Abu as-Su'udAt‑Tahrim · 66:1–12

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

التحريم

At-Tahrim

The Prohibition · Medinan · 12 ayahs

66:1Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١

O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.

(p-266)سُورَةُ التَّحْرِيمِ

مَدَنِيَّةٌ وآياتُها اثْنَتا عَشْرَةَ

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ رُوِيَ «أنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَلا بِمارِيَةٍ في يَوْمِ عائِشَةَ وعَلِمَتْ بِذَلِكَ حَفْصَةُ فَقالَ لَها: اكْتُمِي عَلَيَّ فَقَدْ حَرَّمْتُ مارِيَةَ عَلى نَفْسِي وأُبَشِّرُكِ أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ يَمْلِكانِ بَعْدِي أمْرَ أُمَّتِي فَأخْبَرَتْ بِهِ عائِشَةَ وكانَتا مُتَصادِقَتَيْنِ. وقِيلَ: خَلا بِها في يَوْمِ حَفْصَةَ فَأرْضاها بِذَلِكَ واسْتَكْتَمَها فَلَمْ تَكْتُمْ فَطَلَّقَها واعْتَزَلَ نِساءَهُ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: راجِعْها فَإنَّها صَوّامَةٌ قَوّامَةٌ وإنَّها لَمِن نِسائِكَ في الجَنَّةِ.» ورُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ شَرِبَ عَسَلًا في بَيْتِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَتَواطَأتْ عائِشَةُ وحَفْصَةُ فَقالَتا: نَشُمُّ مِنكَ رِيحَ المَغافِيرِ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ التُّفْلَ فَحَرَّمَ العَسَلَ فَنَزَلَتْ.» فَمَعْناهُ: لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ مِن مِلْكِ اليَمِينِ أوْ مِنَ العَسَلِ.

﴿تَبْتَغِي مَرْضاتَ أزْواجِكَ﴾ إمّا تَفْسِيرٌ لِـ"تُحَرِّمُ" أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ أوِ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ ما دَعاهُ إلَيْهِ مُؤْذِنٌ بَعَدَمِ صَلاحِيَتِكَ لِذَلِكَ.

﴿واللَّهُ غَفُورٌ﴾ مُبالِغٌ في الغُفْرانِ قَدْ غَفَرَ لَكَ هَذِهِ الزَّلَّةَ.

﴿رَحِيمٌ﴾ قَدْ رَحِمَكَ ولَمْ يُؤاخِذْكَ بِهِ وإنَّما عاتَبَكَ مُحاماةً عَلى عِصْمَتِكَ.

66:2Page 560

قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢

Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.

﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ أيْ: شَرَعَ لَكم تَحْلِيلَها وهو حَلُّ ما عَقَدَهُ بِالكَفّارَةِ أوْ بِالِاسْتِثْناءِ مُتَّصِلًا حَتّى لا يَحْنَثَ والأوَّلُ هو المُرادُ هاهُنا.

﴿واللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ سَيِّدُكم ومُتَوَلِّي أُمُورِكم.

﴿وَهُوَ العَلِيمُ﴾ بِما يُصْلِحُكم فَيَشْرَعُهُ لَكم.

﴿الحَكِيمُ﴾ المُتْقِنُ في أفْعالِهِ وأحْكامِهِ فَلا يَأْمُرُكم ولا يَنْهاكم إلّا حَسَبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

66:3Page 560

وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣

And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."

﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ﴾ وهي حَفْصَةُ.

﴿حَدِيثًا﴾ أيْ: حَدِيثَ تَحْرِيمِ مارِيَةَ أوِ العَسَلِ أوْ أمْرِ الخِلافَةِ.

﴿فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ﴾ أيْ: أخْبَرَتْ حَفْصَةُ عائِشَةَ بِالحَدِيثِ وأفْشَتْهُ إلَيْها، وقُرِئَ "أنْبَأتْ بِهِ".

﴿وَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: أطْلَعَ اللَّهُ تَعالى النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ عَلى إفْشاءِ حَفْصَةَ.

﴿عَرَّفَ﴾ أيِ: النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ حَفْصَةَ.

﴿بَعْضَهُ﴾ بَعْضَ الحَدِيثِ الَّذِي أفْشَتْهُ، قِيلَ: هو حَدِيثُ الإمامَةِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لَها: ألَمْ أقُلْ لَكِ اُكْتُمِي عَلَيَّ؟ قالَتْ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ ما مَلَكْتُ (p-267)نَفْسِي فَرَحًا بِالكَرامَةِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ تَعالى بِها أباها.

﴿وَأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ أيْ: عَنْ تَعْرِيفِ بَعْضٍ تَكَرُّمًا، قِيلَ: هو حَدِيثُ مارِيَةَ.

﴿فَلَمّا نَبَّأها بِهِ﴾ أيْ: أخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ حَفْصَةَ بِما عَرَفَهُ مِنَ الحَدِيثِ.

﴿قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا﴾ أيْ: إفْشاءَها لِلْحَدِيثِ.

﴿قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.

66:4Page 560

إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤

If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.

﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِحَفْصَةَ وعائِشَةَ عَلى الِالتِفاتِ لِلْمُبالَغَةِ في العِتابِ.

﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ الفاءُ لِلتَّعْلِيلِ كَما في قَوْلِهِ: "اعْبُدْ رَبَّكَ فالعِبادَةُ حَقٌّ" أيْ: فَقَدْ وُجِدَ مِنكُما ما يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِن مَيْلِ قُلُوبِكُما عَمّا يَجِبُ عَلَيْكُما مِن مُخالَصَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وحُبِّ ما يُحِبُّهُ وكَراهَةِ ما يَكْرَهُهُ، وقُرِئَ "فَقَدْ زاغَتْ".

﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ بِإسْقاطِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ عَلى الأصْلِ وبِتَشْدِيدِ الظّاءِ وتَظْهَرا أيْ: تَتَعاوَنا عَلَيْهِ بِما يَسُوؤُهُ مِنَ الإفْراطِ في الغَيْرِ وإفْشاءِ سِرِّهِ.

﴿فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: فَلَنْ يَعْدِمَ مَن يُظاهِرُهُ فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُهُ وجِبْرِيلُ رَئِيسُ الكُرُوبِيِّينَ قَرِينُهُ ومَن صَلَحَ مِنَ المُؤْمِنِينَ أتْباعُهُ وأعْوانُهُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ تَعالى عَنْهُما: أرادَ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ "أبا بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما". وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ ومُقاتِلٌ وهو اللّائِقُ بِتَوَسُّطِهِ بَيْنَ جِبْرِيلَ والمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَإنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظَّهِيرِ المَعْنَوِيِّ والظَّهِيرِ الصُّورِيِّ. كَيْفَ لا؟ وإنَّ جِبْرِيلَ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْهِما السَّلامُ يُؤَيِّدُهُ بِالتَّأْيِيداتِ الإلَهِيَّةِ وهُما وزِيراهُ وظَهِيراهُ في تَدْبِيرِ أُمُورِ الرِّسالَةِ وتَمْشِيَةِ أحْكامِها الظّاهِرَةِ ولِأنَّ بَيانَ مُظاهَرَتِهِما لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدُّ تَأْثِيرًا في قُلُوبِ بِنْتَيْهِما وتَوْهِينًا لِأمْرِهِما فَكانَ حَقِيقًا بِالتَّقْدِيمِ بِخِلافِ ما إذا أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الصّالِحِينَ كَما هو المَشْهُورُ.

﴿والمَلائِكَةُ﴾ مَعَ تَكاثُرِ عَدَدِهِمْ وامْتِلاءِ السَّمَواتِ مِن جُمُوعِهِمْ.

﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قِيلَ: أيْ: بَعْدَ نُصْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ونامُوسِهِ الأعْظَمِ وصالِحِ المُؤْمِنِينَ.

﴿ظَهِيرٌ﴾ أيْ: فَوْجٌ مُظاهِرٌ لَهُ كَأنَّهم يَدٌ واحِدَةٌ عَلى مَن يُعادِيهِ فَماذا يُفِيدُ تَظاهُرُ امْرَأتَيْنِ عَلى مَن هَؤُلاءِ ظُهَراؤُهُ وما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ مِن فَضْلِ نُصْرَتِهِمْ عَلى نُصْرَةِ غَيْرِهِمْ مِن حَيْثُ إنَّ نُصْرَةَ الكُلِّ نُصْرَةُ اللَّهِ تَعالى وإنَّ نُصْرَتَهُ تَعالى بِهِمْ وبِمُظاهَرَتِهِمْ أفْضَلُ مِن سائِرِ وُجُوهِ نُصْرَتِهِ هَذا ما قالُوهُ، ولَعَلَّ الأنْسَبَ أنْ يُجْعَلَ "ذَلِكَ" إشارَةً إلى مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ خاصَّةً ويَكُونَ بَيانُ بَعْدِيَّةِ مُظاهَرَةِ المَلائِكَةِ تَدارُكًا لِما يُوهِمُهُ التَّرْتِيبُ الذِّكْرِيُّ مِن أفْضَلِيَّةِ المُقَدَّمِ فَكَأنَّهُ قِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ مُظاهَرَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ وسائِرِ المَلائِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيذانًا بِعُلُوِّ رُتْبَةِ مُظاهَرَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِها وجَبْرًا لِفَصْلِها عَنْ مُظاهَرَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

66:5Page 560

عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥

Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.

﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ﴾ أيْ: يُعْطِيَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَدَلَكُنَّ. (p-268)﴿أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ عَلى التَّغْلِيبِ أوْ تَعْمِيمِ الخِطابِ ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يُطَلِّقْ حَفْصَةَ وأنَّ في النِّساءُ خَيْرًا مِنهُنَّ فَإنَّ تَعْلِيقَ طَلاقِ الكُلِّ لا يُنافِي تَطْلِيقَ واحِدَةٍ وما عَلَّقَ بِما لَمْ يَقَعْ لا يَجِبُ وُقُوعُهُ، وقُرِئَ "أنْ يُبَدِّلَهُ" بِالتَّشْدِيدِ.

﴿مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ﴾ مُقِرّاتٍ مُخْلِصاتٍ أوْ مُنْقاداتٍ مُصَدِّقاتٍ.

﴿قانِتاتٍ﴾ مُصَلَّياتٍ أوْ مُواظِباتٍ عَلى الطّاعَةِ.

﴿تائِباتٍ﴾ مِنَ الذُّنُوبِ.

﴿عابِداتٍ﴾ مُتَعَبِّداتٍ أوْ مُتَذَلِّلاتٍ لِأمْرِ الرَّسُولِ ﷺ.

﴿سائِحاتٍ﴾ صائِماتٍ سُمِّي الصّائِمُ سائِحًا لِأنَّهُ يَسِيحُ في النَّهارِ بِلا زادٍ أوْ مُهاجِراتٍ، وقُرِئَ "سِيحاتٍ".

﴿ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ وُسِّطَ بَيْنَهُما العاطِفُ لِتَنافِيهِما.

66:6Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦

O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أنْفُسَكُمْ﴾ بِتَرْكِ المَعاصِي وفِعْلِ الطّاعاتِ.

﴿وَأهْلِيكُمْ﴾ بِأنْ تَأْخُذُوهم بِما تَأْخُذُونَ بِهِ أنْفُسَكُمْ، وقُرِئَ "أهْلُوكُمْ" عَطْفًا عَلى واوِ "قُوا" فَيَكُونُ "أنْفُسَكُمْ" عِبارَةً عَنْ أنْفُسِ الكُلِّ عَلى تَغْلِيبِ المُخاطَبِينَ أيْ: قُوا أنْتُمْ وأهْلُوكم أنْفُسَكم.

﴿نارًا وقُودُها النّاسُ والحِجارَةُ﴾ أيْ: نارًا تَتَّقِدُ بِهِما اتِّقادَ غَيْرِها بِالحَطَبِ وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِاتِّقاءِ هَذِهِ النّارِ المُعَدَّةِ لِلْكافِرِينَ كَما نَصَّ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ.

﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ﴾ أيْ: تَلِي أمْرَها وتَعْذِيبَ أهْلِها وهُمُ الزَّبانِيَةُ.

﴿غِلاظٌ شِدادٌ﴾ غِلاظُ الأقْوالِ شِدادُ الأفْعالِ أوْ غِلاظُ الخُلُقِ شِدادُ الخَلْقِ وأقْوِياءُ عَلى الأفْعالِ الشَّدِيدَةِ.

﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهُمْ﴾ أيْ: أمْرَهُ عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ اللَّهِ أوْ فِيما أمَرَهم بِهِ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أيْ: لا يَمْتَنِعُونَ مِن قَبُولِ الأمْرِ ويَلْتَزِمُونَهُ.

﴿وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ أيْ: ويُؤَدُّونَ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ مِن غَيْرَ تَثاقُلٍ ولا تَوانٍ.

66:7Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧

O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ مَقُولٌ لِقَوْلٍ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ أيْ: يُقالُ لَهم ذَلِكَ عِنْدَ إدْخالِ المَلائِكَةِ إيّاهُمُ النّارَ حَسَبَما أُمِرُوا بِهِ.

﴿إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنْيا مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بَعْدَ ما نُهِيتُمْ عَنْهُما أشَدَّ النَّهْيِ وأُمِرْتُمْ بِالإيمانِ والطّاعَةِ فَلا عُذْرَ لَكم قَطْعًا.

66:8Page 561

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨

O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ أيْ: بالِغَةً في النُّصْحِ، وُصِفَتِ التَّوْبَةُ بِذَلِكَ عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ وهو وصْفُ التّائِبِينَ وهو أنْ يَنْصَحُوا بِالتَّوْبَةِ أنْفُسَهم فَيَأْتُوا بِها عَلى طَرِيقَتِها وذَلِكَ أنْ يَتُوبُوا عَنِ القَبائِحِ لِقُبْحِها نادِمِينَ عَلَيْها مُغْتَمِّينَ أشَدَّ الِاغْتِمامِ لِارْتِكابِها عازِمِينَ عَلى أنَّهم لا يَعُودُونَ في قَبِيحٍ مِنَ القَبائِحِ مُوَطِّنِينَ أنْفُسَهم عَلى ذَلِكَ بِحَيْثُ لا يَلْوِيهِمْ عَنْهُ صارِفٌ أصْلًا. (p-269)عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ التَّوْبَةَ يَجْمَعُها سِتَّةُ أشْياءَ عَلى الماضِي مِنَ الذُّنُوبِ النَّدامَةُ ولِلْفَرائِضِ الإعادَةُ ورَدُّ المَظالِمِ واسْتِحْلالُ الخُصُومِ وأنْ تَعْزِمَ عَلى أنْ لا تَعُودَ وأنْ تُذِيبَ نَفْسَكَ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى كَما رَبَّيْتَها في المَعْصِيَةِ وأنْ تُذِيقَها مَرارَةَ الطّاعَةِ كَما أذَقْتَها حَلاوَةَ المَعْصِيَةِ. وعَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبَ أنْ لا يَعُودَ ولَوْ حُزَّ بِالسَّيْفِ وأُحْرِقَ بِالنّارِ، وقِيلَ: نَصُوحًا مِن نَصاحَةِ الثَّوْبِ أيْ: تَوْبَةٌ تَرْفُو خَرُوقَكَ في دِينِكَ وتَرُمُّ خَلَلَكَ. وقِيلَ: خالِصَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: عَسَلٌ ناصِحٌ إذا خَلَصَ مِنَ الشَّمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ تَوْبَةً تَنْصَحُ النّاسَ أيْ: تَدْعُوهم إلى مِثْلِها لِظُهُورِ أثَرِها في صاحِبِها واسْتِعْمالِهِ الجِدَّ والعَزِيمَةَ في العَمَلِ بِمُقْتَضَياتِها، وقُرِئَ "تَوْبًا نَصُوحًا"، وقُرِئَ "نُصُوحًا" وهو مَصْدَرُ نُصِحَ فَإنَّ النُّصْحَ والنُّصُوحَ كالشُّكْرِ والشُّكُورِ أيْ: ذاتُ النُّصْحِ أوْ تَنْصَحُ نُصُوحًا أوْ تُوبُوا لِنُصْحِ أنْفُسِكم عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ.

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وُرُودُ صِيغَةِ الإطْماعِ لِلْجَرْيِ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ والإشْعارِ بِأنَّهُ تَفَضُّلٌ والتَّوْبَةُ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لَهُ وأنَّ العَبْدَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بَيْنَ خَوْفٍ ورَجاءٍ وإنْ بالَغَ في إقامَةِ وظائِفِ العِبادَةِ.

﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ ظَرْفٌ لِـ"يُدْخِلُكُمْ".

﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى النَّبِيِّ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمَن أخْزاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن أهْلِ الكُفْرِ والفُسُوقِ واسْتِحْمادٌ إلى المُؤْمِنِينَ عَلى أنَّهُ عَصَمَهم مِن مِثْلِ حالِهِمْ. وقِيلَ: هو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ أيْ: عَلى الصِّراطِ وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ أوْ حالٌ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ ...إلَخْ وعَلى الثّانِي خَبَرٌ آخَرُ لِلْمَوْصُولِ أيْ: يَقُولُونَ إذا طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ.

﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا واغْفِرْ لَنا إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقِيلَ: يَدْعُونَ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ مَعَ تَمامِ نُورِهِمْ. وقِيلَ: تَفاوُتُ أنْوارِهِمْ بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ فَيَسْألُونَ إتْمامَهُ تَفَضُّلًا. وقِيلَ: السّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ يَمُرُّونَ مِثْلَ البَرْقِ عَلى الصِّراطِ وبَعْضُهم كالرِّيحِ وبَعْضُهم حَبْوًا وزَحْفًا وأُولَئِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أتْمِمْ لَنا نُورَنا﴾ .

66:9Page 561

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩

O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ﴾ بِالسَّيْفِ.

﴿والمُنافِقِينَ﴾ بِالحُجَّةِ.

﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ واسْتَعْمِلِ الخُشُونَةَ عَلى الفَرِيقَيْنِ فِيما تُجاهِدُهُما مِنَ القِتالِ والمُحاجَّةِ.

﴿وَمَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ سَيَرَوْنَ فِيها عَذابًا غَلِيظًا.

﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ أوْ مَصِيرُهم.

66:10Page 561

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠

Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ضَرْبُ المَثَلِ في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ عِبارَةٌ عَنْ إيرادِ حالَةٍ غَرِيبَةٍ لِيُعْرَفَ بِها حالَةٌ أُخْرى مُشاكِلَةٌ في الغَرابَةِ أيْ: جَعَلَ اللَّهُ مَثَلًا لِحالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ حالًا ومَآلًا عَلى أنَّ "مَثَلًا" مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ"ضَرْبَ" واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ﴾ أيْ: حالَهُما مَفْعُولُهُ الأوَّلَ أُخِّرَ عَنْهُ لِيَتَّصِلَ بِهِ ما هو شَرْحٌ وتَفْصِيلٌ لِحالِهِما ويَتَّضِحُ بِذَلِكَ حالُ هَؤُلاءِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ﴾ بَيانٌ لِحالِهِما الدّاعِيَةِ لَها إلى الخَيْرِ والصَّلاحِ أيْ: كانَتا في عِصْمَةِ نَبِيَّيْنِ عَظِيمَيِ الشَّأْنِ مُتَمَكِّنَتَيْنِ مِن تَحْصِيلِ خَيْرَيِ الدُّنْيا والآخِرَةِ وحِيازَةِ سَعادَتَيْهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَخانَتاهُما﴾ (p-270)بَيانٌ لِما صَدَرَ عَنْهُما مِنَ الجِنايَةِ العَظِيمَةِ مَعَ تَحْقِيقِ ما يَنْفِيها مِن صُحْبَةِ النَّبِيِّ أيْ: خانَتاهُما بِالكُفْرِ والنِّفاقِ وهَذا تَصْوِيرٌ لِحالِهِما المُحاكِيَةِ لِحالِ هَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في خِيانَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ تَمَكُّنِهِمُ التّامِّ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ، وقَوْلُهُ [تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا﴾ ...إلَخْ بَيانٌ لِما أدّى إلَيْهِ خِيانَتُهُما أيْ: فَلَمْ يُغْنِ النَّبِيّانِ.

﴿عَنْهُما﴾ بِحَقِّ الزَّواجِ.

﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن عَذابِهِ تَعالى.

﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ.

﴿وَقِيلَ﴾ لَهُما عِنْدَ مَوْتِهِما أوْ يَوْمَ القِيامَةِ.

﴿ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أيْ: مَعَ سائِرِ الدّاخِلِينَ مِنَ الكَفَرَةِ الَّذِينَ لا وصْلَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

66:11Page 561

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١

And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأتَ فِرْعَوْنَ﴾ أيْ: جَعَلَ حالَها مَثَلًا لِحالِ المُؤْمِنِينَ في أنَّ وُصْلَةَ الكَفَرَةِ لا تَضُرُّهم حَيْثُ كانَتْ في الدُّنْيا تَحْتَ أعْدى أعْداءِ اللَّهِ وهي في أعْلى غُرَفِ الجَنَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَتْ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِينَ حالَها "إذْ قالَتْ".

﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ قَرِيبًا مِن رَحْمَتِكَ أوْ في أعْلى دَرَجاتِ المُقَرَّبِينَ، رُوِيَ أنَّها لَمّا قالَتْ ذَلِكَ أُرِيَتْ بَيْتَها في الجَنَّةِ مِن دُرَّةٍ وانْتُزِعَ رُوحُها.

﴿وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ﴾ أيْ: مِن نَفْسِهِ الخَبِيثَةِ وعَمَلِهِ السَّيِّئِ.

﴿وَنَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ مِنَ القِبْطِ التّابِعِينَ لَهُ في الظُّلْمِ.

66:12Page 561

وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢

And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.

﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ﴾ عَطْفٌ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَسْلِيَةً لِلْأرامِلِ أيْ: وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا حالَها وما أُوتِيَتْ مِن كَرامَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ والِاصْطِفاءِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ مَعَ كَوْنِ قَوْمِها كُفّارًا.

﴿الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ﴾ وقُرِئَ "فِيها" أيْ: مَرْيَمُ.

﴿مِن رُوحِنا﴾ مِن رُوحٍ خَلَقْناهُ بِلا تَوَسُّطٍ أصْلًا.

﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها﴾ بِصُحُفِهِ المُنَزَّلَةِ أوْ بِما أوْحى إلى أنْبِيائِهِ.

﴿وَكُتُبِهِ﴾ بِجَمِيعِ كُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ وقُرِئَ "بِكَلِمَةِ اللَّهِ" وكِتابِهِ أيْ: بِعِيسى وبِالكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ وهو الإنْجِيلُ.

﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ أيْ: مِن عِدادِ المُواظِبِينَ عَلى الطّاعَةِ والتَّذْكِيرُ لِلتَّغْلِيبِ والإشْعارُ بِأنَّ طاعَتَها لَمْ تَقْصُرْ عَنْ طاعاتِ الرِّجالِ حَتّى عُدَّتْ مِن جُمْلَتِهِمْ أوْ مِن نَسْلِهِمْ لِأنَّها مِن أعْقابِ هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا أرْبَعٌ: آسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمٍ ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى سائِرِ الطَّعامِ".»

وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التَّحْرِيمِ آتاهُ اللَّهُ تَوْبَةً نَصُوحًا".»

تَمَّ الجُزْءُ الثّامِنُ ويَلِيهِ الجُزْءُ التّاسِعُ وأوَّلُهُ سُورَةُ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском