Al-QasimiAl‑A'raf · 7:177–186

Al-Qasimi · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:177–186

7:177Page 173

سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ ١٧٧

How evil an example [is that of] the people who denied Our signs and used to wrong themselves.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٧] ﴿ساءَ مَثَلا القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾

" ﴿ساءَ مَثَلا﴾ أيْ ما مَثَّلَ بِهِ " ﴿القَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أيْ حَيْثُ شُبِّهُوا بِالكِلابِ، إمّا في اسْتِواءِ الحالَتَيْنِ في النُّقْصانِ وأنَّهم ضالُّونَ، وُعِظُوا أمْ لَمْ يُوعَظُوا كَما قَدَّمْنا، وإمّا في الخِسَّةِ، فَإنَّ الكِلابَ لا هِمَّةَ لَها إلّا في تَحْصِيلِ أكْلَةٍ أوْ شَهْوَةٍ، فَمَن خَرَجَ عَنْ حَيِّزِ الهُدى والعِلْمِ، وأقْبَلَ عَلى هَواهُ، صارَ شَبِيهًا بِالكَلْبِ، وبِئْسَ المَثَلُ مِثْلُهُ. ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنْهُ ﷺ قالَ: ««لَيْسَ لَنا مَثَلُ السَّوْءِ، العائِدُ في هِبَتِهِ كالكَلْبِ يَعُودُ في قَيْئِهِ»» .

" ﴿وأنْفُسَهم كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ اعْلَمْ أنَّ مِنَ السَّلَفِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِمَن عُرِضَ عَلَيْهِ الإيمانُ فَأبى أنْ يَقْبَلَهُ وتَرَكَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ واخْتارَهُ أبُو مُسْلِمٍ، حَيْثُ قالَ: قَوْلُهُ " ﴿آتَيْناهُ آياتِنا﴾ [الأعراف: ١٧٥] أيْ بَيَّنّاها، فَلَمْ يَقْبَلْ، وعَرّى مِنها. وسَواءٌ قَوْلُكَ: انْسَلَخَ وعَرّى وتَباعَدَ، وهَذا يَقَعُ عَلى كُلِّ كافِرٍ لَمْ يُؤْمِن بِالأدِلَّةِ، وأقامَ عَلى الكُفْرِ. قالَ: ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَـزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤٧] وقالَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ ﴿ولَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وأبى﴾ [طه: ٥٦] ومِنهم مَن ذَهَبَ إلى أنَّ المَوْصُولَ فِيها أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ، فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ (p-٢٩٠٦)وأبِي رَوْقٍ أنَّهُ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ، فَإنَّهُ كانَ قَدْ قَرَأ الكُتُبَ، وعَلِمَ أنَّ اللَّهَ مُرْسِلٌ رَسُولًا في ذَلِكَ الوَقْتِ، ورَجا أنْ يَكُونَ هُوَ، فَلَمّا أرْسَلَ اللَّهُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، حَسَدَهُ، ثُمَّ ماتَ كافِرًا، ولَمْ يُؤْمِن بِالنَّبِيِّ ﷺ، وهو الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ: ««إنَّهُ آمَنَ شِعْرُهُ وكَفَرَ قَلْبُهُ»» يُرِيدُ أنَّ شِعْرَهُ كَشِعْرِ المُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ أنَّهُ يُوَحِّدُ اللَّهَ في شِعْرِهِ، ويَذْكُرُ دَلائِلَ تَوْحِيدِهِ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ، الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ (الفاسِقَ)، كانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ خَرَجَ إلى الشّامِ، وأمَرَ المُنافِقِينَ بِاتِّخاذِ مَسْجِدَ الضِّرارِ والشِّقاقِ، وأتى قَيْصَرَ واسْتَنْجَدَهُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَماتَ هُناكَ طَرِيدًا وحِيدًا. وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

وقِيلَ نَزَلَتْ في مُنافِقِي أهْلِ الكِتابِ كانُوا يَعْرِفُونَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْكَرُوهُ. عَنِ الحَسَنِ والأصَمِّ.

وقِيلَ: إنَّهُ فِرْعَوْنُ، والآياتُ آياتُ مُوسى، كَأنَّهُ لَمّا اقْتَصَّ أنْباء بَنِي إسْرائِيلَ عادَ إلى قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وضُرِبَ لَهُ المَثَلُ.

ومِنَ الأقْوالِ الَّتِي تَناقَلَها المُفَسِّرُونَ أنَّها نَزَلَتْ في بِلْعامِ بْنِ بَعُورٍ، ويَحْكُونَ عَنْهُ قِصَّةً لَمْ تُرْوَ في جَوامِعِ الآثارِ الصَّحِيحَةِ عِنْدَنا، ولا هي مُطابَقَةٌ لِما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ فَقَدْ ذُكِرَ نَبَؤُهُ في الفَصْلِ الثّانِي والعِشْرِينَ والثّالِثِ والعِشْرِينَ مِن سِفْرِ العَدَدِ، مِن تارِيخِ التَّوْراةِ، بِغَيْرِ ما يَرْوِيهِ المُفَسِّرُونَ عَنْهُ، ثُمَّ رَأيْتُ الجَشْمِيَّ لَمْ يُصَحِّحْ ذَلِكَ، فَحَمِدْتُ المَوْلى عَلى المُوافَقَةِ. وعِبارَتُهُ: (وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ بُلْعُمُ، رَشاهُ قَوْمُهُ فَكَفَرَ. وهَذا لا يَجُوزُ، لِأنَّ الأنْبِياءَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكُفْرُ، لِأنَّ ذَلِكَ يُنَفِّرُ الخَلْقَ عَنِ الأنْبِياءِ، والقَبُولِ مِنهُمْ، ويُحَقِّرُهم (p-٢٩٠٧)فِي النُّفُوسِ، ولِأنَّهم حُجَجُ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ اصْطَفاهم. فالأقْرَبُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ مُجاهِدٍ. انْتَهى. وهو كَذَلِكَ لِأنَّ مَن قَرَأ نَبَأهُ السِّفْرِ المُتَقَدِّمِ، رَأى مِن ثَباتِهِ، وعَدَمِ مُوافَقَتِهِ لِبالاقَ، مَلِكٍ مَوّابٍ، عَلى ما أرادَهُ مِنهُ -ما يُبَرِّئُهُ عَنْ ذَلِكَ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: إنْ قِيلَ: كَيْفَ تَتَّصِلُ الآيَةُ بِما قَبْلَها؟ قُلْنا: عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ عَنى بِها فِرْعَوْنَ فَقَدِ اتَّصَلَتْ قِصَّتُهُ بِقِصَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ لَمّا نَهى عَنْ تَقْلِيدِ الآباءِ في الدِّينِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ حالَ عُلَماءِ السُّوءِ، الَّذِينَ يَخْتارُونَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، نَهْيًا عَنْ تَقْلِيدِهِمْ واتِّباعِهِمْ، كَما نَهى عَنْ تَقْلِيدِ الآباءِ. وقِيلَ: لَمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُ أخْذِ المِيثاقِ، بَيَّنَ حالَ مَن آتاهُ اللَّهُ الآياتِ فانْسَلَخَ مِنها ولَمْ يَتَّبِعْها. اهـ.

7:178Page 173

مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٧٨

Whoever Allāh guides - he is the [rightly] guided; and whoever He sends astray1 - it is those who are the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٨] ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

" ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قالَ أبُو السُّعُودِ: لَمّا أمَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأنْ يَقُصَّ قِصَصَ المُنْسَلِخِ عَلى هَؤُلاءِ الضّالِّينَ الَّذِينَ مَثَلُهم كَمَثَلِهِ، لِيَتَفَكَّرُوا فِيهِ، ويَتْرُكُوا ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإخْلادِ إلى الضَّلالَةِ، ويَهْتَدُوا إلى الحَقِّ- عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَحْقِيقِ أنَّ الهِدايَةَ والضَّلالَةَ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإنَّما العِظَةُ والتَّذْكِيرُ مِن قَبِيلِ الوَسائِطِ العادِيَّةِ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ، مِن غَيْرِ تَأْثِيرٍ لَها فِيهِ، سِوى كَوْنِها دَواعِيَ إلى صَرْفِ العَبْدِ اخْتِيارَهُ نَحْوَ تَحْصِيلِهِ، حَسْبَما نِيطَ بِهِ خَلْقُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، كَسائِرِ أفْعالِ العِبادِ.

7:179Page 174

وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٧٩

And We have certainly created for Hell many of the jinn and mankind. They have hearts with which they do not understand, they have eyes with which they do not see, and they have ears with which they do not hear. Those are like livestock; rather, they are more astray.1 It is they who are the heedless.

(p-٢٩٠٨)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧٩] ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾

" ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا﴾ أيْ خَلَقْنا " ﴿لِجَهَنَّمَ﴾ أيْ لِدُخُولِها والتَّعْذِيبِ بِها " ﴿كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ وهُمُ الكُفّارُ مِنَ الفَرِيقَيْنِ، المَوْصُوفُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى " ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ أيْ: آياتِ اللَّهِ الهادِيَةَ إلى الكَمالاتِ " ﴿ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ أيْ دَلائِلَ وحْدَتِهِ، بَصَرَ اعْتِبارٍ " ﴿ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ أيِ الآياتِ والمَواعِظَ سَماعَ تَدَبُّرٍ واتِّعاظٍ، يَعْنِي أنَّهم لا يَنْتَفِعُونَ بِشَيْءٍ مِن هَذِهِ الجَوارِحِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا لِلْهِدايَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٢٦] " ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ﴾ أيِ السّارِحَةِ الَّتِي لا تَنْتَفِعُ بِهَذِهِ الحَواسِّ مِنها، إلّا في الَّذِي يُقِيتُها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ [البقرة: ١٧١] أيْ: ومَثَلُهم في حالِ دُعائِهِمْ إلى الإيمانِ، كَمَثَلِ الأنْعامِ إذا دَعاها راعِيها، لا تَسْمَعُ إلّا صَوْتَهُ، ولا تَفْقَهُ ما يَقُولُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: " ﴿بَلْ هم أضَلُّ﴾ أيِ الأنْعامُ، إذْ لَيْسَ لِلْأنْعامِ قُوَّةُ تَحْصِيلِ تِلْكَ الكَمالاتِ ودَفْعُ تِلْكَ النَّقائِصِ، وهم مَعَ ما لَهم مِن تِلْكَ القُوَّةِ قَدْ خَلَوْا عَنِ الكَمالاتِ، وعَنْ دَفْعِ أضْدادِها، فَكانُوا أرْدَأ حالًا مِنها، لِنَقْصِهِمْ مَعَ وُجُودِ قُوَّةِ الكَمالِ فِيهِمْ. وأيْضًا: الأنْعامُ تُبْصِرُ مَنافِعَها ومَضارَّها، فَتَلْزَمُ بَعْضَ ما تُبْصِرُهُ، وهَؤُلاءِ أكْثَرُهم يَعْلَمُ أنَّهُ مُعانِدٌ، فَيَقْدُمُ عَلى النّارِ.

وأيْضًا: الأنْعامُ قَدْ تَسْتَجِيبُ لِراعِيها، وإنْ لَمْ تَفْقَهْ كَلامَهُ، بِخِلافِ هَؤُلاءِ، وأيْضًا: إنَّها تَفْعَلُ ما خُلِقَتْ لَهُ، إمّا بِطَبْعِها، وإمّا بِتَسْخِيرِها، بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم خُلِقُوا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ، ويُوَحِّدُوهُ، (p-٢٩٠٩)فَكَفَرُوا بِهِ وأشْرَكُوا. " أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ " أيْ عَنْ تِلْكَ الكَمالاتِ والنَّقائِصِ، لِيَهْتَمُّوا لِتَحْصِيلِها ودَفْعِها، اهْتِمامَهم لِجَرِّ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، ودَفْعِ مَضارِّها.

تَنْبِيهٌ:

قالَ أبُو السُّعُودِ: المُرادُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ ذُرِئُوا لِجَهَنَّمَ، الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمُ الكَلِمَةُ الأزَلِيَّةُ بِالشَّقاوَةِ، لَكِنْ لا بِطَرِيقِ الجَبْرِ، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ مِن قِبَلِهِمْ ما يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ، بَلْ لِعِلْمِهِ تَعالى بِأنَّهم لا يَصْرِفُونَ اخْتِيارَهم نَحْوَ الحَقِّ أبَدًا، بَلْ يُصِرُّونَ عَلى الباطِلِ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ مِنَ الآياتِ والنُّذُرِ. فَبِهَذا الِاعْتِبارِ جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها، كَما أنَّ جَمِيعَ الفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ اسْتِعْدادِهِمُ الكامِلِ الفِطْرِيِّ لِلْعِبادَةِ، وتَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنها، جُعِلَ خَلْقُهم مُغَيًّا بِها. كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وقَوْلُهُ تَعالى.

7:180Page 174

وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٨٠

And to Allāh belong the best names, so invoke Him by them. And leave [the company of] those who practice deviation concerning His names.1 They will be recompensed for what they have been doing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٠] ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

" ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ رَوى مُقاتِلٌ أنَّ رَجُلًا دَعا اللَّهَ في صَلاتِهِ، ودَعا الرَّحْمَنَ، فَقالَ بَعْضُ المُشْرِكِينَ: إنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ رَبًّا واحِدًا، فَما بالُ هَذا يَدْعُو اثْنَيْنِ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

و(الحُسْنى) تَأْنِيثُ (الأحْسَنِ)، والمَعْنى: لِلَّهِ الأسْماءُ الَّتِي هي أحْسَنُ الأسْماءِ وأجَلُّها، لِإنْبائِها عَنْ أحْسَنِ المَعانِي وأشْرَفِها: " ﴿فادْعُوهُ بِها وذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أسْمائِهِ﴾ أيْ يَمِيلُونَ عَنِ الإقْرارِ بِها ويَجْحَدُونَها، ويَعْدِلُونَ عَنْها كُفْرًا بِها. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وزادَهم نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠] أيْ زادَهم ذِكْرُ الرَّحْمَنِ نُفُورًا، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الأسْماءُ﴾ [الإسراء: ١١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، مِن جَحْدِهِمْ إيّاها ونُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِها.

(p-٢٩١٠)تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ السَّيِّدُ مُحَمَّدُ بْنُ المُرْتَضِي اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): مَقامُ مَعْرِفَةِ كَمالِ هَذا الرَّبِّ الكَرِيمِ، وما يَجِبُ لَهُ مِن نُعُوتِهِ وأسْمائِهِ الحُسْنى، مِن تَمامِ التَّوْحِيدِ، الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ، لِأنَّ كَمالَ الذّاتِ بِأسْمائِها الحُسْنى، ونُعُوتِها الشَّرِيفَةِ، ولا كَمالٌ لِذاتِ لا نَعْتَ لَها ولا اسْمٌ.

ولِذَلِكَ عُدَّ مَذْهَبُ المَلاحِدَةِ في مَدْحِ الرَّبِّ بِنَفْيِها، مِن أعْظَمِ مَكائِدِهِمْ لِلْإسْلامِ، فَإنَّهم عَكَسُوا المَعْلُومَ عَقْلًا وسَمْعًا، فَذَمُّوا الأمْرَ المَحْمُودَ ومَدَحُوا الأمْرَ المَذْمُومَ، القائِمَ مَقامَ النَّفْيِ والجَحْدِ المَحْضِ، وضادُّوا كِتابَ اللَّهِ ونُصُوصَهُ السّاطِعَةَ.

قالَ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ: ﴿ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ الآيَةَ. وقالَ: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] الآيَةَ، فَما كانَ مِنها مَنصُوصًا في كِتابِ اللَّهِ، وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى الجَمِيعِ، والإنْكارُ عَلى مَن جَحَدَهُ، أوْ زَعَمَ أنَّ ظاهِرَهُ اسْمُ ذَمٍّ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وما كانَ في الحَدِيثِ وجَبَ الإيمانُ بِهِ عَلى مَن عَرَفَ صِحَّتَهُ، وما نَزَلَ عَنْ هَذِهِ المَرْتَبَةِ، أوْ كانَ مُخْتَلِفًا في صِحَّتِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِعْمالُهُ، فَإنَّ اللَّهَ أجْلُّ مِن أنْ يُسَمّى بِاسْمٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ أنَّهُ تَسَمّى بِهِ. انْتَهى.

الثّانِي: رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مَن حَفِظَها دَخَلَ الجَنَّةَ، واللَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ»»، وفي رِوايَةٍ: ««مَن أحْصاها»»، قالَ البُخارِيُّ: أحْصَيْناهُ: حَفِظْناهُ. وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وزادَ سَوْقَ الأسْماءِ مَعْدُودَةً: (p-٢٩١١)ثُمَّ قالَ: ولا نَعْلَمُ في كَثِيرٍ مِنَ الرِّواياتِ ذِكْرَ الأسْماءِ إلّا في هَذا الحَدِيثِ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ أيْضًا. فَسَرَدَ الأسْماءَ بِزِيادَةٍ ونُقْصانٍ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: والَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ الحُفّاظِ، أنَّ سَرْدَ الأسْماءِ في هَذا الحَدِيثِ مُدْرَجٌ فِيهِ، وإنَّما ذَلِكَ كَما رَواهُ الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وعَبْدُ المَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعانِيُّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ غَيْرِ واحِدٍ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّهم قالُوا ذَلِكَ، أيْ أنَّهم جَمَعُوها مِنَ القُرْآنِ، كَما رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وأبِي زَيْدٍ اللُّغَوِيِّ. انْتَهى.

وقالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأسْمائِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. ولَيْسَ مَعْناهُ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أسْماءٌ غَيْرُ هَذِهِ التِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، وإنَّما المَقْصُودُ مِنَ الحَدِيثِ الإخْبارُ عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ بِإحْصائِها، لا الإخْبارُ بِحَصْرِها. ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ الآخَرِ: ««أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ»» . وقَدْ ذَكَرَ الحافِظُ أبُو بَكْرٍ ابْنُ العَرَبِيِّ المالِكِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ، أنَّ لِلَّهِ ألْفَ اسْمٍ. انْتَهى.

وقالَ السَّيِّدُ اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): عادَةُ المُتَكَلِّمِينَ أنْ يَقْتَصِرُوا هُنا عَلى اليَسِيرِ مِنَ الأسْماءِ، ولا يَنْبَغِي تَرْكُ شَيْءٍ مِنها، ولا اخْتِصارُهُ ! فَإنَّ ذَلِكَ كالِاخْتِصارِ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، ولَوْ كانَ مِنها شَيْءٌ لا يَنْبَغِي اعْتِقادُهُ ولا ذِكْرُهُ، ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في القُرْآنِ العَظِيمِ.

وعادَةُ بَعْضِ المُحَدِّثِينَ أنْ يُورِدُوا جَمِيعَ ما ورَدَ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ في تَعْدادِها، مَعَ الِاخْتِلافِ الشَّهِيرِ في صِحَّتِهِ. وحَسْبُكَ أنَّ البُخارِيَّ ومُسْلِمًا تَرَكا تَخْرِيجَهُ مَعَ رِوايَةِ أوَّلِهِ. واتِّفاقُهُما عَلى ذَلِكَ يُشْعِرُ بِقُوَّةِ العِلَّةِ فِيهِ، ولَكِنَّ الأكْثَرِينَ اعْتَمَدُوا ذَلِكَ تَعَرُّضًا لِفَضْلِ اللَّهِ العَظِيمِ في وعْدِهِ، مَن أحْصاها بِالجَنَّةِ كَما اتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ يُسْتَيْقَنُ إحْصاؤُها بِذَلِكَ إلّا لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ سُبْحانَهُ اسْمٌ غَيْرُ تِلْكَ الأسْماءِ. فَأمّا إذا كانَتْ أسْماؤُهُ سُبْحانَهُ أكْثَرَ مِن أنْ تُحْصى، بَطَلَ اليَقِينُ بِذَلِكَ، وكانَ الأحْسَنُ الِاقْتِصارَ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ، وما اتَّفَقَ عَلى صِحَّتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو النّادِرُ وقَدْ (p-٢٩١٢)ثَبَتَ أنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى أكْثَرُ مِن ذَلِكَ المَرْوِيِّ بِالضَّرُورَةِ والنَّصِّ. أمّا الضَّرُورَةُ، فَإنَّ في كِتابِ اللَّهِ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ، وأمّا النَّصُّ، فَحَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««ما قالَ عَبْدٌ أصابَهُ هَمٌّ أوْ حُزْنٌ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وابْنُ عَبْدِكَ وابْنُ أمَتِكَ، ناصِيَتِي بِيَدِكَ، ماضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضاؤُكَ، أسْألُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هو لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أوْ أنْزَلْتَهُ في كِتابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَدًا مِن خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ، أنْ تَجْعَلَ القُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، ونُورَ صَدْرِي، وجَلاءَ حُزْنِي، وذَهابَ هَمِّي وغَمِّي، إلّا أذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وغَمَّهُ، وأبْدَلَهُ مَكانَ حُزْنِهِ فَرَحًا»» - رَواهُ أحْمَدُ، وأبُو عَوانَةَ في (صَحِيحِهِ) وأبُو يَعْلى والبَزّارُ -.

ثُمَّ أخَذَ اليَمانِيُّ يَذْكُرُ ما وجَدَهُ مِنَ الأسْماءِ مَنصُوصًا، غَيْرَ مُعَرِّجٍ عَلى التَّقْلِيدِ. فانْظُرْهُ في (إيثارِ الحَقِّ) فَإنَّهُ جَوَّدَ البَحْثَ بِمَنزِعٍ شَرِيفٍ.

الثّالِثُ: قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: (فادْعُوهُ بِها): المَعْنى سَمُّوهُ بِها، وفي ذَلِكَ أمْرٌ بِدُعائِهِ بِالأسْماءِ الحُسْنى، وهو أمْرُ نَدْبٍ إذا حُمِلَ عَلى التِّلاوَةِ بِالتِّسْعَةِ والتِّسْعِينَ، وحَثَّ عَلى ذَلِكَ في الحَدِيثِ عَنْهُ ﷺ، وإنْ أُرِيدَ بِالتَّسْمِيَةِ بِما فِيهِ مَدْحٌ، دُونَ ما فِيهِ إلْحادٌ، فَذَلِكَ وُجُوبٌ.

الرّابِعُ: قالَ السَّيِّدُ اليَمانِيُّ في (إيثارِ الحَقِّ): هَلْ يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَحامِدِ الرَّبِّ تَعالى وأسْمائِهِ الحُسْنى صِفاتٍ لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى؟

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] وذَكَرَ أهْلُ التَّفْسِيرِ واللُّغَةِ أنَّهُ الوَصْفُ الأعْلى، وكَذَلِكَ جاءَ في كَلامِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ قالَ: فَعَلَيْكَ أيُّها السّائِلُ بِما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِن صِفَتِهِ- ذَكَرَهُ السَّيِّدُ أبُو طالِبٍ في (الأمالِي) بِإسْنادِهِ، والسَّيِّدُ الرَّضِيُّ في (النَّهْجِ) كِلاهُما في جَوابِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَلى الَّذِي قالَ لَهُ: (p-٢٩١٣)صِفْ لَنا نارَ رَبِّنا -. وهَذا لا يُعارِضُ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٠] لِأنَّهُ لَمْ يُنَزِّهْ ذاتَهُ عَنِ الوَصْفِ مُطْلَقًا، حَتّى يَعُمَّ الوَصْفُ الحَسَنُ، وإنَّما يُنَزَّهُ عَنْ وصْفِهِمْ لَهُ بِالباطِلِ القَبِيحِ. انْتَهى. وقَوْلُهُ تَعالى:

7:181Page 174

وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ ١٨١

And among those We created is a community1 which guides by truth and thereby establishes justice.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨١] ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾

" ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا﴾ أيْ لِلْجَنَّةِ، لِأنَّهُ في مُقابَلَةِ ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] -قالَهُ النَّسَفِيُّ - " ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ أيْ يَدْعُونَ إلَيْهِ " ﴿وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ أيْ يَعْمَلُونَ ويَقْضُونَ، وقَدْ جاءَ في الآثارِ، أنَّ المُرادَ بِالأُمَّةِ، هَذِهِ الأُمَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا قَرَأ الآيَةَ يَقُولُ: هَذِهِ لَكُمْ، وقَدْ أُعْطِيَ القَوْمُ بَيْنَ أيْدِيكم مِثْلَها.

وعَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أُمَّتِي قَوْمًا عَلى الحَقِّ، حَتّى يَنْزِلَ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ مَتّى ما نَزَلَ»» . وفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مُعاوِيَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهُمْ، ولا مَن خالَفَهُمْ، حَتّى تَقُومَ السّاعَةُ»» . وفي رِوايَةٍ: ««حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ وهم عَلى ذَلِكَ»» .

قالَ الشِّهابُ: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الإجْماعَ حُجَّةٌ في كُلِّ عَصْرٍ، وعَلى أنَّهُ لا يَخْلُو عَصْرٌ مِن مُجْتَهِدٍ إلى قِيامِ السّاعَةِ.

7:182Page 174

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢

But those who deny Our signs - We will progressively lead them [to destruction]1 from where they do not know.

(p-٢٩١٤)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٢] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾

" ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهم مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ سَنَأْخُذُهم بِالعَذابِ مِن طَرِيقٍ لا يَعْلَمُونَها، أوْ نَفْتَحُ لَهم مِنَ الأحْوالِ ما يُلائِمُ أهْوِيَتَهُمْ، ثُمَّ نُهْلِكُهم. وأصْلُ الِاسْتِدْراجِ: أنْ يَتَدَرَّجَ إلى الشَّيْءِ قَلِيلًا قَلِيلًا، تَشْبِيهًا بِمَن يَرْقى دَرَجَةً دَرَجَةً، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى العُلُوِّ. وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ الدَّرَجِ الَّذِي يُطْوى فَكَأنَّهُ يَطْوِي مَنزِلَةً بَعْدَ مَنزِلَةٍ، كَما يُطْوى الدَّرَجُ. وقِيلَ: لِأنَّهُ مِنَ الدَّرَجَةِ فَيَكُونُ، لِأنَّهُ يَنْحَطُّ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ حَتّى يَنْتَهِيَ إلى حالِ الهَلاكِ.

7:183Page 174

وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ ١٨٣

And I will give them time. Indeed, My plan is firm.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٣] ﴿وأُمْلِي لَهم إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾

" ﴿وأُمْلِي لَهُمْ﴾ أيْ أُمْهِلُهم لِيَزْدادُوا إثْمًا " ﴿إنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ شَدِيدٌ.

والمَعْنِيُّونَ بِهَذا الخِطابِ كُفّارُ مَكَّةَ.

قالَ في (التَّنْوِيرِ): هم أبُو جَهْلٍ وأصْحابُهُ المُسْتَهْزِئُونَ، أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ في يَوْمِ (أُحُدٍ)، وأهْلَكَ كُلَّ واحِدٍ بِهَلاكٍ غَيْرِ هَلاكِ صاحِبِهِ. انْتَهى.

ويَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى:

7:184Page 174

أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ ١٨٤

Then do they not give thought? There is in their companion [i.e., Muḥammad (ﷺ)] no madness. He is not but a clear warner.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٤] ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ إنْ هو إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾

" ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِن جِنَّةٍ﴾ أيْ كَما يَخْتَلِقُونَ. والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ، أيْ: أوَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنَّهُ لَيْسَ بِصاحِبِهِمُ الَّذِي هو أعْظَمُ الأُمَّةِ الهادِيَةِ بِالحَقِّ، شَيْءٌ مِن جِنَّةٍ. وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ الكَلامُ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ " ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا﴾ إنْكارًا لِعَدَمِ تَفَكُّرِهِمْ في شَأْنِهِ، المُوقَفِ عَلى صِدْقِهِ، وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. ثُمَّ ابْتَدَأ نَفْيَ الجِنَّةِ عَنْهُ تَعْجِيبًا وتَبْكِيتًا.

(p-٢٩١٥)و(الجِنَّةُ) مَصْدَرٌ، كالجِلْسَةِ، بِمَعْنى الجُنُونِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الجِنَّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ﴾ [الناس: ٦] لِأنَّهُ يَحُوجُ إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: مَسَّهُ جِنَّةٌ أوْ تَخَبُّطُها. والتَّعْبِيرُ عَنْهُ ﷺ بِ (صاحِبِهِمْ) لِلْإيذانِ بِأنَّ طُولَ مُصاحِبَتِهِمْ لَهُ، مِمّا يُطْلِعُهم عَلى نَزاهَتِهِ عَمّا ذُكِرَ، فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلنَّكِيرِ، وتَشْدِيدٌ لَهُ " ﴿إنْ هو إلا نَذِيرٌ﴾ أيْ: رَسُولٌ مُخَوِّفٌ " ﴿مُبِينٌ﴾ أيْ مُوَضِّحٌ إنْذارَهُ، مُبالَغَةً في الإعْذارِ. ولَمّا نَعى عَلَيْهِمْ تَفَكُّرَهم في شَأْنِهِ ﷺ، أنْكَرَ إخْلالَهم في التَّأمُّلِ بِالآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ المَنصُوبَةِ في الآفاقِ والأنْفُسِ، الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ الآياتِ المُنَزَّلَةِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

7:185Page 174

أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ ١٨٥

Do they not look into the realm of the heavens and the earth and everything that Allāh has created and [think] that perhaps their appointed time has come near? So in what statement [i.e., message] hereafter will they believe?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٥] ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهم فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾

" ﴿أوَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ أيْ نَظَرَ اسْتِدْلالٍ " ﴿فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ﴾ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والسَّحابِ. والمَلَكُوتُ: المُلْكُ العَظِيمُ " ﴿والأرْضِ﴾ أيْ وفي مَلَكُوتِ الأرْضِ، مِنَ البِحارِ والجِبالِ والدَّوابِّ والشَّجَرِ. " ﴿وما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ وفِيما خَلَقَ اللَّهُ مِمّا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ (الشَّيْءِ)، مِن أجْناسٍ لا يَحْصُرُها العَدَدُ، ولا يُحِيطُ بِها الوَصْفُ " ﴿وأنْ عَسى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى (مَلَكُوتِ). أيْ: في احْتِمالِ أنْ يَهْلَكُوا عَمّا قَرِيبٍ، فَيُفارِقُوا الدُّنْيا، وهم عَلى أتْعَسِ الأحْوالِ. " ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أيِ القُرْآنِ " ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ إذا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ، وهو المُعْجِزُ الجامِعُ لِكُلِّ ما يُفِيدُ الهِدايَةَ، وفي هَذا قَطْعٌ لِاحْتِمالِ إيمانِهِمْ رَأْسًا، ونَفْيٌ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ الجَشْمِيُّ: تَدُلُّ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ في الأدِلَّةِ، وأنَّها طَرِيقُ المَعْرِفَةِ. وتَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ يُنْظَرُ فِيهِ، إلّا ويُعْرَفُ اللَّهُ تَعالى بِهِ.

7:186Page 174

مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١٨٦

Whoever Allāh sends astray - there is no guide for him. And He leaves them in their transgression, wandering blindly.

(p-٢٩١٦)القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨٦] ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾

" ﴿مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هادِيَ لَهُ ويَذَرُهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أيْ في كُفْرِهِمْ يَتَحَيَّرُونَ، يَعْنِي أنَّ مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ، فَلا يَهْدِيهِ أحَدٌ، ولا يُغْنِيهِ النَّظَرُ، ولا الإنْذارُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا ماذا في السَّماواتِ والأرْضِ وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском