Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الرحمن
Ar-Rahman
The Beneficent · Medinan · 78 ayahs
(p-176)سُورَةُ الرَّحْمَنِ
مَكِّيَّةٌ أوْ مَدَنِيَّةٌ أوْ مُتَبَعِّضَةٌ وآياتُها ثَمانٍ وسَبْعُونَ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
لَمّا عَدَّ في السُّورَةِ السّابِقَةِ ما نَزَلَ بِالأُمَمِ السّالِفَةِ مِن ضُرُوبِ نِقَمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبَيَّنَ عَقِيبَ كُلِّ ضَرْبٍ مِنها أنَّ القرآن قَدْ يُسِّرِ لِحَمْلِ النّاسِ عَلى التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ ونَعى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ ذَلِكَ عَدَّدَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ ما أفاضَ عَلى كافَّةِ الأنامِ مِن فُنُونِ نِعَمِهِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ والآفاقِيَّةِ، وأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إثْرَ كُلِّ فَنٍّ مِنها إخْلالَهم بِمَواجِبِ شُكْرِها وبُدِئَ بِتَعْلِيمِ القرآن فَقِيلَ: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾
﴿الرَّحْمَنُ﴾ ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ لِأنَّهُ أعْظَمُ النِّعَمِ شَأْنًا وأرْفَعُها مَكانًا. كَيْفَ لا؟ وهو مَدارٌ لِلسَّعادَةِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ عِيارٌ عَلى سائِرِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ ما مِن مَرْصَدٍ يَرْنُو إلَيْهِ أحْداقُ الأُمَمِ إلّا وهو مَنشَؤُهُ ومَناطُهُ ولا مَقْصِدٍ يَمْتَدُّ إلَيْهِ أعْناقُ الهِمَمِ إلّا وهو مَنهَجُهُ وصِراطُهُ، وإسْنادُ تَعْلِيمِهِ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ مِن آثارِ الرَّحْمَةِ الواسِعَةِ وأحْكامِها، وقَدِ اقْتُصِرَ عَلى ذِكْرِهِ تَنْبِيهًا عَلى أصالَتِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ ثُمَّ قِيلَ:
﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ تَعْيِينًا لِلْمُعَلَّمِ وتَبْيِينًا لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ، والمُرادُ بِخَلْقِ الإنْسانِ: إنْشاؤُهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ القُوى الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ، والبَيانُ هو التَّعْبِيرُ عَمّا في الضَّمِيرِ ولَيْسَ المُرادُ بِتَعْلِيمِهِ مُجَرَّدَ تَمْكِينِ الإنْسانِ مِن بَيانِ نَفْسِهِ بَلْ مِنهُ ومِن فَهْمِ بَيانِ غَيْرِهِ أيْضًا إذْ هو الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهِ تَعْلِيمُ القرآن والجُمَلُ الثَّلاثُ أخْبارٌ مُتَرادِفَةٌ لَلرَّحْمَنِ وإخْلاءُ الأخِيرَتَيْنِ عَنِ العاطِفِ لِوُرُودِها عَلى مِنهاجِ التَّعْدِيدِ.
﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ أيْ: يَجْرِيانِ بِحِسابٍ مُقَدَّرٍ في بُرُوجِهِما ومَنازِلِهِما بِحَيْثُ يَنْتَظِمُ بِذَلِكَ أُمُورُ الكائِناتِ السُّفْلِيَّةِ وتَخْتَلِفُ الفُصُولُ والأوْقاتُ وتُعْلَمُ السُّنُونَ والحِسابُ.
(p-177)﴿والنَّجْمُ﴾ أيِ: النَّباتُ الَّذِي يَنْجُمُ أيْ: يَطْلُعُ مِنَ الأرْضِ ولا ساقَ لَهُ.
﴿والشَّجَرُ﴾ أيِ: الَّذِي لَهُ ساقٌ.
﴿يَسْجُدانِ﴾ أيْ: يَنْقادانِ لَهُ تَعالى فِيما يُرِيدُ بِهِما طَبَعًا انْقِيادَ السّاجِدِينَ مِنَ المُكَلَّفِينَ طَوْعًا، والجُمْلَتانِ خَبَرانِ آخَرانِ لِـ"الرَّحْمَنُ" جُرِّدَتا عَنِ الرّابِطِ اللَّفْظِيِّ تَعْوِيلًا عَلى كَمالِ قُوَّةِ الِارْتِباطِ المَعْنَوِيِّ إذْ لا يُتَوَهَّمُ ذَهابُ الوَهْمِ إلى كَوْنِ حالِ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِتَسْخِيرِ غَيْرِهِ تَعالى ولا إلى كَوْنِ سُجُودِ النَّجْمِ والشَّجَرِ لِما سِواهُ تَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ لَهُ، وإخْلاءُ الجُمْلَةِ الأُولى عَنِ العاطِفِ لِما ذُكِرَ مِن قَبْلُ وتَوْسِيطُ العاطِفِ بَيْنَها وبَيْنَ الثّانِيَةِ لِتَناسُبِهِما مِن حَيْثُ التَّقابُلُ لِما أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ عُلْوُيّانِ والنَّجْمَ والشَّجَرَ سُفْلِيّانِ ومِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِن حالِ العُلْوِيَّيْنِ وحالِ السُّفْلِيَّيْنِ مِن بابِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
55:7Page 531
وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ ٧
And the heaven He raised and imposed the balance
﴿والسَّماءَ رَفَعَها﴾ أيْ: خَلَقَها مَرْفُوعَةً مَحَلًّا ورُتْبَةً حَيْثُ جَعَلَها مَنشَأ أحْكامِهِ وقَضاياهُ ومُتَنَزَّلَ أوامِرِهِ ومَحَلَّ مَلائِكَتِهِ، وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى كِبْرِياءَ شَأْنِهِ وعِظَمِ مُلْكِهِ وسُلْطانِهِ ما لا يَخْفى، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ.
﴿وَوَضَعَ المِيزانَ﴾ أيْ: شَرَعَ العَدْلَ وأمَرَ بِهِ بِأنْ وفَّرَ كُلَّ مُسْتَحَقٍّ ما اسْتَحَقَّهُ ووَفّى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ حَتّى انْتَظَمَ بِهِ أمْرُ العالَمِ واسْتَقامَ كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « "بِالعَدْلِ قامَتِ السَّمَواتُ والأرْضُ"،» قِيلَ: فَعَلى هَذا المِيزانُ القرآن وهو قُولُ الحُسَيْنِ بْنِ الفَضْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ﴾ وقِيلَ: هو ما يُعْرَفُ بِهِ مَقادِيرُ الأشْياءِ مِن مِيزانٍ ومِكْيالٍ ونَحْوِهِما وهو قَوْلُ الحَسَن ِ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ، فالمَعْنى: خَلَقَهُ مَوْضُوعًا مَخْفُوضًا عَلى الأرْضِ حَيْثُ عَلَّقَ بِهِ أحْكامَ عِبادِهِ وقَضاياهم وما تَعَبَّدَهم بِهِ مِنَ التَّسْوِيَةِ والتَّعْدِيلِ في أخْذِهِمْ وإعْطائِهِمْ.
﴿ألا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ أيْ: لِئَلّا تَطْغَوْا فِيهِ عَلى أنَّ "أنْ" ناصِبَةٌ و"لا" نافِيَةٌ ولامَ العِلَّةِ مُقَدَّرَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَضَعَ المِيزانَ﴾ أوْ أيْ: لا تَطْغَوْا عَلى أنَّها مُفَسِّرَةٌ لِما في الشَّرْعِ مِن مَعْنى القَوْلِ و"لا" ناهِيَةٌ أيْ: لا تَعْتَدُوا ولا تَتَجاوَزُوا الإنْصافَ، وقُرِئَ "لا تَطْغَوْا" عَلى إرادَةِ القَوْلِ.
55:9Page 531
وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ ٩
And establish weight in justice and do not make deficient the balance.
﴿وَأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ﴾ قَوِّمُوا وزْنَكم بِالعَدْلِ، وقِيلَ: أقِيمُوا لِسانَ المِيزانِ بِالقِسْطِ والعَدْلِ، وقِيلَ: الإقامَةُ بِاليَدِ والقِسْطُ بِالقَلْبِ.
﴿وَلا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ أيْ: لا تُنْقِصُوهُ أمَرَ أوَّلًا بِالتَّسْوِيَةِ ثُمَّ نَهى عَنِ الطُّغْيانِ الَّذِي هو اعْتِداءٌ وزِيادَةٌ ثُمَّ عَنِ الخُسْرانِ الَّذِي هو تَطْفِيفٌ ونُقْصانٌ وكَرَّرَ لَفْظَ المِيزانِ تَشْدِيدًا لِلتَّوْصِيَةِ بِهِ وتَأْكِيدًا لِلْأمْرِ بِاسْتِعْمالِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ، وقُرِئَ "وَلا تَخْسُرُوا" بِفَتْحِ التّاءِ وضَمِّ السِّينِ وكَسْرِها، يُقالُ: خَسِرَ المِيزانُ يَخْسَرُ ويَخْسِرُهُ وبِفَتْحِ السِّينِ أيْضًا عَلى أنَّ الأصْلَ: ولا تَخْسَرُوا (p-178)فِي المِيزانِ فَحُذِفَ الجارُّ وأُوصِلَ الفِعْلُ.
﴿والأرْضَ وضَعَها﴾ أيْ: خَفَضَها مَدْحُوَّةً عَلى الماءِ.
﴿لِلأنامِ﴾ أيْ: الخَلْقِ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ: كُلُّ ذِي رُوحٍ، وقِيلَ: كُلُّ ما عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مِن دابَّةٍ، وقِيلَ: الثَّقَلانِ.
55:11Page 531
فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ ١١
Therein is fruit and palm trees having sheaths [of dates]
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيها فاكِهَةٌ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرٍ ما أفادَتْهُ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مِن كَوْنِ الأرْضِ مَوْضُوعَةً لِمَنافِعِ الأنامِ وتَفْصِيلِ المَنافِعِ العائِدَةِ إلى البَشَرِ، وقِيلَ: حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ "الأرْضِ" فالأحْسَنُ حِينَئِذٍ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الجارَّ والمَجْرُورَ و"فاكِهَةٌ" رُفِعَ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ: فِيها ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ مِمّا يُتَفَكَّهُ بِهِ.
﴿والنَّخْلُ ذاتُ الأكْمامِ﴾ هي أوْعِيَةُ الثَّمَرِ جَمْعُ كِمٍّ أوْ كُلُّ ما يُكَمُّ أيْ: يُغَطّى مِن لِيفٍ وسَعَفٍ وكُفُرّى فَإنَّهُ مِمّا يَنْتَفِعُ بِهِ كالمَكْمُومِ مِن ثَمَرِهِ وجُمّارِهِ وجُذُوعِهِ.
﴿والحَبُّ﴾ هو ما يُتَغَذّى بِهِ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ.
﴿ذُو العَصْفِ﴾ هو ورَقُ الزَّرْعِ، وقِيلَ: التِّبْنُ.
﴿والرَّيْحانُ﴾ قِيلَ: هو الرِّزْقُ أُرِيدَ بِهِ اللُّبُّ أيْ: فِيها ما يُتَلَذَّذُ بِهِ مِنَ الفَواكِهِ والجامِعُ بَيْنَ التَّلَذُّذِ والتَّغَذِّي وهو ثَمَرُ النَّخْلِ وما يُتَغَذّى بِهِ وهو الحُبُّ الَّذِي لَهُ عَصْفٌ هو عَلَفُ الأنْعامِ ورَيْحانٌ هو مَطْعَمُ النّاسِ، وقُرِئَ "والحَبَّ ذا العَصْفِ والرَّيْحانَ" أيْ: خَلَقَ الحَبَّ والرَّيْحانَ أوْ أخُصُّ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: "وَذا الرَّيْحانِ" فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مُقامَهُ و"الرَّيْحانُ" إمّا فَعِيلانِ مِن رُوحٍ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَ ثُمَّ خُفِّفَ أوْ فَعْلانٌ قُلِبَتْ واوُهُ ياءً لِلتَّخْفِيفِ أوْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّوْحانِ وهو مالَهُ رُوحٌ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ.
55:13Page 531
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٣
So which of the favors of your Lord would you deny?1
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ الخِطابُ لِلثَّقَلَيْنِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلأنامِ﴾ وسَيَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ والفاءُ لِتَرْتِيبِ الإنْكارِ والتَّوْبِيخِ عَلى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ وصُنُوفِ الآلاءِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ والشُّكْرِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ الكُلِّيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَشْدِيدِ التَّوْبِيخِ، ومَعْنى تَكْذِيبِهِمْ بِآلائِهِ تَعالى كُفْرُهم بِها إمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كَتَعْلِيمِ القرآن وما يَسْتَنِدُ إلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ وإمّا بِإنْكارِ كَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَعَ الِاعْتِرافِ بِكَوْنِهِ نِعْمَةً في نَفْسِهِ كالنِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ بِإسْنادِهِ إلى غَيْرِهِ تَعالى اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا صَرِيحًا أوْ دَلالَةً، فَإنَّ إشْراكَهم لِآلِهَتِهِمْ بِهِ تَعالى في العِبادَةِ مِن دَواعِي إشْراكِهِمْ لَها بِهِ تَعالى فِيما يُوجِبُها، والتَّعْبِيرُ عَنْ كُفْرِهِمُ المَذْكُورِ بِالتَّكْذِيبِ لِما أنَّ دَلالَةَ الآلاءِ المَذْكُورَةِ عَلى وُجُوبِ الإيمانِ والشُّكْرِ شَهادَةٌ مِنها بِذَلِكَ فَكُفْرُهم بِها تَكْذِيبٌ بَها لا مَحالَةَ أيْ: فَإذا كانَ الأمْرُ كَما فُصِّلَ فَبِأيِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ آلاءِ مالِكِكُما ومُرَبِّيكُما بِتِلْكَ الآلاءِ تُكَذِّبانِ؟ مَعَ أنَّ كُلًّا مِنها ناطِقٌ بِالحَقِّ شاهِدٌ بِالصِّدْقِ.
55:14Page 531
خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤
He created man from clay like [that of] pottery.
(p-179)﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ تَمْهِيدٌ لِلتَّوْبِيخِ عَلى إخْلالِهِمْ بِمَواجِبِ شُكْرِ النِّعْمَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِذاتَيْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ، و"الصَّلْصالُ": الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي لَهُ صَلْصالٌ و"الفَخّارُ": الخَزَفُ، وقَدْ خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تُرابٍ جَعَلَهُ طِينًا ثُمَّ حَمَأً مَسْنُونًا ثُمَّ صَلْصالًا فَلا تَنافِيَ بَيْنَ الآيَةِ النّاطِقَةِ بِأحَدِها وبَيْنَ ما نَطَقَ بِأحَدِ الآخَرَيْنِ.
55:15Page 531
وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥
And He created the jinn from a smokeless flame of fire.
﴿وَخَلَقَ الجانَّ﴾ أيِ: الجِنَّ أوْ أبا الجِنِّ.
﴿مِن مارِجٍ﴾ مِن لَهَبٍ صافٍ.
﴿مِن نارٍ﴾ بَيانٌ لِمارِجٍ فَإنَّهُ في الأصْلِ لِلْمُضْطَرِبِ مِن مَرَجَ إذا اضْطَرَبَ.
55:16–17Page 531
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦
So which of the favors of your Lord would you deny?
رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧
[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا أفاضَ عَلَيْكُما في تَضاعِيفِ خَلْقِكُما مِن سَوابِغِ النِّعَمِ.
﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى خَبَرِيَّةِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ: الَّذِي فَعَلَ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ البَدِيعَةِ رَبُّ مَشْرِقَيِ الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِبِيهِما ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ يَكُونَ رَبَّ ما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ قاطِبَةً، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ﴾ ...إلَخْ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن "رَبِّكُما".
55:18–19Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨
So which of the favors of your Lord would you deny?
مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩
He released the two seas,1 meeting [one another];
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مِمّا في ذَلِكَ مِن فَوائِدَ لا تُحْصى مِنِ اعْتِدالِ الهَواءِ واخْتِلافِ الفُصُولِ وحُدُوثِ ما يُناسِبُ كُلَّ فَصْلٍ في وقْتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾
﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ أيْ: أرْسَلَهُما، مِن مَرَجْتُ الدّابَّةَ إذا أرْسَلْتُها، والمَعْنى: أرْسَلَ البَحْرَ المِلْحَ والبَحْرَ العَذْبَ.
﴿يَلْتَقِيانِ﴾ أيْ: يَتَجاوَرانِ ويَتَماسُّ سُطُوحُهُما لا فَصْلَ بَيْنَهُما في مَرْأى العَيْنِ، وقِيلَ: أرْسَلَ بَحْرَيْ فارِسَ والرُّومِ يَلْتَقِيانِ في المُحِيطِ لِأنَّهُما خَلِيجانِ يَتَشَعَبانِ مِنهُ.
55:20Page 532
بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠
Between them is a barrier so neither of them transgresses.
﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ﴾ أيْ: حاجِزٌ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ مِنَ الأرْضِ.
﴿لا يَبْغِيانِ﴾ أيْ: لا يَبْغِي أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِالمُمازَجَةِ وإبْطالِ الخاصِّيَّةِ أوْ لا يَتَجاوَزانِ حَدَّيْهِما بِإغْراقِ ما بَيْنَهُما.
55:21–22Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١
So which of the favors of your Lord would you deny?
يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢
From both of them emerge pearl and coral.
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ولَيْسَ مِنهُما شَيْءٌ يَقْبَلُ التَّكْذِيبَ.
﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ (p-180)"الُّلؤْلُؤُ": الدُّرُّ، و"المَرْجانُ": الخَرَزُ الأحْمَرُ المَشْهُورُ، وقِيلَ: اللُّؤْلُؤُ: كِبارُ الدُّرِّ والمَرْجانُ صِغارُهُ، فَنِسْبَةُ خُرُوجِهِما حِينَئِذٍ إلى البَحْرَيْنِ مَعَ أنَّهُما إنَّما يَخْرُجانِ مِنَ المِلْحِ عَلى ما قالُوا: لَمّا قِيلَ: إنَّهُما لا يَخْرُجانِ إلّا مِن مُلْتَقى المِلْحِ والعَذْبِ أوْ لِأنَّهُما لَمّا التَقَيا وصارا كالشَّيْءِ الواحِدِ ساغَ أنْ يُقالَ: يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ مَعَ أنَّهُما لا يَخْرُجانِ مِن جَمِيعِ البَحْرِ ولَكِنْ مِن بَعْضِهِ وهو الأظْهَرُ، وقُرِئَ "يُخْرَجُ" مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنَ الإخْراجِ ومَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ بِنَصْبِ "اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ" وبِنُونِ العَظَمَةِ.
55:23–24Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣
So which of the favors of your Lord would you deny?
وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤
And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ ﴿وَلَهُ الجَوارِ﴾ أيِ: السُّفُنُ جَمْعُ جارِيَةٍ، وقُرِئَ بِرَفْعِ الرّاءِ وبِحَذْفِ الياءِ كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ لَها ثَنايا أرْبَعٌ حِسانٌ ∗∗∗ وأرْبَعٌ فَكُلُّها ثَمانُ
﴿المُنْشَآتُ﴾ المَرْفُوعاتُ الشُّرُعِ أوِ المَصْنُوعاتُ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الشِّينِ أيِ: الرّافِعاتُ الشُّرُعَ أوِ اللّاتِي يُنْشِئْنَ الأمْواجَ بِجَرْيِهِنَّ.﴿فِي البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ كالجِبالِ الشّاهِقَةِ، جَمْعُ عَلَمٍ وهو الجَبَلُ الطَّوِيلُ.
55:25–28Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥
So which of the favors of your Lord would you deny?
كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦
Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,
وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧
And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨
So which of the favors of your Lord would you deny?
﴿كُلُّ مَن عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأرْضِ مِنَ الحَيَواناتِ أوِ المَرْكَباتِ و"مَن" لِلتَّغْلِيبِ أوْ "مِنَ الثَّقَلَيْنِ".
﴿فانٍ﴾ هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ﴾ أيْ: ذاتُهُ عَزَّ وجَلَّ.
﴿ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ أيْ: ذُو الِاسْتِغْناءِ المُطْبِقِ والفَضْلِ التّامِ، وقِيلَ: الَّذِي عِنْدَهُ الجَلالُ والإكْرامُ لِلْمُخْلِصِينَ مِن عِبادِهِ وهَذِهِ مِن عَظائِمِ صِفاتِهِ تَعالى، ولَقَدْ قالَ ﷺ: « "ألِظُّوا بِياذا الجَلالِ والإكْرامِ"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّهُ مَرَّ بَرْجَلٍ وهو يُصَلِّي ويَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ فَقالَ: اسْتُجِيبَ لَكَ﴾ وقُرِئَ "ذِي الجَلالِ والإكْرامِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ" وأيًّا ما كانَ؛ فَفي وصْفِهِ تَعالى بِذَلِكَ بَعْدَ ذِكْرِ فَناءِ الخَلْقِ وبَقائِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّهُ تَعالى يُفِيضُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ فَنائِهِمْ أيْضًا آثارَ لُطْفِهِ وكَرَمِهِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾
55:29Page 532
يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩
Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ إحْياءَهم بِالحَياةِ الأبَدِيَّةِ وإثابَتَهم بِالنَّعِيمِ المُقِيمِ أجَلُّ النَّعْماءِ وأعْظَمُ الآلاءِ.
﴿يَسْألُهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قاطِبَةً ما يَحْتاجُونَ (p-181)إلَيْهِ في ذَواتِهِمْ ووُجُوداتِهِمْ حُدُوثًا وبَقاءً سائِرَ أحْوالِهِمْ سُؤالًا مُسْتَمِرًّا بِلِسانِ المَقالِ أوْ بِلِسانِ الحالِ فَإنَّهم كافَّةً مِن حَيْثُ حَقائِقُهُمُ المُمْكِنَةُ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الوُجُودِ وما يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مِنَ الكِمالاتِ بِالمَرَّةِ بِحَيْثُ لَوِ انْقَطَعَ ما بَيْنَهم وبَيْنَ العِنايَةِ الإلَهِيَّةِ مِنَ العَلاقَةِ لِمَ يَشُمُّوا رائِحَةَ الوُجُودِ أصْلًا فَهم في كُلِّ آنٍ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الِاسْتِدْعاءِ والسُّؤالِ، وقَدْ مَرَّ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ مِن سُورَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿كُلَّ يَوْمٍ﴾ أيْ: كُلَّ وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿هُوَ في شَأْنٍ﴾ مِنَ الشُّؤُونِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إعْطاءُ ما سَألُوا فَإنَّهُ تَعالى لا يَزالُ يُنْشِئُ أشْخاصًا ويُغْنِي آخَرِينَ ويَأْتِي بِأحْوالٍ ويَذْهَبُ بِأحْوالٍ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وفي الحَدِيثِ ﴿مِن شَأْنِهِ أنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا ويُفَرِّجَ كَرْبًا ويَرْفَعَ قَوْمًا ويَضَعَ آخَرِينَ﴾ قِيلَ: وفِيهِ رَدٌّ عَلى اليَهُودِ حَيْثُ يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ لا يَقْضِي يَوْمَ السَّبْتِ شَيْئًا.
55:30–31Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١
We will attend to you, O prominent beings.1
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ مُشاهَدَتِكم لِما ذُكِرَ مِن إحْسانِهِ.
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ﴾ أيْ: سَنَتَجَرَّدُ لِحِسابِكم وجَزائِكم وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ انْتِهاءِ شُؤُونِ الخَلْقِ المُشارِ إلَيْها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هو في شَأْنٍ﴾ فَلا يَبْقى حِينَئِذٍ إلّا شَأْنٌ واحِدٌ هو الجَزاءُ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالفَراغِ لَهم بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: هو مُسْتَعارٌ مِن قَوْلِ المُتَهَدِّدِ لِصاحِبِهِ: سَأفْرُغُ لَكَ أيْ: سَأتَجَرَّدُ لِلْإيقاعِ بِكَ مِن كُلِّ ما يَشْغَلُنِي عَنْهُ، والمُرادُ: التَّوَفُّرُ عَلى النِّكايَةِ فِيهِ والِانْتِقامِ مِنهُ، وقُرِئَ "سَيَفْرُغُ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ ولِلْمَفْعُولِ، قُرِئَ "سَنَفْرُغُ إلَيْكُمْ" أيْ: سَنَقْصِدُ إلَيْكم.
﴿أيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ هُما الإنْسُ والجِنُّ سُمِّيا بِذَلِكَ لِثِقْلِهِما عَلى الأرْضِ أوْ لِرَزانَةِ آرائِهِما أوْ لِأنَّهُما مُثْقَلانِ بِالتَّكْلِيفِ.
55:32–33Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢
So which of the favors of your Lord would you deny?
يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣
O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّنْبِيهُ عَلى ما سَيَلْقَوْنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلتَّحْذِيرِ عَمّا يُؤَدِّي إلى سُوءِ الحِسابِ.
﴿تُكَذِّبانِ﴾ بِأقْوالِكُما وأعْمالِكُما.
﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ هُما الثَّقَلانِ خُوطِبا بِاسْمِ جِنْسِهِما لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، ولِأنَّ الجِنَّ مَشْهُورُونَ بِالقُدْرَةِ عَلى الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ فَخُوطِبُوا بِما يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ لِبَيانِ أنَّ قدرتهمْ لا تَفِي بِما كُلِّفُوهُ.
﴿إنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ إنْ قَدَرْتُمْ عَلى ﴿أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: أنْ تَهْرُبُوا مِن قَضائِي وتَخْرُجُوا مِن مَلَكُوتِي ومِن أقْطارِ سَمَواتِي وأرْضِي ﴿فانْفُذُوا﴾ مِنها وخَلِّصُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِي.
﴿لا تَنْفُذُونَ﴾ لا تَقْدِرُونَ عَلى النُّفُوذِ.
﴿إلا بِسُلْطانٍ﴾ أيْ: بِقُوَّةٍ وقَهْرٍ وأنْتُمْ مِن ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ بَعِيدٍ، رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ فَتُحِيطُ بِالخَلائِقِ فَإذا رَآهُمُ الجِنُّ والإنْسُ هَرَبُوا فَلا يَأْتُونَ وجْهًا (p-182)إلّا وجَدُوا المَلائِكَةَ أحاطَتْ بِهِ.
55:34–35Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤
So which of the favors of your Lord would you deny?
يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥
There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أيْ: مِنَ التَّنْبِيهِ والتَّحْذِيرِ والمُساهَلَةِ والعَفْوِ مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى العُقُوبَةِ.
﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ قِيلَ: هو اللَّهَبُ الخالِصُ، وقِيلَ: المُخْتَلِطُ بِالدُّخانِ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأحْمَرُ، وقِيلَ: اللَّهَبُ الأخْضَرُ المُنْقَطِعُ مِنَ النّارِ، وقِيلَ: هو الدُّخانُ الخارِجُ مِنَ اللَّهَبِ، وقِيلَ: هو النّارُ والدُّخانُ جَمِيعًا، وقُرِئَ "شِواظٌ" بِكَسْرِ الشِّينِ.
﴿مِن نارٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"يُرْسَلُ" أوْ بِمُضْمِرٍ هو صِفَةٌ لِلشُّواظِ أيْ: كائِنٌ مِن نارٍ، والتَّنْوِينُ لِلتَّفْخِيمِ.
﴿وَنُحاسٌ﴾ أيْ: دُخانٌ، وقِيلَ: صُفْرٌ مُذابٌ يَصُبُّ عَلى رُؤُوسِهِمْ، وقُرِئَ بِكَسْرِ النُّونِ وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "نارٍ"، وقُرِئَ "نُرْسِلُ" بِنُونِ العَظَمَةِ ونَصْبِ "شُواظًا" و"نُحاسًا"، وقُرِئَ "نُحُسٌ" جَمْعُ نِحاسٌ مِثْلُ لِحافِ ولُحُفِ، وقُرِئَ "وَنَحُسُّ" أيْ: نَقْتُلُ بِالعَذابِ.
﴿فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ أيْ: لا تَمْتَنِعانِ.
55:36–37Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦
So which of the favors of your Lord would you deny?
فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧
And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -
﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فَإنَّ بَيانَ عاقِبَةِ ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي لُطْفٌ وأيُّ لُطْفٍ ونِعْمَةٍ وأيُّ نِعْمَةٍ.
﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ أيِ: انْصَدَعَتْ يَوْمَ القِيامَةِ.
﴿فَكانَتْ ورْدَةً﴾ كَوَرْدَةٍ حَمْراءَ، وقُرِئَ "وَرْدَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ أيْ: حَصَلَتْ سَماءٌ ورْدَةٌ فَيَكُونُ مِن بابِ التَّجْرِيدِ كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ ولَئِنْ بَقِيتُ لأرْحَلَنَّ بِغَزْوَةٍ ∗∗∗ تَحْوِي الغَنائِمَ أوْ يَمُوتَ كَرِيمُ
﴿كالدِّهانِ﴾ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"كانَتْ" أوْ نَعْتٌ لِـ"وَرْدَةً" أوْ حالٌ مِنِ اسْمِ "كانَتْ" أيْ: كَدُهْنِ الزَّيْتِ وهو إمّا جَمْعُ دُهْنٍ أوِ اسْمٌ لَمّا يُدْهَنُ بِهِ كالحِزامِ والإدامِ، وقِيلَ: هو الأدِيمُ الأحْمَرُ، وجَوابُ "إذا" مَحْذُوفٌ أيْ: يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ ما لا يُحِيطُ بِهِ دائِرَةُ المَقالِ.
55:38–39Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨
So which of the favors of your Lord would you deny? -
فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩
Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ عِظَمِ شَأْنِها.
﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمَ إذْ تَنْشَقُّ السَّماءُ حَسَبَما ذُكِرَ.
﴿لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ لِأنَّهم يُعْرَفُونَ بِسِيماهم وذَلِكَ أوَّلَ ما يَخْرُجُونَ مِنَ القُبُورِ ويُحْشَرُونَ إلى المَوْقِفِ ذَوْدًا ذَوْدًا عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِهِمْ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ونَحْوُهُ فَفي مَوْقِفِ المُناقِشَةِ والحِسابِ، وضَمِيرُ "ذَنْبِهِ" لِلْإنْسِ لِتَقَدُّمِهِ رُتْبَةً وإفْرادُهُ لِما أنَّ المُرادَ: فَرْدٌ مِنَ الإنْسِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا يُسْألُ ذَنْبَهُ إنْسِيٌّ ولا جِنِّيٌّ.
55:40–41Page 532
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠
So which of the favors of your Lord would you deny?
يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١
The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.
﴿فَبِأيِّ: آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِها فَإنَّ الإخْبارَ بِما ذُكِرَ مِمّا يَزْجُرُكم عَنِ (p-183)الشَّرِّ المُؤَدِّي إلَيْهِ، وأمّا ما قِيلَ: مِمّا أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ في هَذا اليَوْمِ؟ فَلا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ يَجْرِي مَجْرى التَّعْلِيلِ لِعَدَمِ السُّؤالِ قِيلَ: يُعْرَفُونَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، وقِيلَ: بِما يَعْلُوهم مِنَ الكَآبَةِ والحُزْنِ.
﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ الجارُّ والمَجْرُورُ هو القائِمُ مَقامَ الفاعِلِ يُقالُ: أخَذَهُ إذا كانَ المَأْخُوذُ مَقْصُودًا بِالأخْذِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ونَحْوُهُ وأخَذَ بِهِ إذا كانَ المَأْخُوذُ شَيْئًا مِنَ مُلابَساتِ المَقْصُودِ بِالأخْذِ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي﴾ وقَوْلُ المُسْتَغِيثِ: خُذْ بِيَدِي أخَذَ اللَّهُ بِيَدِكَ أيْ: يُجْمَعُ بَيْنَ نَواصِيهِمْ وأقْدامِهِمْ في سِلْسِلَةٍ مِن وراءِ ظُهُورِهِمْ، وقِيلَ: تَسْحَبُهُمُ المَلائِكَةُ تارَةً تَأْخُذُ بِالنَّواصِي وتارَةً تَأْخُذُ بِالأقْدامِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences