Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
النبإ
An-Naba
The Tidings · Meccan · 40 ayahs
(p-84)سُورَةُ النَّبَأِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها أرْبَعُونَ.
﴿عَمَّ﴾ أصْلُهُ (عَمّا) فَحُذِفَ مِنهُ الألِفُ، إمّا فَرْقًا بَيْنَ "ما" الاسْتِفْهامِيَّةِ وغَيْرِها، أوْ قَصْدًا لِلْخِفَّةِ لِكَثْرَةِ اسْتِعْمالِها، وقَدْ قُرِئَ: عَلى الأصْلِ، و"ما" فِيها مِنَ الإبْهامِ لِلْإيذانِ بِفَخامَةِ شَأْنِ المَسْؤُلِ عَنْهُ وهَوْلِهِ وخُرُوجِهِ عَنْ حُدُودِ الأجْناسِ المَعْهُودَةِ، أيْ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ عَظِيمِ الشَّأْنِ.
﴿يَتَساءَلُونَ﴾ أيْ: أهْلُ مَكَّةَ، وكانُوا يَتَساءَلُونَ عَنِ البَعْثِ فِيما بَيْنَهم ويَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا واسْتِهْزاءً، لَكِنْ لا عَلى طَرِيقَةِ التَّساؤُلِ عَنْ حَقِيقَتِهِ ومُسَمّاهُ، بَلْ عَنْ وُقُوعِهِ الَّذِي هو حالٌ مِن أحْوالِهِ ووَصْفٌ مِن أوْصافِهِ، فَإنَّ "ما" وإنْ وُضِعَتْ لِطَلَبِ حَقائِقِ الأشْياءِ ومُسَمَّياتِ أسْمائِها كَما في قَوْلِكَ: ما المَلَكُ؟ وما الرُّوحُ ؟ لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بِها الصِّفَةُ والحالُ، تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: عالَمٌ، أوْ طَبِيبٌ، وقِيلَ: كانُوا يَسْألُونَ عَنْهُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ اسْتِهْزاءً، كَقَوْلِهِمْ: يَتَداعَوْنَهُمْ، أيْ: يَدْعُونَهُمْ، وتَحْقِيقُهُ أنَّ صِيغَةَ التَّفاعُلِ في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ مَوْضُوعَةٌ لِإفادَةِ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ ووُقُوعِهِ عَلَيْهِ، بِحَيْثُ يَصِيرُ كُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ فاعِلًا ومَفْعُولًا مَعًا، لَكِنَّهُ يُرْفَعُ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلَيْهِ تَرْجِيحًا لِجانِبِ فاعِلِيَّتِهِ ويُحالُ بِمَفْعُولِيَّتِهِ عَلى دَلالَةِ العَقْلِ، كَما في قَوْلِكَ: تَراءى القَوْمُ، أيْ: رَأى كُلُّ واحِدٍ مِنهُمُ الآخَرَ، وقَدْ تَجَرَّدَ عَنِ المَعْنى الثّانِي، فَيُرادُ بِها مُجَرَّدُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ، عارِيًا عَنِ اعْتِبارِ وُقُوعِهِ عَلَيْهِ، فَيُذْكَرُ لِلْفِعْلِ حِينَئِذٍ مَفْعُولٌ مُتَعَدِّدٌ، كَما في المِثالِ المَذْكُورِ، أوْ واحِدٌ كَما في قَوْلِكَ: تَراءَوْا الهِلالَ، وقَدْ يُحْذَفُ لِظُهُورِهِ كَما فِيما نَحْنُ فِيهِ، فالمَعْنى: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَسْألُ هَؤُلاءِ القَوْمُ الرَّسُولَ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ؟! ورُبَّما تَجَرَّدَ عَنْ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ أيْضًا، فَيُرادُ بِها تَعَدُّدُهُ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ مُتَعَلَّقِهِ مَعَ وِحْدَةِ الفاعِلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ بَيانٌ لِشَأْنِ المَسْؤُلِ عَنْهُ إثْرَ تَفْخِيمِهِ بِإبْهامِ أمْرِهِ وتَوْجِيهِ أذْهانِ السّامِعِينَ نَحْوَهُ، وتَنْزِيلِهِمْ مَنزِلَةَ المُسْتَفْهِمِينَ، فَإنَّ إيرادَهُ عَلى طَرِيقَةِ الاسْتِفْهامِ مِن عَلّامِ الغُيُوبِ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لِانْقِطاعِ قَرِينِهِ وانْعِدامِ نَظِيرِهِ خارِجٌ عَنْ دائِرَةِ عُلُومِ الخَلْقِ، خَلِيقٌ بِأنْ يُعْتَنى بِمَعْرِفَتِهِ ويُسْألَ عَنْهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ يَتَساءَلُونَ هَلْ أُخْبِرُكم بِهِ ؟ ثُمَّ قِيلَ بِطَرِيقِ الجَوابِ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ (p-85)لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ، فَـ "عَنْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ مِن مُضْمَرٍ حَقُّهُ أنْ يُقَدَّرَ بَعْدَها؛ مُسارَعَةً إلى البَيانِ ومُراعاةً لِتَرْتِيبِ السُّؤالِ، هَذا هو الحَقِيقُ بِالجَزالَةِ التَّنْزِيلِيَّةِ، وقَدْ قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِالمَذْكُورِ و"عَمَّ" مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُفَسَّرٍ بِهِ، وأُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ قُرِئَ: (عَمَّهُ) والأظْهَرُ أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى إجْراءِ الوَصْلِ مَجْرى الوَقْفِ، وقِيلَ عَنِ الأُولى: لِلتَّعْلِيلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ، وقِيلَ قَبْلُ عَنِ الثّانِيَةِ: اسْتِفْهامٌ مُضْمَرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: عَمَّ يَتَساءَلُونَ أعَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ ؟ و(النَّبَأُ) الخَبَرُ الَّذِي لَهُ شَأْنٌ وخَطَرٌ، وقَدْ وُصِفَ بِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ بَعْدَ وصْفِهِ بِالعَظِيمِ تَأْكِيدًا لِخَطَرِهِ إثْرَ تَأْكِيدٍ، وإشْعارًا بِمَدارِ التَّساؤُلِ عَنْهُ، و"فِيهِ" مُتَعَلِّقٌ بِ"مُخْتَلِفُونَ" قُدِّمَ عَلَيْهِ؛ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، وجَعْلُ الصِّلَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ، أيْ: هم راسِخُونَ في الأخْتِلافِ فِيهِ، فَمِن جازِمٍ بِاسْتِحالَتِهِ يَقُولُ:
إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا نَمُوتُ ونَحْيا وما يُهْلِكُنا إلّا الدَّهْرُ وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ
وَشاكٍّ يَقُولُ:
ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنْ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ
وَقِيلَ: مِنهم مَن يُنْكِرُ المَعادَيْنِ مَعًا كَهَؤُلاءِ، ومِنهم مَن يُنْكِرُ المَعادَ الجُسْمانِيَّ فَقَطْ كَجُمْهُورِ النَّصارى، وقَدْ حُمِلَ الأخْتِلافُ عَلى الأخْتِلافِ في كَيْفِيَّةِ الإنْكارِ، فَمِنهم مَن يُنْكِرُهُ لِإنْكارِهِ الصّانِعَ المُخْتارَ، ومِنهم مَن يُنْكِرُهُ بِناءً عَلى اسْتِحالَةِ إعادَةِ المَعْدُومِ بِعَيْنِهِ، وحَمْلُهُ عَلى الأخْتِلافِ بِالنَّفْيِ والإثْباتِ بِناءً عَلى تَعْمِيمِ التَّساؤُلِ لِفَرِيقَيِ المُسْلِمِينَ والكافِرِينَ عَلى أنَّ سُؤالَ الأوَّلِينَ لِيَزْدادُوا خَشْيَةً واسْتِعْدادًا، وسُؤالُ الآخِرِينَ لِيَزْدادُوا كُفْرًا وعِنادًا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ ... إلَخْ. فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ: اخْتِلافُ الجاهِلِينَ بِهِ المُنْكِرِينَ لَهُ؛ إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ الرَّدْعُ والوَعِيدُ، لا عَلى خِلافِ المُؤْمِنِينَ لَهُمْ، وتَخْصِيصُهُما بِالكَفَرَةِ بِناءً عَلى تَخْصِيصِ ضَمِيرِ "سَيَعْلَمُونَ" بِهِمْ مَعَ عُمُومِ الضَّمِيرَيْنِ السّابِقَيْنِ لِلْكُلِّ، مِمّا يَنْبَغِي تَنْزِيهُ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِهِ، هَذا ما أدّى إلَيْهِ جَلِيلُ النَّظَرِ، والَّذِي يَقْتَضِيِهِ التَّحْقِيقُ ويَسْتَدْعِيهِ النَّظَرُ الدَّقِيقُ أنْ يُحْمَلَ اخْتِلافُهم عَلى مُخالَفَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأنْ يُعْتَبَرَ في الأخْتِلافِ مَحْضُ صُدُورِ الفِعْلِ عَنِ المُتَعَدِّدِ، حَسْبَما ذُكِرَ في التَّساؤُلِ، فَإنَّ الأفْتِعالَ والتَّفاعُلَ صِيغَتانِ مُتَآخِيَتانِ كالأسْتِباقِ والتَّسابُقِ، والأنْتِضالِ والتَّناضُلِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، يَجْرِي في كُلٍّ مِنهُما ما يَجْرِي في الأُخْرى لا عَلى مُخالَفَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ مِنَ الجانِبَيْنِ؛ لِأنَّ الكُلَّ وإنِ اسْتَحَقَّ الرَّدْعَ والوَعِيدَ، لَكِنَّ اسْتِحْقاقَ كُلِّ جانِبٍ لَهُما لَيْسَ لِمُخالَفَتِهِ لِلْجانِبِ الآخَرِ، إذْ لا حَقِّيَةَ في شَيْءٍ مِنها حَتّى يَسْتَحِقَ مَن يُخالِفُهُ المُؤاخَذَةَ، بَلْ لِمُخالَفَتِهِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَ"كَلّا" رَدْعٌ لَهم عَنِ التَّساؤُلِ والأخْتِلافِ بِالمَعْنَيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، و"سَيَعْلَمُونَ" وعِيدٌ لَهم بِطَرِيقِ الأسْتِئْنافِ، وتَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ، والسِّينُ لِلتَّقْرِيبِ والتَّأْكِيدِ، ولَيْسَ مَفْعُولُهُ ما يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ مِن وُقُوعِ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، ووُقُوعِ ما يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ الآيَةَ، فَإنَّ ذَلِكَ عارٍ عَنْ صَرِيحِ الوَعِيدِ، بَلْ هو عِبارَةٌ عَمّا يُلاقُونَهُ مِن فُنُونِ الدَّواهِي والعُقُوباتِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ لِقائِها بِالعِلْمِ (p-86)لِوُقُوعِهِ في مَعْرِضِ التَّساؤُلِ والأخْتِلافِ، والمَعْنى: لِيَرْتَدِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ فَإنَّهم سَيَعْلَمُونَ عَمّا قَلِيلٍ حَقِيقَةَ الحالِ إذا حَلَّ بِهِمُ العَذابُ والنَّكالُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ثُمَّ كَلا سَيَعْلَمُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلرَّدْعِ والوَعِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ، و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الوَعِيدَ الثّانِيَ أبْلَغُ وأشَدُّ، وقِيلَ: الأوَّلُ عِنْدَ النَّزْعِ، والثّانِي في القِيامَةِ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلْبَعْثِ، والثّانِي لِلْجَزاءِ، وقُرِئَ: (سَتَعْلَمُونَ) بِالتّاءِ عَلى نَهْجِ الألْتِفاتِ إلى الخِطابِ المُوافِقِ لِما بَعْدَهُ مِنَ الخِطاباتِ تَشْدِيدًا لِلرَّدْعِ والوَعِيدِ، لا عَلى تَقْدِيرِ (قُلْ لَهُمْ) كَما تُوُهِّمَ، فَإنَّ فِيهِ مِنَ الإخْلالِ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى:
78:6–7Page 582
أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦
Have We not made the earth a resting place?
وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧
And the mountains as stakes?1
﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ ... إلَخْ. اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَحْقِيقِ النَّبَأِ المُتَساءَلِ عَنْهُ بِتَعْدادِ بَعْضِ الشَّواهِدِ النّاطِقَةِ بِحَقِيقَتِهِ إثْرَ ما نَبَّهَ عَلَيْها بِما ذُكِرَ مِنَ الرَّدْعِ والوَعِيدِ، ومِن هَهُنا اتَّضَحَ أنَّ المُتَساءَلَ عَنْهُ هو البَعْثُ لا القرآن، أوْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَما قِيلَ: والهَمْزَةُ لِلتَّقْرِيرِ، والألْتِفاتُ إلى الخِطابِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والمِهادُ البِساطُ والفِراشُ، وقُرِئَ: مَهْدًا عَلى تَشْبِيهِها بِمَهْدِ الصَّبِيِّ، وهو ما يُمَهَّدُ لَهُ فَيُنَوَّمُ عَلَيْهِ تَسْمِيَةٌ لِلْمَمْهُودِ بِالمُصَدِّرِ، وجَعْلُ الجِبالِ أوْتادًا لَها إرْساؤُها بِها كَما يُرْسى البَيْتُ بِالأوْتادِ.
﴿وَخَلَقْناكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضارِعِ المَنفِيِّ بِـ"لَمْ" داخِلٌ في حُكْمِهِ، فَإنَّهُ في قُوَّةِ أما جَعَلَنا... إلَخْ، أوْ عَلى ما يَقْتَضِيهِ الإنْكارُ التَّقْرِيرِيُّ فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: قَدْ جَعَلْنا... إلَخْ.
﴿أزْواجًا﴾ أصْنافًا ذَكَرًا وأُنْثى؛ لِيَسْكُنَ كُلٌّ مِنَ الصِّنْفَيْنِ إلى الآخَرِ، ويَنْتَظِمَ أمْرُ المُعاشَرَةِ والمَعاشِ ويَتَسَنّى التَّناسُلُ
﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكم سُباتًا﴾ أيْ: مَوْتًا؛ لِأنَّهُ أحَدُ التَّوَفِّيَيْنِ لِما بَيْنَهُما مِنَ المُشارَكَةِ التّامَّةِ في انْقِطاعِ أحْكامِ الحَياةِ، وعَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها والَّتِي لَمْ تَمُتْ في مَنامِها﴾ وقِيلَ: قَطْعًا عَنِ الإحْساسِ والحَرَكَةِ لِإراحَةِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ وإزاحَةِ كَلالِها، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِالمَقامِ كَما سَتَعْرِفُهُ.
﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ﴾ الَّذِي فِيهِ يَقَعُ النَّوْمُ غالِبًا.
﴿لِباسًا﴾ يَسْتُرُكم بِظَلامِهِ كَما يَسْتُرُكُمُ اللِّباسُ، ولَعَلَّ المُرادَ بِهِ: ما يُسْتَرُ بِهِ عِنْدَ النَّوْمِ مِنَ اللِّحافِ ونَحْوِهِ، فَإنَّ شَبَهَ اللَّيْلِ بِهِ أكْمَلُ، واعْتِبارَهُ في تَحْقِيقِ المَقْصِدِ أدْخَلُ، فَهو جَعَلَ اللَّيْلَ مَحَلًّا لِلنَّوْمِ الَّذِي جُعِلَ مَوْتًا كَما جُعِلَ النَّهارُ مَحَلًّا لِلْيَقَظَةِ (p-87)المُعَبَّرِ عَنْها بِالحَياةِ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿وَجَعَلْنا النَّهارَ مَعاشًا﴾ أيْ: وقْتَ حَياةٍ تُبْعَثُونَ فِيهِ مِن نَوْمِكُمُ الَّذِي هو أخُو المَوْتِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباسًا والنَّوْمَ سُباتًا وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا" وجَعْلُ كَوْنِ اللَّيْلِ لِباسًا عِبارَةٌ عَنْ سَتْرِهِ عَنِ العُيُونِ لِمَن أرادَ هَرَبًا مِن عَدُوٍّ، أوْ بَياتًا لَهُ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا لا مُناسَبَةَ لَهُ بِالمَقامِ، وكَذا جَعْلُ النَّهارِ وقْتَ التَّقَلُّبِ في تَحْصِيلِ المَعايِشِ والحَوايِجِ.
78:12Page 582
وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا ١٢
And constructed above you seven strong [heavens]
﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكم سَبْعًا شِدادًا﴾ أيْ: سَبْعَ سَمَواتٍ قَوِيَّةِ الخَلْقِ مُحْكَمَةِ البِناءِ، لا يُؤَثِّرُ فِيها مَرُّ الدُّهُورِ وكَرُّ العُصُورِ، والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالبِناءِ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِها مَنزِلَةَ القِبابِ المَضْرُوبَةِ عَلى الخَلْقِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ لَيْسَ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ فَقَطْ، بَلْ لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَإذا ورَدَ عَلَيْها تَمَكَّنَ عِنْدَها فَضْلُ تَمَكُّنٍ.
﴿وَجَعَلْنا سِراجًا وهّاجًا﴾ هَذا الجَعْلُ بِمَعْنى الإنْشاءِ والإبْداعِ كالخَلْقِ خَلا أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ التَّكْوِينِيِّ، وفِيهِ مَعْنى التَّقْدِيرِ والتَّسْوِيَةِ وهَذا عامٌّ لَهُ كَما في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولِلتَّشْرِيعِيِّ أيْضًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ ... إلَخْ. وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إنْباءٌ عَنْ مُلابَسَةِ مَفْعُولِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ بِأنْ يَكُونَ فِيهِ، أوْ لَهُ، أوْ مِنهُ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ مُلابَسَةٌ مُصَحَّحَةٌ؛ لِأنْ يَتَوَسَّطَ بَيْنَهُما شَيْءٌ مِنَ الظُّرُوفِ لَغْوًا كانَ، أوْ مُسْتَقَرًّا، لَكِنْ لا عَلى أنْ يَكُونَ عُمْدَةً في الكَلامِ، بَلْ قَيْدًا فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ الآيَةَ. فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الظُّرُوفِ، إمّا مُتَعَلِّقٌ بِنَفْسِ الجَعْلِ، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالأ مِن مَفْعُولِهِ تَقَدَّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً أيًّا ما كانَ فَهو قَيْدٌ في الكَلامِ حَتّى إذا اقْتَضى الحالُ وُقُوعَهُ عُمْدَةً فِيهِ يَكُونُ الجَعْلُ مُتَعَدِّيًا إلى اثْنَيْنِ هو ثانِيهِما، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ ورُبَّما يُشْتَبَهُ الأمْرُ فَيُظَنُّ أنَّهُ عُمْدَةٌ فِيهِ، وهو في الحَقِيقَةِ قَيْدٌ بِأحَدِ الوَجْهَيْنِ، كَما سَلَفَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ والوَهّاجُ الوَقّادُ المُتَلَأْلِئُ مِن وهَجَتِ النّارُ إذا أضاءَتْ، أوِ البالِغُ في الحَرارَةِ مِنَ الوَهْجِ، والمُرادُ بِهِ: الشَّمْسُ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالسِّراجِ مِن رَوادِفِ التَّعْبِيرِ عَنْ خَلْقِ السماوات بِالبِناءِ.
78:14Page 582
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا ١٤
And sent down from the rain clouds pouring water
﴿وَأنْزَلْنا مِنَ المُعْصِراتِ﴾ هي السَّحائِبُ إذا أعْصَرَتْ، أيْ: شارَفَتْ أنْ تَعْصِرَها الرِّياحُ فَتُمْطِرَ، كَما في أُحْصِدَ الزَّرْعُ: إذا حانَ لَهُ أنْ يُحْصَدَ، ومِنهُ أعُصِرَتِ الجارِيَةُ إذا دَنَتْ أنْ تَحِيضَ، أوِ الرِّياحُ الَّتِي حانَ لَها أنْ تَعْصِرَ السَّحابَ، وقُرِئَ: (بِالمُعْصِراتِ) ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الإنْزالَ حَيْثُ كانَ مِنَ المُعْصِراتِ سَواءٌ أُرِيدَ بِها السَّحائِبُ، أوِ الرِّياحُ، فَقَدْ كانَ بِها كَما يُقالُ: أعْطاهُ مِن يَدِهِ وبِيَدِهِ، وقَدْ فُسِّرَتِ المُعْصِراتُ بِالرِّياحِ ذَواتِ الأعاصِيرِ، ووَجْهُهُ أنَّ الرِّياحَ هي الَّتِي (p-88)تُنْشِئُ السَّحابَ وتُدِرُّ أخْلافَهُ، فَصَلُحَتْ أنْ تُجْعَلَ مُبْتَدَأً لِلْإنْزالِ.
﴿ماءً ثَجّاجًا﴾ أيْ: مُنْصَبًّا بِكَثْرَةٍ، يُقالُ: ثَجَّ الماءُ، أيْ: سالَ بِكَثْرَةٍ، وثَجَّهُ أيْ: أسالَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿أفْضَلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ﴾ أيْ: رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ، وصَبُّ دِماءِ الهَدْيِ، وقُرِئَ: (ثَجّاحًا) بِالحاءِ بَعْدَ الجِيمِ، قالُوا: مَثاجِحُ الماءِ مَصابُّهُ.
78:15Page 582
لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا ١٥
That We may bring forth thereby grain and vegetation
﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾ بِذَلِكَ الماءِ.
﴿حَبًّا﴾ يُقْتاتُ كالحِنْطَةِ والشَّعِيرِ ونَحْوِهِما.
﴿وَنَباتًا﴾ يُعْتَلَفُ كالتِّبْنِ والحَشِيشِ، وتَقْدِيمُ الحَبِّ مَعَ تَأخُّرِهِ عَنِ النَّباتِ في الإخْراجِ لِأصالَتِهِ وشَرَفِهِ؛ لِأنَّ غالِبَهُ غِذاءُ الإنْسانِ.
﴿وَجَنّاتٍ﴾ الجَنَّةُ في الأصْلِ هي المَرَّةُ مِن مَصْدَرِ جَنَّهُ إذا سَتَرَهُ، تُطْلَقُ عَلى النَّخْلِ والشَّجَرِ المُتَكاثِفِ المُظَلَّلِ بِالتِفافِ أغْصانِهِ، قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:
؎ كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ∗∗∗ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا
وَعَلى الأرْضِ ذاتِ الشَّجَرِ، قالَ الفَرّاءُ: الجَنَّةُ ما فِيهِ النَّخِيلُ، والفِرْدَوْسُ ما فِيهِ الكَرْمُ، والأوَّلُ هو المُرادُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألْفافًا﴾ أيْ: مُلْتَفَّةً تَداخَلَ بَعْضُها في بَعْضٍ، قالُوا: لا واحِدَ لَهُ كالأوْزاعِ والأخْيافِ، وقِيلَ: الواحِدُ لِفٌّ كَكِنٍّ وأكْنانٍ، أوْ لَفِيفٌ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، وقِيلَ: هو جَمْعَ لَفَّ جَمْعَ لَفّاءَ كَخَضِرَ وخَضْراءَ، وقِيلَ: جَمْعُ مُلْتَفَّةٍ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، واعْلَمْ أنَّ فِيما ذُكِرَ مِن أفْعالِهِ عَزَّ وجَلَّ دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ وحَقِّيَتِهِ مِن وُجُوهٍ ثَلاثَةٍ، الأوَّلُ: بِاعْتِبارِ قدرته تعالى، فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلى إنْشاءِ هَذِهِ الأفْعالِ البَدِيعَةِ مِن غَيْرِ مِثالٍ يَحْتَذِيهِ ولا قانُونٍ يَنْتَحِيهِ كانَ عَلى الإعادَةِ أقْدَرَ وأقْوى، الثّانِي: بِاعْتِبارِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، فَإنَّ مَن أبْدَعَ هَذِهِ المَصْنُوعاتِ عَلى نَمَطٍ رائِعٍ مُسْتَتْبَعٍ لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ ومَنافِعَ جَمِيلَةٍ عائِدَةً إلى الخَلْقِ يَسْتَحِيلُ أنْ يَنْفِيَها بِالكُلِّيَّةِ ولا يَجْعَلَ لَها عاقِبَةً باقِيَةً، والثّالِثُ: بِاعْتِبارِ نَفْسِ الفِعْلِ، فَإنَّ اليَقَظَةَ بَعْدَ النَّوْمِ أُنْمُوذَجٌ لِلْبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ يُشاهِدُونَها كُلَّ يَوْمٍ، وكَذا إخْراجُ الحَبِّ والنَّباتِ مِنَ الأرْضِ المَيِّتَةِ يُعايِنُوهُ كُلَّ حِينٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَمْ نَفْعَلْ هَذِهِ الأفْعالَ الآفاقِيَّةَ والأنْفَسِيَّةَ الدّالَّةَ بِفُنُونِ الدَّلالأتِ عَلى حَقِّيَةِ البَعْثِ المُوجِبَةِ لِلْإيمانِ بِهِ، فَما لَكم تَخُوضُونَ فِيهِ إنْكارًا، وتَتَساءَلُونَ عَنْهُ اسْتِهْزاءً ؟! وقَوْلُهُ تَعالى:
78:17Page 582
إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧
Indeed, the Day of Judgement is an appointed time -
﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ سِرِّ تَأْخِيرِ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ ويَسْتَعْجِلُونَ بِهِ قائِلِينَ: مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ؟ ونَوْعُ تَفْصِيلٍ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ وما سَيَلْقَوْنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِن فُنُونِ العَذابِ، حَسْبَما جَرى بِهِ الوَعِيدُ إجْمالأ، أيْ إنَّ يَوْمَ فَصْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بَيْنَ الخَلائِقِ كانَ في عِلْمِهِ وتَقْدِيرِهِ مِيقاتًا ومِيعادًا لِبَعْثِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الجَزاءِ ثَوابًا وعِقابًا، لا يَكادُ يَتَخَطّاهُ بِالتَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، وقِيلَ: حَدًّا تُوَقَّتُ بِهِ الدُّنْيا وتَنْتَهِي عِنْدَهُ، أوْ حَدًّا لِلْخَلائِقِ يَنْتَهُونَ فِيهِ، ولا رَيْبَ في أنَّهُما بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ الَّذِي أُشِيرَ إلَيْهِ عَلى أنَّ الدُّنْيا تَنْتَهِي عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، (p-89)وَقَوْلُهُ تَعالى:
78:18Page 582
يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨
The Day the Horn is blown and you will come forth in multitudes
﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ﴾ أيْ: نَفْخَةً ثانِيَةً بَدَلٌ مِن "يَوْمَ الفَصْلِ"، أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ مُفِيدٌ لِزِيادَةِ تَفْخِيمِهِ وتَهْوِيلِهِ، ولا ضَيْرَ في تَأخُّرِ الفَصْلِ عَنِ النَّفْخِ، فَإنَّهُ زَمانٌ مُمْتَدٌّ يَقَعُ في مَبْدَئِهِ النَّفْخَةُ، وفي بَقِيَّتِهِ الفَصْلُ ومَبادِئُهُ وآثارُهُ، والصُّورُ هو القَرْنُ الَّذِي يَنْفُخُ فِيهِ إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: « "لَمّا فَرَغَ اللَّهُ تَعالى مِن خَلْقِ السماوات والأرْضِ خَلَقَ الصُّوَرِ فَأعْطاهُ إسْرافِيلَ فَهو واضِعُهُ عَلى فِيهِ شاخِصٌ بَصَرَهُ إلى العَرْشِ مَتى يُؤْمَرُ بِهِ فَيَنْفُخُ فِيهِ نَفْخَةً لا يَبْقى عِنْدَها في الحَياةِ غَيْرُ مَن شاءَ اللَّهُ تَعالى"،» وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُفِخَ في الصُّورِ فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلا مَن شاءَ اللَّهُ﴾ ثُمَّ يُؤْمَرُ بِأُخْرى فَيَنْفُخُ نَفْخَةً لا يَبْقى مَعَها مَيِّتٌ إلّا بُعِثَ وقامَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإذا هم قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَأْتُونَ﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْها، وإيذانًا بِغايَةِ سُرْعَةِ الإتْيانِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: "فَقُلْنا اضْرِبْ بّعَصاكَ البَحْرَ فانْفَلَقَ" أيْ: فَتُبْعَثُونَ مِن قُبُورِكُمْ، فَتَأْتُونَ إلى المَوْقِفِ عَقِيبَ ذَلِكَ مِن غَيْرِ لُبْثٍ أصْلًا.
﴿أفْواجًا﴾ أيْ: أُمَمًا، كُلُّ أُمَّةٍ مَعَ إمامِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ، أوْ زُمُرًا وجَماعاتٍ مُخْتَلِفَةَ الأحْوالِ مُتَبايِنَةَ الأوْضاعِ حَسَبَ اخْتِلافِ أعْمالِهِمْ وتَبايُنِها.
«عَنْ مُعاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ ﷺ: "يا مُعاذُ؛ سَألْتَ عَنْ أمْرٍ عَظِيمٍ مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ، وقالَ: تُحْشَرُ عَشَرَةُ أصْنافٍ مِن أُمَّتِي، بَعْضُهم عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ، وبَعْضُهم عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ، وبَعْضُهم مُنَكَّسُونَ أرْجُلُهم فَوْقَ وُجُوهِهِمْ يُسْحَبُونَ عَلَيْها، وبَعْضُهم عُمْيٌ، وبَعْضُهم صُمٌّ بُكْمٌ، وبَعْضُهم يَمْضَغُونَ ألْسِنَتَهم فَهي مُدَلّاةٌ عَلى صُدُورِهِمْ يَسِيلُ القَيْحُ مِن أفْواهِهِمْ يَتَقَذَّرُهم أهْلُ الجَمْعِ، وبَعْضُهم مُقَطَّعَةٌ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ، وبَعْضُهم مُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ، وبَعْضُهم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ، وبَعْضُهم يَلْبَسُونَ جِبابًا سابِغَةً مِن قَطْرانٍ لازِقَةً بِجُلُودِهِمْ، فَأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ القِرَدَةِ؛ فالقَتّاتُ مِنَ النّاسِ، وأمّا الَّذِينَ عَلى صُورَةِ الخَنازِيرِ فَأهْلُ السُّحْتِ، وأمّا المُنَكَّسُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ؛ فَأكَلَةُ الرِّبا، وأمّا العُمْيُ فالَّذِينَ يَجُورُونَ في الحُكْمِ، وأمّا الصُّمُّ البُكْمُ؛ فالمُعْجَبُونَ بِأعْمالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَمْضَغُونَ ألْسِنَتَهم فالعُلَماءُ الَّذِينَ خالَفَتْ أقْوالُهم أعْمالَهُمْ، وأمّا الَّذِينَ قُطِعَتْ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهُمْ؛ فَهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ جِيرانَهُمْ، وأمّا المُصَلَّبُونَ عَلى جُذُوعٍ مِن نارٍ؛ فالسُّعاةُ بِالنّاسِ إلى السُّلْطانِ، وأمّا الَّذِينَ هم أشَدُّ نَتْنًا مِنَ الجِيَفِ فالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ واللَّذّاتِ ومَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ تَعالى في أمْوالِهِمْ، وأمّا الَّذِينَ يَلْبَسُونَ الجِبابَ؛ فَأهْلُ الكِبْرِ والفَخْرِ والخُيَلاءِ"» .
78:19Page 582
وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩
And the heaven is opened and will become gateways
﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ﴾ عَطْفٌ عَلى "يُنْفَخُ" وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ، وقُرِئَ: (فُتِّحَتْ) بِالتَّشْدِيدِ وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكانَتْ أبْوابًا﴾ أيْ: كَثُرَتْ أبْوابُها المُفَتَّحَةُ لِنُزُولِ المَلائِكَةِ نُزُولًا غَيْرَ مُعْتادٍ حَتّى صارَتْ كَأنَّها لَيْسَتْ إلّا أبْوابًا مُفَتَّحَةً، (p-90)كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ كَأنَّ كُلَّها عُيُونٌ مُتَفَجِّرَةٌ، وهو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ وهو الغَمامُ الَّذِي ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أمْرُهُ وبَأْسُهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ، وقِيلَ: الأبْوابُ: الطُّرُقُ والمَسالِكُ، أيْ: تُكْشَطُ فَيَنْتَفِحُ مَكانُها وتَصِيرُ طُرُقًا لا يَسُدُّها شَيْءٌ.
78:20Page 582
وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠
And the mountains are removed and will be [but] a mirage.
﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ أيْ: في الجَوِّ عَلى هَيْآتِها بَعْدَ قَلْعِها مِن مَقارِّها، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ أيْ: تَراها رَأْيَ العَيْنِ ساكِنَةً في أماكِنِها، والحالُ أنَّها تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ الَّذِي يُسَيِّرُهُ الرِّياحُ سَيْرًا حَثِيثًا، وذَلِكَ أنَّ الأجْرامَ العِظامَ إذا تَحَرَّكَتْ نَحْوًا مِنَ الأنْحاءِ لا تَكادُ يَتَبَيَّنُ حَرَكَتُها، وإنْ كانَتْ في غايَةِ السُّرْعَةِ لا سِيَّما مِن بَعِيدٍ، وعَلَيْهِ قَوْلُ مَن قالَ:
؎ بِأرْعَنَ مِثْلِ الطَّوْدِ تَحْسَبُ أنَّهم... وُقُوفٌ لِحاجٍّ والرِّكابُ تُهَمْلِجُ
وَقَدْ أُدْمِجَ في هَذا التَّشْبِيهِ تَشْبِيهُ حالِ الجِبالِ بِحالِ السَّحابِ في تَخَلْخُلِ الأجْزاءِ وانْتِفاشِها، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ يُبَدِّلُ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ ويُغَيِّرُ هَيْأتَها، ويُسَيِّرُ الجِبالَ عَلى تِلْكَ الهَيْئَةِ الهائِلَةِ عِنْدَ حَشْرِ الخَلائِقِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِيُشاهِدُوها، ثُمَّ يُفَرِّقُها في الهَواءِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكانَتْ سَرابًا﴾ أيْ: فَصارَتْ بَعْدَ تَسْيِيرِها مِثْلَ السَّرابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ أيْ: غُبارًا مُنْتَشِرًا، وهي وإنِ انْدَكَّتْ وتَصَدَّعَتْ عِنْدَ النَّفْخَةِ الأُولى، لَكِنْ تَسْيِيرُها وتَسْوِيَةُ الأرْضِ، إنَّما يَكُونانِ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ ﴿فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا﴾ ﴿لا تَرى فِيها عِوَجًا ولا أمْتًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدّاعِيَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضُ والسَّماواتُ وبَرَزُوا لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ فَإنَّ اتِّباعَ الدّاعِي الَّذِي هو إسْرافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وبُرُوزُ الخَلْقِ لِلَّهِ تَعالى، لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْكامِ الفَصْلِ الَّذِي أُضِيفَ إلَيْهِ اليَوْمُ إثْرَ بَيانٍ هو لَهُ، ووَجْهُ تَقْدِيمِ بَيانِ حالِ الكُفّارِ غَنِيٌّ عَنِ البَيانِ، والمِرْصادُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُرْصَدُ فِيهِ، كالمِضْمارِ الَّذِي هو اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يُضْمَرُ فِيهِ الخَيْلُ، والمِنهاجُ اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَنْهَجُ فِيهِ، أيْ: أنَّها كانَتْ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ مَوْضِعَ رَصْدٍ، يَرْصُدُ فِيهِ خَزَنَةُ النّارِ الكُفّارَ لِيُعَذِّبُوهم فِيها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences