Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
المعارج
Al-Ma'arij
The Ascending Stairways · Meccan · 44 ayahs
70:1Page 568
سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ ١
A supplicant asked for a punishment bound to happen1
(p-29)سُورَةُ المَعارِجِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها أرْبَعٌ وأرْبَعُونَ.
﴿سَألَ سائِلٌ﴾ أيْ: دَعا داعٍ.
﴿بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ أيِ: اسْتَدْعاهُ وطَلَبَهُ، وهو النَّضْرُ بْنُ الحَرْثِ حَيْثُ قالَ إنْكارًا واسْتِهْزاءً: ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾، وقِيلَ أبُو جَهْلٍ حَيْثُ قالَ: ﴿فَأسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفًا مِنَ السَّماءِ"﴾، وقِيلَ: هو الحَرْثُ بْنِ النُّعْمانِ الفِهْرِيُّ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا بَلَغَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « "مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فِعْلِيٌّ مَوْلاهُ،» قالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًا فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ" فَما لَبِثَ حَتّى رَماهُ اللَّهُ تَعالى بِحَجَرٍ فَوَقَعَ عَلى دِماغِهِ فَخَرَجَ مِن أسْفَلِهِ فَهَلَكَ مِن ساعَتِهِ، وقِيلَ: هو الرَّسُولُ ﷺ اسْتَعْجَلَ عَذابَهُمْ، وقُرِئَ: (سَألَ) وهو إمّا مِنَ السُّؤالِ عَلى لُغَةِ قُرَيْشٍ فالمَعْنى ما مَرَّ، أوْ مِنَ السَّيَلانِ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (سالَ سَيْلٌ) أيِ: انْدَفَعَ وادٍ بِعَذابٍ واقِعٍ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ، إمّا في الدُّنْيا وهو عَذابُ يَوْمِ بَدْرٍ، فَإنَّ النَّضْرَ قُتِلَ يَوْمَئِذٍ صَبْرًا، وقَدْ مَرَّ حالُ الفِهْرِيِّ، وإمّا في الآخِرَةِ فَهو عَذابُ النّارِ، واللَّهِ أعْلَمُ.
﴿لِلْكافِرِينَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"عَذابٍ"، أيْ: كائِنٍ لِلْكافِرِينَ، أوْ صِلَةٌ لِـ"واقِعٍ"، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ"سَألَ"، أيْ: دَعا لِلْكافِرِينَ بِعَذابٍ واقِعٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"عَذابٍ"، أوْ حالٌ مِنهُ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ، أوْ بِالعَمَلِ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في الكافِرِينَ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ صِفَةً لِعَذابٍ أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"واقِعٍ"، أوْ بِـ"دافِعٍ"، أيْ: لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى.
﴿ذِي المَعارِجِ﴾ ذِي المَصاعِدِ الَّتِي يَصْعَدُ فِيها المَلائِكَةُ بِالأوامِرِ والنَّواهِي، أوْ هي عِبارَةٌ عَنِ السماوات المُتَرَتِّبَةِ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.
70:4Page 568
تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ ٤
The angels and the Spirit [i.e., Gabriel] will ascend to Him during a Day the extent of which is fifty thousand years.
﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِتَمَيُّزِهِ وفَضْلِهِ، وقِيلَ: الرُّوحُ خَلْقٌ هم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، كَما أنَّ المَلائِكَةَ حَفَظَةٌ عَلى النّاسِ.
﴿إلَيْهِ﴾ إلى عَرْشِهِ تَعالى، وإلى حَيْثُ تَهْبِطُ مِنهُ أوامِرُهُ تَعالى، وقِيلَ: هو مِن قَبِيلِ قَوْلِ إبْراهِيمَ (p-30)عَلَيْهِ السَّلامُ: "إنِّى ذاهِبٌ إلى رَبّى" أيْ: إلى حَيْثُ أمَرَنِي بِهِ.
﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾ مِمّا يُعِدُّهُ النّاسُ، وهو بَيانٌ لِغايَةِ ارْتِفاعِ تِلْكَ المَعارِجِ وبُعْدِ مَداها عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّخْيِيلِ، والمَعْنى: أنَّها مِنَ الأرْتِفاعِ بِحَيْثُ لَوْ قُدِّرَ قَطْعُها في زَمانٍ لَكانَ ذَلِكَ الزَّمانُ مِقْدارَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ مِن سِنِي الدُّنْيا، وقِيلَ: مَعْناهُ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلى عَرْشِهِ تَعالى في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ كَمِقْدارِ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ، أيْ: يَقْطَعُونَ في يَوْمٍ ما يَقْطَعُهُ الإنْسانُ في خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ، وقِيلَ: "فِي يَوْمٍ" مُتَعَلِّقٌ بِواقِعٍ، وقِيلَ: بِـ"سَألَ" عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِن السَّيَلانِ فالمُرادُ بِهِ: يَوْمُ القِيامَةِ واسْتِطالَتُهُ، إمّا لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، أوْ لِشِدَّتِهِ عَلى الكُفّارِ، أوْ لِكَثْرَةِ ما فِيهِ مِنَ الحالأتِ والمُحاسِباتِ، وأيًّا ما كانَ فَذَلِكَ في حَقِّ الكافِرِ، وأمّا في حَقِّ المُؤْمِنِ فَلا؛ لِما رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: « "ما أطْوَلَ هَذا اليَوْمَ! فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لِيَخِفُّ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى إنَّهُ يَكُونُ أخَفَّ مِن صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلِّيها في الدُّنْيا،» وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ "سَألَ"؛ لِأنَّ السُّؤالَ كانَ عَنِ اسْتِهْزاءٍ وتَعَنُّتٍ وتَكْذِيبٍ بِالوَحْيِ، وذَلِكَ مِمّا يُضْجِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أوْ كانَ عَنْ تَضَجُّرٍ واسْتِبْطاءٍ لِلنَّصْرِ، أوْ بِـ"سَألَ سائِلٌ"، أوْ سالَ سَيْلٌ، فَمَعْناهُ: جاءَ العَذابُ لِقُرْبِ وُقُوعِهِ، فَقَدْ شارَفْتَ الأنْتِقامَ.
﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ﴾ أيِ: العَذابَ الواقِعَ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِ "فِي يَوْمٍ" بِـ"واقِعٍ". بَعِيدًا أيْ: يَسْتَبْعِدُونَهُ بِطَرِيقِ الإحالَةِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُونَ بِهِ.
﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ هَيِّنًا في قُدْرَتِنا غَيْرَ بَعِيدٍ عَلَيْنا ولا مُتَعَذَّرٍ، عَلى أنَّ البُعْدَ والقُرْبَ مُعْتَبَرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى الإمْكانِ، والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَرِيبًا، أيْ: يُمْكِنُ ولا يَعْتَذِرُ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أوْ بِمُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ "واقِعٍ"، أوْ بِمُضْمَرٍ مُؤَخَّرٍ، أيْ: يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ... إلَخْ. يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُوصَفُ، أوْ بَدَلٌ مِن "فِي يَوْمٍ" عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِواقِعٍ هَذا ما قالُوا، ولَعَلَّ الأقْرَبَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "سَألَ سائِلٌ" حِكايَةٌ لِسُؤالِهِمُ المَعْهُودِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ ونَحْوَهُما، إذْ هو المَعْهُودُ بِالوُقُوعِ عَلى الكافِرِينَ، لا ما دَعا بِهِ النَّضْرُ، أوْ أبُو جَهْلٍ الفِهْرِيُّ، فالسُّؤالُ بِمَعْناهُ والباءُ بِمَعْنى عَنْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ وُقُوعِ المَسْؤُلِ عَنْهُ لا مَحالَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" مُتَرَتِّبٌ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا"﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ كَما ذُكِرَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾ ... إلَخْ. مُتَعَلِّقٌ بِـ"لَيَسَ لَهُ دافِعٌ"، أوْ بِما يَدُلُّ هو عَلَيْهِ، أيْ: يَقَعُ يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ (p-31)كالمُهْلِ، وهو ما أُذِيبَ عَلى مُهْلٍ مِنَ الفِلِزّاتِ، وقِيلَ: دُرْدِيُّ الزَّيْتِ.
﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ كالصُّوفِ المَصْبُوغِ ألْوانًا لِاخْتِلافِ ألْوانِ الجِبالِ، مِنها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ ألْوانها وغَرابِيبُ سُودٌ، فَإذا بُسَّتْ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ المَنفُوشَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ.
﴿وَلا يَسْألُ حَمِيمٌ حَمِيمًا﴾ أيْ: لا يَسْألُ قَرِيبٌ قَرِيبًا عَنْ أحْوالِهِ ولا يُكَلِّمُهُ لِابْتِلاءٍ كُلٍّ مِنهم بِما يَشْغَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، وقُرِئَ: عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، أيْ: لا يُطْلَبُ مِن حَمِيمٍ حَمِيمٌ أوْ لا يُسْألُ مِنهُ حالُهُ.
70:11Page 569
يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ ١١
They will be shown each other. The criminal will wish that he could be ransomed from the punishment of that Day by his children
﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ أيْ: يُبْصِرُ الأحِمّاءُ الأحِمّاءَ فَلا يَخْفُونَ عَلَيْهِمْ، وما يَمْنَعُهم مِنَ التَّساؤُلِ إلّا تَشاغُلُهم بِحالِ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: ما يُغْنِي عَنْهُ مِن مُشاهَدَةِ الحالِ كَبَياضِ الوَجْهِ وسَوادِهِ، والأوَّلُ أدْخَلُ في التَّهْوِيلِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَيْنِ لِعُمُومِ الحَمِيمِ، وقُرِئَ: (يُبْصِرُونَهُمْ) والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ.
﴿يَوَدُّ المُجْرِمُ﴾ أيْ: يَتَمَنّى الكافِرُ، وقِيلَ: كُلُّ مُذْنِبٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ يَفْتَدِي مِن عَذابِ يَوْمِئِذٍ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي ابْتُلُوا بِهِ يَوْمَئِذٍ.
﴿بِبَنِيهِ﴾
﴿وَصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ حِكايَةً لِوَدادَتِهِمْ ولَوْ في مَعْنى التَّمَنِّي، وقِيلَ: هي بِمَنزِلَةِ أنَّ النّاصِبَةَ، فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِيَوَدُّ، والتَّقْدِيرُ يَوَدُّ افْتِداءَهُ بِبَنِيهِ... إلَخْ. والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ أنَّ اشْتِغالَ كُلِّ مُجْرِمٍ بِنَفْسِهِ بَلَغَ إلى حَيْثُ يَتَمَنّى أنْ يَفْتَدِيَ بِأقْرَبِ النّاسِ إلَيْهِ وأعْلَقِهِمْ بِقَلْبِهِ فَضْلًا أنْ يَهْتَمَ بِحالِهِ ويَسْألَ عَنْها، وقُرِئَ: (يَوْمَئِذٍ) بِالفَتْحِ عَلى البِناءِ لِلْإضافَةِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، وبِتَنْوِينِ (عَذابٍ) ونَصْبِ "يَوْمَئِذٍ" وانْتِصابُهُ بـ"عَذابٍ"؛ لِأنَّهُ في مَعْنى تَعْذِيبٍ.
﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ أيْ: عَشِيرَتِهِ الَّتِي فُصِّلَ عَنْهم.
﴿الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ أيْ: تَضُمُّهُ في النَّسَبِ، أوْ عِنْدَ الشَّدائِدِ.
70:14Page 569
وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ ١٤
And whoever is on earth entirely [so] then it could save him.
﴿وَمَن في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ مِنَ الثَّقَلَيْنِ والخَلائِقِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ.
﴿ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَفْتَدِي، أيْ: يَوَدُّ لَوْ يَفْتَدِي، ثُمَّ لَوْ يُنْجِيهِ الأفْتِداءُ، و"ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإنْجاءِ يَعْنِي: يَتَمَنّى لَوْ كانَ هَؤُلاءِ جَمِيعًا تَحْتَ يَدِهِ وبَذَلَهم في فِداءِ نَفْسِهِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ ذَلِكَ وهَيْهاتَ.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْمُجْرِمِعَنِ الوِدادَةِ، وتَصْرِيحٌ بِامْتِناعِ إنْجاءِ الأفْتِداءِ، وضَمِيرُ "أنَّها" إمّا لِلنّارِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِذِكْرِ العَذابِ، أوْ مُبْهَمٌ تُرْجِمَ عِنْدَ (p-32)الخَبَرِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَظى﴾ وهي عَلَمٌ لِلنّارِ مَنقُولٌ مِنَ اللَّظى بِمَعْنى: اللَّهَبِ.
﴿نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ نُصِبَ عَلى الأخْتِصاصِ، أوْ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، والشَّوى: الأطْرافُ، أوْ جَمْعُ شَواةٍ وهِيَ: جِلْدَةُ الرَّأْسِ، وقُرِئَ: (نَزّاعَةٌ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ ثانِي؛ لِأنَّ أوْ هو الخَبَرُ و"لَظى" بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ، أوِ الضَّمِيرُ لِلْقِصَّةِ، و"لَظى" مُبْتَدَأٌ و"نَزّاعَةً" خَبَرُهُ.
70:17Page 569
تَدۡعُواْ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ ١٧
It invites he who turned his back [on truth] and went away [from obedience]
﴿تَدْعُو﴾ أيْ: تَجْذِبُ وتُحْضِرُ، وقِيلَ تَدْعُو وتَقُولُ لَهُمْ: إلَيَّ إلَيَّ يا كافِرٌ يا مُنافِقُ، وقِيلَ: تَدْعُو المُنافِقِينَ والكافِرِينَ بِلِسانٍ فَصِيحٍ، ثُمَّ تَلْتَقِطُهُمُ التِقاطَ الحَبِّ، وقِيلَ: تَدْعُو تُهْلِكُ، وقِيلَ: تَدْعُو زَبانِيَتَها.
﴿مَن أدْبَرَ﴾ أيْ: عَنِ الحَقِّ.
﴿وَتَوَلّى﴾ أعْرَضَ عَنِ الطّاعَةِ.
﴿وَجَمَعَ فَأوْعى﴾ أيْ: جَمَعَ المالَ فَجَعَلَهُ في وِعاءٍ وكَنْزَهُ، ولَمْ يَؤُدِّ زَكاتَهُ وحُقُوقَهُ وتَشاغَلَ بِهِ عَنِ الدِّينِ وزَهي بِاقْتِنائِهِ حِرْصًا وتَأْمِيلًا.
﴿إنَّ الإنْسانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ الهَلَعُ: سُرْعَةُ الجَزَعِ عِنْدَ مَسِّ المَكْرُوهِ، وسُرْعَةُ المَنعِ عِنْدَ مَسِّ الخَيْرِ، وقَدْ فَسَّرَهُ أحْسَنَ تَفْسِيرٍ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿إذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ أيِ: الفَقْرُ والمَرَضُ ونَحْوَهُما.
﴿جَزُوعًا﴾ أيْ: مُبالِغًا في الجَزَعِ مُكْثِرًا مِنهُ.
﴿وَإذا مَسَّهُ الخَيْرُ﴾ أيِ: السَّعَةُ والصِّحَّةُ.
﴿مَنُوعًا﴾ مُبالِغًا في المَنعِ والإمْساكِ، والأوْصافُ الثَّلاثَةُ أحْوالٌ مُقَدَّرَةٌ، أوْ مُحَقَّقَةٌ لِأنَّها طَبائِعُ جُبِلَ الإنْسانُ عَلَيْها، و"إذا" الأُولى: ظَرْفٌ لِـ"جَزُوعًا"، والثّانِيَةُ: لَـ"مَنُوعًا".
﴿إلا المُصَلِّينَ﴾ اسْتِثْناءٌ لِلْمُتَّصِفِينَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ الآتِيَةِ مِنَ المَطْبُوعِينَ عَلى القَبائِحِ الماضِيَةِ؛ لِإنْباءِ نُعُوتِهِمْ عَنِ الأسْتِغْراقِ في طاعَةِ الحَقِّ، والإشْفاقِ عَلى الخَلْقِ، والإيمان بالجَزاءِ، والخَوْفِ مِنَ العُقُوبَةِ، وكَسْرِ الشَّهْوَةِ، وإيثارِ الآجِلِ عَلى العاجِلِ عَلى خِلافِ القَبائِحِ المَذْكُورَةِ النّاشِئَةِ مِن الأنْهِماكِ في حُبِّ العاجِلِ، وقِصَرِ النَّظَرِ عَلَيْهِ.
﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ لا يَشْغَلُهم عَنْها شاغِلٌ.
70:24Page 569
وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤
And those within whose wealth is a known right1
﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ أيْ: نَصِيبٌ مُعَيَّنٌ يَسْتَوْجِبُونَهُ (p-33)عَلى أنْفُسِهِمْ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ تَعالى، وإشْفاقًا عَلى النّاسِ مِنَ الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ والصَّدَقاتِ المُوَظَّفَةِ.
﴿لِلسّائِلِ﴾ الَّذِي يَسْألُهُ.
﴿والمَحْرُومِ﴾ الَّذِي لا يَسْألُهُ فَيَظُنُّ أنَّهُ غَنِيٌ فَيُحْرَمُ.
70:26Page 569
وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ٢٦
And those who believe in the Day of Recompense
﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ أيْ: بِأعْمالِهِمْ حَيْثُ يُتْعِبُونَ أنْفُسَهم في الطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ؛ طَمَعًا في المَثُوبَةِ الأُخْرَوِيَّةِ، بِحَيْثُ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلى تَصْدِيقِهِمْ بِيَوْمِ الجَزاءِ.
70:27Page 569
وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٢٧
And those who are fearful of the punishment of their Lord -
﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ خائِفُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ مَعَ ما لَهم مِنَ الأعْمالِ الفاضِلَةِ اسْتِقْصارًا لَها واسْتِعْظامًا لِجَنابِهِ عَزَّ وجَلَّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ أنَّهم إلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى:
70:28Page 569
إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ ٢٨
Indeed, the punishment of their Lord is not that from which one is safe -
﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ اعْتِراضٌ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَأْمَنَ عَذابَهُ تَعالى وإنْ بالَغَ في الطّاعَةِ.
70:29–30Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٢٩
And those who guard their private parts
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٣٠
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they are not to be blamed -
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ سَلَفَ تَفْسِيرُهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ.
70:31Page 569
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٣١
But whoever seeks beyond that, then they are the transgressors -
﴿فَمَنِ ابْتَغى﴾ أيْ: طَلَبَ لِنَفْسِهِ.
﴿وَراءَ ذَلِكَ﴾ وراءَ ما ذُكِرَ مِنَ الأزْواجِ والمَمْلُوكاتِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ المُبْتَغُونَ.
﴿هُمُ العادُونَ﴾ المُتَعَدُّونَ لِحُدُودِ اللَّهِ تَعالى.
70:32Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٣٢
And those who are to their trusts and promises attentive
﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ لا يُخِلُّونَ بِشَيْءٍ مِن حُقُوقِها.
70:33Page 569
وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ ٣٣
And those who are in their testimonies upright
﴿والَّذِينَ هم بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ أيْ: مُقِيمُونَ لَها بِالعَدْلِ إحْياءً لِحُقُوقِ النّاسِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مَعَ انْدِراجِها في الأماناتِ لِإبانَةِ فَضْلِها، وقُرِئَ: (لِأمانَتِهِمْ) وبِشَهادَتِهِمْ عَلى إرادَةِ الجِنْسِ.
70:34Page 569
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٣٤
And those who [carefully] maintain their prayer:
﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ أيْ: يُراعُونَ شَرائِطَها، (p-34)وَيُكْمِلُونَ فَرائِضَها وسُنَنَها ومُسْتَحِبّاتِها، وآدابِها وتَكْرِيرُ ذِكْرِ الصَّلاةِ ووَصْفِهِمْ بِها أوَّلًا وآخِرًا بِاعْتِبارَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى فَضْلِها وإنافَتِها عَلى سائِرِ الطّاعاتِ، وتَكْرِيرُ المَوْصُولاتِ لِتَنْزِيلِ اخْتِلافِ الصِّفاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
إيذانًا بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ نَعْتٌ جَلِيلٌ عَلى حِيالِهِ، لَهُ شَأْنٌ خَطِيرٌ مُسْتَتْبِعٌ لِأحْكامٍ جَمَّةٍ حَقِيقٌ بِأنْ يُفْرِدَ لَهُ مَوْصُوفٌ مُسْتَقِلٌّ، ولا يَجْعَلُ شَيْءٌ مِنها تَتِمَّةً لِلْآخَرِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُوفِينَ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِمْ؛ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ شَأْنِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتُهِمْ في الفَضْلِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِي جَنّاتٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ في جَنّاتٍ يُقادَرُ قَدْرُها ولا يُدْرَكُ كُنْهُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُكْرَمُونَ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ هو الخَبَرُ و"فِي جَنّاتٍ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ قُدِّمَ عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ، أيْ: مُكَرَمُونَ كائِنِينَ في جَنّاتٍ.
70:36Page 569
فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهۡطِعِينَ ٣٦
So what is [the matter] with those who disbelieve, hastening [from] before you, [O Muḥammad],
﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾ حَوْلَكَ.
﴿مُهْطِعِينَ﴾ مُسْرِعِينَ نَحْوَكَ مادِّي أعْناقِهِمْ إلَيْكَ، مُقْبِلِينَ بِأبْصارِهِمْ عَلَيْكَ.
70:37Page 569
عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ ٣٧
[To sit] on [your] right and [your] left in separate groups?1
﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ﴾ أيْ: فِرَقًا شَتّى، جَمْعُ عِزَةٍ، وأصْلُها عِزْوَةٌ مِنَ العَزْوِ، كَأنَّ كُلِّ فِرْقَةٍ تَعْتَزِي إلى غَيْرِ مَن تَعْتَزِي إلَيْهِ الأُخْرى، كانَ المُشْرِكُونَ يُحَلِّقُونَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِلَقًا حِلَقًا وفِرْقًا وفِرْقًا، ويَسْتَهْزِؤُنَ بِكَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَقُولُونَ: إنْ دَخَلَ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ كَما يَقُولُ مُحَمَّدٌ فَلَنَدْخُلَنَّها قَبْلَهُمْ؛ فَنَزَلَتْ.
70:38Page 569
أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ ٣٨
Does every person among them aspire to enter a garden of pleasure?
﴿أيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ بِلا إيمانٍ.
70:39Page 569
كـَلَّآۖ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّمَّا يَعۡلَمُونَ ٣٩
No! Indeed, We have created them from that which they know.1
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لَهم عَنْ ذَلِكَ الطَّمَعِ الفارِغِ ﴿إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ قِيلَ: هو تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، والمَعْنى: إنّا خَلَقْناهم مِن أجْلِ ما يَعْلَمُونَ كَما في قَوْلِ الأعْشى:
؎ أأزْمَعْتَ مِن آلِ لَيْلى ابْتِكارًا وشَطَّتْ عَلى ذِي هَوىً أنْ تُزارا
وَهُوَ تَكْمِيلُ النَّفْسِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، فَمَن لَمْ يَسْتَكْمِلْها بِذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن أنْ يُبَوَّأ مُبَوَّأ الكامِلِينَ، فَمِن أيْنَ لَهم أنْ يَطْمَعُوا في دُخُولِ الجَنَّةِ، وهم مُكِبُّونَ عَلى الكُفْرِ والفُسُوقِ وإنْكارِ البَعْثِ، وقِيلَ: مَعْناهُ: إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ، فَمِن أيْنَ يَتَشَرَّفُونَ ويَدَّعُونَ التَّقَدُّمَ ويَقُولُونَ: لَنَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ قَبْلَهُمْ؟ وقِيلَ: إنَّهم مَخْلُوقُونَ مِن نُطْفَةٍ قَذِرَةٍ لا تُناسِبُ عالَمَ القُدْسِ، فَمَتى لَمْ تَسْتَكْمِلِ الإيمانَ والطّاعَةَ، ولَمْ تَتَخَلَّقْ بِأخْلاقِ المَلَكِيَّةِ، لَمْ تَسْتَعِدَّ لِدُخُولِها، ولا يَخْفى ما في الكُلِّ مِنَ التَّمَحُّلِ، والأقْرَبُ أنَّهُ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ قَدْ سَبَقَ تَمْهِيدًا لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ قدرته تعالى عَلى أنْ يُهْلِكَهم لِكُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ والجَزاءِ، (p-35)واسْتِهْزائِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبِما نَزَلَ عَلَيْهِ مِنَ الوَحْيِ، وادِّعائِهِمْ دُخُولَ الجَنَّةِ بِطَرِيقِ السُّخْرِيَةِ، ويُنْشِئَ بَدَلَهم قَوْمًا آخَرِينَ، فَإنَّ قدرته – تَعالى - عَلى ما يَعْلَمُونَ مِن النَّشْأةِ الأُولى حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ عَلى قدرته تعالى عَلى ذَلِكَ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ في قَوْلِهِ تَعالى:
70:40Page 570
فَلَآ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ ٤٠
So I swear by the Lord of [all] risings and settings1 that indeed We are able
﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ﴾ والمَعْنى إذا كانَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ مِن إنّا خَلَقْناهم مِمّا يَعْلَمُونَ فَأُقْسِمُ بِرَبِّ المَشارِقِ والمَغارِبِ.
﴿إنّا لَقادِرُونَ﴾
70:41Page 570
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٤١
To replace them with better than them; and We are not to be outdone.
﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنهُمْ﴾ أيْ: نُهْلِكَهم بِالمَرَّةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ جِناياتُهُمْ، ونَأْتِي بَدَلَهم بِخَلْقٍ آخَرِينَ لَيْسُوا عَلى صِفَتِهِمْ.
﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ بِمَغْلُوبِينَ إنْ أرَدْنا ذَلِكَ، لَكِنَّ مَشِيئَتَنا المَبْنِيَّةَ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَ عُقُوباتِهِمْ.
70:42Page 570
فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٤٢
So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised -
﴿فَذَرْهُمْ﴾ فَخَلِّهِمْ وشَأْنَهم.
﴿يَخُوضُوا﴾ في باطِلِهِمُ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ ما حُكِيَ عَنْهم.
﴿وَيَلْعَبُوا﴾ في دُنْياهم.
﴿حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ وهو يَوْمُ البَعْثِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ،لا يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى:
70:43Page 570
يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ ٤٣
The Day they will emerge from the graves rapidly as if they were, toward an erected idol, hastening.1
﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِهِمْ، وقُرِئَ: (يُخْرَجُونَ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ.
﴿سِراعًا﴾ حالٌ مِن مَرْفُوعِ"يَخْرُجُونَ"أيْ: مُسْرِعِينَ.
﴿كَأنَّهم إلى نُصُبٍ﴾ وهو كُلُّ ما نُصِبَ فَعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ تَعالى، وقُرِئَ: بِسُكُونِ الصّادِ وبِفَتْحِ النُّونِ وسُكُونِ الصّادِ أيْضًا.
﴿يُوفِضُونَ﴾ يُسْرِعُونَ.
70:44Page 570
خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ٤٤
Their eyes humbled, humiliation will cover them. That is the Day which they had been promised.
﴿خاشِعَةً أبْصارُهُمْ﴾ وُصِفَتْ أبْصارُهم بِالخُشُوعِ مَعَ أنَّهُ وصْفُ الكُلِّ لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِهِ فِيها.
﴿تَرْهَقُهم ذِلَّةٌ﴾ تَغْشاهم ذِلَّةٌ شَدِيدَةٌ.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ ما سَيَقَعُ فِيهِ مِنَ الأحْوالِ الهائِلَةِ.
﴿اليَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ في الدُّنْيا.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةَ"سَألَ سائِلٌ"أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى ثَوابَ الَّذِينَ هم لِأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences