Abu as-Su'udAl‑Kahf · 18:1–11

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الكهف

Al-Kahf

The Cave · Meccan · 110 ayahs

18:1Page 293

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who has sent down upon His Servant [Muḥammad (ﷺ)] the Book and has not made therein any deviance.1

(p-202)(سُورَةُ الكَهْفِ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ ثَمانِيَةً وعِشْرِينَ ومِن آيَةِ ثَلاثَةٍ وثَمانِينَ إلى آيَةِ إحْدى ومِائَةٍ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها عَشْرٌ ومِائَةٌ)

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿الكِتابَ﴾ أيِ: الكِتابَ الكامِلَ الغَنِيَّ عَنِ الوَصْفِ بِالكَمالِ المَعْرُوفِ بِذَلِكَ مِن بَيْنِ الكُتُبِ، الحَقِيقَ بِاخْتِصاصِ اسْمِ الكِتابِ بِهِ. وهو عِبارَةٌ عَنِ جَمِيعِ القرآن، أوْ عَنْ جَمِيعِ المُنْزَلِ حِينَئِذٍ كَما مَرَّ مِرارًا، وفي وصْفِهِ تَعالى بِالمَوْصُولِ إشْعارٌ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِاسْتِحْقاقِ الحَمْدِ، وإيذانٌ بِعِظَمِ شَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، كَيْفَ لا؟ وعَلَيْهِ يَدُورُ فَلَكُ سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِالعَبْدِ مُضافًا إلى ضَمِيرِ الجَلالَةِ تَنْبِيهٌ عَلى بُلُوغِهِ ﷺ إلى أعْلى مَعارِجِ العِبادَةِ، وتَشْرِيفٌ لَهُ، أيَّ تَشْرِيفٍ، وإشْعارٌ بِأنَّ شَأْنَ الرَّسُولِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلْمُرْسِلِ، لا كَما زَعَمَتِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وتَأْخِيرُ المَفْعُولِ الصَّرِيحِ عَنِ الجارِّ والمَجْرُورِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّقْدِيمُ عَلَيْهِ لِيَتَّصِلَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ العِوَجِ بِنَوْعِ اخْتِلالٍ في النَّظْمِ، وتَنافٍ في المَعْنى. أوِ انْحَرَفَ عَنِ الدَّعْوَةِ إلى الحَقِّ، وهو في المَعانِي كالعِوَجِ في الأعْيانِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ مَعَ كَوْنِ الجِبالِ مِنَ الأعْيانِ فَلِلدَّلالَةِ عَلى انْتِفاءِ ما لا يُدْرَكُ مِنَ العِوَجِ بِحاسَّةِ البَصَرِ، بَلْ إنَّما يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالبَصِيرَةِ بِواسِطَةِ اسْتِعْمالِ المَقايِيسِ الهَنْدَسِيَّةِ، ولَمّا كانَ ذَلِكَ مِمّا لا يُشْعَرُ بِهِ بِالمَشاعِرِ الظّاهِرَةِ عُدَّ مِن قَبِيلِ ما في المَعانِي، وقِيلَ: الفَتْحُ في اعْوِجاجِ المُنْتَصِبِ كالعُودِ والحائِطِ، والكَسْرُ في اعْوِجاجِ غَيْرِهِ عَيْنًا كانَ، أوْ مَعْنًى.

18:2Page 293

قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا ٢

[He has made it] straight, to warn of severe punishment from Him and to give good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a good reward [i.e., Paradise]

﴿قَيِّمًا﴾ بِالمَصالِحِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ لِلْعِبادِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ مِنَ الإنْذارِ والتَّبْشِيرِ، فَيَكُونُ وصْفًا لَهُ بِالتَّكْمِيلِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَمالِ، أوْ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ شاهِدًا بِصِحَّتِها ومُهَيْمِنًا عَلَيْها، أوْ مُتَناهِيًا في الِاسْتِقامَةِ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِما دَلَّ عَلَيْهِ نَفْيُ العِوَجِ مَعَ إفادَةِ كَوْنِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ الذّاتِيَّةِ اللّازِمَةِ لَهُ، حَسْبَما تُنْبِئُ عَنْهُ الصِّيغَةُ لا أنَّهُ نُفِيَ عَنْهُ العِوَجُ مَعَ كَوْنِهِ مِن شَأْنِهِ، وانْتِصابُهُ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَعْطُوفَةً عَلى الصِّلَةِ بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ نَفْيُ العِوَجِ تَقْدِيرُهُ: جَعَلَهُ قَيِّمًا. وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِها حالِيَّةً فَهو عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الكِتابِ، إذْ لا فَصْلَ حِينَئِذٍ بُنِيَ أبْعاضُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِالمَعْطُوفِ. وقُرِئَ: (قِيَمًا) ﴿لِيُنْذِرَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِأنْزَلَ. والفاعِلُ ضَمِيرُ الجَلالَةِ كَما في الفِعْلَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ عَلَيْهِ، والإطْلاقُ عَنْ ذِكْرِ المَفْعُولِ الأوَّلِ لِلْإيذانِ بِأنَّ ما سِيقَ لَهُ الكَلامُ هو (p-203)المَفْعُولُ الثّانِي، وأنَّ الأوَّلَ ظاهِرٌ لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ، أيْ: أنْزَلَ الكِتابَ لِيُنْذِرَ بِما فِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُ.

﴿بَأْسًا﴾ أيْ: عَذابًا.

﴿شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ أيْ: صادِرًا مِن عِنْدِهِ، نازِلًا مِن قِبَلِهِ بِمُقابَلَةِ كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ. وقُرِئَ: (مِن لَدْنِهِ) بِسُكُونِ الدّالِ مَعَ إشْمامِ الضَّمَّةِ، وكَسْرِ النُّونِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وكَسْرِ الهاءِ لِلْإتْباعِ.

﴿وَيُبَشِّرَ﴾ بِالتَّشْدِيدِ. وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ.

﴿المُؤْمِنِينَ﴾ أيِ: المُصَدِّقِينَ بِهِ.

﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي بُيِّنَتْ في تَضاعِيفِهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ في الصِّلَةِ لِلْإشْعارِ بِتَجَدُّدِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، واسْتِمْرارِها، وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى مَوْصُوفِهِ المَذْكُورِ لِما أنَّ مَدارَ قَبُولِ الأعْمالِ هو الإيمانُ.

﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ إيمانِهِمْ، وأعْمالِهِمُ المَذْكُورَةِ.

﴿أجْرًا حَسَنًا﴾ هو الجَنَّةُ، وما فِيها مِنَ المَثُوباتِ الحُسْنى.

18:3Page 293

مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا ٣

In which they will remain forever

﴿ماكِثِينَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ في "لَهُمْ".

﴿فِيهِ﴾ أيْ: في ذَلِكَ الأجْرِ.

﴿أبَدًا﴾ مِن غَيْرِ انْتِهاءٍ، أيْ: خالِدِينَ فِيهِ. وهو نَصْبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِماكِثِينَ، وتَقْدِيمُ الإنْذارِ عَلى التَّبْشِيرِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِزَجْرِ الكُفّارِ عَمّا هم عَلَيْهِ مَعَ مُراعاةِ تَقْدِيمِ التَّخْلِيَةِ عَلى التَّحْلِيَةِ، وتَكْرِيرُ الإنْذارِ بِقَوْلِهِ تَعالى:

18:4Page 293

وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا ٤

And to warn those who say, "Allāh has taken a son."

﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ مُتَعَلِّقًا بِفِرْقَةٍ خاصَّةٍ مِمَّنْ عَمَّهُ الإنْذارُ السّابِقُ مِن مُسْتَحِقِّي البَأْسِ الشَّدِيدِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، لِغايَةِ شَناعَةِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ، أيْ: ويُنْذِرَ مِن بَيْنِ سائِرِ الكَفَرَةِ هَؤُلاءِ المُتَفَوِّهِينَ بِمِثْلِ هاتِيكَ العَظِيمَةِ خاصَّةً. وهم كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ تَعالى واليَهُودُ القائِلُونَ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والنَّصارى القائِلُونَ: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. وتَرْكُ إجْراءِ المَوْصُولِ عَلى المَوْصُوفِ كَما فُعِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ" لِلْإيذانِ بِكِفايَةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ في الكُفْرِ عَلى أقْبَحِ الوُجُوهِ، وإيثارُ صِيغَةِ الماضِي في الصِّلَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِ صُدُورِ تِلْكَ الكَلِمَةِ القَبِيحَةِ عَنْهم فِيما سِيقَ، وجَعْلُ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ فِيما سَلَفَ عِبارَةً عَنْ هَذِهِ الطّائِفَةِ يُؤَدِّي إلى خُرُوجِ سائِرِ أصْنافِ الكَفَرَةِ عَنِ الإنْذارِ، والوَعِيدِ. وتَعْمِيمُ الإنْذارِ هُناكَ لِلْمُؤْمِنِينَ أيْضًا بِحَمْلِهِ عَلى مَعْنى مُجَرَّدِ الإخْبارِ بِالخَبَرِ الضّارِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ حُلُولِ المُنْذَرِ بِهِ عَلى المُنْذَرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ أنْذِرِ النّاسَ وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يُفْضِي إلى خُلُوِّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَنِ الدَّلالَةِ عَلى حُلُولِ البَأْسِ الشَّدِيدِ عَلى مَن عَدا هَذِهِ الفِرْقَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ في الأفْعالِ الثَّلاثَةِ ضَمِيرَ الكِتابِ، أوْ ضَمِيرَ الرَّسُولِ ﷺ.

18:5Page 294

مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥

They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.

﴿ما لَهم بِهِ﴾ أيْ: بِاتِّخاذِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولَدًا.

﴿مِن عِلْمٍ﴾ مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، أوِ الفاعِلِيَّةِ لِاعْتِمادِ الظَّرْفِ. و "مِن" مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، أوْ مُسْتَأْنِفَةٌ لِبَيانِ حالِهِمْ في مَقالِهِمْ، أيْ: ما لَهم بِذَلِكَ شَيْءٌ مِن عِلْمٍ أصْلًا لا لِإخْلالِهِمْ بِطَرِيقَةٍ مَعَ تَحَقُّقِ المَعْلُومِ، أوْ إمْكانِهِ بَلْ لِاسْتِحالَتِهِ في نَفْسِهِ.

﴿وَلا لآبائِهِمْ﴾ الَّذِينَ قَلَّدُوهم فَتاهُوا جَمِيعًا في تِيهِ الجَهالَةِ والضَّلالَةِ، أوْ ما لَهم عِلْمٌ بِما قالُوهُ أهُوَ صَوابٌ أمْ خَطَأٌ؟ بَلْ إنَّما قالُوهُ رَمْيًا عَنْ عَمًى وجَهالَةٍ مِن غَيْرِ فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أوْ بِحَقِيقَةِ ما قالُوهُ، وبِعِظَمِ رُتْبَتِهِ في الشَّناعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ (p-204)يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ ... الآياتِ. وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ أيْ: عَظُمَتْ مَقالَتُهم هَذِهِ في الكُفْرِ والِافْتِراءِ لِما فِيها مِن نِسْبَتِهِ سُبْحانَهُ إلى ما لا يَكادُ يَلِيقُ بِجَنابِ كِبْرِيائِهِ. والفاعِلُ في كَبُرَتْ، إمّا ضَمِيرُ المَقالَةِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِـ "قالُوا" وكَلِمَةً نُصِبَ عَلى التَّمْيِيزِ، أوْ ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ مُفَسَّرٌ بِما بَعْدَهُ مِنَ النَّكِرَةِ المَنصُوبَةِ تَمْيِيزًا، كَبِئْسَ رَجُلًا. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: كَبُرَتْ هي كَلِمَةً خارِجَةً مِن أفْواهِهِمْ. وقُرِئَ: (كَبْرَتْ) بِإسْكانِ الباءِ مَعَ إشْمامِ الضَّمِّ وقُرِئَ: (كَلِمَةٌ) بِالرَّفْعِ ﴿تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ، مُفِيدَةٌ لِاسْتِعْظامِ اجْتِرائِهِمْ عَلى التَّفَوُّهِ بِها، وإسْنادُ الخُرُوجِ إلَيْها مَعَ أنَّ الخارِجَ هو الهَواءُ المُتَكَيِّفُ بِكَيْفِيَّةِ الصَّوْتِ لِمُلابَسَتِهِ بِها.

﴿إنْ يَقُولُونَ﴾ ما يَقُولُونَ في ذَلِكَ الشَّأْنِ ﴿إلا كَذِبًا﴾ أيْ: إلّا قَوْلًا كَذِبًا لا يَكادُ يَدْخُلُ تَحْتَ إمْكانِ الصِّدْقِ أصْلًا، والضَّمِيرانِ لَهم ولِآبائِهِمْ، مِثْلَ حالِهِ ﷺ في شِدَّةِ الوَجْدِ عَلى إعْراضِ القَوْمِ، وتَوَلِّيهِمْ عَنِ الإيمان بالقرآن، وكَمالِ التَّحَسُّرِ عَلَيْهِمْ بِحالِ مَن يُتَوَقَّعُ مِنهُ إهْلاكُ نَفْسِهِ إثْرَ فَوْتِ ما يُحِبُّهُ عِنْدَ مُفارَقَةِ أحِبَّتِهِ تَأسُّفًا عَلى مُفارَقَتِهِمْ، وتَلَهُّفًا عَلَيْهِمْ عَلى مُهاجَرَتِهِمْ. فَقِيلَ: عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ حَمْلًا لَهُ ﷺ عَلى الحَذَرِ، والإشْفاقِ مِن ذَلِكَ.

18:6Page 294

فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦

Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.

﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ﴾ أيْ: مُهْلِكٌ.

﴿نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ﴾ غَمًّا ووَجْدًا عَلى فِراقِهِمْ، وقُرِئَ: بِالإضافَةِ.

﴿إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ﴾ أيِ: القرآن الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ في صَدْرِ السُّورَةِ بِالكِتابِ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ. وقُرِئَ: بِأنِ المَفْتُوحَةِ، أيْ: لِأنْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَإعْمالُ "باخِعٌ" يَحْمِلُهُ عَلى حِكايَةِ حالٍ ماضِيَةٍ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿باسِطٌ ذِراعَيْهِ﴾ .

﴿أسَفًا﴾ مَفْعُولٌ لَهُ. لِـ "باخِعٌ" أيْ: لِفَرْطِ الحُزْنِ والغَضَبِ، أوْ حالٌ مِمّا فِيهِ مِنَ الضَّمِيرِ، أيْ: مُتَأسِّفًا عَلَيْهِمْ، ويَجُوزُ حَمْلُ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ بِجَعْلِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ أجْزاءِ الطَّرَفَيْنِ لا بَيْنَ الهَيْئَتَيْنِ المُنْتَزَعَتَيْنِ مِنهُما، كَما في التَّمْثِيلِ. وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ .

18:7Page 294

إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧

Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.

﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ، وتَعْلِيلٌ لِما في لَعَلَّ مِن مَعْنى الإشْفاقِ، أيْ: إنّا جَعَلْنا ما عَلَيْها مِمَّنْ عَدا مَن وُجِّهَ إلَيْهِ التَّكْلِيفُ مِنَ الزَّخارِفِ حَيَوانًا كانَ أوْ نَباتًا أوْ مَعْدِنًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ .

﴿زِينَةً﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ، إنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى التَّصْيِيرِ، أوْ حالٌ إنْ حُمِلَ عَلى مَعْنى الإبْداعِ. و "اللّامُ" في ﴿لَها﴾ إمّا مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"زِينَةً"، أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَها، أيْ: كائِنَةً لَها، أيْ: لِيَتَمَتَّعَ بِها النّاظِرُونَ مِنَ المُكَلَّفِينَ، ويَنْتَفِعُوا بِها نَظَرًا واسْتِدْلالًا، فَإنَّ الحَيّاتِ والعَقارِبَ مِن حَيْثُ تَذْكِيرُهُما لِعَذابِ الآخِرَةِ مِن قَبِيلِ المَنافِعِ بَلْ كُلُّ حادِثٍ داخِلٌ تَحْتِ الزِّينَةِ مِن حَيْثُ دَلالَتُهُ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ ووَحْدَتِهِ، فَإنَّ الأزْواجَ والأوْلادَ أيْضًا مِن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنْيا، بَلْ أعْظَمُها. ولا يَمْنَعُ ذَلِكَ كَوْنُهم مِن جُمْلَةِ المُكَلَّفِينَ، فَإنَّهم مِن جِهَةِ انْتِسابِهِمْ إلى أصْحابِهِمْ داخِلُونَ تَحْتَ الزِّينَةِ، ومِن جِهَةِ كَوْنِهِمْ مُكَلَّفِينَ داخِلُونَ تَحْتَ الِابْتِلاءِ.

﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِجَعَلْنا، أيْ: جَعَلْنا ما جَعَلْنا لِنُعامِلَهم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُهم.

﴿أيُّهم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَنُجازِيهِمْ بِالثَّوابِ والعِقابِ، حَسْبَما تَبَيَّنَ المُحْسِنُ مِنَ المُسِيءِ، وامْتازَتْ طَبَقاتُ أفْرادِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسَبَ امْتِيازِ مَراتِبِ عُلُومِهِمُ المُرَتَّبَةِ (p-205)عَلى أنْظارِهِمْ، وتَفاوُتِ دَرَجاتِ أعْمالِهِمُ المُتَفَرِّعَةِ عَلى ذَلِكَ كَما قَرَّرْناهُ في مَطْلَعِ سُورَةِ هُودٍ، و "أيُّ" إمّا اسْتِفْهامِيَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، و "أحْسَنُ" خَبَرُها، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ النَّصْبِ مُعَلِّقَةٌ لِفِعْلِ البَلْوى لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ كالسُّؤالِ والنَّظَرِ، ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْراهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، أوِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وإمّا مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي، وأحْسَنُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، والجُمْلَةُ صِلَةٌ لَها وهي في حَيِّزِ النَّصْبِ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ لِنَبْلُوَهُمْ، والتَّقْدِيرُ: لِنَبْلُوَ الَّذِي هو أحْسَنُ عَمَلًا فَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الضَّمَّةُ في "أيُّهُمْ" لِلْبِناءِ، كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ عَلى أحَدِ الأقْوالِ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ البِناءِ الَّذِي هو الإضافَةُ لَفْظًا، وحُذِفَ صَدْرُ الصِّلَةِ، وأنْ تَكُونَ لِلْإعْرابِ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ شَرْطٌ لِجَوازِ البِناءِ لا لِوُجُوبِهِ، وحُسْنُ العَمَلِ الزُّهْدُ فِيها، وعَدَمُ الِاغْتِرارِ بِها، والقَناعَةُ بِاليَسِيرِ مِنها، وصَرْفُها عَلى ما يَنْبَغِي، والتَّأمُّلُ في شَأْنِها، وجَعْلُها ذَرِيعَةً إلى مَعْرِفَةِ خالِقِها، والتَّمَتُّعُ بِها حَسْبَما أذِنَ لَهُ الشَّرْعُ، وأداءُ حُقُوقِها، والشُّكْرُ لَها لا اتِّخاذُها وسِيلَةً إلى الشَّهَواتِ والأغْراضِ الفاسِدَةِ، كَما يَفْعَلُهُ الكَفَرَةُ وأصْحابُ الأهْواءِ. وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الِابْتِلاءَ شامِلٌ لِلْفَرِيقَيْنِ بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحُسْنِ والقَبِيحِ أيْضًا، لا إلى الحُسْنِ والأحْسَنِ فَقَطْ لِلْإشْعارِ بِأنَّ الغايَةَ الأصْلِيَّةَ لِلْجَعْلِ المَذْكُورِ، إنَّما هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ عَلى ما حُقِّقَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ .

18:8Page 294

وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨

And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.

﴿وَإنّا لَجاعِلُونَ﴾ فِيما سَيَأْتِي عِنْدَ تَناهِي عُمْرِ الدُّنْيا ﴿ما عَلَيْها﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ قاطِبَةً بِإفْنائِها بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما أظْهَرَ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، أوْ لِإدْراجِ المُكَلَّفِينَ فِيهِ.

﴿صَعِيدًا﴾ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلْجَعْلِ. والصَّعِيدُ: التُّرابُ، أوْ وجْهُ الأرْضِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو المُسْتَوِي مِنَ الأرْضِ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو الطَّرِيقُ الَّذِي لا نَباتَ فِيهِ.

﴿جُرُزًا﴾ تُرابًا لا نَباتَ فِيهِ بَعْدَ ما كانَ يَتَعَجَّبُ مِن بَهْجَتِهِ النُّظّارُ، وتَتَشَرَّفُ بِمُشاهَدَتِهِ الأبْصارُ، يُقالُ: أرْضٌ جُرُزٌ لا نَباتَ فِيها، وسَنَةٌ جُرُزٌ لا مَطَرَ فِيها. قالَ الفَرّاءُ: جُرِزَتِ الأرْضُ فَهي مَجْرُوزَةٌ، أيْ: ذَهَبَ نَباتُها بِقَحْطٍ، أوْ جَرادٍ. ويُقالُ: جَرَزَها الجَرادُ والشّاةُ والإبِلُ إذا أكَلَتْ ما عَلَيْها، وهَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَكْمِيلِ ما في السّابِقَةِ مِنَ التَّعْلِيلِ، والمَعْنى: لا تَحْزَنْ بِما عايَنْتَ مِنَ القَوْمِ مِن تَكْذِيبِ ما أنْزَلَنا عَلَيْكَ مِنَ الكِتابِ فَإنّا قَدْ جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ مِن فُنُونِ الأشْياءِ زِينَةً لَها، لِنَخْتَبِرَ أعْمالَهُمْ، فَنُجازِيَهِمْ بِحَسَبِها. وإنّا لَمُفْنُونَ جَمِيعَ ذَلِكَ عَنْ قَرِيبٍ، ومُجازُونَ لَهم بِحَسَبِ أعْمالِهِمْ.

18:9Page 294

أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩

Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1

﴿أُمّ حَسِبْتَ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. والمُرادُ: إنْكارُ حُسْبانِ أُمَّتِهِ، و "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ مُقَدَّرَةٌ بِبَلِ الَّتِي هي لِلِانْتِقالِ مِن حَدِيثٍ إلى حَدِيثٍ لا لِلْإبْطالِ، وبِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ عِنْدَ الجُمْهُورِ، وبِبَلْ وحْدَها عِنْدَ غَيْرِهِمْ، أيْ: بَلْ أحَسِبْتَ ﴿أنَّ أصْحابَ الكَهْفِ والرَّقِيمِ كانُوا﴾ في بَقائِهِمْ عَلى الحَياةِ مُدَّةً طَوِيلَةً مِنَ الدَّهْرِ.

﴿مِن آياتِنا﴾ مِن بَيْنِ آياتِنا الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذَكَرْناهُ مِن جَعْلِ ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها، لِلْحِكْمَةِ المُشارِ إلَيْها، ثُمَّ جَعْلِ ذَلِكَ كُلِّهِ صَعِيدًا جُرُزًا، كَأنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ.

﴿عَجَبًا﴾ أيْ: آيَةً ذاتَ عَجَبٍ، وضْعًا لَهُ مَوْضِعَ المُضافِ، أوْ وصْفًا لِذَلِكَ بِالمَصْدَرِ مُبالَغَةً، وهو خَبَرٌ لِكانُوا. ومِن آياتِنا حالٌ مِنهُ، والمَعْنى: أنَّ قِصَّتَهُمْ، وإنْ كانَتْ خارِقَةً لِلْعاداتِ لَيْسَتْ بِعَجِيبَةٍ بِالنِّسْبَةِ (p-206)إلى سائِرِ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ مِن تَعاجِيبِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ هي عِنْدَها كالنَّزْرِ الحَقِيرِ، والكَهْفُ: الغارُ الواسِعُ في الجَبَلِ، والرَّقِيمُ: كَلْبُهم. قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ

؎ ولَيْسَ بِها إلّا الرَّقِيمُ مُجاوِرًا وصَيْدُهُمُ والقَوْمُ في الكَهْفِ هُمَّدُ

وَقِيلَ: هو لَوْحٌ رَصاصِيٌّ أوْ حَجَرِيٌّ رُقِّمَتْ فِيهِ أسْماؤُهُمْ، وجُعِلَ عَلى بابِ الكَهْفِ. وقِيلَ: هو الوادِي الَّذِي فِيهِ الكَهْفُ، فَهو مِن رَقْمَةِ الوادِي، أيْ: جانِبِهِ. وقِيلَ: الجَبَلُ. وقِيلَ: قَرْيَتُهم. وقِيلَ: مَكانُهم بَيْنَ غَضْبانَ وأيْلَةَ دُونَ فِلَسْطِينَ. وقِيلَ: أصْحابُ الرَّقِيمِ آخَرُونَ، وكانُوا ثَلاثَةً انْطَبَقَ عَلَيْهِمُ الغارُ فَنَجَوْا بِذِكْرِ كُلٍّ مِنهم أحْسَنَ عَمَلِهِ عَلى ما فُصِّلَ في الصَّحِيحَيْنِ.

18:10Page 294

إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠

[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."

﴿إذْ أوى﴾ ظَرْفٌ لِعَجَبًا لا لَحَسِبْتَ، أوْ مَفْعُولٌ لِاذْكُرْ، أيْ: حِينَ التَجَأ.

﴿الفِتْيَةُ﴾ أيْ: أصْحابُ الكَهْفِ أُوثِرَ الإظْهارُ عَلى الإضْمارِ لِتَحْقِيقِ ما كانُوا عَلَيْهِ في أنْفُسِهِمْ مِن حالِ الفُتُوَّةِ، فَإنَّهم كانُوا فِتْيَةً مِن أشْرافِ الرُّومِ أرادَهم دِقْيانُوسُ عَلى الشِّرْكِ، فَهَرَبُوا مِنهُ بِدِينِهِمْ، ولِأنَّ صاحِبِيَّةَ الكَهْفِ مِن فُرُوعِ التِجائِهِمْ إلى الكَهْفِ فَلا يُناسِبُ اعْتِبارُها مَعَهم قَبْلَ بَيانِهِ، ﴿إلى الكَهْفِ﴾ بِجَبَلِهِمْ لِلْجُلُوسِ، واتَّخَذُوهُ مَأْوًى.

﴿فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِن لَدُنْكَ﴾ مِن خَزائِنِ رَحْمَتِكَ الخاصَّةِ المَكْنُونَةِ عَنْ عُيُونِ أهْلِ العاداتِ. فَـ "مِنِ" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِآتِنا، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ الثّانِي قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَهُ، أيْ: آتِنا كائِنَةً مِن لَدُنْكَ.

﴿رَحْمَةً﴾ خاصَّةً تَسْتَوْجِبُ المَغْفِرَةَ، والرِّزْقَ، والأمْنَ مِنَ الأعْداءِ.

﴿وَهَيِّئْ لَنا مِن أمْرِنا﴾ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِن مُهاجَرَةِ الكَفّارِ، والمُثابِرَةِ عَلى طاعَتِكَ، وأصِلُ التَّهْيِئَةِ إحْداثُ هَيْئَةِ الشَّيْءِ، أيْ: أصْلِحْ، ورَتِّبْ، وأتْمِمْ لَنا مِن أمْرِنا.

﴿رَشَدًا﴾ إصابَةً لِلطَّرِيقِ المُوصِلِ إلى المَطْلُوبِ، واهْتِداءً إلَيْهِ، وكِلا الجارَّيْنِ مُتَعَلِّقٌ بِهَيِّئْ لِاخْتِلافِهِما في المَعْنى، وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ بِهِما، وإبْرازِ الرَّغْبَةِ في المُؤَخَّرِ بِتَقْدِيمِ أحْوالِهِ فَإنَّ تَأْخِيرَ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ عَمّا هو مِن أحْوالِهِ المُرَغِّبَةِ فِيهِ، كَما يُورِثُ شَوْقَ السّامِعِ إلى وُرُودِهِ يُنْبِئُ عَنْ كَمالِ رَغْبَةِ المُتَكَلِّمِ فِيهِ، واعْتِنائِهِ بِحُصُولِهِ لا مَحالَةَ، وكَذا الكَلامُ في تَقْدِيمِ قَوْلِهِ تَعالى: "مِن لَدُنْكَ" عَلى تَقْدِيرِ تَعَلُّقِهِ بِـ "آتِنا"، وتَقْدِيمُ "لَنا" عَلى "مِن أمْرِنا" لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِكَوْنِ المَسْؤُولِ مَرْغُوبًا فِيهِ لَدَيْهِمْ، أوِ اجْعَلْ أمْرَنا رَشَدًا كُلَّهُ عَلى أنَّ مِن تَجْرِيدِيَّةٌ مِثْلُها في قَوْلِكَ: رَأيْتُ مِنكَ أسَدًا.

18:11Page 294

فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١

So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.

﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ أيْ: أنَمْناهم عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ المَبْنِيِّ عَلى تَشْبِيهِ الإنامَةِ الثَّقِيلَةِ المانِعَةِ عَنْ وُصُولِ الأصْواتِ إلى الآذانِ بِضَرْبِ الحِجابِ عَلَيْها، وتَخْصِيصُ الآذانِ بِالذِّكْرِ مَعَ اشْتِراكِ سائِرِ المَشاعِرِ لَها في الحَجْبِ عَنِ الشُّعُورِ عِنْدَ النَّوْمِ لِما أنَّها المُحْتاجُ إلى الحَجْبِ عادَةً إذْ هي الطَّرِيقَةُ لِلتَّيَقُّظِ غالِبًا لا سِيَّما عِنْدَ انْفِرادِ النّائِمِ، واعْتِزالِهِ عَنِ الخَلْقِ. وقِيلَ: الضَّرْبُ عَلى الآذانِ: كِنايَةٌ عَنِ الإنامَةِ الثَّقِيلَةِ، وحَمْلُهُ عَلى تَعْطِيلِها، كَما في قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ الأمِيرُ عَلى يَدِ الرَّعِيَّةِ، أيْ: مَنَعَهم مِنَ التَّصَرُّفِ مَعَ عَدَمِ مُلاءَمَتِهِ لِما سَيَأْتِي مِنَ البَعْثِ لا يَدُلُّ عَلى النَّوْمِ، مَعَ أنَّهُ المُرادُ قَطْعًا. و "الفاءُ" في "فَضَرَبْنا" كَما في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فاسْتَجَبْنا لَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ نادى﴾ فَإنَّ الضَّرْبَ المَذْكُورَ، وما تَرَتَّبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّقْلِيبِ ذاتَ اليَمِينِ، وذاتَ الشِّمالِ، والبَعْثِ، وغَيْرِ ذَلِكَ (p-207)إيتاءُ رَحْمَةً لَدُنْيَّةٍ خافِيَةٍ عَنْ أبْصارِ المُتَمَسِّكِينَ بِالأسْبابِ العادِيَّةِ اسْتِجابَةً لِدَعْوَتِهِمْ ﴿فِي الكَهْفِ﴾ ظَرْفُ مَكانٍ لِضَرَبْنا ﴿سِنِينَ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ لَهُ بِاعْتِبارِ بَقائِهِ لا ابْتِدائِهِ.

﴿عَدَدًا﴾ أيْ: ذَواتِ عَدَدٍ، أوْ تُعَدُّ عَدَدًا. عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، أوْ مَعْدُودَةً عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ، ووَصْفُ السِّنِينَ بِذَلِكَ؛ إمّا لِلتَّكْثِيرِ، وهو الأنْسَبُ بِإظْهارِ كَمالِ القُدْرَةِ. أوْ لِلتَّقْلِيلِ، وهو الألْيَقُ بِمَقامِ إنْكارِ كَوْنِ القِصَّةِ عَجَبًا مِن بَيْنِ سائِرِ الآياتِ العَجِيبَةِ فَإنَّ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ كَبَعْضِ يَوْمٍ عِنْدَهُ عَزَّ وجَلَّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском