Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
طه
Taha
Ta-Ha · Meccan · 135 ayahs
(p-2)(سُورَةُ طَهَ مَكِّيَّةٌ إلّا آَيَتَيْ [130 و131] فَمَدَنِيَّتانِ وآَياتُها [135] )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طه﴾ فَضَّمَهُما قالُونُ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ، ويَعْقُوبُ عَلى الأصْلِ. والطّاءُ وحْدَهُ أبُو عَمْرٍو، ووَرْشٌ لِاسْتِعْلائِهِ، وأمالَهُما الباقُونَ. وهو مِنَ الفَواتِحِ الَّتِي يُصَدِّرُ بِها السُّوَرَ الكَرِيمَةَ، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ المُتْقِنِينَ. وقِيلَ: مَعْناهُ: يا رَجُلُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وعِكْرِمَةَ، والكَلْبِيِّ، إلّا أنَّهُ عِنْدَ سَعِيدٍ عَلى اللُّغَةِ النَّبْطِيَّةِ، وعِنْدَ قَتادَةَ عَلى السِّرْيانِيَّةِ، وعِنْدَ عِكْرِمَةَ عَلى الحَبَشِيَّةِ، وعِنْدَ الكَلْبِيِّ عَلى لُغَةِ عَكا، وقِيلَ: عُكْلٌ، وهي لُغَةٌ يَمانِيَّةٌ، قالُوا: إنْ صَحَّ فَلَعَلَّ أصْلَهُ يا هَذا، فَتَصَرَّفُوا فِيهِ بِقَلْبِ الياءِ طاءً، وحَذْفِ ذا مِن هَذا، وما اسْتُشْهِدَ بِهِ مِن قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ إنَّ السَّفاهَةَ طَهَ في خَلائِقِكم لا قَدَّسَ اللَّهُ أخْلاقَ المَلاعِينِ
لَيْسَ بِنَصٍّ في ذَلِكَ لِجَوازِ كَوْنِهِ قَسَمًا، كَما في حم ﴿لا يُنْصَرُونَ﴾ . وقَدْ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ الأصْلُ طَأْها بِصِيغَةِ الأمْرِ مِنَ الوَطْءِ فَقُلِبَتِ الهَمْزَةُ في يَطَأُ ألِفًا لِانْفِتاحِ ما قَبْلَها، كَما في قَوْلِ مَن قالَ: لا هُناكَ المَرْتَعُ، وها ضَمِيرُ الأرْضِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَطَأ الأرْضَ بِقَدَمَيْهِ لَمّا كانَ يَقُومُ في تَهَجُّدِهِ عَلى إحْدى رِجْلَيْهِ مُبالَغَةً في المُجاهَدَةِ، ولَكِنْ يَأْباهُ كِتابَتُهُما عَلى صُورَةِ الحَرْفِ كَما تَأْبى التَّفْسِيرَ بِيا رَجُلُ، فَإنَّ الكِتابَةَ عَلى صُوَرِ الحَرْفِ مَعَ كَوْنِ التَّلَفُّظِ بِخِلافِهِ مِن خَصائِصِ حُرُوفِ المُعْجَمِ. وقُرِئَ "طَهَ" إمّا عَلى أنَّ أصْلَهُ طَأْ، فَقَلَبَ هَمْزَتَهُ هاءً كَما في أمْثالِ: هَرَقَتْ، أوْ قُلِبَتِ الهَمْزَةُ في يَطَأُ ألِفًا كَما مَرَّ ثُمَّ بُنِيَ مِنهُ الأمْرُ وأُلْحِقُ بِهِ هاءُ السَّكْتِ، وإمّا عَلى أنَّهُ اكْتَفى في التَّلَفُّظِ بِشَطْرَيِّ الِاسْمَيْنِ وأُقِيما مَقامَهُما في الدَّلالَةِ عَلى المُسَمَّيَيْنِ، فَكَأنَّهُما اسْماهُما الدّالّانِ عَلَيْهِما وعَلى هَذا يَنْبَغِي أنْ يُحَمَلَ قَوْلُ مَن قالَ. أوِ اكْتَفى بِشَطْرَيِ الكَلِمَتَيْنِ وعَبَّرَ عَنْهُما بِاسْمِهِما، وإلّا فالشَّطْرانِ لَمْ يُذْكَرا مِن حَيْثُ إنَّهُما مُسَمَّيانِ لِاسْمَيْهِما لِيَقَعا مُعَبِّرًا عَنْهُما، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُما جُزْءانِ لَهُما قَدِ اكْتُفِيَ بِذِكْرِهِما عَنْ ذِكْرِهِما، ولِذَلِكَ وقَعَ التَّلَفُّظُ بِأنْفُسِهِما لا بِاسْمَيْهِما، بِأنْ يُرادَ بِضَمِيرِ التَّثْنِيَةِ في المَوْضِعَيْنِ الشَّطْرانِ مِن حَيْثُ هُما مُسَمَّيانِ لا مِن حَيْثُ هُما جُزْءانِ لِلِاسْمَيْنِ، ويُرادُ بِاسْمِهِما الشَّطْرانِ مِن حَيْثُ هُما قائِمانِ مَقامَ الِاسْمَيْنِ. فالمَعْنى اكْتُفِيَ في التَّلَفُّظِ بِشَطْرَيِ الكَلِمَتَيْنِ أيِ: الِاسْمَيْنِ فَعَبَّرَ عَنْهُما - أيْ: عَنِ الشَّطْرَيْنِ - مِن حَيْثُ هُما مُسَمَّيانِ بِهِما مِن حَيْثُ هُما قائِمانِ مَقامَ الِاسْمَيْنِ. وأمّا حَمْلُهُ عَلى مَعْنى أنَّهُ اكْتُفِيَ في الكِتابَةِ بِشَطْرَيِ الكَلِمَتَيْنِ يَعْنِي طا عَلى تَقْدِيرَيْ كَوْنِهِ أمْرًا وكَوْنِهِ حَرْفَ نِداءٍ، وها عَلى تَقْدِيرَيْ كَوْنِها كِنايَةً عَنِ الأرْضِ وكَوْنِها حَرْفَ تَنْبِيهٍ وعُدِلَ عَنْ ذَيْنِكَ الشَّطْرَيْنِ في التَّلَفُّظِ بِاسْمِهِما، فَبَيْنَ البُطْلانِ كَيْفَ وطاؤُها عَلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّقادِيرِ لَيْسا بِاسْمَيْنِ لِلْحَرْفَيْنِ المَذْكُورَيْنِ بَلِ الأوَّلُ (p-3)أمْرٌ أوْ حَرْفُ نِداءٍ، والثّانِي ضَمِيرُ الأرْضِ أوْ حَرْفُ تَنْبِيهٍ، عَلى أنَّ كِتابَةَ صُورَةِ الحَرْفِ والتَّلَفُّظَ بِغَيْرِهِ مِن خَواصِّ حُرُوفِ المُعْجَمِ كَما مَرَّ، فالحَقُّ ما سَلَفَ مِن أنَّها مِنَ الفَواتِحِ، إمّا مَسْرُودَةٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في مَطْلَعِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ.
وَكَذا ما بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى:
20:2Page 312
مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ ٢
We have not sent down to you the Qur’ān that you be distressed
﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القرآن لِتَشْقى﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَتِهِ ﷺ عَمّا كانَ يَعْتَرِيهِ مِن جِهَةِ المُشْرِكِينَ مِنَ التَّعَبِ، فَإنَّ الشَّقاءَ شائِعٌ في ذَلِكَ المَعْنى، ومِنهُ: أشْقى مِن رائِضِ مُهْرٍ، أيْ: ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِالمُبالَغَةِ في مُكابَدَةِ الشَّدائِدِ في مُقاوَلَةِ العُتاةِ، ومُحاوَرَةِ الطُّغاةِ، وفَرْطِ التَّأسُّفِ عَلى كُفْرِهِمْ بِهِ، والتَّحَسُّرِ عَلى أنْ يُؤْمِنُوا كَقَوْلِهِ لَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ ...﴾ الآَيَةُ. بَلْ لِلتَّبْلِيغِ والتَّذْكِيرِ، وقَدْ فَعَلْتَ فَلا عَلَيْكَ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، أوْ لِصَرْفِهِ ﷺ عَمّا كانَ عَلَيْهِ مِنِ المُبالَغَةِ في المُجاهَدَةِ في العِبادَةِ، كَما يُرْوى «أنَّهُ ﷺ كانَ يَقُومُ بِاللَّيْلِ حَتّى تَرِمَ قَدَماهُ، قالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: أبْقِ عَلى نَفْسِكَ، فَإنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًّا.» أيْ: ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَتْعَبَ بِنَهْكِ نَفْسِكَ وحَمْلِها عَلى الرَّياضاتِ الشّاقَّةِ والشَّدائِدِ الفادِحَةِ، وما بُعِثْتَ إلّا بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ. وقِيلَ: إنَّ أبا جَهْلٍ، والنَّضْرَ بْنَ الحَرْثِ، قالا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّكَ شَقِيٌّ حَيْثُ تَرَكْتَ دِينَ آَبائِكَ، وأنَّ القرآن نَزَلَ عَلَيْكَ لِتَشْقى بِهِ، فَرَدَّ ذَلِكَ بِأنّا ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لَمّا قالُوا. والأوَّلُ هو الأنْسَبُ كَما يَشْهَدُ بِهِ الِاسْتِثْناءُ الآَتِي هَذا. وإمّا اسْمٌ لِلْقُرْآَنِ مَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والقرآن ظاهِرٌ أُوِقِعَ مَوْقِعَ العائِدِ إلى المُبْتَدَإ، كَأنَّهُ قِيلَ: القرآن ما أنْزَلْناهُ عَلَيْكَ لِتَشْقى. أوِ النَّصْبُ عَلى إضْمارِ فِعْلِ القَسَمِ أوِ الجَرِّ بِتَقْدِيرِ حَرْفِهِ، وما بَعْدَهُ جَوابُهُ.
وَعَلى هَذَيْنَ الوَجْهَيْنِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلسُّورَةِ أيْضًا، بِخِلافِ الوَجْهِ الأوَّلِ فَإنَّهُ لا يَتَسَنّى عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ، لَكِنْ لا لِأنَّ المُبْتَدَأ يَبْقى حِينَئِذٍ بِلا عائِدٍ ولا قائِمٍ مَقامَهُ، فَإنَّ القرآن صادِقٌ عَلى الصُّورَةِ لا مَحالَةَ، إمّا بِطْرِيقِ الِاتِّحادِ بِأنْ يُرادَ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ الكُلِّ والبَعْضِ، أوْ بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الكُلُّ، بَلْ لِأنَّ نَفْيَ كَوْنِ إنْزالِهِ لِلشَّقاءِ يَسْتَدْعِي سَبْقَ وُقُوعِ الشَّقاءِ مُتَرَتِّبًا عَلى إنْزالِهِ قَطْعًا، إمّا بِحَسَبِ الحَقِيقَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ مَعْنى التَّعَبِ، أوْ بِحَسَبِ زَعْمِ الكَفَرَةِ كَما لَوْ أُرِيدَ بِهِ ضِدُّ السَّعادَةِ. ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ إنَّما يُتَصَوَّرُ في إنْزالِ ما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ، وأمّا إنْزالُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ فَلَيْسَ مِمّا يُمْكِنُ تَرَتُّبُ الشَّقاءُ السّابِقُ عَلَيْهِ حَتّى يَتَصَدّى لِنَفْيِهِ عَنْهُ. أمّا بِاعْتِبارِ الِاتِّحادِ فَظاهِرٌ وأمّا بِاعْتِبارِ الِانْدِراجِ فَلِأنَّ مَآَلَهُ أنَّ يُقالَ هَذِهِ السُّورَةُ ما أنْزَلَنا القرآن المُشْتَمِلَ عَلَيْها لِتَشْقى، ولا يَخْفى أنْ جَعَلَها مُخْبَرًا عَنْها مَعَ أنَّهُ لا دَخْلَ لِإنْزالِها في الشَّقاءِ السّابِقِ أصْلًا مِمّا لا يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لِأنْزَلْنا، لَكِنْ لا مِن حَيْثُ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِالشَّقاءِ عَلى مَعْنى ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القرآن لِتَتْعَبَ بِتَبْلِيغِهِ إلّا تَذْكِرَةً. الآَيَةُ، كَقَوْلِكَ: ما ضَرَبْتُكَ لِلتَّأْدِيبِ إلّا إشْفاقًا، لِما أنَّهُ يَجِبُ في أمْثالِهِ أنْ يَكُونَ بَيْنَ العِلَّتَيْنِ مُلابَسَةٌ بِالسَّبَبِيَّةِ والمُسَبَّبَيَّةِ حَتْمًا كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، وفي قَوْلِكَ: ما شافَهْتُكَ بِالسُّوءِ لِتَتَأذّى إلّا زَجْرًا لِغَيْرِكَ، فَإنَّ التَّأْدِيبَ في الأوَّلِ مُسَبَّبٌ عَنِ الإشْفاقِ، والتَّأذِّي في الثّانِي سَبَبٌ لِزَجْرِ (p-4)الغَيْرِ. وقَدْ عَرَفْتُ ما بَيْنَ الشَّقاءِ والتَّذْكِرَةِ مِنَ التَّنافِي، ولا يُجْدِي أنْ يُرادَ بِهِ التَّعَبُ في الجُمْلَةِ المَجامِعُ لِلتَّذْكِرَةِ لِظُهُورِ أنْ لا مُلابَسَةَ بَيْنَهُما بِما ذَكَرَ مِنَ السَّبَبِيَّةِ والمُسَبِّبِيَّةِ، وإنَّما يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ أنْ لَوْ قِيلَ مَكانَ ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾: إلّا تَكْثِيرًا لِثَوابِكَ، فَإنَّ الأجْرَ بِقَدْرِ التَّعَبِ، ولا مِن حَيْثُ أنَّهُ بَدَلٌ مِن مَحَلِّ لِتَشْقى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما فَعَلُوهُ إلا قَلِيلٌ﴾ لِوُجُوبِ المُجانَسَةِ بَيْنَ البَدَلَيْنِ، وقَدْ عَرَفْتَ حالَهُما بَلْ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ المَعْنى بَعْدَ نَفْيِهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْارَكِ المُسْتَفادِ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ القرآن لِتَتْعَبَ في تَبْلِيغِهِ، ولَكِنْ تَذْكِرَةً ﴿لِمَن يَخْشى﴾ . وقَدْ جَرَّدَ التَّذْكِرَةَ عَنِ اللّامِ لِكَوْنِها فِعْلًا لِفاعِلِ الفِعْلِ المُعَلِّلِ، أيْ: لِمَن مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْشى اللَّهَ عَزَّ وعَلا ويَتَأثَّرَ بِالإنْذارِ لِرِقَّةِ قَلْبِهِ ولِينِ عَرِيكَتِهِ، أوْ لِمَن عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يَخْشى بِالتَّخْوِيفِ، وتَخْصِيصًا بِهِمْ مَعَ عُمُومِ التَّذْكِرَةِ والتَّبْلِيغِ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِها.
20:4Page 312
تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى ٤
A revelation from He who created the earth and highest heavens,
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ لِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مُقَرَّرٍ لِما قَبْلَهُ، أيْ: نُزِّلَ تَنْزِيلًا. أوْ لِما تُفِيدُهُ الجُمْلَةُ الِاسْتِثْنائِيَّةُ فَإنَّها مُتَضَمِّنَةٌ لِأنْ يُقالَ: أنْزَلْناهُ لِلتَّذْكِرَةِ، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِما بَعْدَهُ مِنَ الِالتِفاتِ. أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ والِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِيَخْشى عَلى المَفْعُولِيَّةِ، أيْ: يَخْشى تَنْزِيلًا مِنَ اللَّهِ تَعالى. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَعْلِيقَ الخَشْيَةِ والخَوْفِ ونَظائِرِهِما بِمُطْلَقِ التَّنْزِيلِ غَيْرُ مَعْهُودٍ. نَعَمْ قَدْ يُعَلَّقُ ذَلِكَ بِبَعْضِ أجْزائِهِ المُشْتَمِلَةِ عَلى الوَعِيدِ ونَظائِرِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ . وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن تَذْكِرَةً، لَكِنْ لا عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ لَأنْزَلْنا إذْ يُعَلِّلُ الشَّيْءُ بِنَفْسِهِ ولا بِنَوْعِهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ واقِعٌ مَوْقِعَ الحالِ مِنَ الكافِ في عَلَيْكَ، أوْ مِنَ القرآن، ولا مُساغَ لَهُ إلّا بِأنْ يَكُونَ قَيْدًا لَأنْزَلْنا بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالقَيْدِ الأوَّلِ، وقَدْ عَرَفْتَ حالَهُ فِيما سَلَفَ. وقُرِئَ "تَنْـزِيلٌ" عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ.
وَ"مَن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الأرْضَ والسَّماواتِ العُلا﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِتَنْزِيلًا، أوْ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لَهُ مُؤَكِّدَةٌ لِما في تَنْكِيرِهِ مِنِ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ. ونِسْبَةُ التَّنْزِيلِ إلى المَوْصُولِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ بَعْدَ نِسْبَتِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ لِبَيانِ فَخامَتِهِ تَعالى بِحَسَبِ الأفْعالِ والصِّفاتِ إثْرَ بَيانِها بِحَسَبِ الذّاتِ بِطَرِيقِ الإبْهامِ، ثُمَّ التَّفْسِيرُ لِزِيادَةِ تَحْقِيقٍ وتَقْرِيرٍ وتَخْصِيصِ خَلْقِهِما بِالذِّكْرِ، مَعَ أنَّ المُرادَ: خَلْقُهُما بِجَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِما، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ الآَيَةُ، لِأصالَتِهِما واسْتِتْباعِهِما لِما عَداهُما. وتَقْدِيمُ الأرْضِ لِكَوْنِهِ أقْرَبَ إلى الحِسِّ وأظْهَرَ عِنْدَهُ. ووَصَفَ السَّمَواتِ بِالعُلا وهو جَمْعُ العُلْيا تَأْنِيثُ الأعْلى، لِتَأْكِيدِ الفَخامَةِ مَعَ ما فِيهِ مِن مُراعاةِ الفَواصِلِ. وكُلُّ ذَلِكَ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ مَسُوقٌ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُنَزِّلِ عَزَّ وجَلَّ المُتَتَبِّعِ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُنَـزَّلِ الدّاعِي إلى تَرْبِيَةِ المَهانَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ المُؤَدِّيَةِ إلى اسْتِنْزالِ المُتَمَرِّدِينَ عَنْ رُتْبَةِ العُتُوِّ والطُّغْيانِ، واسْتَمالَهم نَحْوَ الخَشْيَةِ المُفْضِيَةِ إلى التَّذْكِرَةِ والإيمانِ.
20:5Page 312
ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ ٥
The Most Merciful [who is] above the Throne established.1
﴿الرَّحْمَنُ﴾ رُفِعَ عَلى المَدْحِ، أيْ: هو الرَّحْمَنُ. وقَدْ عَرَفْتَ في صَدْرِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) أنَّ المَرْفُوعَ مَدْحًا في حُكْمِ الصِّفَةِ الجارِيَةِ في ما قَبْلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تابِعًا لَهُ في الإعْرابِ، ولِذَلِكَ التَزَمُوا حَذْفَ المُبْتَدَإ لِيَكُونَ في صُورَةِ مُتَعَلِّقٍ مِن (p-5)مُتَعَلِّقاتِهِ. وقَدْ قُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ صَرِيحَةٌ لِلْمَوْصُولِ، وما قِيلَ مِن أنَّ الأسْماءَ النّاقِصَةَ لا يُوصَفُ مِنها إلّا الَّذِي وحَّدَهُ مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ. وأيًّا ما كانَ فَوَصْفُهُ بِالرَّحْمانِيَّةِ إثْرَ وصْفِهِ بِخالِقِيَّةِ السَّمَواتِ والأرْضِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ خَلْقَهُما مِن آثارِ رَحْمَتِهِ تَعالى. كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما الرَّحْمَنِ﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى بِطَرِيقِ الرَّحْمَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ تَنْزِيلَ القرآن أيْضًا مِن أحْكامِ رَحْمَتِهِ تَعالى، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾، أوْ رُفِعَ عَلى الِابْتِداءِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، والإشارَةُ إلى المَوْصُولِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾، وجَعَلَ الرَّحْمَةَ عُنْوانَ المَوْضُوعِ الَّذِي شَأْنُهُ أنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الثُّبُوتِ لِلْمَوْضُوعِ عِنْدَ المُخاطَبِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ أمْرٌ بَيِّنٌ لا سُتْرَةَ بِهِ غَنِيٌّ عَنِ الإخْبارِ بِهِ صَرِيحًا، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَوى قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ. والجارُّ والمَجْرُورُ عَلى الأوَّلِ خَبَرُ مُبْتَدَإ مَحْذُوفٍ، كَما في القِراءَةِ الجَرِّ. وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ خَبِرًا بَعْدَ خَبَرٍ.
والِاسْتِواءُ عَلى العَرْشِ: مَجازٌ عَنِ المُلْكِ والسُّلْطانِ، مُتَفَرِّعٌ عَلى الكِنايَةِ فِيمَن يُجَوِّزُ عَلَيْهِ القُعُودَ عَلى السَّرِيرِ. يُقالُ: اسْتَوى فُلانٌ عَلى سَرِيرِ المُلْكِ، يُرادُ بِهِ: مَلِكٌ، وإنْ لَمْ يَقْعُدْ عَلى السَّرِيرِ أصْلًا. والمُرادُ: بَيانُ تَعَلُّقِ إرادَتِهِ الشَّرِيفَةِ إيجادِ الكائِناتِ وتَدْبِيرِ أمْرِها.
20:6Page 312
لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ ٦
To Him belongs what is in the heavens and what is on the earth and what is between them and what is under the soil.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ بِالجُزْئِيَّةِ مَهْما أوْ بِالحُلُولِ فِيهِما.
﴿وَما بَيْنَهُما﴾ مِنِ المَوْجُوداتِ الكائِنَةِ في الجَوِّ دائِمًا كالهَواءِ، والسَّحابِ، أوْ أكْثَرَ يا كالطَّيْرِ أيْ: لَهُ وحْدُهُ دُونَ غَيْرِهِ، لا شِرْكَةً، ولا اسْتِقْلالًا، كُلُّ ما ذَكَرَ مُلْكًا، وتَصَرُّفًا، وإحْياءً، وإمالَةً، وإيجادًا، وإعْدامًا.
﴿وَما تَحْتَ الثَّرى﴾ أيْ: ما وراءَ التُّرْبِ، وذِكْرُهُ مَعَ دُخُولِهِ تَحْتَ ما في الأرْضِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ. رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: أنَّهُ ما تَحْتَ الأرْضِينَ السَّبْعِ. وعَنِ السُّدِّيِّ أنَّ الثَّرى: هو الصَّخْرَةُ الَّتِي عَلَيْها الأرْضُ السّابِعَةُ.
20:7Page 312
وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى ٧
And if you speak aloud - then indeed, He knows the secret and what is [even] more hidden.
﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ﴾ بَيانٌ لِإحاطَةِ علمه تعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ إثْرَ بَيانِ سِعَةِ سَلْطَنَتِهِ، وشُمُولِ قدرته لِجَمِيعِ الكائِناتِ. أيْ: وإنْ تَجْهَرْ بِذِكْرِهِ تَعالى ودُعائِهِ فاعْلَمْ أنَّهُ تَعالى غَنِيٌّ عَنْ جَهْرِكَ.
﴿فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ أيْ: ما أسْرَرْتُهُ إلى غَيْرِكَ، وشَيْئًا أخْفى مِن ذَلِكَ، وهو ما أخْطَرْتُهُ بِبالِكَ مِن غَيْرِ أنْ تَتَفَوَّهَ بِهِ أصْلًا، أوْ ما أسْرَرْتَهُ لِنَفْسِكَ وأخْفى مِنهُ وهو ما سَتُسِرُّهُ فِيما سَيَأْتِي. وتَنْكِيرُهُ لِلْمُبالَغَةِ في الخَفاءِ، وهَذا إمّا نَهْيٌ عَنِ الجَهْرِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ في نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وخِيفَةً ودُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾، وإمّا إرْشادٌ لِلْعِبادِ إلّا أنَّ الجَهْرَ لَيْسَ لِإسْماعِهِ سُبْحانَهُ، بَلْ لِغَرَضٍ آَخَرَ مِن تَصْوِيرِ النَّفْسِ بِالذِّكْرِ وتَثْبِيتِهِ فِيها ومَنعِها مِنَ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ وقَطْعِ الوَسْوَسَةِ عَنْها وهَضْمِها بِالتَّضَرُّعِ والجُؤارِ.
20:8Page 312
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ ٨
Allāh - there is no deity except Him. To Him belong the best names.
وَقَوْلُهُ تَعالى: "اللَّهُ" خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن صِفاتِ الكَمالِ مَوْصُوفُها ذَلِكَ المَعْبُودُ بِالحَقِّ، أيْ: ذَلِكَ المَنعُوتُ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ، وتَصْرِيحٌ بِما تَضَمَّنَهُ ما قَبْلَهُ مِنِ اخْتِصاصِ الأُلُوهِيَّةِ بِهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مِن خَلْقِ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ، (p-6)والرَّحْمانِيَّةِ، والمالِكِيَّةِ لِلْكُلِّ، والعِلْمِ الشّامِلِ مِمّا يَقْتَضِيهِ اقْتِضاءً بَيِّنًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهُ الأسْماءُ الحُسْنى﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الخالِقِيَّةِ، والرَّحْمانِيَّةِ، والمالِكِيَّةِ، والعالَمِيَّةِ أسْماءَهُ وصِفاتِهِ مِن غَيْرِ تَعَدُّدٍ في ذاتِهِ تَعالى. فَإنَّهُ رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ حِينَ سَمِعُوا النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: يا اللَّهُ يا رَحْمَنُ. قالُوا يَنْهانا أنْ نَعْبُدَ إلَهَيْنِ وهو يَدْعُو إلَهًا آَخَرَ. والحُسْنى: تَأْنِيثُ الأحْسَنِ يُوصَفُ بِهِ الواحِدَةُ المُؤَنَّثَةُ، والجَمْعُ مِنِ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ كَمَآَرِبَ أُخْرى، وآَياتِنا الكُبْرى.
﴿وَهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ أمْرِ التَّوْحِيدِ الَّذِي إلَيْهِ يَنْتَهِي مَساقُ الحَدِيثِ، وبَيانُ أنَّهُ أمْرٌ مُسْتَمِرٌّ فِيما بَيْنَ الأنْبِياءِ كابِرًا عَنْ كابِرٍ. وقَدْ خُوطِبَ بِهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ قِيلَ لَهُ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا﴾ وبِهِ خَتَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَقالَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿إنَّما إلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ . وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ ذَلِكَ لِتَرْغِيبِ النَّبِيِّ ﷺ في الِائْتِساءِ بِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تَحَمُّلِ أعْباءِ النُّبُوَّةِ والصَّبْرِ عَلى مُقاساةِ الخُطُوبِ في تَبْلِيغِ أحْكامِ الرِّسالَةِ، فَيَأْباهُ أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِصَرْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ اقْتِحامِ المَشاقِّ.
20:10Page 312
إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى ١٠
When he saw a fire and said to his family, "Stay here; indeed, I have perceived a fire; perhaps I can bring you a torch or find at the fire some guidance."
وَقَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ رَأى نارًا﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ. وقِيلَ: لِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ: حِينَ رَأى نارًا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِمُضْمَرٍ مُقَدَّمٍ، أيِ: اذْكُرْ وقْتَ رُؤْيَتِهِ نارًا. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْتَأْذَنَ شُعَيْبًا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ في الخُرُوجِ إلى أُمِّهِ وأخِيهِ، فَخَرَجَ بِأهْلِهِ وأخَذَ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ مَخافَةً مِن مُلُوكِ الشّامِ. فَلَمّا وافى وادِي طَوى وهو بِالجانِبِ الغَرْبِيِّ مِنَ الطُّورِ، وُلِدَ لَهُ ولَدٌ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ شاتِيَةٍ مُثَلَّجَةٍ، وكانَتْ لَيْلَةَ الجُمْعَةِ وقَدْ ضَلَّ الطَّرِيقَ، وتَفَرَّقَتْ ماشِيَتُهُ، ولا ماءَ عِنْدَهُ وقَدَحَ، فَصَلَدَ زَنْدُهُ، فَبَيْنَما هو في ذَلِكَ، إذْ رَأى نارًا عَلى يَسارِ الطَّرِيقِ مِن جانِبِ الطُّورِ، ﴿فَقالَ لأهْلِهِ امْكُثُوا﴾ أيْ: أقِيمُوا مَكانَكم، أمَرَهم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِئَلّا يَتْبَعُوهُ فِيما عَزَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الذَّهابِ إلى النّارِ كَما هو المُعْتادُ لا لِئَلّا يَنْتَقِلُوا إلى مَوْضِعٍ آَخَرَ، فَإنَّهُ مِمّا لا يَخْطُرُ بِالبالِ، والخِطابُ لِلْمَرْأةِ والوَلَدِ والخادِمِ، وقِيلَ لَها وحْدُها، والجَمْعُ إمّا لِظاهِرِ لَفْظِ الأهْلِ، أوْ لِلتَّفْخِيمِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [وَإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّساءَ سِواكُمُ] .
﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ: أبْصَرْتُها إبْصارًا بَيِّنًا لا شُبْهَةَ فِيهِ. وقِيلَ: الإيناسُ خاصٌّ بِإبْصارِ ما يُؤْنَسُ بِهِ. والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ أوِ المَأْمُورِ بِهِ.
﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها﴾ أيْ: أجِيئُكم مِنَ النّارِ.
﴿بِقَبَسٍ﴾ أيْ: بِشُعْلَةٍ مُقْتَبَسَةٍ مِن مُعْظَمِ النّارِ، وهي المُرادَةُ بِالجَذْوَةِ في (سُورَةِ القَصَصِ ) وبِالشِّهابِ القَبَسُ.
﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ هادِيًا يَدُلُّنِي عَلى الطَّرِيقِ، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الفاعِلُ مُبالَغَةً، أوْ حُذِفَ مِنهُ المُضافُ. أيْ: ذا هِدايَةٍ. أوْ عَلى أنَّهُ إذا وُجِدَ الهادِي فَقَدْ وُجِدَ الهُدى. وقِيلَ: هادِيًا يَهْدِينِي إلى أبْوابِ الدِّينِ، فَإنَّ أفْكارَ الأبْرارِ مَغْمُورَةٌ بِالهِمَّةِ الدِّينِيَّةِ في عامَّةِ أحْوالِهِمْ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ. والأوَّلُ هو الأظْهَرُ، لِأنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِتَسْلِيَةِ أهْلِهِ. وقَدْ نُصَّ عَلَيْهِ في (سُورَةِ القَصَصِ ) حَيْثُ قِيلَ: ﴿لَعَلِّي آتِيكم مِنها بِخَبَرٍ أوْ جَذْوَةٍ﴾ الآَيَةُ. وكَلِمَةُ "أوْ" في المَوْضِعَيْنِ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ مَنعِ الجَمْعِ. ومَعْنى الِاسْتِعْلاءِ في قَوْلِهِ (p-7)تَعالى: ﴿عَلى النّارِ﴾ أنَّ أهْلَ النّارِ يَسْتَعْلُونَ المَكانَ القَرِيبَ مِنها، أوْ لِأنَّهم عِنْدَ الِاصْطِلاءِ يَكْتَنِفُونَها قِيامًا وقُعُودًا فَيُشْرِفُونَ عَلَيْها، ولَمّا كانَ الإتْيانُ بِهِما مُتَرَقَّبًا غَيْرَ مُحَقَّقِ الوُقُوعِ، صَدَّرَ الجُمْلَةَ بِكَلِمَةِ التَّرَجِّي، وهي إمّا عِلَّةٌ لِفِعْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنِ الأمْرِ بِالمُكْثِ والإخْبارِ بِإيناسِ النّارِ وتَفادِيًا عَنِ التَّصْرِيحِ بِما يُوحِشُهم، وإمّا حالٌ مِن فاعِلِهِ، أيْ: فَأذْهَبُ إلَيْها لِآَتِيَكم أوْ كَيْ آَتِيَكم أوْ راجِيًا أنْ آَتِيَكم مِنها بِقَبَسٍ. الآَيَةُ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾
20:11Page 312
فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ ١١
And when he came to it, he was called, "O Moses,
﴿فَلَمّا أتاها﴾ أيِ: النّارُ الَّتِي آَنَسَها. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رَأى شَجَرَةً خَضْراءَ أطافَتْ بِها مِن أسْفَلِها إلى أعْلاها نارٌ بَيْضاءُ تَتَّقِدُ كَأضْوَإ ما يَكُونُ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّبًا مِن شِدَّةِ ضَوْئِها وشَدَّةِ خُضْرَةِ الشَّجَرَةِ، فَلا النّارُ تُغَيِّرُ خُضْرَتَها، ولا كَثْرَةُ ماءِ الشَّجَرَةِ تُغَيِّرُ ضُوءَها.
قالُوا: النّارُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: صِنْفٌ يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وهي نارُ الدُّنْيا. وصِنْفٌ يَشْرَبُ ولا يَأْكُلُ، وهي نارُ الشَّجَرِ الأخْضَرِ. وصِنْفٌ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ، وهي نارُ جَهَنَّمَ. وصِنْفٌ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وهي نارُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَقالُوا أيْضًا: هي أرْبَعَةُ أنْواعٍ: نَوْعٌ لَهُ نُورٌ وإحْراقٌ، وهي نارُ الدُّنْيا. ونَوْعٌ لا نُورَ لَهُ ولا إحْراقَ، وهي نارُ الأشْجارِ. ونَوْعٌ لَهُ نُورٌ بِلا إحْراقٍ، وهي نارُ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. ونَوْعٌ لَهُ إحْراقٌ بِلا نُورٍ، وهي نارُ جَهَنَّمَ. رُوِيَ أنَّ الشَّجَرَةَ كانَتْ عَوْسَجَةً، وقِيلَ: كانَتْ سَمُرَةً.
﴿نُودِيَ يا مُوسى﴾ أيْ: نُودِيَ فَقِيلَ: يا مُوسى.
20:12Page 312
إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢
Indeed, I am your Lord, so remove your sandals. Indeed, you are in the blessed valley of Ṭuwā.
﴿إنِّي أنا رَبُّكَ﴾ أوْ عُومِلَ النِّداءُ مُعامَلَةَ القَوْلِ لِكَوْنِهِ ضَرْبًا مِنهُ. وقُرِئَ بِالفَتْحِ أيْ: "بِأنِّي" وتَكْرِيرُ الضَّمِيرِ لِتَأْكِيدِ الدَّلالَةِ، وتَحْقِيقِ المَعْرِفَةِ، وإماطَةِ الشُّبْهَةِ. رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نُودِيَ يا مُوسى، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: مَنِ المُتَكَلِّمُ ؟ فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أنا رَبُّكَ، فَوَسْوَسَ إلَيْهِ إبْلِيسُ: لَعَلَّكَ تَسْمَعُ كَلامَ شَيْطانٍ، فَقالَ: أنا عَرَفْتُ أنَّهُ كَلامُ اللَّهِ تَعالى، بِأنِّي أسْمَعُهُ مِن جَمِيعِ الجِهاتِ بِجَمِيعِ الأعْضاءِ، قُلْتُ: وذَلِكَ لِأنَّ سَماعَ ما لَيْسَ مِن شَأْنِهِ ذَلِكَ مِنَ الأعْضاءِ لَيْسَ إلّا مِن آثارِ قُدْرَةِ الخَلّاقِ العَلِيمِ تَعالى وتَقَدَّسَ. وقِيلَ: تَلَقّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلامَ رَبِّ العِزَّةِ تَلَقِّيًا رَوْحانِيًّا، ثُمَّ تَمَثَّلَ ذَلِكَ الكَلامُ لِبَدَنِهِ، وانْتَقَلَ إلى الحِسِّ المُشْتَرَكِ فانْتَقَشَ بِهِ مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِعُضْوِ وجْهِهِ.
﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِذَلِكَ لِأنَّ الحَفْوَةَ أدْخَلُ في التَّواضُعِ وحُسْنِ الأدَبِ، ولِذَلِكَ كانَ السَّلَفُ الصّالِحُونَ يَطُوفُونَ بِالكَعْبَةِ حافِّينَ. وقِيلَ: لِيُباشِرَ الوادِيَ بِقَدَمَيْهِ تَبَرُّكًا بِهِ، وقِيلَ: لِما أنَّ نَعْلَيْهِ كانا مِن جِلْدِ حِمارٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: فَرِّغْ قَلْبَكَ مِنِ الأهْلِ والمالِ. والفاءُ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ رُبُوبِيَّتَهُ تَعالى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن مُوجِباتِ الأمْرِ ودَواعِيهِ. وقَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ تَعْلِيلٌ لِوُجُوبِ الخُلْعِ المَأْمُورِ بِهِ، وبَيانٌ لِسَبَبِ وُرُودِ الأمْرِ بِذَلِكَ مِن شَرَفِ البُقْعَةِ وقُدْسِها. رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلَعَهُما وألْقاهُما وراءَ الوادِي.
﴿طُوًى﴾ بِضَمِ الطّاءِ غَيْرِ مُنَوَّنٍ. وقُرِئَ مُنَوَّنًا، وقُرِئَ بِالكَسْرِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، فَمَن نَوَّنَهُ أوَّلَهُ بِالمَكانِ دُونَ البُقْعَةِ، وقِيلَ: هو كَثُنى مِنَ الطَّيِّ، مَصْدَرٌ لَنُودِيَ أوِ المُقَدَّسِ، أيْ: نُودِيَ نِداءَيْنِ أوْ قُدِّسَ مَرَّةً (p-8)بَعْدَ أُخْرى.
20:13Page 313
وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ ١٣
And I have chosen you, so listen to what is revealed [to you].
﴿وَأنا اخْتَرْتُكَ﴾ أيِ: اصْطَفَيْتُكَ لِلنُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ. وقُرِئَ: "وَإنّا اخْتَرْناكَ" بِالفَتْحِ والكَسْرِ. والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فاسْتَمِعْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ أوِ المَأْمُورِ بِهِ عَلى ما قَبْلَها، فَإنَّ اخْتِيارَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ذُكِرَ مِن مُوجِباتِ الِاسْتِماعِ والأمْرِ بِهِ. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِما يُوحى﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِاسْتَمِعْ، و"ما" مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: فاسْتَمِعْ لِلَّذِي يُوحى إلَيْكَ أوْ لِلْوَحْيِ لا بِاخْتَرْتُكَ كَما قِيلَ لَكِنْ لا لَمّا قِيلَ مِن أنَّهُ مِن بابِ التَّنازُعِ وإعْمالِ الأوَّلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences