Abu as-Su'udNuh · 71:1–28

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

نوح

Nuh

Noah · Meccan · 28 ayahs

71:1Page 570

إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١

Indeed, We sent Noah to his people, [saying], "Warn your people before there comes to them a painful punishment."

(p-36)سُورَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها ثَمانٍ وعِشْرُونَ

﴿إنّا أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ أنْ أنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ أيْ: بِأنْ أنْذِرْهم عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ مِنها الجارُّ، وأُوصِلَ إلَيْها الفِعْلُ، فَإنَّ حَذْفَهُ مَعَ أنَّ وأنْ مُطَّرِدٌ،وَجُعِلَتْ صِلَتُها أمْرًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ أقِمْ وجْهَكَ﴾ لِأنَّ مَدارَ وصْلِها بِصِيَغِ الأفْعالِ دَلالَتُها عَلى المَصْدَرِ، وذَلِكَ لا يَخْتَلِفُ بِالخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، ووُجُوبُ كَوْنِ الصِّلَةِ خَبَرِيَّةً في المَوْصُولِ الأسْمِيِّ، إنَّما هو لِلتَّوَصُّلِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ، ولَيْسَ المَوْصُولُ الحَرْفِيُّ كَذَلِكَ، وحَيْثُ اسْتَوى الخَبَرُ والإنْشاءُ في الدَّلالَةِ عَلى المَصْدَرِ اسْتَوَيا في صِحَّةِ الوَصْلِ بِهِما، فَيَتَجَرَّدُ عِنْدَ ذَلِكَ كُلٌّ مِنهُماعَنِ المَعْنى الخاصِّ بِصِيغَتِهِ فَيَبْقى الحَدَثُ المُجَرَّدُ عَنْ مَعْنى الأمْرِ والنَّهْيِ والمُضِيِّ والأسْتِقْبالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أرْسَلْناهُ بِالإنْذارِ، وقِيلَ: المَعْنى: أرْسَلْناهُ بِأنْ قُلْنا لَهُ: أنْذِرْ، أيْ: أرْسَلْناهُ بِالأمْرِ بِالإنْذارِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "أنْ" مُفَسِّرَةً لِما في الإرْسالِ مِن مَعْنى القَوْلِ فَلا يَكُونُ لِلْجُمْلَةِ مَحَلٌّ مِنَ الإعْرابِ، وعَلى الأوَّلِ مَحَلُّها النَّصْبُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، والفَرّاءِ، والجَرُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، والكِسائِيِّ كَما هو المَعْرُوفُ، وقُرِئَ: أنْذِرْ بِغَيْرِ"أنْ" عَلى إرادَةِ القَوْلِ.

﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عاجِلٌ أوْ آجِلٌ لِئَلّا يَبْقى لَهم عُذْرٌ ما أصْلًا.

71:2Page 570

قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢

He said, "O my people, indeed I am to you a clear warner -

﴿قالَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ إرْسالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالوَجْهِ المَذْكُورِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقِيلَ: قالَ لَهم.

﴿يا قَوْمِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ مُنْذِرٌ مُوَضِّحٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

71:3Page 570

أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ ٣

To worship Allāh, fear Him and obey me.

﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واتَّقُوهُ وأطِيعُونِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"نَذِيرٌ" عَلى الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ.

71:4Page 570

يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤

He [i.e., Allāh] will forgive you of your sins and delay you for a specified term. Indeed, the time [set by] Allāh, when it comes, will not be delayed, if you only knew."

﴿يَغْفِرْ لَكم مِن ذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: بَعْضُ ذُنُوبِكُمْ، وهو ما سَلَفَ في الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ الإسْلامَ يَجُبُّهُ.

﴿وَيُؤَخِّرْكم إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو الأمَدُ الأقْصى الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعالى لَهم بِشَرْطِ الإيمانِ والطّاعَةِ وراءَ ما قَدَّرَهُ لَهم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِهِمْ عَلى الكُفْرِ والعِصْيانِ، فَإنَّ وصْفَ الأجَلِ بِالمُسَمّى، وتَعْلِيقَ تَأْخِيرِهِمْ إلَيْهِ (p-37)بِالإيمانِ والطّاعَةِ صَرِيحٌ في أنَّ لَهم أجَلًا آخَرَ، لا يُجاوِزُونَهُ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ أيْ: ما قَدَّرَ لَكم عَلى تَقْدِيرِ بَقائِكم عَلى الكُفْرِ.

﴿إذا جاءَ﴾ وأنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ.

﴿لا يُؤَخَّرُ﴾ فَبادِرُوا إلَيَّ بِالإيمانِ والطّاعَةِ قَبْلَ مَجِيئِهِ حَتّى لا يَتَحَقَّقَ شَرْطُهُ الَّذِي هو بَقاؤُكم عَلى الكُفْرِ فَلا يَجِيءُ، ويَتَحَقَّقَ شَرْطُ التَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى فَتُؤَخَّرُوا إلَيْهِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ وقْتُ إتْيانِ العَذابِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَهم عَذابٌ ألِيمٌ" فَإنَّهُ أجْلٌ مُؤَقَّتٌ لَهُ حَتْمًا، وحَمْلُهُ عَلى الأجَلِ الأطْوَلِ مِمّا لا يُساعِدُهُ المَقامُ، كَيْفَ لا والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالعِبادَةِ المُسْتَتْبَعَةِ لِلْمَغْفِرَةِ والتَّأْخِيرِ إلى الأجَلِ المُسَمّى؟ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ عِنْدَ مَجِيءِ الأجَلِ هو التَّأْخِيرَ المَوْعُودَ، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ ما فُرِضَ مَجِيئُهُ هو الأجَلُ المُسَمّى؟ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا لَسارَعْتُمْ إلى ما أمَرْتُكم بِهِ.

71:5Page 570

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا ٥

He said, "My Lord, indeed I invited my people [to truth] night and day.

﴿قالَ﴾ أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُناجِيًا رَبَّهُ وحاكِيًا لَهُ تَعالى، وهو أعْلَمُ بِحالِهِ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْمِهِ مِنَ القِيلِ والقالِ في تِلْكَ المُدَدِ الطِّوالِ بَعْدَما بَذَلَ في الدَّعْوَةِ غايَةَ المَجْهُودِ، وجاوَزَ في الإنْذارِ كَلَّ حَدٍّ مَعْهُودٍ، وضاقَتْ عَلَيْهِ الحِيَلُ وعَيَّتْ بِهِ العِلَلُ.

﴿رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي﴾ إلى الإيمانِ والطّاعَةِ.

﴿لَيْلا ونَهارًا﴾ أيْ: دائِمًا مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ.

71:6Page 570

فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا ٦

But my invitation increased them not except in flight [i.e., aversion].

﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلا فِرارًا﴾ مِمّا دَعَوْتُهم إلَيْهِ، وإسْنادُ الزِّيادَةِ إلى الدُّعاءِ لِسَبَبِيَّتِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زادَتْهم إيمانًا﴾ .

71:7Page 570

وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا ٧

And indeed, every time I invited them that You may forgive them, they put their fingers in their ears, covered themselves with their garments,1 persisted, and were arrogant with [great] arrogance.

﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ﴾ إلى الإيمانِ.

﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ بِسَبَبِهِ.

﴿جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ أيْ: سَدُّوا مَسامِعَهم مِنِ اسْتِماعِ الدَّعْوَةِ.

﴿واسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ﴾ أيْ: بالَغُوا في التَّغَطِّي بِها، كَأنَّهم طَلَبُوا أنْ تَغْشاهم ثِيابُهُمْ، أوْ تُغَشِّيَهم لِئَلّا يُبْصِرُوا كَراهَةَ النَّظَرِ إلَيْهِ، أوْ لِئَلّا يَعْرِفَهم فَيَدْعُوَهم.

﴿وَأصَرُّوا﴾ أيْ: أكَبُّوا عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مُسْتَعارٌ مَن أصَرَّ الحِمارُ عَلى العانَةِ إذا أصَرَّ أُذُنَيْهِ وأقْبَلَ عَلَيْها.

﴿واسْتَكْبَرُوا﴾ عَنِ اتِّباعِي وطاعَتِي ﴿اسْتِكْبارًا﴾ شَدِيدًا.

71:8–9Page 570

ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا ٨

Then I invited them publicly.

ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا ٩

Then I announced to them and [also] confided to them secretly

﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهم جِهارًا﴾ ﴿ثُمَّ إنِّي أعْلَنْتُ لَهم وأسْرَرْتُ لَهم إسْرارًا﴾ أيْ: دَعْوَتُهم تارَةً بَعْدَ تارَةٍ ومَرَّةً غِبَّ مَرَّةٍ عَلى وُجُوهٍ مُتَخالِفَةٍ وأسالِيبَ مُتَفاوِتَةٍ، و"ثُمَّ" لِتَفاوُتِ الوُجُوهِ، فَإنَّ الجِهارَ أشَدُّ مِنَ الإسْرارِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أغْلَظُ مِنَ الإفْرادِ، أوْ لِتَراخِي بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، وجِهارًا مَنصُوبٌ بِـ"دَعَوْتُهُمْ" عَلى المَصْدَرِ؛ لِأنَّهُ أحَدُ نَوْعَيِ الدُّعاءِ، أوْ أُرِيدَ بِـ"دَعَوْتُهُمْ" جاهَرْتُهم (p-38)أوْ هو صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ: دَعَوْتُهم دُعاءً جِهارًا، أيْ: مُجاهِرًا بِهِ، أوْ مَصْدَرٌ في مَوْقِعِ الحالِ، أيْ: مُجاهِرًا.

71:10Page 570

فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا ١٠

And said, 'Ask forgiveness of your Lord. Indeed, He is ever a Perpetual Forgiver.

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ بِالتَّوْبَةِ عَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ لِلتّائِبِينَ كَأنَّهم تَعَلَّلُوا، وقالُوا: إنْ كُنّا عَلى الحَقِّ فَكَيْفَ نَتْرُكُهُ؟ وإنْ كُنّا عَلى الباطِلِ فَكَيْفَ يَقْبَلُنا بَعْدَ ما عَكَفْنا عَلَيْهِ دَهْرًا طَوِيلًا؟ فَأمْرُهم بِما يَمْحَقُ ما سَلَفَ مِنهم مِنَ المَعاصِي، ويَجْلِبُ إلَيْهِمُ المَنافِعَ، ولِذَلِكَ وعَدَهم بِما هو أوْقَعُ في قُلُوبِهِمْ، وأحَبُّ إلَيْهِمْ مِنَ الفَوائِدِ العاجِلَةِ، وقِيلَ: لَمّا كَذَّبُوهُ بَعْدَ تَكْرِيرِ الدَّعْوَةِ حَبَسَ اللَّهُ - تَعالى - عَنْهُمُ القَطْرَ وأعْقَمَ أرْحامَ نِسائِهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: سَبْعِينَ سَنَةً فَوَعَدَهم أنَّهم إنْ آمَنُوا أنْ يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ تَعالى الخِصْبَ، ويَدْفَعَ عَنْهم ما كانُوا فِيهِ.

71:11Page 571

يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا ١١

He will send [rain from] the sky upon you in [continuing] showers

﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: كَثِيرَ الدَّرُورِ، المُرادُ بِالسَّماءِ: المِظَلَّةُ أوِ السَّحابُ.

71:12Page 571

وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا ١٢

And give you increase in wealth and children and provide for you gardens and provide for you rivers.

﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ﴾ بَساتِينَ.

﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ﴾ فِيها.

﴿أنْهارًا﴾ جارِيَةً.

71:13Page 571

مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا ١٣

What is [the matter] with you that you do not attribute to Allāh [due] grandeur

﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ لَهم سَبَبٌ ما في عَدَمِ رَجائِهِمْ لِلَّهِ تَعالى وقارًا عَلى أنَّ الرَّجاءَ بِمَعْنى الأعْتِقادِ، و"لا تَرْجُونَ" حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ، والعامِلُ فِيها مَعْنى الأسْتِقْرارِ في لَكم عَلى أنَّ الإنْكارَ مُتَوَجِّهٌ إلى السَّبَبِ فَقَطْ، مَعَ تَحَقُّقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لا إلَيْهِما مَعًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لِيَ لا أعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ و"لِلَّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ وقَعَ حالأ مِن وقارًا، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَهُ، أيْ: أيُّ سَبَبٍ حَصَلَ لَكم حالَ كَوْنِكم غَيْرَ مُعْتَقِدِينَ لِلَّهِ تَعالى عَظَمَةً مُوجِبَةً لِتَعْظِيمِهِ بِالإيمانِ بِهِ والطّاعَةِ لَهُ.

71:14Page 571

وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا ١٤

While He has created you in stages?1

﴿وَقَدْ خَلَقَكم أطْوارًا﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم عَلى حالٍ مُنافِيَةٍ لِما أنْتُمْ عَلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وهي أنَّكم تَعْلَمُونَ أنَّهُ تَعالى خَلْقَكم تارّاتٍ عَناصِرَ، ثُمَّ أغْذِيَةً، ثُمَّ أخْلاطًا، ثُمَّ نُطَفًا ثُمَّ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا، ثُمَّ عِظامًا ولُحُومًا، ثُمَّ أنْشَأكم خَلْقًا آخَرَ، فَإنَّ التَّقْصِيرَ في تَوْقِيرِ مَن مِن هَذِهِ شُؤُنُهُ في القُدْرَةِ القاهِرَةِ، والإحْسانِ التّامِّ مَعَ العِلْمِ بِها، مِمّا لا يَكادُ يَصْدُرُ عَنِ العاقِلِ هَذا، وقَدْ قِيلَ: الرَّجاءُ بِمَعْنى الأمَلِ، أيْ: ما لَكم لا تُؤَمِّلُونَ لَهُ تَعالى تَوْقِيرًا، أيْ: تَعْظِيمًا لِمَن عَبَدَهُ وأطاعَهُ، ولا تَكُونُونَ عَلى حالٍ تُؤَمِّلُونَ فِيها تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعالى إيّاكم في دارِ الثَّوابِ و"لِلَّهِ" بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ، والأوَّلُ هو الَّذِي تَسْتَدْعِيهِ الجَزالَةُ التَّنْزِيلِيَّةُ، فَإنَّ اللّائِقَ بِحالِ الكَفَرَةِ اسْتِبْعادُ أنْ لا يَعْتَقِدُوا وقارَ اللَّهِ تَعالى وعَظَمَتِهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ لِآثارِها وأحْكامِها المُوجِبَةِ لِلِاعْتِقادِ حَتْمًا، وأمّا عَدَمُ رَجائِهِمْ لِتَعْظِيمِ اللَّهِ إيّاهم في دارِ الثَّوابِ فَلَيْسَ في حَيِّزِ الأسْتِبْعادِ والإنْكارِ، مَعَ أنَّ في جَعْلِ الوَقارِ بِمَعْنى التَّوْقِيرِ مِن التَّعَسُّفِ، (p-39)وَفِي قَوْلِهِ: "وَلِلَّهِ" بَيانٌ لِلْمُوَقَّرِ، ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِلَةً لِلْوَقارِ مِنَ التَّناقُضِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ كَوْنَهُ بَيانًا لِلْمُوَقِّرِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَّوْقِيرُ صادِرًا عَنْهُ تَعالى، والوَقارُ وصْفًا لِلْمُخاطَبِينَ، وكَوْنُهُ صِلَةً لِلْوَقارِ يُوجِبُ كَوْنَ الوَقارِ وصْفًا لَهُ تَعالى، وقِيلَ: ما لَكم لا تَخافُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً وقُدْرَةً عَلى أخْذِكم بِالعُقُوبَةِ، أيْ: أيُّ عُذْرٍ لَكم في تَرْكِ الخَوْفِ مِنهُ تَعالى.

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ما لَكم لا تَخْشُونَ لِلَّهِ عِقابًا ولا تَرْجُونَ مِنهُ ثَوابًا، وعَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ: ما لَكم لا تُبالُونَ لِلَّهِ عَظَمَةً، قالَ قُطْرُبٌ: هي لُغَةٌ حِجازِيَّةٌ يَقُولُونَ لَمْ أرْجُ، أيْ: لَمْ أُبالِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

71:15Page 571

أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا ١٥

Do you not consider how Allāh has created seven heavens in layers1

﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقًا﴾ أيْ: مُتَطابِقَةً بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

71:16Page 571

وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا ١٦

And made the moon therein a [reflected] light and made the sun a burning lamp?

﴿وَجَعَلَ القَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ أيْ: مُنَوِّرًا لِوَجْهِ الأرْضِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ونِسْبَتُهُ إلى الكُلِّ مَعَ أنَّهُ في السَّماءِ الدُّنْيا لِما أنَّها مُحاطَةٌ بِسائِرِ السماوات، فَما فِيها يَكُونُ في الكُلِّ، أوْ لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها شَفّافَةٌ لا تَحْجُبُ ما وراءَها فَيُرى الكُلُّ كَأنَّها سَماءٌ واحِدَةٌ، ومِن ضَرُورَةِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما في واحِدَةٍ مِنها كَأنَّهُ في الكُلِّ.

﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجًا﴾ يُزِيلُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ، ويُبْصِرُ أهْلُ الدُّنْيا في ضَوْئِها وجْهَ الأرْضِ ويُشاهِدُونَ الآفاقَ، كَما يُبْصِرُ أهْلُ البَيْتِ في ضَوْءِ السِّراجِ ما يَحْتاجُونَ إلى إبْصارِهِ، ولَيْسَ القَمَرُ بِهَذِهِ المَثابَةِ إنَّما هو نُورٌ في الجُمْلَةِ.

71:17Page 571

وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا ١٧

And Allāh has caused you to grow from the earth a [progressive] growth.

﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أيْ: أنْشَأكم مِنها فاسْتُعِيرَ الإنْباتُ لِلْإنْشاءِ، لِكَوْنِهِ أدَلَّ عَلى الحُدُوثِ والتَّكَوُّنِ مِنَ الأرْضِ، و"نَباتًا" إمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَأنَّبَتْكم بِحَذْفِ الزَّوائِدِ ويُسَمّى اِسْمَ مَصْدَرٍ، أوْ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن فِعْلِهِ، أيْ: أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ فَنَبَتُّمْ نَباتًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأصْلُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ إنْباتًا فَنَبَتُّمْ نَباتًا، فَيُحْذَفُ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى: المَصْدَرُ، ومِنَ الثّانِيَةِ: الفِعْلُ اكْتِفاءً في كُلٍّ مِنهُما بِما ذُكِرَ في الأُخْرى، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلا هو وإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ﴾ .

71:18Page 571

ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا ١٨

Then He will return you into it and extract you [another] extraction.

﴿ثُمَّ يُعِيدُكم فِيها﴾ بِالدَّفْنِ عِنْدَ مَوْتِكم ﴿وَيُخْرِجُكُمْ﴾ مِنها عِنْدَ البَعْثِ والحَشْرِ.

﴿إخْراجًا﴾ مُحَقَّقًا لا رَيْبَ فِيهِ.

71:19Page 571

وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا ١٩

And Allāh has made for you the earth an expanse

﴿واللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ بِساطًا﴾ تَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها تَقَلُّبَكم عَلى بُسُطِكم في بُيُوتِكُمْ، وتَوْسِيطُ "لَكُمْ" بَيْنَ "الجَعْلِ" ومَفْعُولَيْهِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأْخِيرُ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الأهْتِمامِ بِبَيانِ كَوْنِ المَجْعُولِ مِن مَنافِعِهِمْ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ، فَإنَّ النَّفْسَ عِنْدَ تَأْخِيرِ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ، لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مُلَوِّحًا بِكَوْنِهِ مِنَ المَنافِعِ تَبْقى مُتَرَقِّبَةً لَهُ فَيَتَمَكَّنُ (p-40)عِنْدَ وُرُودِهِ لَها فَضْلُ تَمَكُّنٍ.

71:20Page 571

لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا ٢٠

That you may follow therein roads of passage.'"

﴿لِتَسْلُكُوا مِنها سُبُلا فِجاجًا﴾ أيْ: طُرُقًا واسِعَةً، جَمْعُ فَجٍّ وهو الطَّرِيقُ الواسِعُ، وقِيلَ: هو المَسْلَكُ بَيْنَ الجَبَلَيْنِ و"مِن" مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها لِما فِيهِ مِن مَعْنى الأتِّخاذِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن سُبُلًا، أيْ: كائِنَةً مِنَ الأرْضِ ولَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً لَها.

71:21Page 571

قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا ٢١

Noah said, "My Lord, indeed they have disobeyed me and followed him whose wealth and children will not increase him except in loss.

﴿قالَ نُوحٌ﴾ أُعِيدَ لَفْظُ الحِكايَةِ لِطُولِ العَهْدِ بِحِكايَةِ مُناجاتِهِ لِرَبِّهِ، أيْ: قالَ مُناجِيًا لَهُ تَعالى.

﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ أيْ: تَمَّوْا عَلى عِصْيانِي فِيما أمَرْتُهم بِهِ مَعَ ما بالَغْتُ في إرْشادِهِمْ بِالعِظَةِ والتَّذْكِيرِ.

﴿واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلا خَسارًا﴾ أيْ: واسْتَمَرُّوا عَلى اتِّباعِ رُؤَسائِهِمُ الَّذِينَ أبْطَرَتْهم أمْوالُهم وغَرَّتْهم أوْلادُهُمْ، وصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزِيادَةِ خَسارِهِمْ في الآخِرَةِ فَصارُوا أُسْوَةً لَهم في الخَسارِ، وفي وصْفِهِمْ بِذَلِكَ إشْعارٌ بِأنَّهم إنَّما اتَّبَعُوهم لِوَجاهَتِهِمُ الحاصِلَةِ لَهُمْ؛ بِسَبَبِ الأمْوالِ والأوْلادِ لا لِما شاهَدُوا فِيهِمْ مِن شُبْهَةٍ مُصَحِّحَةٍ لِلِاتِّباعِ في الجُمْلَةِ، وقُرِئَ: (وَوُلْدُهُ) بِالضَّمِّ والسُّكُونِ عَلى أنَّهُ لُغَةٌ كالحُزْنِ، أوْ جَمْعٌ كالأُسْدِ.

71:22Page 571

وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا ٢٢

And they conspired an immense conspiracy

﴿وَمَكَرُوا﴾ عَطْفٌ عَلى صِلَةِ "مَن" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْناها، كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الأُوَلِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.

﴿مَكْرًا كُبّارًا﴾ أيْ: كَبِيرًا في الغايَةِ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ والأوَّلُ أبْلَغُ مِنهُ، وهو أبْلَغُ مِنَ الكَبِيرِ وذَلِكَ احْتِيالُهم في الدِّينِ وصَدُّهم لِلنّاسِ عَنْهُ، وتَحْرِيشُهم لَهم في أذِيَّةٍ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

71:23Page 571

وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا ٢٣

And said, 'Never leave your gods and never leave Wadd or Suwāʿ or Yaghūth and Yaʿūq and Nasr.'1

﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ أيْ: لا تَتْرُكُوا عِبادَتَها عَلى الإطْلاقِ إلى عِبادَةِ رَبِّ نُوحٍ.

﴿وَلا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا.﴾ أيْ: ولا تَذُرُّنَّ عِبادَةَ هَؤُلاءِ، خَصَّوْها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها فِيما سَبَقَ؛ لِأنَّها كانَتْ أكْبَرَ أصْنامِهِمْ وأعْظَمَها عِنْدَهُمْ، وقَدِ انْتَقَلَتْ هَذِهِ الأصْنامُ عَنْهم إلى العَرَبِ ودٌّ لِكَلْبٍ، وسُواعُ لَهَمْدانَ، ويَغُوثُ لِمَذْحِجٍ، ويَعُوقُ لِمُرادٍ ونَسْرٌ لحِمْيَرٍ، وقِيلَ: هي أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ كانُوا بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ، وقِيلَ: مِن أوْلادِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ماتُوا فَقالَ إبْلِيسُ لِمَن بَعْدَهُمْ: لَوْ صَوَّرْتُمْ صُوَرَهم فَكُنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ وتَتَبَرَّكُونَ بِهِمْ، فَفَعَلُوا فَلَمّا ماتَ أُولَئِكَ، قالَ لِمَن بَعْدَهُمْ: إنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَهم فَعَبَدُوهُمْ، وقِيلَ: كانَ ودٌّ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ، وسُواعُ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ، ويَغُوثُ عَلى صُورَةِ أسَدٍ، ويَعُوقُ عَلى صُورَةِ فَرَسٍ، ونَسْرٌ عَلى صُورَةِ نَسْرٍ، وقُرِئَ: (وُدًا) بِضَمِّ الواوِ (وَيَغُوثا ويَعُوقا) لِلتَّناسُبِ،وَمُنِعَ صَرْفُهُما لِلْعُجْمَةِ والعَلَمِيَّةِ.

71:24Page 571

وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا ٢٤

And already they have misled many. And, [my Lord], do not increase the wrongdoers except in error."

﴿وَقَدْ أضَلُّوا﴾ أيِ: الرُّؤَساءُ.

﴿كَثِيرًا﴾ خَلْقًا كَثِيرًا، أوِ الأصْنامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ﴾ ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا ضَلالا﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي﴾ عَلى حِكايَةِ كَلامِ نُوحٍ بَعْدَ "َقالَ" (p-41)وَبَعْدَ الواوِ النّائِبَةِ عَنْهُ، أيْ: قالَ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي، وقالَ: لا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلّا ضَلالأ، ووَضَعَ الظّاهِرَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالظُّلْمِ المُفْرِطِ، وتَعْلِيلِ الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِهِ، والمَطْلُوبُ هو الضَّلالُ في تَمْشِيَةِ مَكْرِهِمْ ومَصالِحِ دُنْياهُمْ، أوِ الضَّياعُ والهَلاكُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُجْرِمِينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ﴾ ويُؤَيِّدُهُ ما سَيَأْتِي مِن دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

71:25Page 571

مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا ٢٥

Because of their sins they were drowned and put into the Fire, and they found not for themselves besides Allāh [any] helpers.

﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ أيْ: مِن أجْلِ خَطِيّاتِهِمْ و"َما" مَزِيدَةٌ بَيْنَ الجارِّ والمَجْرُورِ لِلتَّوْكِيدِ والتَّفْخِيمِ، ومَن لَمْ يَرَ زِيادَتَها جَعَلَها نَكِرَةً، وجَعَلَ خَطِيئاتِهِمْ بَدَلًا مِنها، وقُرِئَ: (مِمّا خَطاياهُمْ) (وَمِمّا خَطاياتِهِمْ) أيْ: بِسَبَبِ خَطَيَئاتِهِمُ المَعْدُودَةِ وغَيْرِها مِن خَطاياهم.

﴿أُغْرِقُوا﴾ بِالطُّوفانِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ.

﴿فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ المُرادُ: إمّا عَذابُ القَبْرِ فَهو عَقِيبَ الإغْراقِ وإنْ كانُوا في الماءِ. عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّهم كانُوا يُغْرَقُونَ مِن جانِبٍ ويُحْرَقُونَ مِن جانِبٍ، أوْ عَذابٌ جَهْنَمَ والتَّعْقِيبُ لِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ المُتَعَقِّبِ لِإغْراقِهِمْ لِاقْتِرابِهِ وتَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ، وتَنْكِيرُ النّارِ، إمّا لِتَعْظِيمِها وتَهْوِيلِها، أوْ لِأنَّهُ تَعالى أعَدَّ لَهم عَلى حَسَبِ خَطِيئاتِهِمْ نَوْعًا مِنَ النّارِ.

﴿فَلَمْ يَجِدُوا لَهم مِن دُونِ اللَّهِ أنْصارًا﴾ أيْ: لَمْ يَجِدْ أحَدٌ مِنهم واحِدًا مِنَ الأنْصارِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِاتِّخاذِهِمْ آلِهَةً مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وبِأنَّها غَيْرُ قادِرَةٍ عَلى نَصْرِهِمْ وتَهَكُّمٌ بِهِمْ.

71:26Page 571

وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ٢٦

And Noah said, "My Lord, do not leave upon the earth from among the disbelievers an inhabitant.

﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ عَطْفٌ عَلى نَظِيرِهِ السّابِقِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ ... إلَخْ. اعْتِراضٌ وسَطٌ بَيْنَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، بِأنَّ ما أصابَهم مِنَ الإغْراقِ والإحْراقِ لَمْ يُصِبْهم إلّا لِأجْلِ خَطِيئاتِهِمُ الَّتِي عَدَّدَها نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأشارَ إلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْإهْلاكِ لِأجْلِها، لا أنَّها حِكايَةٌ لِنَفْسِ الإغْراقِ والإحْراقِ عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ ما جَرى بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنُهم مِنَ الأحْوالِ والأقْوالِ، وإلّا لَأُخِّرَ عَنْ حِكايَةِ دُعائِهِ هَذا، و"ديّارًا" مِنَ الأسْماءِ المُسْتَعْمَلَةِ في النَّفْيِ العامِّ، يُقالُ: ما بِالدّارِ دَيّارٌ، أوْ دَيُّورٌ كَقَيّامٍ وقَيُّومٍ، أيْ: أحَدٌ وهو فَيْعالٌ مِنَ الدُّورِ، أوْ مِنَ الدّارِ أصْلُهُ دَيْوارٌ، قَدْ فُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِأصْلِ سَيِّدِ لِأفْعالٍ وإلّا لَكانَ دَوّارًا.

71:27Page 571

إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧

Indeed, if You leave them, they will mislead Your servants and not beget except [every] wicked one and [confirmed] disbeliever.

﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ﴾ عَلَيْها كُلًّا أوْ بَعْضًا.

﴿يُضِلُّوا عِبادَكَ﴾ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ.

﴿وَلا يَلِدُوا إلا فاجِرًا كَفّارًا﴾ أيْ: إلّا مَن سَيَفْجُرُ ويَكْفُرُ فَوَصَفَهم بِما يَصِيرُونَ إلَيْهِ، وكَأنَّهُ اعْتِذارٌ مِمّا عَسى يَرُدُّ عَلَيْهِ مِن أنَّ الدُّعاءَ بِالأسْتِئْصالِ مَعَ احْتِمالِ أنْ يَكُونَ مِن أخِلافِهِمْ مَن يُؤْمِنُ مُنْكَرًا، وإنَّما قالَهُ لِاسْتِحْكامِ عِلْمِهِ بِما يَكُونُ مِنهم ومِن أعْقابِهِمْ بَعْدَ ما جَرَّبَهم واسْتَقْرَأ أحْوالَهم قَرِيبًا مِن ألْفِ سَنَةٍ.

71:28Page 571

رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا ٢٨

My Lord, forgive me and my parents and whoever enters my house a believer and the believing men and believing women. And do not increase the wrongdoers except in destruction."

﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي (p-42)وَلِوالِدَيَّ﴾ أبُوهُ لامَكُ بْنُ مَتُّوشَلَخَ، وأُمُّهُ شَمْخا بِنْتُ أنُوشَ كانا مُؤْمِنَيْنِ، وقِيلَ: هُما آدَمُ وحَوّاءُ، وقُرِئَ: (وَلِوَلَدَيَّ) يُرِيدُ سامًا وحامًا.

﴿وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ﴾ أيْ: مَنزِلِي، وقِيلَ: مَسْجِدِي، وقِيلَ: سَفِينَتِي.

﴿مُؤْمِنًا﴾ بِهَذا القَيْدِ خَرَجَتِ امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ، ولَكِنْ لَمْ يَجْزِمْ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِخُرُوجِهِ إلّا بَعْدَ ما قِيلَ لَهُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ، وقَدْ مَرَّ تَفْصِيلُهُ في سُورَةِ هُودٍ.

﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ عَمَّهم بِالدُّعاءِ إثْرَ ما خَصَّ بِهِ مَن يَتَّصِلُ بِهِ نَسَبًا ودِينًا.

﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إلا تَبارًا﴾ أيْ: هَلاكًا، قِيلَ: غَرِقَ مَعَهم صِبْيانُهم أيْضًا، لَكِنْ لا عَلى وجْهِ العِقابِ لَهُمْ، بَلْ لِتَشْدِيدِ عَذابِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ بِإرادَةِ هَلاكِ أطْفالِهِمُ الَّذِينَ كانُوا أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يُهْلَكُونَ مَهْلِكًا واحِدًا، ويَصْدُرُونَ مَصادِرَ شَتّى. وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: عَلِمَ اللَّهُ بَراءَتَهم فَأهْلَكَهم بِغَيْرِ عَذابٍ، وقِيلَ: أعْقَمَ اللَّهُ أرْحامَ نِسائِهِمْ، وأيْبَسَ أصْلابَ آبائِهِمْ قَبْلَ الطُّوفانِ بِأرْبَعِينَ، أوْ سَبْعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَكُنْ مَعَهم صَبِيٌّ حِينَ غَرِقُوا.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ نُوحٍ كانَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تُدْرِكُهم دَعْوَةُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ﴾ .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском