُمَلَّحًا يابِسًا، كَذا في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والمَشْهُورُ عَنْهُ أنَّ صَيْدَهُ ما أُخِذَ مِنهُ حَيًّا، وطَعامُهُ ما لَفَظَهُ مَيِّتًا. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا ما رُوِيَ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وأبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وعَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِنَ التّابِعِينَ.
ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: طَعامُهُ: كُلُّ ما فِيهِ.
وعَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ: طَعامُهُ: ما لَفَظَهُ حَيًّا أوْ حُسِرَ عَنْهُ فَماتَ.
﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ أيْ: تَمْتِيعًا لِلْمُقِيمِينَ مِنكم يَأْكُلُونَهُ طَرِيًّا: ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ قَدِيدًا.
و(السَّيّارَةُ) القَوْمُ يَسِيرُونَ. أُنِّثَ عَلى الرُّفْقَةِ والجَماعَةِ.
تَنْبِيهانِ:
الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلى حِلِّ مِيتَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وبِما رَواهُ الإمامُ مالِكٌ عَنِ ابْنِ وهْبٍ وابْنِ كَيْسانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْثًا قِبَلَ السّاحِلِ. فَأمَّرَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرّاحِ وهم ثَلاثُمِائَةٍ - قالَ: وأنا فِيهِمْ - قالَ: فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزّادُ. فَأمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِأزْوادِ ذَلِكَ الجَيْشِ. فَجَمَعَ ذَلِكَ فَكانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، قالَ: فَكانَ يَقُوتُنا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى فَنِيَ ولَمْ تُصِبْنا إلّا تَمْرَةً تَمْرَةً، فَقُلْتُ: وما تُغْنِي تَمْرَةٌ؟ فَقالَ: لَقَدْ وجَدْنا فَقْدَها حِينَ فُقِدَتْ. قالَ: ثُمَّ انْتَهَيْنا إلى البَحْرِ فَإذا حُوتٌ مِثْلَ الظَّرِبِ. فَأكَلَ مِنهُ ذَلِكَ الجَيْشُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً. ثُمَّ أمَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بِضِلْعَيْنِ مِن أضْلاعِهِ فَنُصِبا. ثُمَّ أمَرَ بِراحِلَةٍ فَرُحِلَتْ، ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَها ولَمْ تُصِبْها».
وهَذا الحَدِيثُ مُخَرَّجٌ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ" ولَهُ طُرُقٌ عَنْ جابِرٍ. وفي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" (p-٢١٥٩)عَنْ جابِرٍ: «وتَزَوَّدْنا مِن لَحْمِهِ وشائِقَ. فَلَمّا قَدِمْنا المَدِينَةَ أتَيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْنا ذَلِكَ لَهُ فَقالَ: هو رِزْقٌ أخْرَجَهُ اللَّهُ لَكم. هَلْ مَعَكم مِن لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونا؟ قالَ: فَأرْسَلْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُ فَأكَلَهُ».
وفِي بَعْضِ رِواياتِ مُسْلِمٍ: أنَّهم كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ وجَدُوا هَذِهِ السَّمَكَةَ. فَقالَ بَعْضُهُمْ: هي واقِعَةٌ أُخْرى. وقالَ بَعْضُهُمْ: هي قَضِيَّةٌ واحِدَةٌ، ولَكِنْ كانُوا أوَّلًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ بَعَثَهم سِرِّيَّةً مَعَ أبِي عُبَيْدَةَ. فَوَجَدُوا هَذِهِ في سَرِيَّتِهِمْ تِلْكَ مَعَ أبِي عُبَيْدَةَ. واللَّهُ أعْلَمُ؟
وعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنّا نَرْكَبُ البَحْرَ ونَحْمِلُ مَعَنا القَلِيلَ مِنَ الماءِ. فَإنْ تَوَضَّأْنا بِهِ عَطِشْنا. أفَنَتَوَضَّأُ بِماءِ البَحْرِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» . رَواهُ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ. وصَحَّحَهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ وغَيْرُهم.
(p-٢١٦٠)وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطِّحالُ»» . رَواهُ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ، ولَهُ شَواهِدُ. ورُوِيَ مَوْقُوفًا. فَهَذِهِ حُجَجُ الجُمْهُورِ.
الثّانِي: احْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا مَن ذَهَبَ مِنَ الفُقَهاءِ إلى أنَّهُ يُؤْكَلُ دَوابُّ البَحْرِ، ولَمْ يَسْتَثْنِ مِن ذَلِكَ شَيْئًا. وقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الصِّدِّيقِ أنَّهُ قالَ: طَعامُهُ: كُلُّ ما فِيهِ. وقَدِ اسْتَثْنى بَعْضُهُمُ الضَّفادِعَ، وأباحَ ما سِواها، لِما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ». ولِلنَّسائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ««نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضُّفْدَعِ وقالَ: نَقِيقُها تَسْبِيحٌ»»
﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: مُحْرِمِينَ؛ فَإذا اصْطادَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا أثِمَ وغَرِمَ. أوْ مُخْطِئًا غَرِمَ وحَرُمَ عَلَيْهِ أكْلُهُ؛ لِأنَّهُ في حَقِّهِ كالمَيْتَةِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في الِاصْطِيادِ في الحَرَمِ أوْ في الإحْرامِ، ثُمَّ حَذَّرَهم بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: تُبْعَثُونَ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم.
(p-٢١٦١)لَطِيفَةٌ:
قالَ المَهايِمِيُّ: إنَّما حُرِّمَ الصَّيْدُ عَلى المُحْرِمِ، لِأنَّهُ قَصَدَ الكَعْبَةَ الَّتِي حُرِّمَ صَيْدُ حَرَمِها، فَجُعِلَ كالواصِلِ إلَيْهِ. وإنَّما حُرِّمَ صَيْدُ حَرَمِها لِأنَّها مِثالُ بَيْتِ المَلِكِ، لا يُتَعَرَّضُ لِما فِيهِ أوْ في حَرَمِهِ. انْتَهى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences