Abu as-Su'udAl‑Qari'ah · 101:1–11

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

القارعة

Al-Qari'ah

The Calamity · Meccan · 11 ayahs

101:1Page 600

ٱلۡقَارِعَةُ ١

The Striking Calamity -

سُورَةُ القارِعَةِ

مَكِّيَّةٌ وآيُها إحْدى عَشْرَةَ

﴿القارِعَةُ﴾ القَرْعُ: هو الضَّرْبُ بِشِدَّةٍ واعْتِمادٍ بِحَيْثُ يَحْصُلُ مِنهُ صَوْتٌ شَدِيدٌ، وهي القِيامَةُ الَّتِي مَبْدَؤُها النَّفْخَةُ الأُولى، ومُنْتَهاها فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ كَما مَرَّ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها تَقْرَعُ القُلُوبَ والأسْماعَ بِفُنُونِ الأفْزاعِ والأهْوالِ، وتُخْرِجُ جَمِيعَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ مِن حالٍ إلى حالٍ، السَّماءَ بِالأنْشِقاقِ والأنْفِطارِ، والشَّمْسَ والنُّجُومَ بِالتَّكْوِيرِ والأنْكِدارِ والأنْتِشارِ، والأرْضَ بِالزِّلْزالِ والتَّبْدِيلِ، والجِبالَ بِالدَّكِّ والنَّسْفِ، وهي مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: *

101:2Page 600

مَا ٱلۡقَارِعَةُ ٢

What is the Striking Calamity?

﴿ما القارِعَةُ﴾ عَلى أنَّ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ و"القارِعَةُ" مُبْتَدَأٌ لا بِالعَكْسِ، لِما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ مَحَطَّ الفائِدَةِ هو الخَبَرُ لا المُبْتَدَأُ، ولا رَيْبَ في أنَّ مَدارَ إفادَةِ الهَوْلِ والفَخامَةِ هَهُنا هو كَلِمَةُ "ما القارِعَةُ" أيُّ شَيْءٍ عَجِيبٍ هي في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ، وقَدْ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَأْكِيدًا لِلتَّهْوِيلِ.

101:3Page 600

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ ٣

And what can make you know what is the Striking Calamity?

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْراكَ ما القارِعَةُ﴾ تَأْكِيدٌ لِهَوْلِها وفَظاعَتِها بِبَيانِ خُرُوجِها عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ عَلى مَعْنى أنَّ عِظَمَ شَأْنِها بِحَيْثُ لا تَكادُ (p-193)تَنالُهُ دِرايَةُ أحَدٍ حَتّى يُدْرِيَكَ بَها، و"ما" في حَيِّزِ الرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ و"أدْراكَ" هو الخَبَرُ، ولا سَبِيلَ إلى العَكْسِ هاهُنا و"ما القارِعَةُ" جُمْلَةٌ كَما مَرَّ مَحَلُّها النَّصْبُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ؛ لِأنَّ أدْرى يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أدْراكم بِهِ﴾ فَلَمّا وقَعَتِ الجُمْلَةُ الاسْتِفْهامِيَّةُ مُعَلَّقَةً لَهُ؛ كانَتْ في مَوْقِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لَهُ، والجُمْلَةُ الكَبِيرَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أيْ: وأيُّ شَيْءٍ أعْلَمَكَ ما شَأْنُ القارِعَةِ؟ ولَمّا كانَ هَذا مُنْبِئًا عَنِ الوَعْدِ الكَرِيمِ بِإعْلامِها أنْجَزَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: *

101:4Page 600

يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ ٤

It is the Day when people will be like moths, dispersed,1

﴿يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ كالفَراشِ المَبْثُوثِ﴾ عَلى أنَّ "يَوْمَ" مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وحَرَكَتُهُ الفَتْحُ لِإضافَتِهِ إلى الفِعْلِ وإنْ كانَ مُضارِعًا كَما هو رَأْيُ الكُوفِيِّينَ، أيْ: هي يَوْمٌ يَكُونُ النّاسُ فِيهِ كالفَراشِ المَبْثُوثِ في الكَثْرَةِ والأنْتِشارِ، والضَّعْفِ والذِّلَّةِ والاضْطِرابِ، والتَّطايُرِ إلى الدّاعِي كَتَطايُرِ الفَراشِ إلى النّارِ، أوْ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ "اذْكُرْ" كَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ تَفْخِيمِ أمْرِ القارِعَةُ وتَشْوِيقِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى مَعْرِفَتِها: اذْكُرْ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ...إلَخْ، فَإنَّهُ يُدْرِيكَ ما هي هَذا، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ ظَرْفٌ ناصِبُهُ مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ القارِعَةُ أيْ: تَقْرَعُ يَوْمَ يَكُونُ النّاسُ ...إلَخْ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: سَتَأْتِيكُمُ القارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ ...إلَخْ.

101:5Page 600

وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ ٥

And the mountains will be like wool, fluffed up.1

﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ أيْ: كالصُّوفِ المُلَوَّنِ بِالألْوانِ المُخْتَلِفَةِ المَندُوفِ في تَفَرُّقِ أجْزائِها وتَطايُرِها في الجَوِّ حَسْبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ وكِلا الأمْرَيْنِ مِن آثارِ القارِعَةِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلْقِ، يُبَدِّلُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الأرْضَ مِن غَيْرِ الأرْضِ ويُغَيِّرُ هَيْئاتِها، ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَنْ مَقارِّها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الهَيْئاتِ الهائِلَةِ لِيُشاهِدَها أهْلُ المَحْشَرِ، وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، لَكِنَّ تَسْيِيرَها وتَسْوِيَةَ الأرْضِ إنَّما يَكُونانِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وبُرُوزُ الخَلْقِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ البَعْثِ قَطْعًا، وقَدْ مَرَّ تَمامُ الكَلامِ في سُورَةِ النَّمْلِ.

101:6Page 600

فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٦

Then as for one whose scales are heavy [with good deeds],

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ...إلَخْ، بَيانٌ إجْمالِيٌّ لِتَحَزُّبِ النّاسِ إلى حِزْبَيْنِ، وتَنْبِيهٌ عَلى كَيْفِيَّةِ الأحْوالِ الخاصَّةِ بِكُلٍّ مِنهُما إثْرَ بَيانِ الأحْوالِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ، والمَوازِينُ: إمّا جَمْعُ المَوْزُونِ وهو العَمَلُ الَّذِي لَهُ وزْنٌ وخَطَرٌ عِنْدَ اللَّهِ كَما قالَهُ الفَرّاءُ، أوْ جَمْعُ مِيزانٍ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: إنَّهُ مِيزانٌ لَهُ لِسانٌ وكِفَّتانِ، لا يُوزَنُ فِيهِ إلّا الأعْمالُ، قالُوا: تُوضَعُ فِيهِ صَحائِفُ الأعْمالِ فَيَنْظُرُ إلَيْهِ الخَلائِقُ إظْهارًا (p-194)لِلْمَعْدَلَةِ وقَطْعًا لِلْمَعْذِرَةِ، وقِيلَ: الوَزْنُ عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ السَّوِيِّ والحُكْمِ العادِلِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ والأعْمَشُ والضَّحّاكُ، واخْتارَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، قالُوا: إنَّ المِيزانَ لا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلّا إلى مَعْرِفَةِ مَقادِيرِ الأجْسامِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُعْرَفَ بِهِ مَقادِيرُ الأعْمالِ الَّتِي هي أعْراضٌ مُنْقَضِيَةٌ؟! وقِيلَ: إنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُورَةٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَها في الحُسْنِ والقُبْحِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ يُؤْتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى صُوَرٍ حَسَنَةٍ، وبِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى صُوَرٍ قَبِيحَةٍ، فَتُوضَعُ في المِيزانِ أيْ: فَمَن تَرَجَّحَتْ مَقادِيرُ حَسَناتِهِ.

101:7Page 600

فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ ٧

He will be in a pleasant life.

﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: ذاتُ رِضا أوْ مَرْضِيَّةٍ.

101:8Page 600

وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ ٨

But as for one whose scales are light,

﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ بِأنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُعْتَدُّ بِها، أوْ تَرَجَّحَتْ سَيِّئاتُهُ عَلى حَسَناتِهِ.

101:9Page 600

فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ ٩

His refuge1 will be an abyss.2

﴿فَأُمُّهُ﴾ أيْ: فَمَأْواهُ.

﴿هاوِيَةٌ﴾ هي مِن أسْماءِ النّارِ، سُمِّيَتْ بِها لِغايَةِ عُمْقِها وبُعْدِ مَهْواها، رُوِيَ أنَّ أهْلَ النّارِ تَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، وقِيلَ: إنَّها اسْمٌ لِلْبابِ الأسْفَلِ مِنها، وعَبَّرَ عَنِ المَأْوى بِاللّامِ؛ لِأنَّ أهْلَها يَأْوُونَ إلَيْها كَما يَأْوِي الوَلَدُ إلى أُمِّهِ، وعَنْ قَتادَةَ وعِكْرِمَةَ والكَلْبِيِّ أنَّ المَعْنى: فَأُمُّ رَأْسِهِ هاوِيَةٌ في قَعْرِ جَهَنَّمَ؛ لِأنَّهُ يُطْرَحُ فِيها مَنكُوسًا، والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى:

101:10–11Page 600

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ ١٠

And what can make you know what that is?

نَارٌ حَامِيَةُۢ ١١

It is a Fire, intensely hot.

﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ فَإنَّهُ تَقْرِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها والإشْعارِ بِخُرُوجِها عَنِ الحُدُودِ المَعْهُودَةِ لِلتَّفْخِيمِ والتَّهْوِيلِ، و"هِيَ" ضَمِيرُ الهاوِيَةِ، والهاءُ لِلسَّكْتِ وإذا وصَلَ القارئُ حَذَفَها، وقِيلَ: حَقُّهُ أنْ لا يُدْرَجَ لِئَلّا يُسْقِطَها الإدْراجُ، لِأنَّها ثابِتَةٌ في المُصْحَفِ، وقَدْ أُجِيزَ إثْباتُها مَعَ الوَصْلِ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ القارِعَةِ ثَقَّلَ اللَّهُ تَعالى بِها مِيزانَهُ يَوْمَ القِيامَةِ".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском