Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
يونس
Yunus
Jonah · Meccan · 109 ayahs
10:1Page 208
الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ١
(p-115)سُورَةُ يُونُسَ - عَلَيْهِ السَّلامُ – مَكِّيَّةٌ، وهي مِائَةٌ وتِسْعُ آياتٍ
﴿الر﴾ بِتَفْخِيمِ الرّاءِ المَفْتُوحَةِ، وقُرِئَ بِالإمالَةِ إجْراءً لِلْأصْلِيَّةِ مُجْرى المُنْقَلِبَةِ عَنِ الياءِ، وقُرِئَ بَيْنَ بَيْنَ، وهو إمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِطَرِيقِ التَّحَدِّي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، وإمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ كَما عَلَيْهِ إطْباقُ الأكْثَرِ، فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذِهِ السُّورَةُ مُسَمّاةٌ بِـ"الر" وهو أظْهَرُ مِنَ الرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ لِعَدَمِ سَبْقِ العِلْمِ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ، فَحَقُّها الإخْبارُ بِها لا جَعْلُها عُنْوانَ المَوْضُوعِ لِتَوَقُّفِهِ عَلى عِلْمِ المُخاطَبِ بِالِانْتِسابِ كَما مَرَّ، والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها لِما أنَّها بِاعْتِبارِ كَوْنِها عَلى جَناحِ الذِّكْرِ وبِصَدَدِهِ صارَتْ في حُكْمِ الحاضِرِ، كَما يُقالُ: هَذا ما اشْتَرى فُلانٌ، أوِ النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ لائِقٍ بِالمَقامِ نَحْوُ: اذْكُرْ، أوِ اقْرَأْ، وكَلِمَةُ تِلْكَ إشارَةٌ إلَيْها، إمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَقَدْ نُزِّلَ حُضُورُ مادَّتِها الَّتِي هي الحُرُوفُ المَذْكُورَةُ مَنزِلَةَ ذِكْرِها فَأُشِيرَ إلَيْها،كَأنَّهُ قِيلَ: هَذِهِ الكَلِماتُ المُؤَلَّفَةُ مِن جِنْسِ هَذِهِ الحُرُوفِ المَبْسُوطَةِ... إلَخْ، وإمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ، فَقَدْ نَوَّهْتُ بِالإشارَةِ إلَيْها بَعْدَ تَنْوِيهِها بِتَعْيِينِ اسْمِها، أوِ الأمْرِ بِذِكْرِها، أوْ بِقِراءَتِها، وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى بُعْدِ مَنزِلَتِها في الفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ، خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿آياتُ الكِتابِ﴾ .
وَعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ "الر" مُبْتَدَأً فَهو مُبْتَدَأٌ ثانٍ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: هي آياتٌ مَخْصُوصَةٌ مِنهُ مُتَرْجَمَةٌ باسِمٍ مُسْتَقِلٍّ، والمَقْصُودُ بِبَيانِ بَعْضِيَّتِها مِنهُ وصْفُها بِما اشْتُهِرَ اتِّصافُهُ بِهِ مِنَ النُّعُوتِ الفاضِلَةِ والصِّفاتِ الكامِلَةِ.
والمُرادُ بِـ"الكِتابِ" إمّا جَمِيعُ القرآن العَظِيمِ - وإنْ لَمْ يَنْزِلِ الكُلُّ حِينَئِذٍ - إمّا بِاعْتِبارِ تَعَيُّنِهِ وتَحَقُّقِهِ في عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وعَلا، أوْ في اللَّوْحِ، أوْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ أُنْزِلَ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا كَما هو المَشْهُورُ، فَإنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ كانَتْ مُسَمّاةً بِهَذا الِاسْمِ وبِأُمِّ القرآن في عَهْدِ النُّبُوَّةِ، ولَمّا يَحْصُلِ المَجْمُوعُ الشَّخْصِيُّ إذْ ذاكَ، فَلا بُدَّ مِن مُلاحَظَةِ كُلٍّ مِنَ الكِتابِ والقرآن بِأحَدِ الِاعْتِباراتِ المَذْكُورَةِ.
وَإمّا جَمِيعُ القرآن النّازِلِ وقْتَئِذٍ المُتَفاهَمِ بَيْنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، فَإنَّهُ كَما يُطْلَقُ عَلى المَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ يُطْلَقُ عَلى مَجْمُوعِ ما نَزَلَ في كُلِّ عَصْرٍ، ألا يُرى إلى ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِن قَتْلى أُحُدٍ في ثَوْبٍ واحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أيُّهم أكْثَرُ أخْذًا لِلْقُرْآنِ؟"» فَإذا أُشِيرَ لَهُ إلى أحَدِهِما قَدَّمَهُ في اللَّحْدِ، فَإنَّ ما يَفْهَمُهُ النّاسُ مِنَ القرآن في ذَلِكَ الوَقْتِ، ويُحافِظُونَ عَلى التَّفاوُتِ في أخْذِهِ إنَّما هو المَجْمُوعُ النّازِلُ حِينَئِذٍ مِن غَيْرِ (p-116)مُلاحَظَةٍ لِتَحَقُّقِ المَجْمُوعِ الشَّخْصِيِّ في عِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ في اللَّوْحِ، ولا لِنُزُولِهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا.
﴿الحَكِيمِ﴾ ذِي الحِكْمَةِ، وُصِفَ بِهِ لِاشْتِمالِهِ عَلى فُنُونِ الحِكَمِ الباهِرَةِ ونُطْقِهِ بِها، أوْ هو مِن بابِ وصْفِ الكَلامِ بِصِفَةِ صاحِبِهِ، أوْ مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ المَكْنِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلى تَشْبِيهِ الكِتابِ بِالحَكِيمِ النّاطِقِ بِالحِكْمَةِ.
هَذا وقَدْ جُعِلَ الكِتابُ عِبارَةً عَنْ نَفْسِ السُّورَةِ، وكَلِمَةُ "تِلْكَ" إشارَةٌ إلى ما في ضِمْنِها مِنَ الآيِ، فَإنَّها في حُكْمِ الحاضِرِ لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ ما يَتَضَمَّنُها مِنَ السُّورَةِ عِنْدَ بَيانِ اسْمِها، أوِ الأمْرِ بِذِكْرِها، أوْ بِقِراءَتِها، ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ حِينَئِذٍ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها لا جَمِيعَها مِن حَيْثُ هو جَمِيعٌ؛ لِأنَّهُ عَيْنُ السُّورَةِ، فَلا يَكُونُ لِلْإضافَةِ وجْهٌ ولا لِتَخْصِيصِ الوَصْفِ بِالمُضافِ إلَيْهِ حِكْمَةٌ، فَلا يَتَأتّى ما قُصِدَ مِن مَدْحِ المُضافِ بِما لِلْمُضافِ إلَيْهِ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ ولِأنَّ في بَيانِ اتِّصافِ كُلٍّ مِنها بِالكَمالِ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في بَيانِ اتِّصافِ الكُلِّ بِذَلِكَ.
والمُتَبادَرُ مِنَ الكِتابِ عِنْدَ الإطْلاقِ - وإنْ كانَ كُلَّهُ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ - لَكِنَّ صِحَّةَ إطْلاقِهِ عَلى بَعْضِهِ أيْضًا مِمّا لا رَيْبَ فِيها، والمَعْهُودُ المَشْهُورُ، وإنْ كانَ اتِّصافُ الكُلِّ بِأحَدِ الِاعْتِبارَيْنِ بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِ الكَمالِ إلّا أنَّ شُهْرَةَ اتِّصافِ كُلِّ سُورَةٍ مِنهُ بِما اتَّصَفَ بِهِ الكُلُّ مِمّا لا يُنْكَرُ، وعَلَيْهِ يَدُورُ تَحَقُّقُ مَدْحِ السُّورَةِ بِكَوْنِها بَعْضًا مِنَ القرآن الكَرِيمِ، إذْ لَوْلا أنَّ بَعْضَهُ مَنعُوتٌ بِنَعْتِ كُلِّهِ داخِلٌ تَحْتَ حُكْمِهِ لَما تَسَنّى ذَلِكَ، وفِيهِ ما لا يَخْفي مِنَ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ.
10:2Page 208
أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ ٢
Have the people been amazed that We revealed [revelation] to a man from among them, [saying], "Warn mankind and give good tidings to those who believe that they will have a [firm] precedence of honor1 with their Lord"? [But] the disbelievers say, "Indeed, this is an obvious magician."
﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا﴾ الهَمْزَةُ لِإنْكارِ تَعَجُّبِهِمْ ولِتَعَجُّبِ السّامِعِينَ مِنهُ لِكَوْنِهِ في غَيْرِ مَحَلِّهِ، والمُرادُ بِالنّاسِ كَفّارُ مَكَّةَ، وإنَّما عُبِّرَ عَنْهم بِاسْمِ الجِنْسِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِكُفْرِهِمْ - مَعَ أنَّهُ المَدارُ لِتَعَجُّبِهِمْ، كَما تُعُرِّضَ لَهُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ ... إلَخْ - لِتَحْقِيقِ ما فِيهِ الشَّرِكَةُ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَعْيِينِ مَدارِ التَّعَجُّبِ في زَعْمِهِمْ، ثُمَّ تَبْيِينِ خَطَئِهِمْ وإظْهارِ بُطْلانِ زَعْمِهِمْ بِإيرادِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (عَجَبًا) وقِيلَ: بِعَجَبًا عَلى التَّوَسُّعِ المَشْهُورِ في الظُّرُوفِ، وقِيلَ: المَصْدَرُ إذا كانَ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ أوِ اسْمِ المَفْعُولِ جازَ تَقْدِيمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِـ(كانَ) وهو مَبْنِيٌّ عَلى دَلالَةِ كانَ النّاقِصَةِ عَلى الحَدَثِ.
﴿أنْ أوْحَيْنا﴾ اسْمُ كانَ قُدِّمَ عَلَيْهِ خَبَرُها اهْتِمامًا بِشَأْنِهِ لِكَوْنِهِ مَدارَ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ وتَشْوِيقًا إلى المُؤَخَّرِ؛ ولِأنَّ في الِاسْمِ ضَرْبَ تَفْصِيلٍ فَفي مُراعاةِ الأصْلِ نَوْعُ إخْلالٍ بِتَجاوُبِ أطْرافِ الكَلامِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ (عَجَبٌ) عَلى أنَّهُ الِاسْمُ وهو نَكِرَةٌ والخَبَرُ (أنْ أوْحَيْنا) وهو مَعْرِفَةٌ؛ لِأنَّ "أنْ" مَعَ الفِعْلِ في تَأْوِيلِ المَصْدَرِ المُضافِ إلى المَعْرِفَةِ البَتَّةَ والمُخْتارُ حِينَئِذٍ أنْ تُجْعَلَ كانَ تامَّةً و"أنْ أوْحَيْنا" مُتَعَلِّقًا بِـ(عَجَبٌ) عَلى حَذْفِ حَرْفِ التَّعْلِيلِ، أيْ: أحَدَثَ لِلنّاسِ عَجَبٌ لِـ"أنْ أوْحَيْنا"، أوْ مِن "أنْ أوْحَيْنا"، أوْ بَدَلًا مِن (عَجَبٌ) لَكِنْ لا عَلى تَوْجِيهِ الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ إلى حُدُوثِهِ، بَلْ إلى كَوْنِهِ عَجَبًا، فَإنَّ كَوْنَ الإبْدالِ في حُكْمِ تَنْحِيَةِ المُبْدَلِ مِنهُ لَيْسَ مَعْناهُ إهْدارَهُ بِالمَرَّةِ، وإنَّما قِيلَ: لِلنّاسِ لا عِنْدَ النّاسِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ أُعْجُوبَةً لَهم وفِيهِ مِن زِيادَةِ تَقْبِيحِ حالِهِمْ ما لا يَخْفى.
﴿إلى رَجُلٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: إلى بَشَرٍ مِن جِنْسِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: (أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا) أوْ مِن أفْنائِهِمْ (p-117)مِن حَيْثُ المالُ لا مِن عُظَمائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ: ﴿ (لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)﴾ وكِلا الوَجْهَيْنِ مِن ظُهُورِ البُطْلانِ بِحَيْثُ لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ بَعْثَ المَلَكِ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ كَوْنِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ مَلائِكَةً، كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولا﴾، وأمّا عامَّةُ البَشَرِ فَهم بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ المُفاوَضَةِ المَلَكِيَّةِ، كَيْفَ لا وهي مَنُوطَةٌ بِالتَّناسُبِ والتَّجانُسِ؟ فَبَعْثُ المَلَكِ إلَيْهِمْ مُزاحِمٌ لِلْحِمْكَةِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ، وإنَّما الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ أنْ يُبْعَثَ المَلَكُ مِن بَيْنِهِمْ إلى الخَواصِّ المُخْتَصِّينَ بِالنُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ المُؤَيَّدِينَ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ المُتَعَلِّقِينَ بِكِلا العالَمَيْنِ الرُّوحانِيِّ والجُسْمانِيِّ، لِيَتَلَقَّوْا مِن جانِبٍ ويُلْقُوا إلى جانِبٍ.
وَأمّا الثّانِي: فَلِما أنَّ مَناطَ الِاصْطِفاءِ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ هو التَّقَدُّمُ في الِاتِّصافِ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَمِيلَةِ، والصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، والسَّبْقِ في إحْرازِ الفَضائِلِ العَلِيَّةِ وحِيازَةِ المَلَكاتِ السَّنِيَّةِ جِبِلَّةً واكْتِسابًا، ولا رَيْبَ لِأحَدٍ مِنهم في أنَّهُ ﷺ في ذَلِكَ الشَّأْنِ في غايَةِ الغاياتِ القاصِيَةِ ونِهايَةِ النِّهاياتِ النّائِيَةِ، وأمّا التَّقَدُّمُ في الرِّياساتِ الدُّنْيَوِيَّةِ والسَّبْقِ في نَيْلِ الحُظُوظِ الدَّنِيَّةِ فَلا دَخْلَ لَهُ في ذَلِكَ قَطْعًا، بَلْ لَهُ إخْلالٌ بِهِ غالِبًا، قالَ ﷺ: ««لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَناحَ بَعُوضَةٍ ما سَقى الكافِرَ مِنها شَرْبَةَ ماءٍ».»
﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ﴾ أنَّ مَصْدَرِيَّةٌ لِجَوازِ كَوْنِ صِلَتِها أمْرًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبَرُ والإنْشاءُ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ سِيّانِ فَساغَ وُقُوعُ الأمْرِ والنَّهْيِ صِلَةً حَسَبَ وُقُوعِ الفِعْلِ، فَلْيُجَرَّدْ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ نَحْوَ تَجَرُّدِ الصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ عَنْ مَعْنى المُضِيِّ والِاسْتِقْبالِ، ووُجُوبُ كَوْنِ الصِّلَةِ في المَوْصُولِ الِاسْمِيِّ خَبَرِيَّةً إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ بِها إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ لا لِقُصُورٍ في دَلالَةِ الإنْشاءِ عَلى المَصْدَرِ.
أوْ مُفَسِّرَةٌ إذِ الإيحاءُ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ، وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها مُخَفِّفَةً مِنَ المُثَقَّلَةِ عَلى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ والقَوْلِ مِنَ الخَبَرِ، والمَعْنى: أنَّ الشَّأْنَ قَوْلُنا أنْذِرِ النّاسَ، والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ النّاسِ كافَّةً لا ما أُرِيدَ بِالأوَّلِ، وهو النُّكْتَةُ في إيثارِ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ، وكَوْنُ الثّانِي عَيْنَ الأوَّلِ عِنْدَ إعادَةِ المَعْرِفَةِ لَيْسَ عَلى الإطْلاقِ.
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بِما أوْحَيْناهُ وصَدَّقُوهُ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ أيْ: سابِقَةً ومَنزِلَةً رَفِيعَةً ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وإنَّما عُبِّرَ عَنْها بِها إذْ بِها يَحْصُلُ السَّبْقُ والوُصُولُ إلى المَنازِلِ الرَّفِيعَةِ، كَما يُعَبَّرُ عَنِ النِّعْمَةِ بِاليَدِ؛ لِأنَّها تُعْطى بِها، وقِيلَ: مَقامَ صِدْقٍ، والوَجْهُ أنَّ الوُصُولَ إلى المَقامِ إنَّما يَحْصُلُ بِالقَدَمِ، وإضافَتُها إلى الصِّدْقِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِها وثَباتِها، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ مَدارَ نَيْلِ ما نالُوهُ مِنَ المَراتِبِ العَلِيَّةِ هو صِدْقُهُمْ، فَإنَّ التَّصْدِيقَ لا يَنْفَكُّ عَنِ الصِّدْقِ.
﴿قالَ الكافِرُونَ﴾ هُمُ المُتَعَجِّبُونَ، وإيرادُهم هَهُنا بِعُنْوانِ الكُفْرِ مِمّا لا حاجَةَ إلى ذِكْرِ سَبَبِهِ، وتَرْكُ العاطِفِ لِجَرَيانِهِ مَجْرى البَيانِ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، أوْ لِكَوْنِهِ اسْتِئْنافًا مَبْنِيًّا عَلى السُّؤالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا صَنَعُوا بَعْدَ التَّعَجُّبِ؟ هَلْ بَقُوا عَلى التَّرَدُّدِ والِاسْتِبْعادِ أوْ قَطَعُوا فِيهِ بِشَيْءٍ؟ فَقِيلَ: "قالَ الكافِرُونَ" عَلى طَرِيقَةِ التَّأْكِيدِ ﴿إنَّ هَذا﴾ يَعْنُونَ بِهِ ما أُوحِيَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ القرآن الحَكِيمِ المُنْطَوِي عَلى الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ ﴿لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ، وقُرِئَ (لَساحِرٌ) عَلى أنَّ الإشارَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقُرِئَ (ما هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ) وهَذا اعْتِرافٌ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ بِأنَّ ما عايَنُوهُ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ، نازِلٌ مِن جَنابِ خَلّاقِ القُوى والقَدَرِ، ولَكِنَّهم سَمَّوْهُ بِما قالُوا تَمادِيًا في العِنادِ، كَما هو دَيْدَنُ (p-118)المُكابِرِ اللَّجُوجِ، ودَأْبُ المُفْحَمِ المَحْجُوجِ.
10:3Page 208
إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣
Indeed, your Lord is Allāh, who created the heavens and the earth in six days and then established Himself above the Throne,1 arranging the matter [of His creation]. There is no intercessor except after His permission. That is Allāh, your Lord, so worship Him. Then will you not remember?
﴿إنَّ رَبَّكُمُ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِإظْهارِ بُطْلانِ تَعَجُّبِهِمُ المَذْكُورِ وما بَنَوْا عَلَيْهِ مِنَ المَقالَةِ الباطِلَةِ غِبَّ الإشارَةِ إلَيْهِ بِالإنْكارِ والتَّعْجِيبِ، وحُقِّقَ فِيهِ حَقِّيَّةُ ما تَعَجَّبُوا مِنهُ وصِحَّةُ ما أنْكَرُوهُ بِالتَّنْبِيهِ الإجْمالِيِّ عَلى بَعْضِ ما يَدُلُّ عَلَيْها مِن شُئُونِ الخَلْقِ والتَّقْدِيرِ وأحْوالِ التَّكْوِينِ والتَّدْبِيرِ، ويُرْشِدُهم إلى مَعْرِفَتِها بِأدْنى تَذْكِيرٍ لِاعْتِرافِهِمْ بِهِ مِن غَيْرِ نَكِيرٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن رَبُّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أفَلا تَتَّقُونَ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكم مَن السَّماءِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ أيْ: إنَّ رَبَّكم ومالِكَ أمْرِكُمُ الَّذِي تَتَعَجَّبُونَ مِن أنْ يُرْسِلَ إلَيْكم رَجُلًا مِنكم بِالإنْذارِ والتَّبْشِيرِ وتُعِدُّونَ ما أُوحِيَ إلَيْهِ مِنَ الكِتابِ الحَكِيمِ سِحْرًا هو ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ وما فِيهِما مِن أُصُولِ الكائِناتِ ﴿فِي سِتَّةِ أيّامٍ﴾ أيْ: في سِتَّةِ أوْقاتٍ، أوْ في مِقْدارِ سِتَّةِ أيّامٍ مَعْهُودَةٍ، فَإنَّ نَفْسَ اليَوْمِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ زَمانِ كَوْنِ الشَّمْسِ فَوْقَ الأرْضِ مِمّا لا يَتَصَوَّرُ تَحَقُّقُهُ حِينَ لا أرْضَ ولا سَماءَ، وفي خَلْقِها مُدَرَّجًا - مَعَ القُدْرَةِ التّامَّةِ عَلى إبْداعِها دُفْعَةً - دَلِيلٌ عَلى الِاخْتِيارِ واعْتِبارٌ لِلنُّظّارِ، وحَثٌّ لَهم عَلى التَّأنِّي في الأحْوالِ والأطْوارِ، وأمّا تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِالعَدَدِ المُعَيَّنِ فَأمْرٌ قَدِ اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ ما يَسْتَدْعِيهِ عَلّامُ الغُيُوبِ، جَلَّتْ قدرته، ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ، وإيثارُ صِيغَةِ الجَمْعِ في السَّماواتِ لِما هو المَشْهُورُ مِنَ الإيذانِ بِأنَّها أجْرامٌ مُخْتَلِفَةُ الطِّباعِ مُتَبايِنَةُ الآثارِ والأحْكامِ.
﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ هو الجِسْمُ المُحِيطُ بِسائِرِ الأجْسامِ، سُمِّيَ بِهِ لِارْتِفاعِهِ، أوْ لِلتَّشْبِيهِ بِسَرِيرِ المَلِكِ، فَإنَّ الأوامِرَ والتَّدابِيرَ مِنهُ تَنْزِلُ، وقِيلَ: هو المُلْكُ، ومَعْنى اسْتِوائِهِ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ اسْتِيلاؤُهُ عَلَيْهِ، أوِ اسْتِواءُ أمْرِهِ، وعَنْ أصْحابِنا أنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ صِفَةٌ لَهُ سُبْحانَهُ بِلا كَيْفٍ، والمَعْنى أنَّهُ سُبْحانَهُ اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي عَناهُ مُنَزَّهًا عَنِ التَّمَكُّنِ والِاسْتِقْرارِ؟ وهَذا بَيانٌ لِجَلالَةِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ بَعْدَ بَيانِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ وسَعَةِ قدرته بِما مَرَّ مِن خَلْقِ هاتِيكَ الأجْرامِ العِظامِ.
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ التَّدْبِيرُ النَّظَرُ في أدْبارِ الأُمُورِ وعَواقِبِها لِتَقَعَ عَلى الوَجْهِ المَحْمُودِ، والمُرادُ هَهُنا: التَّقْدِيرُ عَلى الوَجْهِ الأتَمِّ الأكْمَلِ، والمُرادُ بِالأمْرِ أمْرُ مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ والعَرْشِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الجُزَيْئاتِ الحادِثَةِ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلى أطْوارٍ شَتّى، وأنْحاءٍ لا تَكادُ تُحْصى مِنَ المُناسَباتِ والمُبايَناتِ في الذَّواتِ والصِّفاتِ والأزْمِنَةِ والأوْقاتِ، أيْ: يُقَدِّرُ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الكائِناتِ - الَّذِي ما تَعَجَّبُوا مِنهُ مِن أمْرِ البَعْثِ والوَحْيِ فَرْدٌ مِن جُمْلَتِهِ وشُعْبَةٌ مِن دَوْحَتِهِ - ويُهَيِّئُ أسْبابَ كُلٍّ مِنها حُدُوثًا وبَقاءً في أوْقاتِها المُعَيَّنَةِ، ويُرَتِّبُ مَصالِحَها عَلى الوَجْهِ الفائِقِ والنَّمَطِ اللّائِقِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وتَسْتَدْعِيهِ المَصْلَحَةُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى أنَّها حالٌ مِن ضَمِيرِ (اسْتَوى) وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُها خَبَرًا ثانِيًا لِـ(أنْ) أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، مَبْنِيَّةٌ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن ذِكْرِ الِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ المُنْبِئِ عَنْ إجْراءِ أحْكامِ المُلْكِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَإيثارُ صِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ التَّدْبِيرِ واسْتِمْرارِهِ.
وَقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما مِن شَفِيعٍ﴾ (p-119)بَيانٌ لِاسْتِبْدادِهِ سُبْحانَهُ في التَّقْدِيرِ والتَّدْبِيرِ، ونَفْيٌ لِلشَّفاعَةِ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ فَإنَّ نَفْيَ جَمِيعِ أفْرادِ الشَّفِيعِ بِـ"مِن" الِاسْتِغْراقِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشَّفاعَةِ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ وهَذا بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ جارٍ مَجْرى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ ولا يُجارُ عَلَيْهِ﴾ عَقِيبَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مِن بَعْدِ إذْنِهِ﴾ اسْتَثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأوْقاتِ، أيْ: ما مِن شَفِيعٍ يَشْفَعُ لِأحَدٍ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ إلّا بَعْدَ إذْنِهِ المَبْنِيِّ عَلى الحِكْمَةِ الباهِرَةِ، وذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِ الشَّفِيعِ مِنَ المُصْطَفَيْنَ الأخْيارِ، والمَشْفُوعِ لَهُ مِمَّنْ يَلِيقُ بِالشَّفاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى عَظَمَةِ جَلالِهِ سُبْحانَهُ ما لا يَخْفى.
﴿ذَلِكُمُ﴾ إشارَةٌ إلى المَعْلُومِ بِتِلْكَ العَظَمَةِ، أيْ: ذَلِكُمُ العَظِيمُ الشَّأْنِ، المَنعُوتُ بِما ذُكِرَ مِن نُعُوتِ الكَمالِ الَّتِي عَلَيْها يَدُورُ اسْتِحْقاقِ الأُلُوهِيَّةِ ﴿اللَّهُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّكُمُ﴾ بَيانٌ لَهُ، أوْ بَدَلٌ مِنهُ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ، وهَذا بَعْدَ بَيانِ أنَّ رَبَّهُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ... إلَخْ؛ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والمُبالَغَةِ في التَّذْكِيرِ ولِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِالعِبادَةِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْبُدُوهُ﴾ أيْ: وحِّدُوهُ مِن غَيْرِ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِن مَلَكٍ أوْ نَبِيٍّ فَضْلًا عَنْ جَمادٍ لا يُبْصِرُ ولا يَسْمَعُ ولا يَضُرُّ ولا يَنْفَعُ، وآمِنُوا بِما أنْزَلَهُ إلَيْكم ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ كَما فُصِّلَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ ذَلِكَ حَتّى تَقِفُوا عَلى فَسادِ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ فَتَرْتَدِعُوا عَنْهُ.
10:4Page 208
إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٤
To Him is your return all together. [It is] the promise of Allāh [which is] truth. Indeed, He begins the [process of] creation and then repeats it that He may reward those who have believed and done righteous deeds, in justice. But those who disbelieved will have a drink of scalding water and a painful punishment for what they used to deny.
﴿إلَيْهِ﴾ لا إلى أحَدٍ سِواهُ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ فَإنَّهُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ لِكَوْنِهِ فاعِلًا في المَعْنى، أيْ: إلَيْهِ رُجُوعُكم مُجْتَمِعِينَ، والجُمْلَةُ كالتَّعْلِيلِ لِوُجُوبِ العِبادَةِ.
﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِنَفْسِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالبَعْثِ، أوْ لِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: وعَدَ اللَّهُ، وأيًّا ما كانَ فَهو دَلِيلٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَرْجِعِ هو الرُّجُوعُ بِالبَعْثِ؛ لِأنَّ ما بِالمَوْتِ بِمَعْزِلٍ مِنَ الوَعْدِ، كَما أنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الِاجْتِماعِ، وقُرِئَ بِصِيغَةِ الفِعْلِ.
﴿حَقًّا﴾ مَصْدَرٌ آخَرُ مُؤَكِّدٌ لِما دَلَّ عَلَيْهِ الأوَّلُ ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ﴾ وقُرِئَ (يُبْدِئُ) ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ وهو اسْتِئْنافٌ عُلِّلَ بِهِ وُجُوبُ المَرْجِعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، فَإنَّ غايَةَ البَدْءِ والإعادَةِ هو جَزاءُ المُكَلَّفِينَ بِأعْمالِهِمْ حَسَنَةً أوْ سَيِّئَةً، وقُرِئَ بِالفَتْحِ، أيْ: لِأنَّهُ، ويَجُوزُ كَوْنُهُ مَنصُوبًا بِما نَصَبَ (وَعْدَ اللَّهِ) أيْ: وعَدَ اللَّهُ وعَدًا: بَدْءَ الخَلْقِ ثُمَّ إعادَتَهُ، ومَرْفُوعًا بِما نَصَبَ "حَقًّا"، أيْ: حَقَّ حَقًّا بَدْءُ الخَلْقِ... إلَخْ.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: بِالعَدْلِ، وهو حالٌ مِن فاعِلِ يَجْزِي، أيْ: مُلْتَبِسًا بِالعَدْلِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ(يَجْزِيَ )أيْ: لِيَجْزِيَهم بِقِسْطِهِ ويُوَفِّيَهم أُجُورَهُمْ، وإنَّما أُجْمِلَ ذَلِكَ إيذانًا بِأنَّهُ لا يَفِي بِهِ الحَصْرُ، أوْ بِقِسْطِهِمْ وعَدْلِهِمْ عِنْدَ إيمانِهِمْ ومُباشَرَتِهِمْ لِلْأعْمالِ الصّالِحَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ فَإنَّ مَعْناهُ: ويَجْزِيَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وتَكْرِيرُ الإسْنادِ يَجْعَلُ الجُمْلَةَ الظَّرْفِيَّةَ خَبَرًا لِلْمَوْصُولِ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، والجَمْعُ بَيْنَ صِيغَتَيِ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ (p-120)عَلى مُواظَبَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِقابِ، وأنَّ التَّعْذِيبَ بِمَعْزِلٍ عَنِ الِانْتِظامِ في سِلْكِ العِلَّةِ الغائِيَّةِ لِلْخَلْقِ بَدْءًا وإعادَةً، وإنَّما يَحِيقُ ذَلِكَ بِالكَفَرَةِ عَلى مُوجَبِ سُوءِ اخْتِيارِهِمْ، وأمّا المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِن ذَلِكَ فَهو الإثابَةُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences