Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
محمد
Muhammad
Muhammad · Medinan · 38 ayahs
47:1Page 507
ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ١
Those who disbelieve and avert [people] from the way of Allāh - He will waste their deeds.1
(p-91)سُورَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ وتُسَمّى سُورَةَ القِتالِ وهى مَدَنِيَّةٌ وقِيلَ: مَكِّيَّةٌ وآياتُها ثَمانٍ وثَلاثُونَ
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ: أعْرَضُوا عَنِ الإسْلامِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ مَن صَدَّ صُدُودًا أوْ مَنَعُوا النّاسَ عَنْ ذَلِكَ مِن صَدَّهُ صَدًّا كالمُطْعِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ. وقِيلَ: هُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا يَصُدُّونَ النّاسَ عَنِ الإسْلامِ ويَأْمُرُونَهم بِالكُفْرِ. وقِيلَ: أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوا مَن أرادَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ أنْ يَدْخُلَ في الإسْلامِ. وقِيلَ: هو عامٌّ في كُلِّ مَن كَفَرَ وصَدَّ.
﴿أضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: أبْطَلَها وأحْبَطَها وجَعَلَها ضائِعَةً لا أثَرَ لَها أصْلًا لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّهُ أبْطَلَها وأحْبَطَها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ بِمَعْنى أنَّهُ حَكَمَ بِبُطْلانِها وضَياعِها فَإنَّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِن أعْمالِ البِرِّ كَصِلَةِ الأرْحامِ، وقِرى الأضْيافِ وفَكِّ الأُسارى وغَيْرِها مِنَ المَكارِمِ لَيْسَ لَها أثَرٌ مِن أصْلِها لِعَدَمِ مُقارَنَتِها لِلْإيمانِ أوْ أبْطَلَ ما عَمِلُوا مِنَ الكَيْدِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ والصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ بِنَصْرِ رَسُولِهِ وإظْهارِ دِينِهِ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ وهو الأوْفَقُ لِما سَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَعْسًا لَهم وأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ﴾ ...إلَخْ.
47:2Page 507
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ ٢
And those who believe and do righteous deeds and believe in what has been sent down upon Muḥammad - and it is the truth from their Lord - He will remove from them their misdeeds and amend their condition.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قِيلَ: هم ناسٌ مِن قُرَيْش. وقِيلَ: مِنَ الأنْصارِ. وقِيلَ: هم مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ. وقِيلَ: عامٌّ لِلْكُلِّ.
﴿وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ﴾ خُصَّ بِالذِّكْرِ الإيمانُ بِذَلِكَ مَعَ انْدِراجِهِ فِيما قَبْلَهُ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهًا عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما يَجِبُ الإيمانُ بِهِ وأنَّهُ الأصْلُ في الكُلِّ ولِذَلِكَ أُكِّدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ بِطَرِيقِ حَصْرِ الحَقِّيَّةِ فِيهِ. وقِيلَ: حَقِّيَّتُهُ بِكَوْنِهِ ناسِخًا غَيْرَ مَنسُوخٍ فالحَقُّ عَلى هَذا مُقابِلُ الزّائِلِ وعَلى الأوَّلِ مُقابِلُ الباطِلِ وأيًّا ما كانَ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الحَقِّ، وقُرِئَ "نَزَّلَ" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ و"أنْزَلَ" عَلى البِناءَيْنِ و"نَزَلَ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿كَفَّرَ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ أيْ: سَتَرَها بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.
﴿وَأصْلَحَ بالَهُمْ﴾ أيْ: حالَهم في الدِّينِ والدُّنْيا بِالتَّأْيِيدِ والتَّوْفِيقِ.
47:3Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ ٣
That is because those who disbelieve follow falsehood, and those who believe follow the truth from their Lord. Thus does Allāh present to the people their comparisons.1
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِن إضْلالِ الأعْمالِ وتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ وإصْلاحِ البالِ، وهو مُبْتَدَأٌ (p-92)خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الباطِلَ وأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الحَقَّ مِن رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ بِسَبَبِ أنَّ الأوَّلِينَ اتَّبَعُوا الشَّيْطانَ كَما قالَهُ مُجاهِدٌ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الكُفْرِ والصَّدِّ فَبَيانُ سَبَبِيَّةِ اتِّباعِهِ لِلْإضْلالِ المَذْكُورِ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سَبَبِيَّتِهِما لَهُ لِكَوْنِهِ أصْلًا مُسْتَتْبِعًا لَهُما قَطْعًا وبِسَبَبِ أنَّ الآخَرِينَ اتَّبَعُوا الحَقَّ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ كائِنًا مِن رَبِّهِمْ فَفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ الإيمانِ بِهِ وبِكِتابِهِ ومِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ فَبَيانُ سَبَبِيَّةِ اتِّباعِهِ لِما ذُكِرَ مِنَ التَّكْفِيرِ والإصْلاحِ بَعْدَ الإشْعارِ بِسَبَبِيَّةِ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ لَهُ مُتَضَمِّنٌ لِبَيانِ سَبَبِيَّتِهِما لَهُ لِكَوْنِهِ مَبْدَأً ومَنشَأً لَهُما حَتْمًا فَلا تَدافُعَ بَيْنَ الإشْعارِ والتَّصْرِيحِ في شَيْءٍ مِنَ المَوْضِعَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الباطِلُ ما يُقابِلُ الحَقَّ وهو الزّائِلُ الذّاهِبُ الَّذِي لا أصْلَ لَهُ أصْلًا فالتَّصْرِيحُ بِسَبَبِيَّةِ اتِّباعِهِ لِإضْلالِ أعْمالِهِمْ وإبْطالِها لِبَيانِ أنَّ إبْطالَها لِبُطْلانِ مَبْناها وزَوالِهِ وأمّا حَمْلُهُ عَلى ما لا يُنْتَفَعُ بِهِ فَلَيْسَ كَما يَنْبَغِي لِما أنَّ الكُفْرَ والصَّدَّ أفْحَشُ مِنهُ فَلا وجْهَ لِلتَّصْرِيحِ بِسَبَبِيَّتِهِ لِما ذُكِرَ مِن إضْلالِ أعْمالِهِمْ بِطَرِيقِ القَصْرِ بَعْدَ الإشْعارِ بِسَبَبِيَّتِهِما لَهُ فَتَدَبَّرْ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالباطِلِ نَفْسُ الكُفْرِ والصَّدِّ وبِالحَقِّ نَفْسُ الإيمانِ والأعْمالِ الصّالِحَةِ؛ فَيَكُونُ التَّنْصِيصُ عَلى سَبَبِيَّتِهِما لِما ذُكِرَ مِنَ الإضْلالِ ومِنَ التَّكْفِيرِ والإصْلاحِ تَصْرِيحًا بِالسَّبَبِيَّةِ المُشْعِرِ بَها في المَوْقِعَيْنِ.
﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الضَّرْبِ البَدِيعِ.
﴿يَضْرِبُ اللَّهُ﴾ أيْ: يُبَيِّنُ.
﴿لِلنّاسِ أمْثالَهُمْ﴾ أيْ: أحْوالَ الفَرِيقَيْنِ وأوْصافَهُما الجارِيَةَ في الغَرابَةِ مَجْرى الأمْثالِ وهي اتِّباعُ الأوَّلِينَ الباطِلَ وخَيْبَتُهم وخُسْرانُهم واتِّباعُ الآخَرِينَ الحَقَّ وفَوْزُهم وفَلاحُهم.
47:4Page 507
فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤
So when you meet those who disbelieve [in battle], strike [their] necks until, when you have inflicted slaughter upon them, then secure [their] bonds,1 and either [confer] favor2 afterwards or ransom [them] until the war lays down its burdens.3 That [is the command]. And if Allāh had willed, He could have taken vengeance upon them [Himself], but [He ordered armed struggle] to test some of you by means of others. And those who are killed in the cause of Allāh - never will He waste their deeds.
والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لِتَرْتِيبِ ما في حَيِّزِها مِنَ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَها فَإنَّ ضَلالَ أعْمالِ الكَفَرَةِ وخَيْبَتَهم وصَلاحَ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وفَلاحَهم مِمّا يُوجِبُ أنْ يُرَتِّبَ عَلى كُلٍّ مِنَ الجانِبَيْنِ ما يَلِيقُ مِنَ الأحْكامِ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَإذا لَقِيتُمُوهم في المُحارَبَةِ.
﴿فَضَرْبَ الرِّقابِ﴾ أصْلُهُ: فاضْرِبُوا الرِّقابَ ضَرْبًا فَحُذِفَ الفِعْلُ وقُدِّمَ المَصْدَرُ وأُنِيبَ مُنابَهُ مُضافًا إلى المَفْعُولِ، وفْيِهِ اخْتِصارٌ وتَأْكِيدٌ بَلِيغٌ والتَّعْبِيرُ بِهِ عَنِ القَتْلِ تَصْوِيرٌ لَهُ بِأشْنَعِ صُورَةٍ وتَهْوِيلٌ لِأمْرِهِ وإرْشادُهُ لِلْغُزاةِ إلى أيْسَرِ ما يَكُونُ مِنهُ.
﴿حَتّى إذا أثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أكْثَرْتُمْ قَتْلَهم وأغْلَظْتُمُوهُ مِنَ الشَّيْءِ الثَّخِينِ وهو الغَلِيظُ أوْ أثْقَلْتُمُوهم بِالقَتْلِ والجِراحِ حَتّى أذْهَبْتُمْ عَنْهُمُ النُّهُوضَ.
﴿فَشُدُّوا الوَثاقَ﴾ فَأْسِرُوهم واحْفَظُوهم والوَثاقُ: اسْمٌ لِما يُوثَقُ بِهِ وكَذا الوِثاقُ بِالكَسْرِ، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ.
﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ أيْ: فَإمّا تَمُنُّونَ مَنًّا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ تُفْدُونَ فِداءً، والمَعْنى: التَّخْيِيرُ بَيْنَ القَتْلِ والِاسْتِرْقاقِ والمَنِّ والفِداءِ وهَذا ثابِتٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وعِنْدَنا مَنسُوخٌ، قالُوا: نَزَلَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ نُسِخَ والحُكْمُ إمّا القَتْلُ أوِ الِاسْتِرْقاقُ. وعَنْ مُجاهِدٍ لَيْسَ اليَوْمَ مَنٌّ ولا فِداءٌ إنَّما هو الإسْلامُ أوْ ضَرْبُ العُنُقِ، وقُرِئَ فِدًا كَعَصًا.
﴿حَتّى تَضَعَ الحَرْبُ أوْزارَها﴾ أوْزارُ الحَرْبِ آلاتُها وأثْقالُها الَّتِي (p-93)لا تَقُومُ إلّا بَها مِنَ السِّلاحِ والكُراعِ وأُسْنِدَ وضْعُها إلَيْها وهو لِأهْلِها إسْنادًا مَجازِيًّا و"حَتّى" غايَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ لِأحَدِ الأُمُورِ الأرْبَعَةِ أوْ لِلْمَجْمُوعِ والمَعْنى: أنَّهم لا يَزالُونَ عَلى ذَلِكَ أبَدًا إلى أنْ لا يَكُونَ مَعَ المُشْرِكِينَ حَرْبٌ بِأنْ لا تَبْقى لَهم شَوْكَةٌ. وقِيلَ: بِأنْ يَنْزِلَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأمّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فَإنْ حُمِلَ الحَرْبُ عَلى حَرْبِ بَدْرٍ فَهي غايَةٌ لِلْمَنِّ والفِداءِ والمَعْنى: يُمَنُّ عَلَيْهِمْ ويُفادُونَ حَتّى تَضَعَ حَرْبُ بَدْرٍ أوْزارَها وإنْ حُمِلَتْ عَلى الجِنْسِ فَهي غايَةٌ لِلضَّرْبِ والشَّدِّ والمَعْنى: أنَّهم يُقَتَّلُونَ ويُؤْسَرُونَ حَتّى يَضَعَ جِنْسُ الحَرْبِ أوْزارَها بِأنْ لا يَبْقى لِلْمُشْرِكِينَ شَوْكَةٌ. وقِيلَ: أوْزارُها: آثامُها أيْ: حَتّى يَتْرُكَ المُشْرِكُونَ شِرْكَهم ومَعاصِيَهم بِأنْ أسْلَمُوا.
﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الأمْرُ ذَلِكَ أوْ فَعَلُوا ذَلِكَ.
﴿وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنهُمْ﴾ لانْتَقَمَ مِنهم بِبَعْضِ أسْبابِ الهَلَكَةِ والِاسْتِئْصالِ.
﴿وَلَكِنْ﴾ لَمْ يَشَأْ لِذَلِكَ.
﴿لِيَبْلُوَ بَعْضَكم بِبَعْضٍ﴾ فَأمَرَكم بِالقِتالِ وبَلاكم بِالكافِرِينَ لِتُجاهِدُوهم فَتَسْتَوْجِبُوا الثَّوابَ العَظِيمَ بِمُوجِبِ الوَعْدِ والكافِرِينَ بِكم لِيُعالِجَهم عَلى أيْدِيكم بِبَعْضِ عَذابِهِمْ كَيْ يَرْتَدِعَ بَعْضُهم عَنِ الكُفْرِ.
﴿والَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيِ: اسْتُشْهِدُوا، وقُرِئَ "قاتَلُوا" أيْ: جاهَدُوا و"قَتَلُوا" و"قُتِلُوا".
﴿فَلَنْ يُضِلَّ أعْمالَهُمْ﴾ أيْ: فَلَنْ يُضَيِّعَها، وقُرِئَ "يُضَلُّ أعْمالُهُمْ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و"يُضِلَّ أعْمالَهُمْ" مَن ضَلَّ. وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ أحَدٍ.
﴿سَيَهْدِيهِمْ﴾ في الدُّنْيا إلى أرْشِدِ الأُمُورِ وفي الآخِرَةِ إلى الثَّوابِ أوْ سَيُثَبِّتُ هِدايَتَهم ﴿وَيُصْلِحُ بالَهُمْ﴾ .
47:6Page 507
وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ ٦
And admit them to Paradise, which He has made known to them.
﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِذِكْرِ أوْصافِها بِحَيْثُ اشْتاقُوا إلَيْها أوْ بَيَّنَها لَهم بِحَيْثُ يَعْلَمُ كُلُّ أحَدٍ مَنزِلَهُ ويَهْتَدِي إلَيْهِ كَأنَّهُ كانَ ساكِنَهُ مُنْذُ خُلِقَ. وعَنْ مُقاتِلٍ أنَّ المَلَكَ المُوَكَّلَ بِعَمَلِهِ في الدُّنْيا يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُعَرِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى أوْ طَيَّبَها لَهم مِنَ العَرْفِ وهو طِيبُ الرّائِحَةِ أوْ حَدَّدَها لَهم وأفْرَزَها مِن عَرْفُ الدّارِ فَجَنَّةٌ كُلٍّ مِنهم مُحَدَّدَةٌ مُفْرَزَةٌ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ أوْ بِدُونِهِ.
47:7Page 507
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ ٧
O you who have believed, if you support Allāh, He will support you and plant firmly your feet.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ﴾ أيْ: دِينَهُ ورَسُولَهُ.
﴿يَنْصُرْكُمْ﴾ عَلى أعْدائِكم ويَفْتَحْ لَكم.
﴿وَيُثَبِّتْ أقْدامَكُمْ﴾ في مَواطِنِ الحَرْبِ ومَواقِفِها أوْ عَلى مَحَجَّةِ الإسْلامِ.
47:8Page 507
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨
But those who disbelieve - for them is misery, and He will waste their deeds.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ﴾ التَّعْسُ: الهَلاكُ والعِثارُ والسُّقُوطُ والشَّرُّ والبُعْدُ والِانْحِطاطُ ورَجُلٌ تاعِسٌ وتَعِسٌ وانْتِصابُهُ بِفِعْلِهِ الواجِبِ حَذْفُهُ سَماعًا أيْ: فَقالَ تَعْسًا لَهم أوْ فَقَضى تَعْسًا لَهم وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأضَلَّ أعْمالَهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ داخِلٌ مَعَهُ في حَيِّزِ الخَبَرِيَّةِ لِلْمَوْصُولِ.
47:9Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩
That is because they disliked what Allāh revealed, so He rendered worthless their deeds.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذَكَرَ مِنَ التَّعِسِ وإضْلالِ الأعْمالِ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم ﴿كَرِهُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ القرآن، (p-94)لِما فِيهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وسائِرِ الأحْكامِ المُخالِفَةِ لِما ألِفُوهُ واشْتَهَتْهُ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ.
﴿فَأحْبَطَ﴾ لِأجْلِ ذَلِكَ.
﴿أعْمالَهُمْ﴾ الَّتِي لَوْ كانُوا عَمِلُوها مَعَ الإيمانِ لَأُثِيبُوا عَلَيْها.
47:10Page 507
۞ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا ١٠
Have they not traveled through the land and seen how was the end of those before them? Allāh destroyed [everything] over them,1 and for the disbelievers is something comparable.
﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ﴾ أيْ: أقَعَدُوا في أماكِنِهِمْ فَلَمْ يَسِيرُوا فِيها.
﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِنَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ فَإنَّ آثارَ دِيارِهِمْ تُنْبِئُ عَنْ أخْبارِهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الكَلامِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ كانَتْ عاقِبَتُهُمْ؟ فَقِيلَ: اسْتَأْصَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ما اخْتُصَّ بِهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ يُقالُ: دَمَّرَهُ: أهْلَكَهُ، ودَمَّرَ عَلَيْهِ: أهْلَكَ عَلَيْهِ ما يَخْتَصُّ بِهِ.
﴿وَلِلْكافِرِينَ﴾ أيْ: ولِهَؤُلاءِ الكافِرِينَ السّائِرِينَ بِسِيرَتِهِمْ.
﴿أمْثالُها﴾ أمْثالُ عَواقِبِهِمْ أوْ عُقُوباتِهِمْ لَكِنْ لا عَلى أنَّ لِهَؤُلاءِ أمْثالَ ما لِأُولَئِكَ وأضْعافَهُ بَلْ مِثْلُهُ وإنَّما جُمِعَ بِاعْتِبارِ مُماثَلَتِهِ لَعَواقِبَ مُتَعَدِّدَةٍ حَسَبَ تَعَدُّدِ الأُمَمِ المُعَذَّبَةِ. وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَذابُهم أشَدَّ مِن عَذابِ الأوَّلِينَ وقَدْ قُتِلُوا وأُسِرُوا بِأيْدِي مَن كانُوا يَسْتَخِفُّونَهم ويَسْتَضْعِفُونَهم والقَتْلُ بِيَدِ المَثَلِ أشُدُّ ألَمًا مِنَ الهَلاكِ بِسَبَبٍ عامٍّ. وقِيلَ: المُرادُ بِالكافِرِينَ المُتَقَدِّمُونَ بِطَرِيقِ وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ: دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ أمْثالُها.
47:11Page 507
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ ١١
That is because Allāh is the protector of those who have believed and because the disbelievers have no protector.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ثُبُوتِ أمْثالِ عُقُوبَةِ الأُمَمِ السّالِفَةِ لِهَؤُلاءِ.
﴿بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: ناصِرُهم عَلى أعْدائِهِمْ، وقُرِئَ "وَلِيُّ الَّذِينَ".
﴿وَأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ فَيَدْفَعُ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ والعَذابِ ولا يُخالِفُ هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إلى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الحَقِّ﴾ فَإنَّ المَوْلى هُناكَ بِمَعْنى المالِكِ.
47:12Page 508
إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢
Indeed, Allāh will admit those who have believed and done righteous deeds to gardens beneath which rivers flow, but those who disbelieve enjoy themselves and eat as grazing livestock eat, and the Fire will be a residence for them.
﴿إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ بَيانٌ لِحُكْمِ وِلايَتِهِ تَعالى لَهم وثَمَرَتِها الأُخْرَوِيَّةِ.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ﴾ أيْ: يَنْتَفِعُونَ في الدُّنْيا بِمَتاعِها.
﴿وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الأنْعامُ﴾ غافِلِينَ عَنْ عَواقِبِهِمْ.
﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أيْ: مَنزِلُ ثُواءٍ وإقامَةٍ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن واوِ "يَأْكُلُونَ" أوِ اسْتِئْنافٌ.
47:13Page 508
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ ١٣
And how many a city was stronger than your city [i.e., Makkah] which drove you out? We destroyed them; and there was no helper for them.
﴿وَكَأيِّنْ﴾ كَلِمَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الكافِ و"أيٍّ" بِمَعْنى: كَمِ الخَبَرِيَّةِ ومَحَلُّها الرَّفْعُ بِالِابْتِداءِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن قَرْيَةٍ﴾ تَمْيِيزٌ لَها وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هِيَ أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ﴾ صِفَةٌ لِقَرْيَةٍ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ صِفَةٌ لِـ"قَرْيَتِكَ" وقَدْ حُذِفَ عَنْهُما المُضافُ وأُجْرِيَ أحْكامُهُ عَلَيْهِما كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الخَبَرُ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أهْلَكْناهُمْ﴾ أيْ: وكَمْ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ هم أشَدُّ (p-95)قُوَّةً مِن أهْلِ قَرْيَتِكَ الَّذِينَ كانُوا سَبَبًا لِخُرُوجِكَ مِن بَيْنِهِمْ ووَصْفُ القَرْيَةِ الأوْلى بِشِدَّةِ القُوَّةِ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّةِ الثّانِيَةِ مِنها بِالإهْلاكِ لِضَعْفِ قُوَّتِها كَما أنَّ وصْفَ الثّانِيَةِ بِإخْراجِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْإيذانِ بِأوْلَوِيَّتِها بِهِ لِقُوَّةِ جِنايَتِها، وعَلى طَرِيقَتِهِ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎ كُلَيْبٌ لَعَمْرِي كانَ أكْثَرَ ناصِرًا ∗∗∗ وأيْسَرَ جُرْمًا مِنكَ ضُرِّجَ بِالدَّمِ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ بَيانٌ لِعَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنَ العَذابِ بِواسِطَةِ الأعْوانِ والأنْصارِ إثْرَ بَيانِ عَدَمِ خَلاصِهِمْ مِنهُ بِأنْفُسِهِمْ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ذِكْرِ ما بِالغَيْرِ عَلى ذِكْرِ ما بِالذّاتِ وهو حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ.
47:14Page 508
أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم ١٤
So is he who is on clear evidence from his Lord like him to whom the evil of his work has been made attractive and they follow their [own] desires?
﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ تَقْرِيرٌ لِتَبايُنِ حالَيْ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ وكَوْنِ الأوَّلِينَ في أعْلى عِلِّيِّينَ والآخَرِينَ في أسْفَلِ سافِلِينَ وبَيانٌ لِعِلَّةِ ما لِكُلٍّ مِنهُما مِنَ الحالِ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَدْ قُرِئَ بِدُونِها و"مَن" عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ المُتَمَسِّكِينَ بِأدِلَّةِ الدِّينِ وجَعْلُها عِبارَةً عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ عَنْهُ وعَنِ المُؤْمِنِينَ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنَّ المُوازَنَةَ بَيْنَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبَيْنَهم مِمّا يَأْباهُ مَنصِبُهُ الجَلِيلُ، والتَّقْدِيرُ: ألَيْسَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ فَمَن كانَ مُسْتَقِرًّا عَلى حُجَّةٍ ظاهِرَةٍ وبُرْهانٍ نَيِّرٍ مِن مالِكِ أمْرِهِ ومُرَبِّيهِ وهو القرآن الكَرِيمُ وسائِرُ المُعْجِزاتِ والحُجَجِ العَقْلِيَّةِ.
﴿كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِيِ مَعَ كَوْنِهِ في نَفْسِهِ أقْبَحَ القَبائِحِ.
﴿واتَّبَعُوا﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ التَّزْيِينِ.
﴿أهْواءَهُمْ﴾ الزّائِغَةَ وانْهَمَكُوا في فُنُونِ الضَّلالاتِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شُبْهَةٌ تُوهِمُ صِحَّةَ ما تَمَّ عَلَيْهِ فَضْلًا عَنْ حُجَّةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، وجَمْعُ الضَّمِيرَيْنِ الأخِيرَيْنِ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ إفْرادَ الأوَّلَيْنِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
47:15Page 508
مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥
Is the description of Paradise, which the righteous are promised, wherein are rivers of water unaltered,1 rivers of milk the taste of which never changes, rivers of wine delicious to those who drink, and rivers of purified honey, in which they will have from all [kinds of] fruits and forgiveness from their Lord... [Are its inhabitants] like those who abide eternally in the Fire and are given to drink scalding water that will sever their intestines?
﴿مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِشَرْحِ مَحاسِنِ الجَنَّةِ المَوْعُودَةِ آنِفًا لِلْمُؤْمِنِينَ وبَيانِ كَيْفِيَّةِ أنْهارِها الَّتِي أُشِيرَ إلى جَرَيانِها مِن تَحْتِها، وعُبِّرَ عَنْهم بِالمُتَّقِينَ إيذانًا بِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ مِن بابِ التَّقْوى الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ فِعْلِ الواجِباتِ بِأسْرِها وتَرْكِ السَّيِّئاتِ عَنْ آخِرِها ومَثَلُها وصْفُها العَجِيبُ الشَّأْنِ، وهو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ فَقَدَّرَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ مَثَلُ الجَنَّةِ ما تَسْمَعُونَ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ ...إلَخْ مُفَسَّرٌ لَهُ وقَدَّرَهُ سِيبَوَيْهِ فِيما يُتْلى عَلَيْكم مَثَلُ الجَنَّةِ والأوَّلُ هو الأنْسَبُ لِصَدْرِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. وقِيلَ: المَثَلُ زائِدَةٌ كَزِيادَةِ الِاسْمِ في قَوْلِ مَن قالَ: [إلى الحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلامِ عَلَيْكُما] والجَنَّةُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿فِيها أنْهارٌ﴾ ...إلَخْ.
﴿مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ غَيْرِ مُتَغَيِّرِ الطَّعْمِ والرّائِحَةِ، وقُرِئَ "غَيْرِ أسِنٍ".
﴿وَأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ بِأنْ صارَ قارِصًا ولا خازِرًا كَألْبانِ الدُّنْيا.
﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ لَذِيذَةٍ لَيْسَ فِيها كَراهَةُ طَعْمٍ ورِيحٍ ولا غائِلَةُ سُكْرٍ ولا خُمارٌ وإنَّما هي تَلَذُّذٌ مَحْضٌ و"لَذَّةٍ" إمّا تَأْنِيثُ لَذٍّ بِمَعْنى لَذِيذٍ أوْ مَصْدَرٌ نُعِتَ (p-96)بِهِ مُبالَغَةً، وقُرِئَ "لَذَّةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةُ "أنْهارٌ" وبِالنَّصْبِ عَلى العِلَّةِ أيْ: لِأجْلِ لَذَّةِ الشّارِبِينَ.
﴿وَأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ لا يُخالِطُهُ الشَّمْعُ وفَضَلاتُ النَّحْلِ وغَيْرُها، وفي هَذا تَمْثِيلٌ لِما يَجْرِي مَجْرى الأشْرِبَةِ في الجَنَّةِ بِأنْواعٍ ما يُسْتَطابُ مِنها ويُسْتَلَذُّ في الدُّنْيا بِالتَّخْلِيَةِ عَمّا يُنَغِّصُها ويُنْقِصُها والتَّحْلِيَةِ بِما يُوجِبُ غَزارَتَها ودَوامَها.
﴿وَلَهم فِيها﴾ مَعَ ما ذُكِرَ مِن فُنُونِ الأنْهارِ.
﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ أيْ: صِنْفٌ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ.
﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ أيْ: ولَهم مَغْفِرَةٌ عَظِيمَةٌ لا يُقادَرُ قَدْرُها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لـِ"مَغْفِرَةٌ" مُؤَكِّدَةٌ لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ الذّاتِيَّةِ بِالفَخامَةِ الإضافِيَّةِ أيْ: كائِنَةٌ مِن رَبِّهِمْ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ﴾ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: أمَّنْ هو خالِدٌ في هَذِهِ الجَنَّةِ حَسَبَما جَرى بِهِ الوَعْدُ كَمَن هو خالِدٌ في النّارِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والنّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ . وقِيلَ: هو خَبَرٌ لَمَثَلُ الجَنَّةِ عَلى أنَّ في الكَلامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ: أمَثَلُ الجَنَّةِ كَمَثَلِ جَزاءِ مَن هو خالِدٌ فى النّارِ أوْ أمَثَلُ أهْلِ الجَنَّةِ كَمَثَلِ مَن هو خالِدٌ في النّارِ؟ فَعُرِّيَ عَنْ حَرْفِ الإنْكارِ وحُذِفَ ما حُذِفَ تَصْوِيرًا لِمُكابَرَةِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُتَمَسِّكِ بِالبَيِّنَةِ وبَيْنَ التّابِعِ لِلْهَوى بِمُكابَرَةِ مَن سَوّى بَيْنَ الجَنَّةِ المَوْصُوفَةِ بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ وبَيْنَ النّارِ.
﴿وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا﴾ مَكانَ تِلْكَ الأشْرِبَةِ.
﴿فَقَطَّعَ أمْعاءَهُمْ﴾ مِن فَرْطِ الحَرارَةِ، قِيلَ: إذا دَنا مِنهم شَوى وُجُوهَهم وانْمارَتْ فَرْوَةُ رُؤُوسِهِمْ فَإذا شَرِبُوهُ قَطَّعَ أمْعاءَهم.
47:16Page 508
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ ١٦
And among them, [O Muḥammad], are those who listen to you, until when they depart from you, they say to those who were given knowledge,1 "What has he said just now?" Those are the ones of whom Allāh has sealed over their hearts and who have followed their [own] desires.
﴿وَمِنهم مَن يَسْتَمِعُ إلَيْكَ﴾ هُمُ المُنافِقُونَ، وإفْرادُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبارِ لَفْظِ "مَن" كَما أنَّ جَمْعَهُ فِيما سَيَأْتِي بِاعْتِبارِ مَعْناها كانُوا يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَسْمَعُونَ كَلامَهُ ولا يَعُونَهُ ولا يُراعُونَهُ حَقَّ رِعايَتِهِ تَهاوُنًا مِنهم.
﴿حَتّى إذا خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
﴿ماذا قالَ آنِفًا﴾ أيْ: ما الَّذِي قالَ السّاعَةَ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِهْزاءِ وإنْ كانَ بِصُورَةِ الِاسْتِعْلامِ و"آنِفًا" مِن قَوْلِهِمْ: أنَفَ الشَّيْءُ لِما تَقَدَّمَ مِنهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الجارِحَةِ ومِنهُ اسْتَأْنَفَ الشَّيْءَ وائْتَنَفَ وهو ظَرْفٌ بِمَعْنى وقْتًا مُؤْتَنِفًا أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "قالَ"، وقُرِئَ "أنْفًا".
﴿أُولَئِكَ﴾ المُوصِفُونَ بِما ذُكِرَ.
﴿الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ لِعَدَمِ تَوَجُّهِهِمْ نَحْوَ الخَيْرِ أصْلًا.
﴿واتَّبَعُوا أهْواءَهُمْ﴾ الباطِلَةَ فَلِذَلِكَ فَعَلُوا ما فَعَلُوا مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ.
47:17Page 508
وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧
And those who are guided - He increases them in guidance and gives them their righteousness.1
﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا﴾ إلى طَرِيقِ الحَقِّ.
﴿زادَهُمْ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى.
﴿هُدًى﴾ بِالتَّوْفِيقِ والإلْهامِ.
﴿وَآتاهم تَقْواهُمْ﴾ أعانَهم عَلى تَقْواهم أوْ أعْطاهم جَزاءَها أوْ بَيَّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ.
47:18Page 508
فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ ١٨
Then do they await except that the Hour should come upon them unexpectedly? But already there have come [some of] its indications. Then how [i.e., what good] to them, when it has come, will be their remembrance?
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السّاعَةَ﴾ أيِ: القِيامَةَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَأْتِيَهم بَغْتَةً﴾ أيْ: تُباغِتُهم بَغْتَةً وهي المُفاجَأةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ (p-97)السّاعَةِ والمَعْنى: أنَّهم لا يَتَذَكَّرُونَ بِذِكْرِ أهْوالِ الأُمَمِ الخالِيَةِ ولا بِالإخْبارِ بِإتْيانِ السّاعَةِ وما فِيها مِن عَظائِمِ الأهْوالِ وما يَنْتَظِرُونَ لِلتَّذَكُّرِ إلّا إتْيانَ نَفْسِ السّاعَةِ بَغْتَةً، وقُرِئَ "بَغَتَةً" بِفَتْحِ الغَيْنِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ جاءَ أشْراطُها﴾ تَعْلِيلٌ لِمُفاجَأتِها لا لِإتْيانِها مُطْلَقًا عَلى مَعْنى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الأُمُورِ المُوجِبَةِ لِلتَّذَكُّرِ أمْرٌ مُتَرَقَّبٌ يَنْتَظِرُونَهُ سِوى إتْيانِ نَفْسِ السّاعَةِ إذْ قَدْ جاءَ أشْراطُها فَلَمْ يَرْفَعُوا لَها رَأْسًا ولَمْ يَعُدُّوها مِن مَبادِي إتْيانِها فَيَكُونُ إتْيانُها بِطَرِيقِ المُفاجَأةِ لا مَحالَةَ، والأشْراطُ جَمْعُ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ وهي العَلامَةُ، والمُرادُ بِها: مَبْعَثُهُ ﷺ وانْشِقاقُ القَمَرِ ونَحْوُهُما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنّى لَهم إذا جاءَتْهم ذِكْراهُمْ﴾ حُكْمٌ بِخَطَئِهِمْ وفَسادِ رَأْيِهِمْ في تَأْخِيرِ التَّذَكُّرِ إلى إتْيانِها بِبَيانِ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ حِينَئِذٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ أيْ: وكَيْفَ لَهم ذِكْراهم إذا جاءَتْهم عَلى أنَّ "أنّى" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ و"ذِكْراهُمْ" مُبْتَدَأٌ و"إذا جاءَتْهُمْ" اعْتِراضٌ وُسِّطَ بَيْنَهُما رَمْزًا إلى غايَةِ سُرْعَةِ مَجِيئِها وإطْلاقُ المَجِئِ عَنْ قَيْدِ البَغْتَةِ لِما أنَّ مَدارَ اسْتِحالَةِ نَفْعِ التَّذَكُّرِ كَوْنُهُ عِنْدَ مَجِيئِهِ مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِقَيْدِ البَغْتَةِ، وقُرِئَ "إنْ تَأتِهِمْ" عَلى أنَّهُ شَرْطٌ مُسْتَأْنَفٌ جَزاؤُهُ ﴿فَأنّى لَهُمْ﴾ ...إلَخْ والمَعْنى: إنْ تَأْتِهِمُ السّاعَةُ بَغْتَةً لِأنَّهُ قَدْ ظَهَرَ أماراتُها فَكَيْفَ لَهم تَذَكُّرُهم واتِّعاظُهم إذا جاءَتْهم.
47:19Page 508
فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩
So know, [O Muḥammad], that there is no deity except Allāh and ask forgiveness for your sin1 and for the believing men and believing women. And Allāh knows of your movement and your resting place.
﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلا اللَّهُ﴾ أيْ: إذا عَلِمْتَ أنَّ مَدارَ السَّعادَةِ هو التَّوْحِيدُ والطّاعَةُ ومَناطَ الشَّقاوَةِ هو الإشْراكُ والعِصْيانُ فاثْبُتُ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِنَ العِلْمِ بِالوَحْدانِيَّةِ والعَمَلِ بِمُوجِبِهِ.
﴿واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ وهو الَّذِي رُبَّما يَصْدُرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن تَرْكِ الأوْلى عُبِّرَ عَنْهُ بِالذَّنْبِ نَظَرًا إلى مَنصِبِهِ الجَلِيلِ. كَيْفَ لا؟ وحَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ وإرْشادٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى التَّواضُعِ وهَضْمِ النَّفْسِ واسْتِقْصارِ العَمَلِ.
﴿وَلِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِمْ بِالدُّعاءِ لَهم وتَرْغِيبِهِمْ فِيما يَسْتَدْعِي غُفْرانَهم وفي إعادَةِ صِلَةِ الِاسْتِغْفارِ تَنْبِيهٌ عَلى اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْهِ جِنْسًا، وفي حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مُقامَهُ إشْعارٌ بِعَراقَتِهِمْ في الذَّنْبِ وفَرْطِ افْتِقارِهِمْ إلى الِاسْتِغْفارِ.
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ﴾ في الدُّنْيا فَإنَّها مَراحِلُ لا بُدَّ مِن قَطْعِها لا مَحالَةَ.
﴿وَمَثْواكُمْ﴾ في العُقْبى فَإنَّها مَواطِنُ إقامَتِكم فَلا يَأْمُرُكم إلّا بِما هو خَيْرٌ لَكم فِيهِما فَبادِرُوا إلى الِامْتِثالِ بِما أمَرَكم بِهِ فَإنَّهُ المُهِمُّ لَكم في المَقامَيْنِ. وقِيلَ: يَعْلَمُ جَمِيعَ أحْوالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها.
47:20Page 509
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٠
Those who believe say, "Why has a sūrah1 not been sent down?" But when a precise sūrah is revealed and battle is mentioned therein, you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] looking at you with a look of one overcome by death. And more appropriate for them2 [would have been]
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حِرْصًا مِنهم عَلى الجِهادِ.
﴿لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ أيْ: هَلّا نَزَلَتْ سُورَةٌ تُؤْمَرُ فِيها بِالجِهادِ.
﴿فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ﴾ بِطَرِيقِ الأمْرِ بِهِ أيْ: سُورَةٌ مُبَيِّنَةٌ لا تَشابُهَ ولا احْتِمالَ فِيها لِوَجْهٍ آخَرَ سِوى وُجُوبِ القِتالِ. عَنْ قَتادَةَ كُلُّ سُورَةٍ فِيها ذِكْرُ القِتالِ فَهي مُحْكَمَةٌ لَمْ تُنْسَخْ، وقُرِئَ فَإذا نَزَلَتْ (p-98)سُورَةٌ، وقُرِئَ وذَكَرَ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى ونَصْبِ القِتالِ.
﴿رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: ضَعْفٌ في الدِّينِ، وقِيلَ: نِفاقٌ وهو الأظْهَرُ الأوْفَقُ لِسِياقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ.
﴿يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ أيْ: تَشْخَصُ أبْصارُهم جُبْنًا وهَلَعًا كَدَأْبِ مَن أصابَتْهُ غَشْيَةُ المَوْتِ.
﴿فَأوْلى لَهُمْ﴾ أيْ: فَوَيْلٌ لَهم وهو أفْعَلُ مِنَ الوَلْيِ وهو القُرْبُ. وقِيلَ: مِن آلَ ومَعْناهُ الدُّعاءُ عَلَيْهِمْ بِأنْ يَلِيَهُمُ المَكْرُوهُ أوْ يَؤُولُ إلَيْهِ أمْرُهم. وقِيلَ: هو مُشْتَقٌّ مِنَ الوَيْلِ وأصْلُهُ: أوْيَلُ نُقِلَتِ العَيْنُ إلى ما بَعْدَ اللّامِ فَوَزْنُهُ أفْلَعُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences