As-SuyutiAli 'Imran · 3:33–38

As-Suyuti · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:33–38

3:33–35Page 54

۞ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٣

Indeed, Allāh chose Adam and Noah and the family of Abraham and the family of ʿImrān over the worlds -

ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٣٤

Descendants, some of them from others. And Allāh is Hearing and Knowing.

إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥

[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."

(p-٥١٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ الآياتِ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ . قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذَكَرَ اللَّهُ أهْلَ بَيْتَيْنِ صالِحَيْنَ، ورَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، فَفَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، فَكانَ مُحَمَّدٌ ﷺ مِن آلِ إبْراهِيمَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: فَضَّلَهُمُ اللَّهُ عَلى العالَمِينَ بِالنُّبُوَّةِ عَلى النّاسِ كُلِّهِمْ، كانُوا هُمُ الأنْبِياءَ الأتْقِياءَ المُصْطَفَيْنَ لِرَبِّهِمْ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ . قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أنَّ عَلِيًّا قالَ لِلْحَسَنِ: قُمْ فاخْطُبِ النّاسَ. قالَ: إنِّي أهابُكَ أنْ أخْطُبَ وأنا (p-٥١٣)أراكَ. فَتَغِيبُ عَنْهُ حَيْثُ يَسْمَعُ كَلامَهُ ولا يَراهُ، فَقامَ الحَسَنُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، وتَكَلَّمَ ثُمَّ نَزَلَ، فَقالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .

وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى﴾ . يَعْنِي: اخْتارَ مِنَ النّاسِ لِرِسالَتِهِ، ﴿آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ﴾ . يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ، ﴿وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ . يَعْنِي: اخْتارَهم لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ عَلى عالَمِي ذَلِكَ الزَّمانِ، فَهم ذُرِّيَّةٌ بَعْضُها مِن بَعْضٍ، فَكُلُّ هَؤُلاءِ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، ثُمَّ مِن ذُرِّيَّةِ إبْراهِيمَ، إذْ قالَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ بْنِ ماثانَ واسْمُها حَنَّةُ بِنْتُ فاقُودَ، وهي أُمُّ مَرْيَمَ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ وذَلِكَ أنَّ أُمَّ مَرْيَمَ حَنَّةَ كانَتْ جَلَسَتْ عَنِ الوَلَدِ والمَحِيضِ، فَبَيْنَما هي ذاتَ يَوْمٍ في ظِلِّ شَجَرَةٍ، إذْ نَظَرَتْ إلى طَيْرٍ يَزُقُّ فَرْخًا لَهُ، فَتَحَرَّكَتْ نَفْسُها لِلْوَلَدِ، فَدَعَتِ اللَّهَ أنْ يَهَبَ لَها ولَدًا، فَحاضَتْ مِن ساعَتِها، فَلَمّا طَهُرَتْ أتاها زَوْجُها، فَلَمّا أيْقَنَتْ بِالوَلَدِ قالَتْ: لَئِنْ نَجّانِي اللَّهُ ووَضَعْتُ ما في بَطْنِي، لَأجْعَلَنَّهُ مُحَرَّرًا. وبَنُو ماثانَ مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن نَسْلِ داوُدَ، والمُحَرَّرُ لا يَعْمَلُ لِلدُّنْيا ولا يَتَزَوَّجُ، ويَتَفَرَّغُ لِعَمَلِ الآخِرَةِ، يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى ويَكُونُ في خِدْمَةِ الكَنِيسَةِ، ولَمْ يَكُنْ يُحَرَّرُ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا الغِلْمانُ، فَقالَتْ (p-٥١٤)لِزَوْجِها: لَيْسَ جِنْسٌ مِن جِنْسِ الأنْبِياءِ إلّا وفِيهِمْ مُحَرَّرٌ غَيْرُنا، وإنِّي جَعَلْتُ ما في بَطْنِي نَذِيرَةً. تَقُولُ: نَذَرْتُ أنْ أجْعَلَهُ لِلَّهِ. فَهو المُحَرَّرُ. فَقالَ زَوْجُها: أرَأيْتِ إنْ كانَ الَّذِي في بَطْنِكَ أُنْثى، والأُنْثى عَوْرَةٌ، فَكَيْفَ تَصْنَعِينَ؟ فاغْتَمَّتْ لِذَلِكَ، فَقالَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ . يَعْنِي: تَقَبَّلْ مِنِّي ما نَذَرْتُ لَكَ. ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦]، والأُنْثى عَوْرَةٌ، ثُمَّ قالَتْ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٣٦] وكَذَلِكَ كانَ اسْمُها عِنْدَ اللَّهِ، ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] . يَعْنِي المَلْعُونَ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَها، فَلَمْ يَقْرَبْها الشَّيْطانُ ولا ذُرِّيَّتَها؛ عِيسى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كُلُّ ولَدِ آدَمَ يَنالُ مِنهُ الشَّيْطانُ، يَطْعَنُهُ حِينَ يَقَعُ بِالأرْضِ بِإصْبَعِهِ، ولَها يَسْتَهِلُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ وابْنِها، لَمْ يَصِلْ إبْلِيسُ إلَيْهِما“» . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا وضَعَتْها خَشِيَتْ حَنَّةُ أُمُّ مَرْيَمَ أنْ لا تُقْبَلَ أُنْثى مُحَرَّرَةً، فَلَفَتَها في الخِرْقَةِ، ووَضَعَتْها في بَيْتِ المَقْدِسِ عِنْدَ القُرّاءِ، فَتَساهَمَ القُرّاءُ عَلَيْها - لِأنَّها كانَتْ بِنْتَ إمامِهِمْ، وكانَ إمامُ القُرّاءِ مِن ولَدِ هارُونَ - أيُّهم يَأْخُذُها، فَقالَ زَكَرِيّا وهو رَأْسُ الأحْبارِ: أنا آخُذُها، وأنا أحَقُّهم بِها؛ خالَتُها عِنْدِي. يَعْنِي أُمَّ يَحْيى، فَقالَ القُرّاءُ: وإنْ كانَ في القَوْمِ مَن هو أفْقَرُ إلَيْها مِنكَ، ولَوْ تُرِكَتْ لِأحَقِّ النّاسِ بِها، تُرِكَتْ لِأبِيها، ولَكِنَّها (p-٥١٥)مُحَرِّرَةٌ، غَيْرَ أنّا نَتَساهَمُ عَلَيْها، فَمَن خَرَجَ سَهْمُهُ فَهو أحَقُّ بِها. فَقَرَعُوا ثَلاثَ مَرّاتٍ بِأقْلامِهِمُ الَّتِي كانُوا يَكْتُبُونَ بِها الوَحْيَ ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤] . يَعْنِي: أيُّهم يَقْبِضُها. فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، وكانَتْ قُرْعَةُ أقْلامِهِمْ أنَّهم جَمَعُوها في مَوْضِعٍ ثُمَّ غَطَّوْها، فَقالُوا لِبَعْضِ خَدَمِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِنَ الغِلْمانِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ: أدْخِلْ يَدَكَ فَأخْرِجْ قَلَمًا مِنها. فَأدْخَلَ يَدَهُ فَأخْرَجَ قَلَمَ زَكَرِيّا، فَقالُوا: لا نَرْضى، ولَكِنْ نُلْقِي الأقْلامَ في الماءِ، فَمَن خَرَجَ قَلَمُهُ في جِرْيَةِ الماءِ ثُمَّ ارْتَفَعَ فَهو يَكْفُلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم في نَهْرِ الأُرْدُنِّ فارْتَفَعَ قَلَمُ زَكَرِيّا في جِرْيَةِ الماءِ، فَقالُوا: نَقْتَرِعُ الثّالِثَةَ، فَمَن جَرى قَلَمُهُ مَعَ الماءِ فَهو يَكْفُلُها. فَألْقَوْا أقْلامَهم فَجَرى قَلَمُ زَكَرِيّا مَعَ الماءِ، وارْتَفَعَتْ أقْلامُهم في جِرْيَةِ الماءِ، وقَبَضَها عِنْدَ ذَلِكَ زَكَرِيّا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ [آل عمران: ٣٧] . يَعْنِي: قَبَضَها. ثُمَّ قالَ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: ٣٧] . يَعْنِي: رَبّاها تَرْبِيَةً حَسَنَةً في عِبادَةٍ وطاعَةٍ لِرَبِّها، حَتّى تَرَعْرَعَتْ، وبَنى لَها زَكَرِيّا مِحْرابًا في بَيْتِ المَقْدِسِ، وجَعَلَ بابَهُ في وسَطِ الحائِطِ، لا يُصْعَدُ إلَيْها إلّا بِسُلَّمٍ.

وكانَ اسْتَأْجَرَ لَها ظِئْرًا، فَلَمّا تَمَّ لَها حَوْلانِ فُطِمَتْ وتَحَرَّكَتْ، فَكانَ يُغْلِقُ عَلَيْها البابَ والمِفْتاحَ مَعَهُ، لا يَأْمَنُ عَلَيْهِ أحَدًا، لا يَأْتِيها بِما يُصْلِحُها أحَدٌ غَيْرُهُ حَتّى بَلَغَتْ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: اسْمُ (p-٥١٦)أُمِّ مَرْيَمَ حَنَّةُ.

وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حَنَّةُ ولَدَتْ مَرْيَمَ أُمَّ عِيسى.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: كانَتْ نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ في الكَنِيسَةِ يَتَعَبَّدُ بِها، وكانَتْ تَرْجُو أنْ يَكُونَ ذَكَرًا.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ مُحَرَّرًا لِلْعِبادَةِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: خادِمًا لِلْبَيْعَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ امْرَأةُ عِمْرانَ حَرَّرَتْ لِلَّهِ ما في بَطْنِها، وكانُوا إنَّما يُحَرِّرُونَ الذُّكُورَ، وكانَ المُحَرَّرُ إذا حُرِّرَ جُعِلَ في الكَنِيسَةِ لا يَبْرَحُها؛ يَقُومُ عَلَيْها ويَكْنُسُها، وكانَتِ المَرْأةُ لا (p-٥١٧)يُسْتَطاعُ أنْ يُصْنَعَ بِها ذَلِكَ لِما يُصِيبُها مِنَ الأذى، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَتْ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مُحَرَّرًا﴾ . قالَ: جَعَلَتْهُ لِلَّهِ والكَنِيسَةِ، فَلا يُحالُ بَيْنَهُ وبَيْنَ العِبادَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ في زَمانِ بَنِي إسْرائِيلَ إذا ولَدَتْ غُلامًا أرْضَعَتْهُ ورَبَّتْهُ، حَتّى إذا أطاقَ الخِدْمَةَ دَفَعَتْهُ إلى الَّذِينَ يَدْرُسُونَ الكُتُبَ، فَقالَتْ: هَذا مُحَرَّرٌ لَكم يَخْدِمُكم.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّ امْرَأةَ عِمْرانَ كانَتْ عَجُوزًا عاقِرًا تُسَمّى حَنَّةُ، وكانَتْ لا تَلِدُ، فَجَعَلَتْ تَغْبِطُ النِّساءَ لِأوْلادِهِنَّ، فَقالَتِ: اللَّهُمَّ إنَّ عَلَيَّ نَذْرًا شُكْرًا إنْ رَزَقْتَنِي ولَدًا أنْ أتَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَيَكُونُ مِن سَدَنَتِهِ وخُدّامِهِ. ﴿فَلَمّا وضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ [آل عمران: ٣٦] . يَعْنِي: في المَحِيضِ ولا يَنْبَغِي لِامْرَأةٍ أنْ تَكُونَ مَعَ الرِّجالِ، ثُمَّ خَرَجَتْ أُمُّ مَرْيَمَ تَحْمِلُها في خِرْقَتِها إلى بَنِي الكاهِنِ ابْنِ هارُونَ أخِي مُوسى، قالَ: وهم يَوْمَئِذٍ يَلُونَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ ما يَلِي الحَجَبَةُ مِنَ الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهم: دُونَكم هَذِهِ النَّذِيرَةَ فَإنِّي حَرَّرْتُها، وهي ابْنَتِي ولا يَدْخُلُ الكَنِيسَةَ حائِضٌ، وأنا لا أرُدُّها إلى بَيْتِي. فَقالُوا: هَذِهِ ابْنَةُ إمامِنا، (p-٥١٨)وكانَ عِمْرانُ يَؤُمُّهم في الصَّلاةِ، فَقالَ زَكَرِيّا: ادْفَعُوها إلَيَّ، فَإنَّ خالَتَها تَحْتِي. فَقالُوا: لا تَطِيبُ أنْفُسُنا بِذَلِكَ. فَذَلِكَ حِينَ اقْتَرَعُوا عَلَيْها بِالأقْلامِ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ، فَقَرَعَهم زَكَرِيّا، فَكَفَلَها.

وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتِ“ .

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ قَرَأ: ”بِما وضَعْتُ“ بِرَفْعِ التّاءِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ”بِما وضَعْتٌ“ بِرَفْعِ التّاءِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ عَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ: ”واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعْتُ“ . قالَ: عَلى وجْهِ الشِّكايَةِ إلى الرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] بِنَصْبِ العَيْنِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ [آل عمران: ٣٦] بِنَصْبِ العَيْنِ.

3:36Page 54

فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦

But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."

(p-٥١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِّي أُعِيذُها﴾ الآيَةَ.

أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها“ . ثُمَّ يَقُولَ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَأُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران»: ٣٦] .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كُلُّ مَوْلُودٍ مِن ولَدِ آدَمَ لَهُ طَعْنَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ وبِها يَسْتَهِلُّ الصَّبِيُّ، إلّا ما كانَ مِن مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ ووَلَدِها، فَإنَّ أُمَّها قالَتْ حِينَ وضَعَتْها: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . فَضُرِبَ دُونَهُما حِجابٌ فَطَعَنَ في الحِجابِ“» .

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وقَدْ عَصَرَهُ الشَّيْطانُ عَصْرَةً أوْ عَصْرَتَيْنِ، إلّا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، ومَرْيَمَ“، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾“» .

(p-٥٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما وُلِدَ مَوْلُودٌ إلّا قَدِ اسْتَهَلَّ، غَيْرَ المَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ، لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ ولَمْ يَنْهَزْهُ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا وُلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أتَتِ الشَّياطِينُ إبْلِيسَ، فَقالُوا: أصْبَحَتِ الأصْنامُ قَدْ نُكِسَتْ رُءُوسُها. فَقالَ: هَذا حَدَثٌ، مَكانَكُمْ، فَطارَ حَتّى جابَ خافِقَيِ الأرْضِ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، ثُمَّ جاءَ البِحارَ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ طارَ أيْضًا، فَوَجَدَ عِيسى قَدْ وُلِدَ عِنْدَ مِذْوَدِ حِمارٍ، وإذا المَلائِكَةُ قَدْ حَفَّتْ حَوْلَهُ، فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: إنَّ نَبِيًّا قَدْ وُلِدَ البارِحَةَ، ما حَمَلَتْ أُنْثى قَطُّ ولا وضَعَتْ إلّا وأنا بِحَضْرَتِها إلّا هَذا، فَأْيَسُوا أنْ تُعْبَدَ الأصْنامُ بَعْدَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولَكِنِ ائْتُوا بَنِي آدَمَ مِن قِبَلِ الخِفَّةِ والعَجَلَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”كُلُّ بَنِي آدَمَ طَعَنَ الشَّيْطانُ في جَنْبِهِ إلّا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ، جُعِلَ بَيْنَهُما وبَيْنَهُ حِجابٌ، فَأصابَتِ الطَّعْنَةُ الحِجابَ ولَمْ يَنْفُذْ إلَيْهِما شَيْءٌ“» . وذُكِرَ لَنا أنَّهُما كانا لا يُصِيبانِ الذُّنُوبَ كَما يُصِيبُهُ سائِرُ بَنِي آدَمَ. وذُكِرَ لَنا أنَّ عِيسى كانَ يَمْشِي عَلى البَحْرِ كَما يَمْشِي عَلى البَرِّ، مِمّا أعْطاهُ اللَّهُ مِنَ اليَقِينِ والإخْلاصِ.

(p-٥٢١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ: «﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . قالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”كُلُّ آدَمِيٍّ طُعَنَ الشَّيْطانُ في جَنْبِهِ غَيْرَ عِيسى وأُمِّهِ، كانا لا يُصِيبانِ الذُّنُوبَ كَما يُصِيبُها بَنُو آدَمَ“ . قالَ: ”وقالَ عِيسى فِيما يُثْنِي عَلى رَبِّهِ: وأعاذَنِي وأُمِّي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْنا سَبِيلٌ“» .

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْلا أنَّها قالَتْ: ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ . إذَنْ لَمْ تَكُنْ لَها ذُرِّيَّةٌ.

3:37Page 54

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧

So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ الآيَةَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ . قالَ: تَقَبَّلَ مِن أُمِّها ما أرادَتْ بِها لِلْكَنِيسَةِ، فَأجَرَها فِيهِ: ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ . قالَ: نَبَتَتْ في غِذاءِ اللَّهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ . قالَ: ضَمَّها إلَيْهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَفَلَها زَكَرِيّا، فَدَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ، فَوَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، قالَ: ﴿أنّى لَكِ هَذا قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن (p-٥٢٢)يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . قالَ: إنَّ الَّذِي يَرْزُقُكِ العِنَبَ في غَيْرِ حِينِهِ لَقادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي مِنَ العاقِرِ الكَبِيرِ العَقِيمِ ولَدًا. هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ، فَلَمّا بُشِّرَ بِيَحْيى قالَ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ النّاسَ﴾ [آل عمران: ٤١] . قالَ: يَعْتَقِلُ لِسانُكَ مِن غَيْرِ مَرَضٍ وأنْتَ سَوِيٌّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وآدَمُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ . قالَ: سَهَمَهم بِقَلَمِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وإمامِهِمْ، فَتَشاحَّ عَلَيْها أحْبارُهُمْ، فاقْتَرَعُوا فِيها بِسِهامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها، وكانَ زَكَرِيّا زَوْجَ خالَتِها فَكَفَلَها، وكانَتْ عِنْدَهُ وحَضَنَها.

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، أنَّ الَّذِينَ كانُوا يَكْتُبُونَ التَّوْراةَ إذا جاءُوا إلَيْهِمْ بِإنْسانٍ يُحَرِّرُونَهُ (p-٥٢٣)اقْتَرَعُوا عَلَيْهِ أيُّهم يَأْخُذُهُ فَيُعَلِّمُهُ، وكانَ زَكَرِيّا أفْضَلَهم يَوْمَئِذٍ، وكانَ مَعَهم وكانَتْ أُخْتُ أُمِّ مَرْيَمَ تَحْتَهُ، فَلَمّا أتَوْا بِها قالَ لَهم زَكَرِيّا: أنا أحَقُّكم بِها، تَحْتِي أُخْتُها، فَأبَوْا، فَخَرَجُوا إلى نَهْرِ الأُرْدُنِّ، فَألْقَوْا أقْلامَهُمُ الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها أيُّهم يَقُومُ قَلَمُهُ فَيَكْفُلُها، فَجَرَتِ الأقْلامُ، وقامَ قَلَمُ زَكَرِيّا عَلى قَرْنَيْهِ، كَأنَّهُ في طِينٍ فَأخَذَ الجارِيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ . قالَ: جَعَلَها مَعَهُ في مِحْرابِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وكَفَّلَها﴾ مُشَدَّدَةً، ”زَكَرِيّاءَ“ مَمْدُودٌ مَنصُوبٌ مَهْمُوزٌ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ: مِكْتَلًا فِيهِ عِنَبٌ في غَيْرِ حِينِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ: عِنَبًا في غَيْرِ زَمانِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ قالَ: (p-٥٢٤)فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ: عِلْمًا.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ: وجَدَ عِنْدَها ثِمارَ الجَنَّةِ؛ فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا﴾ . قالَ: الفاكِهَةَ الغَضَّةَ حِينَ لا تُوجَدُ الفاكِهَةُ عِنْدَ أحَدٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ: ”أنّى“. يَعْنِي: مِن أيْنَ؟

وأخْرَجَ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿أنّى لَكِ هَذا﴾ . يَقُولُ: مَن أتاكِ بِهَذا؟

وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أقامَ أيّامًا لَمْ يَطْعِمْ طَعامًا حَتّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَطافَ في مَنازِلِ أزْواجِهِ، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ واحِدَةٍ مِنهُنَّ شَيْئًا، فَأتى فاطِمَةَ فَقالَ: ”يا بُنَيَّةُ، هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ آكُلُهُ فَإنِّي جائِعٌ؟“ . فَقالَتْ: لا واللَّهِ. فَلَمّا خَرَجَ مِن عِنْدِها بَعَثَتْ إلَيْها جارَةٌ لَها بِرَغِيفَيْنِ وقِطْعَةِ لَحْمٍ، فَأخَذَتْهُ مِنها (p-٥٢٥)فَوَضَعَتْهُ في جَفْنَةٍ لَها، وقالَتْ: واللَّهِ لَأُوثِرَنَّ بِهَذا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي ومَن عِنْدِي. وكانُوا جَمِيعًا مُحْتاجِينَ إلى شِبْعَةِ طَعامٍ، فَبَعَثَتْ حَسَنًا أوْ حُسَيْنًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَجَعَ إلَيْها فَقالَتْ لَهُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، قَدْ أتى اللَّهُ بِشَيْءٍ قَدْ خَبَّأْتُهُ لَكَ. فَقالَ: ”هَلُمِّي يا بُنَيَّةُ بِالجَفْنَةِ“ . فَكَشَفَتْ عَنِ الجَفْنَةِ، فَإذا هي مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا ولَحْمًا، فَلَمّا نَظَرَتْ إلَيْها بُهِتَتْ وعَرَفَتْ أنَّها بَرَكَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَحَمِدَتِ اللَّهَ، وقَدَّمَتْهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا رَآهُ حَمِدَ اللَّهَ وقالَ: ”مِن أيْنَ لَكِ هَذا يا بُنَيَّةُ ؟“ . قالَتْ: يا أبَتِ، يا أبَتِ، هو مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَكِ شَبِيهَةَ سَيِّدَةِ نِساءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّها كانَتْ إذا رَزَقَها اللَّهُ رِزْقًا فَسُئِلَتْ عَنْهُ قالَتْ: ﴿هُوَ مِن عِنْدِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران»: ٣٧] .

3:38Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ الآيَةَ.

أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى ذَلِكَ زَكَرِيّا؛ يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ، عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ عَلى أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا. فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ.

وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا وجَدَ زَكَرِيّا عِنْدَ مَرْيَمَ ثَمَرَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وثَمَرَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، يَأْتِيها بِهِ جِبْرِيلُ قالَ لَها: أنّى لَكِ هَذا في غَيْرِ حِينِهِ؟ فَقالَتْ: هَذا رِزْقٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَأْتِينِي بِهِ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ (p-٥٢٦)يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ. فَطَمِعَ زَكَرِيّا في الوَلَدِ، فَقالَ: إنَّ الَّذِي أتى مَرْيَمَ بِهَذِهِ الفاكِهَةِ في غَيْرِ حِينِها لَقادِرٌ أنْ يُصْلِحَ لِي زَوْجَتِي ويَهَبَ لِي مِنها ولَدًا. فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ، وذَلِكَ لِثَلاثِ لَيالٍ بَقِينَ مِنَ المُحَرَّمِ، قامَ زَكَرِيّا فاغْتَسَلَ، ثُمَّ ابْتَهَلَ في الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، قالَ: يا رازِقَ مَرْيَمَ ثِمارَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وثِمارَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ ﴿هَبْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾ . يَعْنِي: مِن عِنْدِكَ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ . يَعْنِي: تَقِيًّا.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ . يَقُولُ: مُبارَكَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском