Abu as-Su'udLuqman · 31:1–25

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

لقمان

Luqman

Luqman · Meccan · 34 ayahs

31:1–2Page 411

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ ٢

These are verses of the wise1 Book,

(p-68)سُورَةُ لُقْمانَ

(مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: إلّا ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ فَإنَّ وُجُوبَهُما بِالمَدِينَةِ، وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ يُنافِي شَرْعِيَّتَهُما بِمَكَّةَ، وقِيلَ إلّا ثَلاثًا مِن قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّما في الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أقْلامٌ﴾ وهى أرْبَع وثَلاثُونَ آيَةً)

﴿الم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ﴾ سَلَفَ بَيانُهُ في نَظائِرِهِ.

﴿الحَكِيمِ﴾ أيْ: ذِي الحِكْمَةِ لِاشْتِمالِهِ عَلَيْها، أوْ هو وصْفٌ لَهُ بِنَعْتِهِ تَعالى، أوْ أصْلُهُ الحَكِيمُ مُنْزِلُهُ، أوْ قائِلُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا فاسْتَكَنَّ في الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ، وقِيلَ: "الحَكِيمُ" فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعَلٍ، كَما قالُوا: أعْقَدْتُ اللَّبَنَ فَهو عَقِيدٌ، أيْ: مُعْقَدٌ. وهو قَلِيلٌ، وقِيلَ: بِمَعْنى فاعِلٍ.

31:3Page 411

هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ ٣

As guidance and mercy for the doers of good

﴿هُدًى ورَحْمَةً﴾ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مَنِ الآياتِ، والعامِلُ فِيهِما مَعْنى الإشارَةِ، وقُرِئا بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِاسْمِ الإشارَةِ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

﴿لِلْمُحْسِنِينَ﴾ أيِ: العامِلِينَ لِلْحَسَناتِ فَإنْ أُرِيدَ بِها مَشاهِيرُها المَعْهُودَةُ في الدِّينِ فَقَوْلُهُ تَعالى:

31:4Page 411

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٤

Who establish prayer and give zakāh, and they, of the Hereafter, are certain [in faith].

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ بَيانٌ لِما عَمِلُوها مِنَ الحَسَناتِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ:

؎ الألْمَعِيُّ الَّذِي يَظُنُّ بِكَ المَظِنَّ ∗∗∗ كَأنَّ قَدْ رَأى وقَدْ سَمِعا

وَإنْ أُرِيدَ بِها جَمِيعُ الحَسَناتِ فَهو تَخْصِيصٌ لِهَذِهِ الثَّلاثِ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ شُعَبِها لِإظْهارِ فَضْلِها، وإنافَتِها عَلى غَيْرِها، وتَخْصِيصُ الوَجْهِ الأوَّلِ بِصُورَةِ كَوْنِ المَوْصُولِ صِفَةً لِلْمُحْسِنِينَ، والوَجْهِ الأخِيرِ بِصُورَةِ كَوْنِهِ مُبْتَدَأً مِمّا لا وجْهَ لَهُ.

31:5Page 411

أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٥

Those are on [right] guidance from their Lord, and it is those who are the successful.

﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، والنّاجُونَ مِن كُلِّ مَهْرُوبٍ لِحِيازَتِهِمْ قُطْرَيِ العِلْمِ والعَمَلِ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ المَقالِ في مَطْلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ بِما لا مَزِيدَةَ عَلَيْهِ.

31:6Page 411

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٦

And of the people is he who buys the amusement of speech1 to mislead [others] from the way of Allāh without knowledge and who takes it [i.e., His way] in ridicule. Those will have a humiliating punishment.

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ بِاعْتِبارِ مَضْمُونِهِ، (p-69)أوْ بِتَقْدِيرِ المَوْصُوفِ، و(مَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحَدِيثِ﴾ مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ، والمَعْنى: وبَعْضُ النّاسِ، أوْ وبَعْضٌ مِنَ النّاسِ الَّذِي يَشْتَرِي، أوْ فَرِيقٌ يَشْتَرِي عَلى أنَّ مَناطَ الإفادَةِ والمَقْصُودَ بِالأصالَةِ هو اتِّصافُهم بِما في حِّيزِ الصِّلَةِ، أوِ الصِّفَةِ، لا كَوْنُهم ذَواتِ أُولَئِكَ المَذْكُورِينَ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ ... الآياتِ. ولَهْوُ الحَدِيثِ ما يُلْهِي عَمّا يُعْنى مِنَ المُهِمّاتِ كالأحادِيثِ الَّتِي لا أصْلَ لَها، والأساطِيرِ الَّتِي لا اعْتِدادَ بِها، والمُضاحِكِ، وسائِرِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِن فُضُولِ الكَلامِ، والإضافَةُ بِمَعْنى مِنَ التَّبْيِينِيَّةِ إنْ أُرِيدَ بِالحَدِيثِ المُنْكَرُ، وبِمَعْنى التَّبْعِيضِيَّةِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الأعَمُّ مِن ذَلِكَ. وقِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ اشْتَرى كُتُبَ الأعاجِمِ، وكانَ يُحَدِّثُ بِها قُرَيْشًا، ويَقُولُ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ عادٍ وثَمُودَ فَأنا أُحَدِّثُكم بِحَدِيثِ رُسْتُمَ وإسْفِنْدِيارَ والأكاسِرَةِ. وقِيلَ: كانَ يَشْتَرِي القِيانَ، ويَحْمِلُهُنَّ عَلى مُعاشَرَةِ مَن أرادَ الإسْلامَ ومَنعِهِ عَنْهُ.

﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: دِينِهِ الحَقِّ المُوَصِّلِ إلَيْهِ تَعالى: أوْ عَنْ قِراءَةِ كِتابِهِ الهادِي إلَيْهِ تَعالى، وقُرِئَ: (لِيَضِلَّ) بِفَتْحِ الياءِ، أيْ: لِيَثْبُتَ ويَسْتَمِرَّ عَلى ضَلالِهِ، أوْ لِيَزْدادَ فِيهِ.

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أيْ: بِحالِ ما يَشْتَرِيهِ، أوْ بِالتِّجارَةِ حَيْثُ اسْتَبْدَلَ الشَّرَّ البَحْتَ بِالخَيْرِ المَحْضِ.

﴿وَيَتَّخِذَها﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى يُضِلَّ، والضَّمِيرُ لِلسَّبِيلِ فَإنَّهُ مِمّا يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وهو دِينُ الإسْلامِ، أوِ القرآن، أيْ: ويَتَّخِذَها.

﴿هُزُوًا﴾ مَهْزُوًّا بِهِ، وقُرِئَ: (وَيَتَّخِذُها) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "يَشْتَرِي". وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى مَن، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها كَما أنَّ الإفْرادَ في الفِعْلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِذِكْرِ المُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الشَّرارَةِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الِاشْتِراءِ لِلْإضْلالِ.

﴿لَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لِما اتَّصَفُوا بِهِ مِن إهانَتِهِمُ الحَقَّ بِإيثارِ الباطِلِ عَلَيْهِ، وتَرْغِيبِ النّاسِ فِيهِ.

31:7Page 411

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٧

And when Our verses are recited to him, he turns away arrogantly as if he had not heard them, as if there was in his ears deafness. So give him tidings of a painful punishment.

﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى المُشْتَرِي إفْرادُ الضَّمِيرُ فِيهِ، وفِيما بَعْدَهُ، كالضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِهِ مِن بَعْدِ ما جُمِعَ فِيما بَيْنَهُما بِاعْتِبارِ مَعْناها.

﴿آياتُنا﴾ الَّتِي هي آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ، وهُدًى، ورَحْمَةٌ لِلْمُحْسِنِينَ.

﴿وَلّى﴾ أعْرَضَ عَنْها غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِها.

﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ مُبالِغًا في التَّكَبُّرِ.

﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "وَلّى" أوْ مِن ضَمِيرِ "مُسْتَكْبِرًا"، والأصْلُ كَأنَّهُ. فَحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وخُفِّفَتِ المُثَقَّلَةُ، أيْ: مُشْبِهًا حالُهُ حالَ مَن لَمْ يَسْمَعْها، وهو سامِعٌ. وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّ مَن سَمِعَها لا يُتَصَوَّرُ مِنهُ التَّوْلِيَةُ والِاسْتِكْبارُ لِما فِيها مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلْإقْبالِ عَلَيْها، والخُضُوعِ لَها عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ:

؎ كَأنَّكَ لَمْ تَجْزَعْ عَلى ابْنِ طَرِيفِ

﴿كَأنَّ في أُذُنَيْهِ وقْرًا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "لَمْ يَسْمَعْها" أيْ: مُشْبِهًا حالُهُ حالَ مَن في أُذُنَيْهِ ثِقَلٌ مانِعٌ مِنَ السَّماعِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونا اسْتِئْنافَيْنِ، وقُرِئَ: (فِي أُذْنَيْهِ) بِسُكُونِ الذّالِ.

﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ أيْ: فَأعْلِمْهُ بِأنَّ العَذابَ المُفْرِطَ في الإيلامِ لاحِقٌ بِهِ لا مَحالَةَ، وذِكْرُ البِشارَةِ لِلتَّهَكُّمِ.

31:8Page 411

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ ٨

Indeed, those who believe and do righteous deeds - for them are the Gardens of Pleasure,

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ بَيانٌ لِحالِ المُؤْمِنِينَ بِآياتِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ حالِ الكافِرِينَ بِها، أيِ: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِهِ تَعالى، وعَمِلُوا بِمُوجِبِها.

﴿لَهُمْ﴾ بِمُقابَلَةِ ما ذَكَرَ مِن إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ.

﴿جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ أيْ: (p-70)نَعِيمُ جَنّاتٍ. فَعَكْسَ لِلْمُبالَغَةِ، والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ، والأحْسَنُ أنْ يُجْعَلَ لَهُمُ هو الخَبَرَ؛ لِأنَّ وجَنّاتُ النَّعِيمِ مُرْتَفِعًا بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

31:9Page 411

خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩

Wherein they abide eternally; [it is] the promise of Allāh [which is] truth. And He is the Exalted in Might, the Wise.

﴿خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَهُمْ، أوْ مِن جَنّاتِ النَّعِيمِ لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما، والعامِلُ ما تَعَلَّقَ بِهِ اللّامُ.

﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ، الأوَّلُ لِنَفْسِهِ، والثّانِي لِغَيْرِهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ في مَعْنى "وَعَدَهُمُ اللَّهُ جَنّاتِ النَّعِيمِ" فَأكَّدَ مَعْنى الوَعْدِ بِالوَعْدِ، وأمّا "حَقًّا" فَدالٌّ عَلى مَعْنى الثَّباتِ أكَّدَ بِهِ مَعْنى الوَعْدِ، ومُؤَكِّدُهُما جَمِيعًا لَهم جَنّاتُ النَّعِيمِ.

﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الَّذِي لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ لِيَمْنَعَهُ مِن إنْجازِ وعْدِهِ، أوْ تَحْقِيقِ وعِيدِهِ.

﴿الحَكِيمُ﴾ الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ والمَصْلَحَةُ.

31:10Page 411

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ١٠

He created the heavens without pillars that you see and has cast into the earth firmly set mountains, lest it should shift with you, and dispersed therein from every creature. And We sent down rain from the sky and made grow therein [plants] of every noble kind.

﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِما فُصِّلَ فِيهِ عَلى عِزَّتِهِ تَعالى الَّتِي هي كَمالُ القُدْرَةِ، وحِكْمَتِهِ الَّتِي هي كَمالُ العِلْمِ، وتَمْهِيدُ قاعِدَةِ التَّوْحِيدِ وتَقْرِيرُهُ، وإبْطالُ أمْرِ الإشْراكِ، وتَبْكِيتُ أهْلِهِ. والعَمَدُ جَمْعُ عِمادٍ، كَأهَبٍ جَمْعُ إهابٍ، وهو ما يُعْمَدُ بِهِ، أيْ: يُسْنَدُ. يُقالُ: عَمَدْتُ الحائِطَ إذا دَعَّمْتَهُ، أيْ: بِغَيْرِ دَعائِمَ عَلى أنَّ الجَمْعَ لِتَعَدُّدِ السَّماواتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرَوْنَها﴾ اسْتِئْنافٌ جِيءَ بِهِ لِلِاسْتِشْهادِ عَلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِ تَعالى لَها غَيْرَ مَعْهُودَةٍ بِمُشاهَدَتِهِمْ لَها كَذَلِكَ، أوْ صِفَةٌ لِـ عَمَدٍ، أيْ: خَلَقَها بِغَيْرِ عَمَدٍ مَرْئِيَّةً عَلى أنَّ التَّقْيِيدَ لِلرَّمْزِ إلى أنَّهُ تَعالى عَمَدَها بِعَمْدٍ لا تَرَوْنَها هي عَمَدُ القُدْرَةِ ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ﴾ بَيانٌ لِصُنْعِهِ البَدِيعِ في قَرارِ الأرْضِ إثْرَ بَيانِ صُنْعِهِ الحَكِيمِ في قَرارِ السَّماواتِ، أيْ: ألْقى فِيها جِبالًا ثَوابِتَ، وقَدْ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ في سُورَةِ الرَّعْدِ.

﴿أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ كَراهَةَ أنْ تَمِيلَ بِكم فَإنَّ بَساطَةَ أجْزائِها تَقْتَضِي تَبَدُّلَ أحْيازِها، وأوْضاعِها؛ لِامْتِناعِ اخْتِصاصِ كُلٍّ مِنها لِذاتِهِ، أوْ لِشَيْءٍ مِن لَوازِمِهِ بِحَيِّزٍ مُعَيَّنٍ، ووَضْعٍ مَخْصُوصٍ.

﴿وَبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ مِن كُلِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِها.

﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو المَطَرُ.

﴿فَأنْبَتْنا فِيها﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ الماءِ.

﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ مِن كُلِّ صِنْفٍ كَثِيرِ المَنافِعِ. والِالتِفاتُ إلى نُونِ العَظَمَةِ في الفِعْلَيْنِ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِأمْرِها.

31:11Page 411

هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ١١

This is the creation of Allāh. So show Me what those other than Him have created. Rather, the wrongdoers are in clear error.

﴿هَذا﴾ أيْ: ما ذَكَرَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ وما تَعَلَّقَ بِهِما مِنَ الأُمُورِ المَعْدُودَةِ.

﴿خَلْقُ اللَّهِ﴾ أيْ: مَخْلُوقُهُ.

﴿فَأرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾ مِمّا اتَّخَذْتُمُوهم شُرَكاءَ لَهُ سُبْحانَهُ في العِبادَةِ حَتّى اسْتَحَقُّوا بِهِ المَعْبُودِيَّةَ، وماذا نُصِبَ بِـ خَلَقَ أوْ ما مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ ذا بِصِلَتِهِ، و "أرُونِي" مُتَعَلِّقٌ بِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الظّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ تَبْكِيتِهِمْ بِما ذُكِرَ إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالضَّلالِ البَيِّنِ المُسْتَدْعِي لِلْإعْراضِ عَنْ مُخاطَبَتِهِمْ بِالمُقَدِّماتِ المَعْقُولَةِ الحَقَّةِ، لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْهَمُوا مِنها شَيْئًا، فَيَهْتَدُوا بِهِ إلى العِلْمِ بِبُطْلانِ ما هم عَلَيْهِ، أوْ يَتَأثَّرُوا مِنَ الإلْزامِ، والتَّبْكِيتِ، فَيَنْزَجِرُوا عَنْهُ. ووَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّهم بِإشْراكِهِمْ (p-71)واضِعُونَ لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ومُتَعَدُّونَ عَنِ الحُدُودِ، وظالِمُونَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.

31:12Page 412

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢

And We had certainly given Luqmān wisdom [and said], "Be grateful to Allāh." And whoever is grateful is grateful for [the benefit of] himself. And whoever denies [His favor] - then indeed, Allāh is Free of need and Praiseworthy.

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الحِكْمَةَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ بُطْلانِ الشِّرْكِ، وهو لُقْمانُ بْنُ باعُوراءَ مِن أوْلادِ آزَرَ ابْنِ أُخْتِ أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ خالَتِهِ، وعاشَ حَتّى أدْرَكَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأخَذَ عَنْهُ العِلْمَ، وكانَ يُفْتِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وقِيلَ: كانَ قاضِيًا في بَنِي إسْرائِيلَ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ كانَ حَكِيمًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا. والحِكْمَةُ في عُرْفِ العُلَماءِ اسْتِكْمالُ النَّفْسِ الإنْسانِيَّةِ بِاقْتِباسِ العُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، واكْتِسابِ المَلَكَةِ التّامَّةِ عَلى الأفْعالِ الفاضِلَةِ عَلى قَدْرِ طاقَتِها، ومِن حِكْمَتِهِ أنَّهُ صَحِبَ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ شُهُورًا، وكانَ يَسْرُدُ الدِّرْعَ فَلَمْ يَسْألْهُ عَنْها، فَلَمّا أتَمَّها لَبِسَها، وقالَ: نِعْمَ لَبُوسُ الحَرْبِ أنْتِ. فَقالَ: الصَّمْتُ حِكْمَةٌ، وقَلِيلٌ فاعِلُهُ، فَقالَ لَهُ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِحَقٍّ ما سُمِّيتَ حَكِيمًا، وأنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُ يَوْمًا: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ فَقالَ: أصْبَحْتُ في يَدَيْ غَيْرِي. فَتَفَكَّرَ داوُدُ فِيهِ فَصَعِقَ صَعْقَةً، وأنَّهُ أمَرَهُ مَوْلاهُ بِأنْ يَذْبَحَ شاةً، ويَأْتِيَ بِأطْيَبِ مُضْغَتَيْنِ مِنها فَأتى بِاللِّسانِ والقَلْبِ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ أمَرَهُ بِأنْ يَأْتِيَ بِأخْبَثِ مُضْغَتَيْنِ مِنها، فَأتى بِهِما أيْضًا، فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: هُما أطْيَبُ شَيْءٍ إذا طابا، وأخْبَثُ شَيْءٍ إذا خَبُثا، ومَعْنى: ﴿أنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أيِ: اشْكُرْ لَهُ تَعالى عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، فَإنَّ إيتاءَ الحِكْمَةِ في مَعْنى القَوْلِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ مُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ، أيْ: ومَن يَشْكُرْ لَهُ تَعالى.

﴿فَإنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ لِأنَّ مَنفَعَتَهُ الَّتِي هي ارْتِباطُ العَتِيدِ، واسْتِجْلابُ المَزِيدِ مَقْصُورَةٌ عَلَيْها.

﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ﴾ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ، فَلا يَحْتاجُ إلى الشُّكْرِ لِيَتَضَرَّرَ بِكُفْرِ مَن كَفَرَ.

﴿حَمِيدٌ﴾ حَقِيقٌ بِالحَمْدِ، وإنْ لَمْ يَحْمَدْهُ أحَدٌ، أوْ مَحْمُودٌ بِالفِعْلِ يَنْطِقُ بِحَمْدِهِ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ بِلِسانِ الحالِ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِكَوْنِهِ تَعالى مَشْكُورًا لِما أنَّ الحَمْدَ مُتَضَمِّنٌ لِلشُّكْرِ، بَلْ هو رَأْسُهُ كَما قالَ ﷺ: ««الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبْدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ»» فَإثْباتُهُ لَهُ تَعالى إثْباتٌ لِلشُّكْرِ لَهُ قَطْعًا.

31:13Page 412

وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ ١٣

And [mention, O Muḥammad], when Luqmān said to his son while he was instructing him, "O my son, do not associate [anything] with Allāh. Indeed, association [with Him] is great injustice."

﴿وَإذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ﴾ أنْعُمَ. وقِيلَ: أشْكُمَ. وقِيلَ: ماثانَ.

﴿وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ﴾ تَصْغِيرُ إشْفاقٍ، وقُرِئَ: (يا بُنَيْ) بِإسْكانِ الياءِ وبِكَسْرِها.

﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ قِيلَ: كانَ ابْنُهُ كافِرًا فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى أسْلَمَ، ومَن وقَفَ عَلى لا تُشْرِكْ جَعَلَ بِاللَّهِ قَسَمًا.

﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، أوْ لِلِانْتِهاءِ عَنِ الشِّرْكِ.

31:14Page 412

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ١٤

And We have enjoined upon man [care] for his parents. His mother carried him, [increasing her] in weakness upon weakness, and his weaning is in two years. Be grateful to Me and to your parents; to Me is the [final] destination.

﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ ... إلَخْ. كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ اعْتُرِضَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ في أثْناءِ وصِيَّةِ لُقْمانَ تَأْكِيدًا لِما فِيها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: "فِي عامَيْنِ" اعْتِراضٌ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهْنًا﴾ حالٌ مِن أُمِّهِ، أيْ: ذاتُ وهْنٍ. أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ، أيْ: تَهِنُ وهْنًا. (p-72)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى وهْنٍ﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ، أيْ: كائِنًا عَلى وهْنٍ، أيْ: تَضْعُفُ ضَعْفًا فَوْقَ ضَعْفٍ، فَإنَّها لا تَزالُ يَتَضاعَفُ ضَعْفُها، وقُرِئَ: «وَهَنًا عَلى وهَنٍ» بِالتَّحْرِيكِ يُقالُ: وهَنَ يَهِنُ وهْنًا، ووَهِنَ يُوهِنُ وهَنًا.

﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ أيْ: فِطامُهُ في تَمامِ عامَيْنِ، وهي مُدَّةُ الرُّضّاعِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى: هي ثَلاثُونَ شَهْرًا. وقَدْ بَيَّنَ وجْهَهُ في مَوْضِعِهِ، وقُرِئَ: (وَفَصْلُهُ) ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ تَفْسِيرٌ لِوَصَّيْنا، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ مُؤَكِّدٌ لِلْوَصِيَّةِ في حَقِّها خاصَّةً، ولِذَلِكَ «قالَ ﷺ لِمَن قالَ لَهُ: مَن أبَرُّ؟: «أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ ثُمَّ أُمَّكَ» ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ: «ثُمَّ أباكَ».» ﴿إلَيَّ المَصِيرُ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ، أيْ: إلَيَّ الرُّجُوعُ لا إلى غَيْرِي، فَأُجازِيكَ عَلى ما صَدَرَ عَنْكَ مِنَ الشُّكْرِ والكُفْرِ.

31:15Page 412

وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥

But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them but accompany them in [this] world with appropriate kindness and follow the way of those who turn back to Me [in repentance]. Then to Me will be your return, and I will inform you about what you used to do.

﴿وَإنْ جاهَداكَ عَلى أنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾ أيْ: بِشَرِكَتِهِ لَهُ تَعالى في اسْتِحْقاقِ العِبادَةِ.

﴿عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ.

﴿وَصاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفًا﴾ أيْ: صِحابًا مَعْرُوفًا يَرْتَضِيهِ الشَّرْعُ، وتَقْتَضِيهِ المُرُوءَةُ.

﴿واتَّبِعْ سَبِيلَ مَن أنابَ إلَيَّ﴾ بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ في الطّاعَةِ.

﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: مَرْجِعُكَ، ومَرْجِعُهُما، ومَرْجِعُ مَن أنابَ إلَيَّ.

﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾ عِنْدَ رُجُوعِكم.

﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِما صَدَرَ عَنْهُ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى:

31:16Page 412

يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ ١٦

[And Luqmān said], "O my son, indeed if it [i.e., a wrong] should be the weight of a mustard seed and should be within a rock or [anywhere] in the heavens or in the earth, Allāh will bring it forth. Indeed, Allāh is Subtle1 and Aware.

﴿يا بُنَيَّ﴾ ... إلَخْ. شُرُوعٌ في حِكايَةِ بَقِيَّةِ وصايا لُقْمانَ إثْرَ تَقْرِيرِ ما في مَطْلَعِها مِنَ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، وتَأْكِيدِهِ بِالِاعْتِراضِ.

﴿إنَّها إنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ﴾ أيْ: إنَّ الخَصْلَةَ مِنَ الإساءَةِ أوِ الإحْسانِ إنْ تَكُ مَثَلًا في الصِّغَرِ كَحَبَّةِ الخَرْدَلِ، وقُرِئَ بِرَفْعِ مِثْقالٍ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلْقِصَّةِ، وكانَ تامَّةٌ، والتَّأْنِيثُ لِإضافَةِ المِثْقالِ إلى الحَبَّةِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

كَما شَرِقَتْ صَدْرُ القَناةِ مِنَ الدَّمِ

أوْ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الحَسَنَةُ أوِ السَّيِّئَةُ ﴿فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أوْ في السَّماواتِ أوْ في الأرْضِ﴾ أيْ: فَتَكُنْ مَعَ كَوْنِها في أقْصى غاياتِ الصِّغَرِ والقَماءَةِ في أخْفى مَكانٍ وأحْرَزِهِ كَجَوْفِ الصَّخْرَةِ، أوْ حَيْثُ كانَتْ في العالَمِ العُلْوِيِّ أوِ السُّفْلِيِّ.

﴿يَأْتِ بِها اللَّهُ﴾ أيْ: يُحْضِرُها ويُحاسِبُ عَلَيْها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾ يَصِلُ عِلْمُهُ إلى كُلٍّ خَفِيٍّ ﴿خَبِيرٌ﴾ بِكُنْهِهِ، وبَعْدَ ما أمَرَهُ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هو أوَّلُ ما يَجِبُ عَلى الإنْسانِ في ضِمْنِ النَّهْيِ عَنِ الشِّرْكِ، ونَبَّهَهُ عَلى كَمالِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقدرته، أمَرَهُ بِالصَّلاةِ الَّتِي هي أكْمَلُ العِباداتِ تَكْمِيلًا لَهُ مِن حَيْثُ العَمَلُ بَعْدَ تَكْمِيلِهِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ فَقالَ مُسْتَمِيلًا لَهُ:

31:17Page 412

يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٧

O my son, establish prayer, enjoin what is right, forbid what is wrong, and be patient over what befalls you. Indeed, [all] that is of the matters [requiring] resolve.1

﴿يا بُنَيَّ أقِمِ الصَّلاةَ﴾ تَكْمِيلًا لِنَفْسِكَ.

﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ تَكْمِيلًا لِغَيْرِكَ.

﴿واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ﴾ مِنَ الشَّدائِدِ والمِحَنِ لا سِيَّما فِيما أُمِرْتَ بِهِ.

﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى (p-73)كُلِّ ما ذُكِرَ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ.

﴿مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ أيْ: مِمّا عَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى، وقَطَعَهُ عَلى عِبادِهِ مِنَ الأُمُورِ لِمَزِيدِ مَزِيَّتِها مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى الفاعِلِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا عَزَمَ الأمْرُ﴾ أيْ: جَدَّ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، وإيذانٌ بِأنَّ ما بَعْدَها لَيْسَ بِمَثابَتِهِ.

31:18Page 412

وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ ١٨

And do not turn your cheek [in contempt] toward people1 and do not walk through the earth exultantly. Indeed, Allāh does not like everyone self-deluded and boastful.

﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ أيْ: لا تُمِلْهُ، ولا تُوَلِّهِمْ صَفْحَةَ وجْهِكَ كَما هو دَيْدَنُ المُتَكَبِّرِينَ مِنَ الصَّعَرِ، وهو الصَّيَدُ، وهو داءٌ يُصِيبُ البَعِيرَ فَيُلْوى مِنهُ عُنُقُهُ، وقُرِئَ: (وَلا تُصاعِرْ)، وقُرِئَ: (وَلا تُصْعِرْ) مِنَ الإفْعالِ، والكُلُّ بِمَعْنًى؛ مِثْلَ: عَلاهُ وعالاهُ وأعْلاهُ﴿وَلا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ أيْ: فَرَحًا مَصْدَرٌ وقَعَ مَوْقِعَ الحالِ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلٍ هو الحالُ، أيْ: تَمْرَحُ مَرَحًا، أوْ لِأجْلِ المَرَحِ والبَطَرِ.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوْ مُوجِبِهِ، وتَأْخِيرُ الفَخُورِ مَعَ كَوْنِهِ بِمُقابَلَةِ المُصَعِّرِ خَدَّهُ عَنِ المُخْتالِ، وهو بِمُقابَلَةِ الماشِي مَرَحًا لِرِعايَةِ الفَواصِلِ.

31:19Page 412

وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ ١٩

And be moderate in your pace and lower your voice; indeed, the most disagreeable of sounds is the voice of donkeys."

﴿واقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ بَعْدَ الِاجْتِنابِ عَنِ المَرَحِ فِيهِ، أيْ: تَوَسَّطْ بَيْنَ الدَّبِيبِ والإسْراعِ. وعَنْهُ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»،» وقَوْلُ عائِشَةَ في عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كانَ إذا مَشى أسْرَعَ. فالمُرادُ بِهِ ما فَوْقَ دَبِيبِ المُتَماوِتِ. وقُرِئَ: بِقَطْعِ الهَمْزَةِ مِن أقْصَدَ الرّامِي إذا سَدَّدَ سَهْمَهُ نَحْوَ الرَّمِيَّةِ.

﴿واغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ وانَقْصْ مِنهُ واقْصُرْ.

﴿إنَّ أنْكَرَ الأصْواتِ﴾ أيْ: أوْحَشَها.

﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، مَبْنِيٌّ عَلى تَشْبِيهِ الرّافِعِينَ أصْواتَهم بِالحَمِيرِ، وتَمْثِيلِ أصْواتِهِمْ بِالنُّهاقِ، وإفْراطٌ في التَّحْذِيرِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ، والتَّنْفِيرِ عَنْهُ، وإفْرادُ الصَّوْتِ مَعَ إضافَتِهِ إلى الجَمْعِ لِما أنَّ المُرادَ لَيْسَ بَيانَ حالِ صَوْتِ كُلِّ واحِدٍ مِن آحادِ هَذا الجِنْسِ حَتّى يُجْمَعَ بَلْ بَيانُ حالِ صَوْتِ هَذا الجِنْسِ مِن بَيْنِ أصْواتِ سائِرِ الأجْناسِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

31:20Page 413

أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٢٠

Do you not see that Allāh has made subject to you whatever is in the heavens and whatever is in the earth and amply bestowed upon you His favors, [both] apparent and unapparent? But of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening Book [from Him].

﴿ألَمْ تَرَوْا أنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ رُجُوعٌ إلى سَنَنِ ما سَلَفَ قَبْلَ قِصَّةِ لُقْمانَ مِن خِطابِ المُشْرِكِينَ وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى إصْرارِهِمْ عَلى ما هم عَلَيْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِدَلائِلِ التَّوْحِيدِ، والمُرادُ بِ "التَّسْخِيرِ" إمّا جَعْلُ المُسَخَّرِ بِحَيْثُ يَنْفَعُ المُسَخَّرَ لَهُ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ مُنْقادًا لَهُ يَتَصَرَّفُ فِيهِ كَيْفَ يَشاءُ، ويَسْتَعْمِلُهُ حَسْبَما يُرِيدُ كَعامَّةِ ما في الأرْضِ مِنَ الأشْياءِ المُسَخَّرَةِ لِلْإنْسانِ المُسْتَعْمَلَةِ لَهُ، مِنَ الجَمادِ والحَيَوانِ، أوْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ بَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُصُولِ مُرادِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَخْلٌ في اسْتِعْمالِهِ كَجَمِيعِ ما في السَّماواتِ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُ العِبادِ، مَعاشًا ومَعادًا، وما جَعَلَهُ مُنْقادًا لِلْأمْرِ مُذَلَّلًا عَلى أنَّ مَعْنى "لَكُمْ" (p-74)لِأجْلِكم. فَإنَّ جَمِيعَ ما في السَّماواتِ والأرْضِ مِنَ الكائِناتِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ تَعالى مُسْتَتْبِعَةٌ لِمَنافِعِ الخَلْقِ، وما يَسْتَعْمِلُهُ الإنْسانُ حَسْبَما يَشاءُ، وإنْ كانَ مُسَخَّرًا لَهُ بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَهو في الحَقِيقَةِ مُسَخَّرٌ لِلَّهِ تَعالى.

﴿وَأسْبَغَ عَلَيْكم نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً﴾ مَحْسُوسَةً ومَعْقُولَةً، مَعْرُوفَةً لَكم وغَيْرَ مَعْرُوفَةٍ، وقَدْ مَرَّ شَرْحُ النِّعْمَةِ وتَفْصِيلُها في الفاتِحَةِ. وقُرِئَ: (أصْبَغَ) بِالصّادِ، وهو جارٍ في كُلِّ سِينٍ قارَنَتِ الغَيْنَ، أوِ الخاءَ، أوِ القافَ. كَما تَقُولُ في سَلَخَ صَلَخَ، وفي سَقَرَ صَقَرَ، وفي سالِغٍ صالِغٍ. وقُرِئَ: (نِعْمَةً) ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ في تَوْحِيدِهِ وصِفاتِهِ ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُسْتَفادَةٌ مِن دَلِيلٍ.

﴿وَلا هُدًى﴾ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ﷺ ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بَلْ بِمُجَرَّدِ التَّقْلِيدِ.

31:21Page 413

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٢١

And when it is said to them, "Follow what Allāh has revealed," they say, "Rather, we will follow that upon which we found our fathers." Even if Satan was inviting them to the punishment of the Blaze?

﴿وَإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ أيْ: لِمَن يُجادِلُ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى.

﴿اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يُرِيدُونَ بِهِ عِبادَةَ الأصْنامِ.

﴿أوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ أيْ: آباءَهم لا أنْفُسَهم كَما قِيلَ. فَإنَّ مَدارَ إنْكارِ الِاتِّباعِ واسْتِبْعادَهُ كَوْنُ المَتْبُوعِينَ تابِعِينَ لِلشَّيْطانِ لا كَوْنُ أنْفُسِهِمْ كَذَلِكَ، أيْ: أيَتَّبِعُونَهم. ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ.

﴿إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ فَهم مُتَوَجِّهُونَ إلَيْهِ حَسَبَ دَعْوَتِهِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ . مِن سُورَةِ البَقَرَةِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

31:22Page 413

۞ وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ ٢٢

And whoever submits his face [i.e., self] to Allāh while he is a doer of good - then he has grasped the most trustworthy handhold. And to Allāh will be the outcome of [all] matters.

﴿وَمَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ﴾ بِأنْ فَوَّضَ إلَيْهِ مَجامِعَ أُمُورِهِ، وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ، وحَيْثُ عُدِّيَ بِاللّامِ قُصِدَ مَعْنى الِاخْتِصاصِ، وقُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ.

﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أيْ: في أعْمالِهِ آتٍ بِها جامِعَةً بَيْنَ الحُسْنِ الذّاتِيِّ والوَصْفِيِّ. وقَدْ مَرَّ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ.

﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ أيْ: تَعَلَّقَ بِأوْثَقِ ما يُتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الأسْبابِ، وهو تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَوَكِّلِ المُشْتَغِلِ بِالطّاعَةِ بِحالِ مَن أرادَ أنْ يَتَرَقّى إلى شاهِقِ جَبَلٍ فَتَمَسَّكَ بِأوْثَقِ عُرى الحَبْلِ المُتَدَلِّي مِنهُ.

﴿وَإلى اللَّهِ﴾ لا إلى أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ فَيُجازِيهِ أحْسَنَ الجَزاءِ.

31:23Page 413

وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٢٣

And whoever has disbelieved - let not his disbelief grieve you. To Us is their return, and We will inform them of what they did. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts.

﴿وَمَن كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فَإنَّهُ لا يَضُرُّكَ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ. وقُرِئَ: (فَلا يُحْزِنْكَ) مِن أحْزَنَ المَنقُولِ مِن حَزِنَ بِكَسْرِ الزّايِ، ولَيْسَ بِمُسْتَفِيضٍ.

﴿إلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ لا إلى غَيْرِنا ﴿فَنُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِالعَذابِ والعِقابِ، والجَمْعُ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مِن" كَما أنَّ الإفْرادَ في الأوَّلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.

﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّنْبِئَةِ المُعَبَّرِ بِها عَنِ التَّعْذِيبِ.

31:24Page 413

نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٢٤

We grant them enjoyment for a little; then We will force them to a massive punishment.

﴿نُمَتِّعُهم قَلِيلا﴾ تَمْتِيعًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا فَإنَّ ما يَزُولُ، وإنْ كانَ بَعْدَ أمَدٍ (p-75)طَوِيلٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يَدُومُ قَلِيلٌ.

﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهم إلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ ثِقَلَ الأجْرامِ الغِلاظِ، أوْ يُضَمُّ إلى الإحْراقِ الضَّغْطُ والتَّضْيِيقُ.

31:25Page 413

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٥

And if you asked them, "Who created the heavens and earth?" they would surely say, "Allāh." Say, "[All] praise is [due] to Allāh"; but most of them do not know.

﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ لِغايَةِ وُضُوحِ الأمْرِ بِحَيْثُ اضْطُرُّوا إلى الِاعْتِرافِ بِهِ.

﴿قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ عَلى أنْ جَعَلَ دَلائِلَ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يُنْكِرُها المُكابِرُونَ أيْضًا.

﴿بَلْ أكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَ﴾ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ فَلِذَلِكَ لا يَعْمَلُونَ بِمُقْتَضى اعْتِرافِهِمْ، وقِيلَ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском