Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
القصص
Al-Qasas
The Stories · Meccan · 88 ayahs
28:1–2Page 385
طسٓمٓ ١
Ṭā, Seen, Meem.1
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ٢
These are verses of the clear Book.
(p-2)(سُورَةُ القَصَصِ)
(مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ إلّا قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الجاهِلِينَ﴾ وهي ثَمانٍ وثَمانُونَ آيَةً).
﴿طسم﴾ ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ قَدْ مَرَّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الكَلامِ بِالإجْمالِ، والتَّفْصِيلِ في أشْباهِهِ.
28:3Page 385
نَتۡلُواْ عَلَيۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٣
We recite to you from the news of Moses and Pharaoh in truth for a people who believe.
﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ أيْ: نَقْرَأُ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ التِّلاوَةُ مَجازًا مِنَ التَّنْزِيلِ ﴿مِن نَبَإ مُوسى وفِرْعَوْنَ﴾ مَفْعُولُ نَتْلُو، أيْ: نَتْلُو عَلَيْهِ بَعْضَ نَبَئِهِما.
﴿بِالحَقِّ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ. هو حالٌ مِن فاعِلِ نَتْلُو، أوْ مِن مَفْعُولِهِ، أوْ صِفَةٌ لِمَصْدَرِهِ، أيْ: بَعْضَ نَبَئِهِما مُلْتَبَسِينَ، أوْ مُتَلَبِّسًا بِالحَقِّ، أوْ تِلاوَةً مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ.
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ نَتْلُو، وتَخْصِيصُهم بِذَلِكَ مَعَ عُمُومِ الدَّعْوَةِ والبَيانِ لِلْكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ.
28:4Page 385
إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤
Indeed, Pharaoh exalted himself in the land and made its people into factions, oppressing a sector among them, slaughtering their [newborn] sons and keeping their females alive. Indeed, he was of the corrupters.
﴿إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّفْسِيرِ لِلْمُجْمَلِ المَوْعُودِ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِ ما بَعْدَهُ، أيْ: أنَّهُ تَجَبَّرَ، وطَغا في أرْضِ مِصْرَ، وجاوَزَ الحُدُودَ المَعْهُودَةَ في الظُّلْمِ والعُدْوانِ.
﴿وَجَعَلَ أهْلَها شِيَعًا﴾ أيْ: فِرَقًا يُشَيِّعُونَهُ في كُلِّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ، أوْ يُشَيِّعُ بَعْضُهم بَعْضًا في طاعَتِهِ، أوْ أصْنافًا في اسْتِخْدامِهِ يَسْتَعْمِلُ كُلَّ صِنْفٍ في عَمَلٍ، ويُسَخِّرُهُ فِيهِ مِن بِناءٍ، وحَرْثٍ، وحَفْرٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأعْمالِ الشّاقَّةِ. ومَن لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ ضَرَبَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ، أوْ فِرَقًا مُخْتَلِفَةً قَدْ أغْرى بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ لِئَلّا تَتَّفِقَ كَلِمَتُهم.
﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنهُمْ﴾ وهم بَنُو إسْرائِيلَ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ جَعَلَ، أوْ صِفَةٌ لِشِيَعًا، أوِ اسْتِئْنافٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُذَبِّحُ أبْناءَهم ويَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ بَدَلٌ مِنها، وكانَ ذَلِكَ لَمّا أنَّ كاهِنًا قالَ لَهُ: يُولَدُ في بَنِي إسْرائِيلَ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ مُلْكُكَ عَلى يَدِهِ. وما ذاكَ إلّا لِغايَةِ حُمْقِهِ إذْ لَوْ صَدَقَ فَما فائِدَةُ القَتْلِ، وإنْ كَذِبَ فَما وجْهُهُ.
﴿إنَّهُ كانَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ أيِ: الرّاسِخِينَ في الإفْسادِ. ولِذَلِكَ اجْتَرَأ عَلى مِثْلِ تِلْكَ العَظِيمَةِ (p-3)مِن قَتْلِ المَعْصُومِينَ مِن أوْلادِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
28:5Page 385
وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٥
And We wanted to confer favor upon those who were oppressed in the land and make them leaders and make them inheritors
﴿وَنُرِيدُ أنْ نَمُنَّ﴾ أيْ: نَتَفَضَّلَ ﴿عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ بِإنْجائِهِمْ مِن بَأْسِهِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في نُرِيدُ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى إنَّ فِرْعَوْنَ عَلا ... إلَخْ. لِتَناسُبِهِما في الوُقُوعِ في حَيِّزِ التَّفْسِيرِ لِلنَّبَأِ، أوْ حالٌ مِن يَسْتَضْعِفُ بِتَقْدِيرِ المُبْتَدَأِ، أيْ: يَسْتَضْعِفُهم فِرْعَوْنُ، ونَحْنُ نُرِيدُ أنْ نُمَنَّ عَلَيْهِمْ، ولَيْسَ مِن ضَرُورَةِ مُقارَنَةِ الإرادَةِ لِلِاسْتِضْعافِ مُقارَنَةُ المُرادِ لَهُ لِما أنَّ تَعَلُّقَ الإرادَةِ لِلْمَنِّ تَعَلُّقُ اسْتِقْبالٍ عَلى أنَّ مِنَّةَ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِالخَلاصِ، لَمّا كانَتْ في شَرَفِ الوُقُوعِ جازَ إجْراؤُها مَجْرى الواقِعِ المُقارَنِ لَهُ. ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِإبانَةِ قَدْرِ النِّعْمَةِ في المِنَّةِ بِذِكْرِ حالَتِهِمُ السّابِقَةِ المُبايِنَةِ لَها.
﴿وَنَجْعَلَهم أئِمَّةً﴾ يُقْتَدى بِهِمْ في أُمُورِ الدِّينِ بَعْدَ أنْ كانُوا أتْباعًا مُسَخَّرِينَ لِآخَرِينَ.
﴿وَنَجْعَلَهُمُ الوارِثِينَ﴾ لِجَمِيعِ ما كانَ مُنْتَظِمًا في سِلْكِ مُلْكِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ، وِراثَةً مَعْهُودَةً فِيما بَيْنَهُمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْرِيفُ الوارِثِينَ، وتَأْخِيرُ ذِكْرِ وِراثَتِهِمْ لَهُ عَنْ ذِكْرِ جَعْلِهِمْ أئِمَّةً مَعَ تَقَدُّمِها عَلَيْهِ زَمانًا لِانْحِطاطِ رُتْبَتِها عَنِ الإمامَةِ، ولِئَلّا يَنْفَصِلَ عَنْهُ ما بَعْدَهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن رَوادِفِهِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى:
28:6Page 386
وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ ٦
And establish them in the land and show Pharaoh and [his minister] Hāmān and their soldiers through them1 that which they had feared.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهم في الأرْضِ﴾ ... إلَخْ. أيْ: نُسَلِّطَهم عَلى مِصْرَ والشّامِ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِما كَيْفَما يَشاءُونَ، وأصْلُ التَّمْكِينِ أنْ تَجْعَلَ لِلشَّيْءِ مَكانًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ.
﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنهُمْ﴾ أيْ: مِن أُولَئِكَ المُسْتَضْعَفِينَ.
﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ ويَجْتَهِدُونَ في دَفْعِهِ مِن ذَهابِ مُلْكِهِمْ وهَلَكِهِمْ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِنهُ، وقُرِئَ: (يَرى) بِالياءِ ورَفْعِ ما بَعْدَهُ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
28:7Page 386
وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٧
And We inspired to the mother of Moses, "Suckle him; but when you fear for him, cast him into the river and do not fear and do not grieve. Indeed, We will return him to you and will make him [one] of the messengers."
﴿وَأوْحَيْنا إلى أُمِّ مُوسى﴾ بِإلْهامٍ أوْ رُؤْيا.
﴿أنْ أرْضِعِيهِ﴾ ما أمْكَنَكِ إخْفاؤُهُ ﴿فَإذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ بِأنْ يُحِسَّ بِهِ الجِيرانُ عِنْدَ بُكائِهِ، ويَنِمُّوا عَلَيْهِ.
﴿فَألْقِيهِ في اليَمِّ﴾ في البَحْرِ: وهو النِّيلُ.
﴿وَلا تَخافِي﴾ عَلَيْهِ ضَيْعَةً بِالغَرَقِ، ولا شِدَّةً.
﴿وَلا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ﴾ عَنْ قَرِيبٍ بِحَيْثُ تَأْمَنِينَ عَلَيْهِ.
﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ والجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ الخَوْفِ، والحُزْنِ. وإيثارُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ، وتَصْدِيرُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِلِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِها، أيْ: إنّا فاعِلُونَ لِرَدِّهِ، وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ لا مَحالَةَ. رُوِيَ أنَّ بَعْضَ القَوابِلِ المُوَكَّلاتِ مِن قِبَلِ فِرْعَوْنَ بِحَبالى بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ مُصافِيَةً لِأُمِّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَتْ لَها: لِيَنْفَعَنِي حُبُّكِ اليَوْمَ فَعالَجَتْها فَلَمّا وقَعَ عَلى الأرْضِ هالَها نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وارْتَعَشَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنها، ودَخَلَ حُبُّهُ في قَلْبِها. ثُمَّ قالَتْ: ما جِئْتُكِ إلّا لِأقْبَلَ مَوْلُودَكِ، وأُخْبِرَ فِرْعَوْنَ، ولَكِنِّي وجَدْتُ لِابْنِكِ في قَلْبِي مَحَبَّةً ما وجَدْتُ مِثْلَها لِأحَدٍ فاحْفَظِيهِ. فَلَمّا خَرَجَتْ جاءَ عُيُونُ فِرْعَوْنَ فَلَفَّتْهُ في خِرْقَةٍ، فَألْقَتْهُ في تَنُّورٍ مَسْجُورٍ لَمْ تَعْلَمْ ما تَصْنَعُ لِما طاشَ مِن عَقْلِها، فَطَلَبُوا فَلَمْ يَلْقَوْا شَيْئًا فَخَرَجُوا، وهي لا تَدْرِي مَكانَهُ فَسَمِعَتْ بُكاءَهُ مِنَ التَّنُّورِ فانْطَلَقَتْ إلَيْهِ. وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى النّارَ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا فَلَمّا ألَحَّ فِرْعَوْنُ في طَلَبِ الوِلْدانِ أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْها ما أوْحى. وقَدْ رُوِيَ أنَّها أرْضَعَتْهُ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ في تابُوتٍ مِن بَرْدِيٍّ مَطْلِيٍّ بِالقارِ مِن داخِلِهِ، و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
28:8Page 386
فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ ٨
And the family of Pharaoh picked him up [out of the river] so that he would become to them an enemy and a [cause of] grief. Indeed, Pharaoh and Hāmān and their soldiers were deliberate sinners.
(p-4)﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ فَصِيحَةٌ مُفْصِحَةٌ عَنْ عَطْفِهِ عَلى جُمْلَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الأمْرِ بِالإلْقاءِ. قَدْ حُذِفَتْ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ الحالِ، وإيذانًا بِكَمالِ سُرْعَةِ الِامْتِثالِ، أيْ: فَألْقَتْهُ في اليَمِّ بَعْدَما جَعَلَتْهُ في التّابُوتِ حَسْبَما أمَرَتْ فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ، أيْ: أخَذُوهُ اعْتِناءً بِهِ، وصِيانَةً لَهُ عَنِ الضَّياعِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وغَيْرُهُ: كانَ لِفِرْعَوْنَ يَوْمَئِذٍ بِنْتٌ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ غَيْرُها، وكانَتْ مِن أكْرَمِ النّاسِ إلَيْهِ، وكانَ بِها بَرَصٌ شَدِيدٌ عَجَزَتِ الأطِبّاءُ عَنْ عِلاجِهِ. فَقالُوا: لا تَبْرَأُ إلّا مِن قِبَلِ البَحْرِ يُؤْخَذُ مِنهُ شِبْهُ الإنْسِ يَوْمَ كَذا، وساعَةَ كَذا مِن شَهْرِ كَذا، حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ، فَيُؤْخَذُ مِن رِيقِهِ فَيُلَطَّخُ بِهِ بَرَصُها فَتَبْرَأُ. فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ غَدا فِرْعَوْنُ في مَجْلِسٍ لَهُ عَلى شَفِيرِ النِّيلِ، ومَعَهُ امْرَأتُهُ آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الرَّيّانِ بْنِ الوَلِيدِ الَّذِي كانَ فِرْعَوْنَ مِصْرَ في زَمَنِ يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِن سِبْطِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ: كانَتْ عَمَّتَهُ حَكاهُ السُّهَيْلِيُّ، وأقْبَلَتْ بِنْتُ فِرْعَوْنَ في جَوارِيها حَتّى جَلَسَتْ عَلى شاطِئِ النِّيلِ فَإذا بِتابُوتٍ في النِّيلِ تَضْرِبُهُ الأمْواجُ، فَتَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: ائْتُونِي بِهِ. فابْتَدَرُوا بِالسُّفُنِ فَأحْضَرُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَعالَجُوا فَتْحَهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وقَصَدُوا كَسْرَهُ فَأعْياهُمْ، فَنَظَرَتْ آسِيَةُ فَرَأتْ نُورًا في جَوْفِ التّابُوتِ لَمْ يَرَهُ غَيْرُها فَعالَجَتْهُ فَفَتَحَتْهُ، فَإذا هي بِصَبِيٍّ صَغِيرٍ في مَهْدِهِ، وإذا نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وهو يَمُصُّ إبْهامَهُ لَبَنًا. فَألْقى اللَّهُ تَعالى مَحَبَّتَهُ في قُلُوبِ القَوْمِ، وعَمَدَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ إلى رِيقِهِ فَلَطَّخَتْ بِهِ بَرَصَها فَبَرَأتْ مِن ساعَتِها، وقِيلَ: لِما نَظَرَتْ إلى وجْهِهِ بَرَأتْ، فَقالَتِ الغُواةُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ: إنّا نَظُنُّ أنَّ هَذا هو الَّذِي نَحْذَرُ مِنهُ رُمِيَ في البَحْرِ فَرَقًا مِنكَ، فاعْتِلْهُ. فَهَمَّ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِهِ فاسْتَوْهَبَتْهُ آسِيَةُ، فَتَرَكَهُ كَما سَيَأْتِي. واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ لامُ العاقِبَةِ أُبْرِزَ مَدْخُولُها في مَعْرِضِ العِلَّةِ لِالتِقاطِهِمْ تَشْبِيهًا لَهُ في التَّرَتُّبِ عَلَيْهِ بِالغَرَضِ الحامِلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (حُزْنًا) وهُما لُغَتانِ كالسَّقَمِ والسُّقْمِ جُعِلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَ الحُزْنِ إيذانًا بِقُوَّةِ سَبَبِيَّتِهِ لِحُزْنِهِمْ.
﴿إنَّ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ أيْ: في كُلِّ ما يَأْتُونَ، وما يَذَرُونَ فَلا غَرْوَ في أنْ قَتَلُوا الأجِلَّةَ أُلُوفًا، ثُمَّ أخَذُوهُ يُرَبُّونَهُ لِيَكْبَرَ، ويَفْعَلَ بِهِمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ. رُوِيَ أنَّهُ ذُبِحَ في طَلَبِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تِسْعُونَ ألْفَ ولِيدٍ، أوْ كانُوا مُذْنِبِينَ فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ ربي عَدُوَّهم عَلى أيْدِيهِمْ. فالجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمْ، أوْ لِبَيانِ المُوجِبِ لِما ابْتُلُوا بِهِ، وقُرِئَ: (خاطِّينَ) عَلى أنَّهُ تَخْفِيفُ خاطِئِينَ، أوْ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى مُتَعَدِّينَ الصَّوابَ إلى الخَطَأِ.
28:9Page 386
وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩
And the wife of Pharaoh said, "[He will be] a comfort of the eye [i.e., pleasure] for me and for you. Do not kill him; perhaps he may benefit us, or we may adopt him as a son." And they perceived not.1
﴿وَقالَتِ امْرَأتُ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: لِفِرْعَوْنَ حِينَ أخْرَجَتْهُ مِنَ التّابُوتِ.
﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ أيْ: هو قُرَّةُ عَيْنٍ لَنا لِما أنَّهُما لَمّا رَأياهُ أحَبّاهُ، أوْ لِما ذُكِرَ مِن بُرْءِ ابْنَتِهِ مِنَ البَرَصِ بِرِيقِهِ. وفي الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ: لَكِ لا لِي. ولَوْ قالَ كَما هو لَكِ لَهَداهُ اللَّهُ تَعالى كَما هَداها.
﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ خاطَبَتْهُ بِلَفْظِ الجَمْعِ تَعْظِيمًا لِيُساعِدَها فِيما تُرِيدُهُ.
﴿عَسى (p-5)أنْ يَنْفَعَنا﴾ فَإنَّ فِيهِ مَخايِلَ اليُمْنِ، ودَلائِلَ النَّجابَةِ، وذَلِكَ لِما رَأتْ فِيهِ مِنَ العَلاماتِ المَذْكُورَةِ.
﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ أيْ: نَتَبَنّاهُ، فَإنَّهُ خَلِيقٌ بِذَلِكَ.
﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، والتَّقْدِيرُ: فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا، وقالَتِ امْرَأتُهُ: كَيْتَ وكَيْتَ وهم لا يَشْعُرُونَ بِأنَّهم عَلى خَطَأٍ عَظِيمٍ فِيما صَنَعُوا مِنَ الِالتِقاطِ، ورَجاءِ النَّفْعِ مِنهُ، والتَّبَنِّي لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ فِرْعَوْنَ﴾ ... الآيَةَ. اعْتِراضٌ وقَعَ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ لِتَأْكِيدِ خَطَئِهِمْ، وقِيلَ: حالٌ مِن أحَدِ ضَمِيرَيْ نَتَّخِذُهُ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلنّاسِ، أيْ: وهم لا يَعْلَمُونَ أنَّهُ لِغَيْرِنا، وقَدْ تَبَنَّيْناهُ.
28:10Page 386
وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠
And the heart of Moses' mother became empty [of all else]. She was about to disclose [the matter concerning] him had We not bound fast her heart that she would be of the believers.
﴿وَأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ صِفْرًا مِنَ العَقْلِ لِما دَهَمَها مِنَ الخَوْفِ والحَيْرَةِ، حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأفْئِدَتُهم هَواءٌ﴾ أيْ: خَلاءٌ لا عُقُولَ فِيها، ويُعَضِّدُهُ أنَّهُ قُرِئَ: (فَرْغًا) مِن قَوْلِهِمْ دِماؤُهم بَيْنَهم فَرْغٌ أيْ: هَدَرٌ. وقِيلَ: فارِغًا مِنَ الهَمِّ والحَزَنِ لِغايَةِ وُثُوقِها بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ لِسَماعِها أنَّ فِرْعَوْنَ عَطَفَ عَلَيْهِ، وتَبَنّاهُ. وقُرِئَ: (مُؤْسى) بِالهَمْزِ إجْراءً لِلضَّمَّةِ في جارَّةِ الواوِ مَجْرى ضَمَّتِها، فَهُمِزَتْ كَما في وُجُوهِ ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ أيْ: إنَّها كادَتْ لَتَظْهَرُ بِمُوسى، أيْ: بِأمْرِهِ وقِصَّتِهِ مِن فَرْطِ الحَيْرَةِ والدَّهْشَةِ، أوِ الفَرَحِ بِتَبَنِّيهِ.
﴿لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بِالصَّبْرِ والثَّباتِ ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعالى، أوْ مِنَ الواثِقِينَ بِحِفْظِهِ لا بِتَبَنِّي فِرْعَوْنَ وتَعَطُّفِهِ، وهو عِلَّةُ الرَّبْطِ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
28:11Page 386
وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١١
And she said to his sister, "Follow him"; so she watched him from a distance while they perceived not.
﴿وَقالَتْ لأُخْتِهِ﴾ مَرْيَمَ. والتَّعْبِيرُ عَنْها بِأُخُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دُونَ أنْ يُقالَ: لِبِنْتِها؛ لِلتَّصْرِيحِ بِمَدارِ المَحَبَّةِ المُوجِبَةِ لِلِامْتِثالِ بِالأمْرِ.
﴿قُصِّيهِ﴾ أيِ: اتْبَعِي أثَرَهُ، وتَتَبَّعِي خَبَرَهُ.
﴿فَبَصُرَتْ بِهِ﴾ أيْ: أبْصَرَتْهُ ﴿عَنْ جُنُبٍ﴾ عَنْ بُعْدٍ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ النُّونِ، وعَنْ جانِبٍ، والكُلُّ بِمَعْنًى ﴿وَهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أنَّها تَقُصُّهُ، وتَتَعَرَّفُ حالَهُ، أوْ أنَّها أُخْتُهُ.
28:12Page 386
۞ وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ ١٢
And We had prevented from him [all] wet nurses before,1 so she said, "Shall I direct you to a household that will be responsible for him for you while they are to him [for his upbringing] sincere?"
﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ المَراضِعَ﴾ أيْ: مَنَعْناهُ أنْ يَرْتَضِعَ مِنَ المُرْضِعاتِ، والمَراضِعُ جَمْعُ مُرْضِعٍ، وهي المَرْأةُ الَّتِي تُرْضِعُ، أوْ مُرْضِعٌ، وهو الرَّضاعُ، أوْ مَوْضِعُهُ أعْنِي الثَّدْيَ.
﴿مِن قَبْلُ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ قَصِّها أثَرَهُ.
﴿فَقالَتْ﴾ عِنْدَ رُؤْيَتِها لِعَدَمِ قَبُولِهِ الثَّدْيَ، واعْتِناءِ فِرْعَوْنَ بِأمْرِهِ، وطَلَبِهِمْ مَن يَقْبَلُ ثَدْيَها.
﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ أيْ: لِأجْلِكم.
﴿وَهم لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يُقَصِّرُونَ في إرْضاعِهِ، وتَرْبِيَتِهِ. رُوِيَ أنَّ هامانَ لَمّا سَمِعَهُ مِنها قالَ: إنَّها لَتَعْرِفُهُ، وأهْلَهُ فَخُذُوها حَتّى تُخْبِرَ بِحالِهِ. فَقالَتْ: إنَّما أرَدْتُ، وهم لِلْمَلِكِ ناصِحُونَ فَأمَرَها فِرْعَوْنُ بِأنْ تَأْتِيَ بِمَن يَكْفُلُهُ، فَأتَتْ بِأُمِّهِ. ومُوسى عَلى يَدِ فِرْعَوْنَ يَبْكِي، وهو يُعَلِّلُهُ فَدَفَعَهُ إلَيْها فَلَمّا وجَدَ رِيحَها اسْتَأْنَسَ، والتَقَمَ ثَدْيَها فَقالَ: مَن أنْتِ مِنهُ، فَقَدْ أبى كُلَّ ثَدْيٍ إلّا ثَدْيَكِ؟ فَقالَتْ: إنِّي امْرَأةٌ طَيِّبَةُ الرِّيحِ طَيِّبَةُ اللَّبَنِ، لا أُوتى بِصَبِيٍّ إلّا قَبِلَنِي، (p-6)فَقَرَّرَهُ في يَدِها، وأجْرى عَلَيْها فَرَجَعَتْ بِهِ إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى:
28:13Page 386
فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٣
So We restored him to his mother that she might be content and not grieve and that she would know that the promise of Allāh is true. But most of them [i.e., the people] do not know.
﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ بِوُصُولِ ولَدِها إلَيْها.
﴿وَلا تَحْزَنَ﴾ بِفِراقِهِ ﴿وَلِتَعْلَمَ أنَّ وعْدَ اللَّهِ﴾ أيْ: جَمِيعَ ما وعَدَهُ مِن رَدِّهِ، وجَعْلِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ ﴿حَقٌّ﴾ خلف فِيهِ بِمُشاهَدَةِ بَعْضِهِ، وقِياسِ بَعْضِهِ عَلَيْهِ.
﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ فَيَرْتابُونَ فِيهِ، أوْ أنَّ الغَرَضَ الأصْلِيَّ مِنَ الرَّدِّ عِلْمُها بِذَلِكَ، وما سِواهُ تَبَعٌ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِما فَرَطَ مِنها حِينَ سَمِعَتْ بِوُقُوعِهِ في يَدِ فِرْعَوْنَ.
28:14Page 387
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٤
And when he attained his full strength and was [mentally] mature, We bestowed upon him judgement and knowledge. And thus do We reward the doers of good.
﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ: المَبْلَغَ الَّذِي لا يَزِيدُ عَلَيْهِ نَشْؤُهُ، وذَلِكَ مِن ثَلاثِينَ إلى أرْبَعِينَ، فَإنَّ العَقْلَ يَكْمُلُ حِينَئِذٍ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ إلّا عَلى رَأْسِ الأرْبَعِينَ.
﴿واسْتَوى﴾ أيِ: اعْتَدَلَ قَدُّهُ، أوْ عَقْلُهُ.
﴿آتَيْناهُ حُكْمًا﴾ أيْ: نُبُوَّةً.
﴿وَعِلْمًا﴾ بِالدِّينِ، أوْ عِلْمَ الحُكَماءِ والعُلَماءِ، وسَمْتَهم قَبْلَ اسْتِنْبائِهِ فَلا يَقُولُ، ولا يَفْعَلُ ما يُسْتَجْهَلُ فِيهِ، وهو أوْفَقُ لِنَظْمِ القِصَّةِ، لِأنَّهُ تَعالى اسْتَنْبَأهُ بَعْدَ الهِجْرَةِ في المُراجَعَةِ.
﴿وَكَذَلِكَ﴾ ومِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْنا بِمُوسى وأُمِّهِ ﴿نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ عَلى إحْسانِهِمْ.
28:15Page 387
وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥
And he entered the city at a time of inattention by its people1 and found therein two men fighting: one from his faction and one from among his enemy. And the one from his faction called for help to him against the one from his enemy, so Moses struck him and [unintentionally] killed him. [Moses] said, "This is from the work of Satan. Indeed, he is a manifest, misleading enemy."
﴿وَدَخَلَ المَدِينَةَ﴾ أيْ: مِصْرَ مِن قَصْرِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: مَنفٌ، أوْ حابِينُ، أوْ عَيْنُ شَمْسٍ مِن نَواحِيها.
﴿عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِن أهْلِها﴾ في وقْتٍ لا يُعْتادُ دُخُولُها، أوْ لا يَتَوَقَّعُونَهُ فِيهِ. قِيلَ: كانَ وقْتَ القَيْلُولَةِ، وقِيلَ: بَيْنَ العِشاءَيْنِ.
﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذا مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: مِمَّنْ شايَعَهُ عَلى دِينِهِ، وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
﴿وَهَذا مِن عَدُوِّهِ﴾ أيْ: مِن مُخالِفِيهِ دِينًا وهُمُ القِبْطُ. والإشارَةُ عَلى الحِكايَةِ.
﴿فاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ﴾ أيْ: سَألَهُ أنْ يُغِيثَهُ بِالإعانَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْدِيَتُهُ بِعَلى، وقُرِئَ: (اسْتَعانَهُ) ﴿عَلى الَّذِي مِن عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى﴾ أيْ: ضَرَبَ القِبْطِيَّ بِجُمَعِ كَفِّهِ، وقُرِئَ: (فَلَكَزَهُ) أيْ: فَضَرَبَ بِهِ صَدْرَهُ.
﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ فَقَتَلَهُ، وأصْلُهُ أنْهى حَياتَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضَيْنا إلَيْهِ ذَلِكَ الأمْرَ﴾ ﴿قالَ هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِقَتْلِ الكُفّارِ، أوْ لِأنَّهُ كانَ مَأْمُونًا فِيما بَيْنَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ اغْتِيالُهُمْ، ولا يَقْدَحُ ذَلِكَ في عِصْمَتِهِ لِكَوْنِهِ خَطَأً، وإنَّما عَدَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، وسَمّاهُ ظُلْمًا، واسْتَغْفَرَ مِنهُ جَرْيًا عَلى سُنَنِ المُقَرَّبِينَ في اسْتِعْظامِ ما فَرَطَ مِنهُمْ، ولَوْ كانَ مِن مُحَقِّراتِ الصَّغائِرِ.
﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ظاهِرُ العَداوَةِ والإضْلالِ.
28:16Page 387
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦
He said, "My Lord, indeed I have wronged myself, so forgive me," and He forgave him. Indeed, He is the Forgiving, the Merciful.
﴿قالَ﴾ تَوْسِيطُهُ بَيْنَ كَلامَيْهِ ﷺ لِإبانَةِ ما بَيْنَهُما مِنَ المُخالَفَةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مُناجاةٌ، (p-7)وَدُعاءٌ بِخِلافِ الأوَّلِ.
﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ أيْ: بِقَتْلِهِ.
﴿فاغْفِرْ لِي﴾ ذَنْبِي.
﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ذَلِكَ ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيِ: المُبالِغُ في مَغْفِرَةِ ذُنُوبِ عِبادِهِ، ورَحْمَتِهِمْ.
28:17Page 387
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧
He said, "My Lord, for the favor You bestowed upon me, I will never be an assistant to the criminals."
﴿قالَ رَبِّ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ إمّا قَسَمٌ مَحْذُوفُ الجَوابِ، أيْ: أُقْسِمُ بِإنْعامِكَ عَلَيَّ بِالمَغْفِرَةِ لَأتُوبَنَّ.
﴿فَلَنْ أكُونَ﴾ بَعْدَ هَذا أبَدًا.
﴿ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ و "ما" اسْتِعْطافٌ، أيْ: بِحَقِّ إنْعامِكَ عَلَيَّ اعْصِمْنِي فَلَنْ أكُونَ مُعِينًا لِمَن تُؤَدِّي مُعاوَنَتُهُ إلى الحُرُمِ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَسْتَثْنِ، فابْتُلِيَ بِهِ مَرَّةً أُخْرى. وهَذا يُؤَيِّدُ الأوَّلَ. وقِيلَ: مَعْناهُ بِما أنْعَمْتَ عَلَيَّ مِنَ القُوَّةِ أُعِينُ أوْلِياءَكَ فَلَنْ أسْتَعْمِلَها في مُظاهَرَةِ أعْدائِكَ.
28:18Page 387
فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨
And he became inside the city fearful and anticipating [exposure], when suddenly the one who sought his help the previous day cried out to him [once again]. Moses said to him, "Indeed, you are an evident, [persistent] deviator."
﴿فَأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ يَتَرَصَّدُ الِاسْتِقادَةَ، أوِ الأجْنادَ.
﴿فَإذا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ أيْ: يَسْتَغِيثُهُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ مِنَ الصُّراخِ.
﴿قالَ لَهُ مُوسى إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ: بَيِّنُ الغَوايَةِ تَسَبَّبْتَ لِقَتْلِ رَجُلٍ، وتُقاتِلُ آخَرَ.
28:19Page 387
فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩
And when he wanted to strike the one who was an enemy to both of them, he1 said, "O Moses, do you intend to kill me as you killed someone yesterday? You only want to be a tyrant in the land and do not want to be of the amenders."
﴿فَلَمّا أنْ أرادَ﴾ مُوسى ﴿أنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هو عَدُوٌّ لَهُما﴾ أيْ: لِمُوسى ولِلْإسْرائِيلِيِّ إذْ لَمْ يَكُنْ عَلى دِينِهِما، ولِأنَّ القِبْطَ كانُوا أعْداءً لِبَنِي إسْرائِيلَ عَلى الإطْلاقِ. وقُرِئَ: (يَبْطُشُ) بِضَمِّ الطّاءِ.
﴿قالَ﴾ أيِ: الإسْرائِيلِيُّ ظانًّا أنَّهُ ﷺ يَبْطِشُ بِهِ حَسْبَما يُوهِمُهُ تَسْمِيَتُهُ إيّاهُ غُوبا.
﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ قالُوا: لَمّا سَمِعَ القِبْطِيُّ قَوْلَ الإسْرائِيلِيِّ عَلِمَ أنَّ مُوسى هو الَّذِي قَتَلَ ذَلِكَ الفِرْعَوْنِيَّ، فانْطَلَقَ إلى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وأمَرَ فِرْعَوْنُ بِقَتْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: قالَهُ القِبْطِيُّ.
﴿إنْ تُرِيدُ﴾ أيْ: ما تُرِيدُ.
﴿إلا أنْ تَكُونَ جَبّارًا في الأرْضِ﴾ وهو الَّذِي يَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ مِنَ الضَّرْبِ والقَتْلِ، ولا يَنْظُرُ في العَواقِبِ، وقِيلَ: المُتَعَظِّمُ الَّذِي لا يَتَواضَعُ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَما تُرِيدُ أنْ تَكُونَ مِنَ المُصْلِحِينَ﴾ بَيْنَ النّاسِ بِالقَوْلِ والفِعْلِ.
28:20Page 387
وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠
And a man came from the farthest end of the city, running. He said, "O Moses, indeed the eminent ones are conferring over you [intending] to kill you, so leave [the city]; indeed, I am to you of the sincere advisors."
﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِن أقْصى المَدِينَةِ﴾ أيْ: كائِنٌ مِن آخِرِها، أوْ جاءَ مِن آخِرِها.
﴿يَسْعى﴾ أيْ: يُسْرِعُ صِفَةٌ لِـ رَجُلٌ. أوْ حالٌ مِنهُ عَلى أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ صِفَةٌ لَهُ، لا مُتَعَلِّقٌ بِجاءَ، فَإنَّ تَخَصُّصَهُ يُلْحِقُهُ بِالمَعارِفِ. قِيلَ: هو مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ، واسْمُهُ حِزْقِيلُ، وقِيلَ: شَمْعُونُ، وقِيلَ: شَمْعانُ.
﴿قالَ يا مُوسى إنَّ المَلأ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ بِسَبَبِكَ. فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَشاوِرِينَ بِأمْرِ الآخَرِينَ، ويَأْتَمِرُ.
﴿فاخْرُجْ﴾ أيْ: مِنَ المَدِينَةِ.
﴿إنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ اللّامُ لِلْبَيانِ (p-8)لِما أنَّ مَعْمُولَ الصِّلَةِ لا يَتَقَدَّمُها.
28:21Page 387
فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١
So he left it, fearful and anticipating [apprehension]. He said, "My Lord, save me from the wrongdoing people."
﴿فَخَرَجَ مِنها﴾ أيْ: مِنَ المَدِينَةِ.
﴿خائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ لُحُوقَ الطّالِبِينَ ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ خَلِّصْنِي مِنهُمْ، واحْفَظْنِي مِن لُحُوقِهِمْ.
28:22Page 388
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢
And when he directed himself toward Madyan, he said, "Perhaps my Lord will guide me to the sound way."
﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: نَحْوَ مَدْيَنَ. وهي قَرْيَةُ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَتْ بِاسْمِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، ولَمْ تَكُنْ تَحْتَ سُلْطانِ فِرْعَوْنَ، وكانَ بَيْنَها وبَيْنَ مِصْرَ مَسِيرَةُ ثَمانِيَةِ أيّامٍ.
﴿قالَ عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ تَوَكُّلًا عَلى اللَّهِ تَعالى، وثِقَةً بِحُسْنِ تَوْفِيقِهِ، وكانَ لا يَعْرِفُ الطُّرُقَ. فَعَنَّ لَهُ ثَلاثُ طَرائِقَ فَأخَذَ في الوُسْطى، وجاءَ الطُّلّابُ فَشَرَعُوا في الأُخْرَيَيْنِ، وقِيلَ: خَرَجَ حافِيًا لا يَعِيشُ إلّا بِوَرَقِ الشَّجَرِ، فَما وصَلَ حَتّى سَقَطَ خُفُّ قَدَمَيْهِ، وقِيلَ: جاءَ مَلَكٌ عَلى فَرَسٍ، وبِيَدِهِ عَنْزَةٌ فانْطَلَقَ بِهِ إلى مَدْيَنَ.
28:23Page 388
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣
And when he came to the water [i.e., well] of Madyan, he found there a crowd of people watering [their flocks], and he found aside from them two women holding back [their flocks]. He said, "What is your circumstance?" They said, "We do not water until the shepherds dispatch [their flocks]; and our father is an old man."
﴿وَلَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ أيْ: وصَلَ إلَيْهِ. وهو بِئْرٌ كانُوا يَسْقُونَ مِنهُ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَوْقَ شَفِيرِها ﴿أُمَّةً﴾ جَماعَةً كَثِيفَةً ﴿مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ﴾ أيْ: مَواشِيَهم.
﴿وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ﴾ أيْ: في مَوْضِعٍ أسْفَلَ مِنهم.
﴿امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أيْ: تَمْنَعانِ ما مَعَهُما مِنَ الأغْنامِ عَنِ التَّقَدُّمِ إلى البِئْرِ، كَيْلا تَخْتَلِطَ بِأغْنامِهِمْ مَعَ عَدَمِ الفائِدَةِ في التَّقَدُّمِ.
﴿قالَ﴾ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُما حِينَ رَآهُما عَلى ما هُما عَلَيْهِ مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ: ﴿ما خَطْبُكُما﴾ ما شَأْنُكُما فِيما أنْتُما عَلَيْهِ مِنَ التَّأخُّرِ والذَّوْدِ؟ ولِمَ لا تُباشِرانِ السَّقْيَ كَدَأْبِ هَؤُلاءِ؟ ﴿قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ . أيْ: عادَتُنا أنْ لا نَسَقِيَ حَتّى يَصْرِفَ الرُّعاةُ مَواشِيَهم بَعْدَ رِيِّها عَنِ الماءِ؛ عَجْزًا عَنْ مُساجَلَتِهِمْ، وحَذَرًا عَنْ مُخالَطَةِ الرِّجالِ لا أنّا لا نَسَقِي اليَوْمَ إلى تِلْكَ الغايَةِ. وحَذْفُ مَفْعُولِ السَّقْيِ والذَّوْدِ والإصْدارِ لِما أنَّ الغَرَضَ هو بَيانُ تِلْكَ الأفْعالِ أنْفُسِها، إذْ هي الَّتِي دَعَتْ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلى ما صَنَعَ في حَقِّهِما مِنَ المَعْرُوفِ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما رَحِمَهُما لِكَوْنِهِما عَلى الذِّيادِ لِلْعَجْزِ والعِفَّةِ، وكَوْنِهِمْ عَلى السَّقْيِ غَيْرَ مُبالِينَ بِهِما، وما رَحِمَهُما لَكِنْ مُذْوِدِهِما غَنَمًا، ومُسْقِيهِمْ إبِلًا مَثَلًا. وقُرِئَ: (لا نُسْقِي) مِنَ الإسْقاءِ، و (يَصْدُرُ) مِنَ الصُّدُورِ، و (الرُّعاءُ) بِضَمِّ الرّاءِ: وهو اسْمُ جَمْعٍ كالرُّخاءِ، وأمّا الرِّعاءُ فَجَمْعٌ قِياسِيٌّ كَصِيامٍ وقِيامٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ إبْراءٌ مِنهم لِلْعُذْرِ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ في تَوَلِّيهِما لِلسَّقْيِ بِأنْفُسِهِما، كَأنَّهُما قالَتا: إنّا امْرَأتانِ ضَعِيفَتانِ مَسْتُورَتانِ لا نَقْدِرُ عَلى مُساجَلَةِ الرِّجالِ، ومُزاحَمَتِهِمْ، وما لَنا رَجُلٌ يَقُومُ بِذَلِكَ، وأبُونا شَيْخٌ كَبِيرُ السِّنِّ قَدْ أضْعَفَهُ الكِبَرُ، فَلا بُدَّ لَنا مِن تَأْخِيرِ السَّقْيِ إلى أنْ يَقْضِيَ النّاسُ أوْطارَهم مِنَ الماءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences