Abu as-Su'udAl‑Ahzab · 33:1–16

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الأحزاب

Al-Ahzab

The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs

33:1Page 418

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١

O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

(p-89)(سُورَةُ الأحْزابِ مَدَنِيَّةٌ، وهي ثَلاثٌ وسَبْعُونَ آيَةً)

﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ في نِدائِهِ ﷺ بِعُنْوانِ النُّبُوَّةِ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِهِ وتَنْبِيهٌ عَلى سُمُوِّ مَكانِهِ. والمُرادُ بِ "التَّقْوى" المَأْمُورُ بِهِ الثَّباتُ عَلَيْهِ، والِازْدِيادُ مِنهُ. فَإنَّ لَهُ بابًا واسِعًا، وعَرْضًا عَرِيضًا لا يُنالُ مَداهُ.

﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أيِ: المُجاهِرِينَ بِالكُفْرِ.

﴿والمُنافِقِينَ﴾ المُضْمِرِينَ لَهُ، أيْ: فِيما يَعُودُ بِوَهْنٍ في الدِّينِ، وإعْطاءِ دَنِيَّةٍ فِيما بَيْنَ المُسْلِمِينَ. رُوِيَ أنَّ أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، وعِكْرِمَةَ بْنَ أبِي جَهْلٍ وأبا الأعْوَرِ السُّلَمِيَّ قَدِمُوا عَلَيْهِ ﷺ في المُوادَعَةِ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهُ ﷺ وبَيْنَهُمْ، وقامَ مَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ فَقالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنا، وقُلْ إنَّها تَشْفَعُ وتَنْفَعُ ونَدَعُكَ ورَبَّكَ. فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ والمُؤْمِنِينَ، وهَمُّوا بِقَتْلِهِمْ فَنَزَلَتْ. أيِ: اتَّقِ اللَّهَ في نَقْضِ العَهْدِ ونَبْذِ المُوادَعَةِ، ولا تُساعِدِ الكافِرِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ، والمُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، فِيما طَلَبُوا إلَيْكَ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ مُبالِغًا في العِلْمِ والحِكْمَةِ، فَيَعْلَمُ جَمِيعَ الأشْياءِ مِنَ المَصالِحِ والمَفاسِدِ، فَلا يَأْمُرُكَ إلّا بِما فِيهِ مَصْلَحَةٌ، ولا يَنْهاكَ إلّا عَمّا فِيهِ مَفْسَدَةٌ، ولا يَحْكُمُ إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ. فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، والنَّهْيُ مُؤَكِّدٌ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِما.

33:2Page 418

وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢

And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.

﴿واتَّبِعْ﴾ أيْ: في كُلِّ ما تَأْتِي وتَذَرُ مِن أُمُورِ الدِّينِ.

﴿ما يُوحى إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذِهِ الآيَةُ الآمِرَةُ بِتَقْوى اللَّهِ، النّاهِيَةُ عَنْ مُساعَدَةِ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ بِالأمْرِ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ. وقِيلَ: لَهُ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ، وقِيلَ: لِلْغائِبِينَ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ. نَعَمْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الكُلُّ عَلى ضَرْبٍ مِنَ التَّغْلِيبِ، وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ لِمُوجِبِهِ. أمّا عَلى الوَجْهَيْنِ الأوَّلَيْنِ: فَبِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَهُ مِنَ الِامْتِثالِ وتَرْكِهِ، فَيُرَتِّبُ عَلى كُلٍّ مِنهُما جَزاءَهُ ثَوابًا وعِقابًا، وأمّا عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ: فَبِطَرِيقِ التَّرْغِيبِ فَقَطْ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَعْمَلُهُ كِلا الفَرِيقَيْنِ فَيُرْشِدُكَ إلى ما فِيهِ صَلاحُ حالِكَ وانْتِظامُ أمْرِكَ، ويُطْلِعُكَ عَلى ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ المَكايِدِ والمَفاسِدِ، ويَأْمُرُكَ بِما يَنْبَغِي لَكَ أنْ تَعْمَلَهُ في دَفْعِها ورَدِّها، فَلا بُدَّ مِنَ اتِّباعِ الوَحْيِ والعَمَلِ بِمُقْتَضاهُ حَتْمًا.

33:3Page 418

وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣

And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1

(p-90)﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: فَوِّضْ جَمِيعَ أُمُورِكَ إلَيْهِ.

﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ حافِظًا مَوْكُولًا إلَيْهِ كُلُّ الأُمُورِ.

33:4Page 418

مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤

Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ شُرُوعٌ في إلْقاءِ الوَحْيِ الَّذِي أُمِرَ ﷺ بِاتِّباعِهِ، وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعالى تَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكم وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ كَوْنَ المُظاهَرِ مِنها أُمًّا، وكَوْنَ الدَّعِيِّ ابْنًا، أيْ: بِمَنزِلَةِ الأُمِّ والِابْنِ في الآثارِ والأحْكامِ المَعْهُودَةِ، فِيما بَيْنَهم في الِاسْتِحالَةِ بِمَنزِلَةِ اجْتِماعِ قَلْبَيْنِ في جَوْفٍ واحِدٍ. وقِيلَ: هو رَدٌّ لِما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُ مِن أنَّ اللَّبِيبَ الأرِيبَ لَهُ قَلْبانِ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِأبِي مَعْمَرٍ، أوْ لِجَمِيلِ بْنِ سَيِّدٍ الفِهْرِيِّ: ذُو القَلْبَيْنِ. أيْ: ما جَمَعَ اللَّهُ تَعالى قَلْبَيْنِ في رَجُلٍ. وذِكْرُ الجَوْفِ لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ﴾ ولا زَوْجِيَّةَ ولا أُمُومَةَ في امْرَأةٍ، ولا دَعْوَةَ وبُنُوَّةَ في شَخْصٍ، لَكِنْ لا بِمَعْنى نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ والأُمُومَةِ، ونَفْيٍ بَيْنَ حَقِيقَةِ الدَّعْوَةِ والبُنُوَّةِ، كَما في القَلْبِ. ولا بِمَعْنى نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ أحْكامِ الزَّوْجِيَّةِ وأحْكامِ الأُمُومَةِ، ونَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ أحْكامِ الدَّعْوَةِ وأحْكامِ البُنُوَّةِ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ بِمَعْنى نَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وأحْكامِ الأُمُومَةِ، ونَفْيِ الجَمْعِ بَيْنَ حَقِيقَةِ الدَّعْوَةِ وأحْكامِ البُنُوَّةِ لِإبْطالِ ما كانُوا عليه من أجراءِ أحْكامِ الأُمُومَةِ عَلى المُظاهَرِ مِنها، وإجْراءِ أحْكامِ البُنُوَّةِ عَلى الدَّعِيِّ. ومَعْنى "الظِّهارِ": أنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي، مَأْخُوذٌ مِنَ الظَّهْرِ بِاعْتِبارِ اللَّفْظِ كالتَّلْبِيَةِ مِن لَبَّيْكَ. وتَعْدِيَتُهُ بِ "مِن" لِتُضَمِّنِهُ مَعْنى التَّجَنُّبِ؛ لِأنَّهُ كانَ طَلاقًا في الجاهِلِيَّةِ، وهو في الإسْلامِ يَقْتَضِي الطَّلاقَ أوِ الحُرْمَةَ، إلى أداءِ الكَفّارَةِ كَما عُدِّيَ آلى بِها، وهو بِمَعْنى حَلِفَ. وذِكْرُ "الظِّهارِ" لِلْكِنايَةِ عَنِ البَطْنِ الَّذِي هو عَمُودُهُ؛ فَإنَّ ذِكْرَهُ قَرِيبٌ مِن ذِكْرِ الفَرْجِ، أوْ لِلتَّغْلِيظِ في التَّحْرِيمِ، فَإنَّهم كانُوا يُحَرِّمُونَ إتْيانَ الزَّوْجَةِ وظَهْرُها إلى السَّماءِ. وقُرِئَ: (اللّاءِ)، وقُرِئَ: (تُظاهِرُونَ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، مِن تَتَظاهَرُونَ وتَظّاهَرُونَ بِإدْغامِ التّاءِ الثّانِيَةِ في الظّاءِ، و (تُظْهِرُونَ) مِن أظْهَرَ بِمَعْنى: تَظَهَّرَ وتَظْهَرُونَ مِن ظَهَرَ، بِمَعْنى ظاهَرَ كَعَقَدَ بِمَعْنى عاقَدَ، و (تَظْهَرُونَ) مِن ظَهَرَ ظُهُورًا. وأدْعِياءُ جَمْعُ دَعِيٍّ: وهو الَّذِي يُدْعى ولَدًا عَلى الشُّذُوذِ لِاخْتِصاصِ أفْعِلاءَ بِفَعِيلٍ بِمَعْنى فاعِلٍ، كَتَقِيٍّ وأتْقِياءَ، كَأنَّهُ شُبِّهَ بِهِ في اللَّفْظِ فَجُمِعَ جَمْعَهُ كَقُتَلاءَ وأُسَراءَ.

﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى ما يُفْهَمُ مِمّا ذُكِرَ مِنَ الظِّهارِ والدُّعاءِ، أوْ إلى الأخِيرِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِن مَساقِ الكَلامِ، أيْ: دُعاءَكم بِقَوْلِكُمْ: هَذا ابْنِي.

﴿قَوْلُكم بِأفْواهِكُمْ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ مِصْداقٌ وحَقِيقَةٌ في الأعْيانِ، فَإذَنْ هو بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِتْباعِ أحْكامِ البُنُوَّةِ كَما زَعَمْتُمْ.

﴿واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ﴾ المُطابِقَ لِلْواقِعِ ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ أيْ: سَبِيلَ الحَقِّ لا غَيْرَ فَدَعُوا أقْوالَكُمْ، وخُذُوا بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ:

33:5Page 418

ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥

Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ أيِ: انْسِبُوهم (p-91)إلَيْهِمْ، وخُصُّوهم بِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ تَعْلِيلٌ لَهُ، والضَّمِيرُ لِمَصْدَرِ "ادْعُوا" كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ . و "أقْسَطُ" أفْعَلُ قُصِدَ بِهِ الزِّيادَةُ مُطْلَقًا مِنَ القِسْطِ بِمَعْنى العَدْلِ، أيِ: الدُّعاءُ لِآبائِهِمْ بالِغٌ في العَدْلِ والصِّدْقِ في حُكْمِ اللَّهِ تَعالى وقَضائِهِ.

﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ فَتَنْسِبُوهم إلَيْهِمْ.

﴿فَإخْوانُكُمْ﴾ فَهم إخْوانُكم ﴿فِي الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾، وأوْلِياؤُكم فِيهِ، أيْ: فادْعُوهم بِالأُخُوَّةِ الدِّينِيَّةِ والمَوْلَوِيَّةِ.

﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ أيْ: إثْمٌ ﴿فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ أيْ: فِيما فَعَلْتُمُوهُ مِن ذَلِكَ مُخْطِئِينَ بِالسَّهْوِ أوِ النِّسْيانِ أوْ سَبْقِ اللِّسانِ.

﴿وَلَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ أيْ: ولَكِنَّ الجُناحَ فِيما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم بَعْدَ النَّهْيِ، أوْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكم فِيهِ الجُناحَ.

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِعَفْوِهِ عَنِ المُخْطِئِ وحُكْمِ التَّبَنِّيَ بِقَوْلِهِ: هو ابْنِي إذا كانَ عَبْدًا لِلْقائِلِ العِتْقُ عَلى كُلِّ حالٍ، ولا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنهُ إلّا إذا كانَ مَجْهُولَ النَّسَبِ، وكانَ بِحَيْثُ يُولَدُ مِثْلُهُ لِمِثْلِ المُتَبَنِّي، ولَمْ يُقِرَّ قَبْلَهُ بِنَسَبِهِ مِن غَيْرِهِ.

33:6Page 418

ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦

The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.

﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في كُلِّ أمْرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا، كَما يَشْهَدُ بِهِ الإطْلاقُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ ﷺ أحَبَّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ، وحُكْمُهُ أنْفَذُ عَلَيْهِمْ مِن حُكْمِها، وحَقُّهُ آثَرُ لَدَيْهِمْ مِن حُقُوقِها، وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ أقْدَمُ مِن شَفَقَتِهِمْ عَلَيْها. رُوِيَ أنَّهُ ﷺ أرادَ غَزْوَةَ تَبُوكَ فَأمَرَ النّاسَ بِالخُرُوجِ، فَقالَ ناسٌ: نَسْتَأْذِنُ آباءَنا وأُمَّهاتِنا. فَنَزَلَتْ. وقُرِئَ: (وَهُوَ أبٌ لَهُمْ) أيْ: في الدِّينِ. فَإنَّ كُلَّ نَبِيٍّ أبٌ لِأُمَّتِهِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أصْلٌ فِيما بِهِ الحَياةُ الأبَدِيَّةُ، ولِذَلِكَ صارَ المُؤْمِنُونَ إخْوَةً.

﴿وَأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ أيْ: مُنَزَّلاتٌ مَنزِلَةَ الأُمَّهاتِ في التَّحْرِيمِ، واسْتِحْقاقِ التَّعْظِيمِ، وأمّا فِيما عَدا ذَلِكَ فَهُنَّ كالأجْنَبِيّاتِ. ولِذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: لَسْنا أُمَّهاتِ النِّساءِ.

﴿وَأُولُو الأرْحامِ﴾ أيْ: ذُو القَراباتِ.

﴿بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ في التَّوارُثِ. وهو نَسْخٌ لِما كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ مِنَ التَّوارُثِ بِالهِجْرَةِ والمُوالاةِ في الدِّينِ.

﴿فِي كِتابِ اللَّهِ﴾ في اللَّوْحِ، أوْ فِيما أنْزَلَهُ. وهو هَذِهِ الآيَةُ، أوْ آيَةُ المَوارِيثِ، أوْ فِيما فَرَضَ اللَّهُ تَعالى.

﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ بَيانٌ لِأُولِي الأرْحامِ، أوْ صِلَةٌ لِأُولِي، أيْ: أُولُو الأرْحامِ بِحَقِّ القَرابَةِ أوْلى بِالمِيراثِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَقِّ الدِّينِ، ومِنَ المُهاجِرِينَ بِحَقِّ الهِجْرَةِ.

﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ اسْتِثْناءٌ مِن أعَمِّ ما تُقَدَّرُ الأوْلَوِيَّةُ فِيهِ مِنَ النَّفْعِ، والمُرادُ بِفِعْلِ المَعْرُوفِ التَّوْصِيَةُ أوْ مُنْقَطِعٌ.

﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ أيْ: كانَ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَتَيْنِ ثابِتًا في اللَّوْحِ أوِ القرآن، وقِيلَ: في التَّوْراةِ.

33:7Page 419

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧

And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant

﴿وَإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ أيِ: اذْكُرْ وقْتَ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ كافَّةً عُهُودَهم بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ، والدُّعاءِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

﴿وَمِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ وتَخْصِيصُهم بِالذِّكْرِ مَعَ (p-92)انْدِراجِهِمْ في النَّبِيِّينَ انْدِراجًا بَيِّنًا؛ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ مَزِيَّتِهِمْ وفَضْلِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن مَشاهِيرِ أرْبابِ الشَّرائِعِ، وأساطِينِ أُولِي العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ. وتَقْدِيمُ نَبِيِّنا عَلَيْهِمْ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِإبانَةِ خَطَرِهِ الجَلِيلِ.

﴿وَأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ أيْ: عَهْدًا عَظِيمَ الشَّأْنِ، أوْ مُؤَكَّدًا بِاليَمِينِ. وهَذا هو المِيثاقُ الأوَّلُ بِعَيْنِهِ، وأخْذُهُ هو أخْذُهُ، والعَطْفُ مَبْنِيٌّ عَلى تَنْزِيلِ التَّغايُرِ العُنْوانِيِّ مَنزِلَةَ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ تَفْخِيمًا لِشَأْنِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ إثْرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى:

33:8Page 419

لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨

That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.

﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ مُسْتَأْنَفٍ مَسُوقٍ لِبَيانِ ما هو داعٍ إلى ما ذُكِرَ مِن أخْذِ المِيثاقِ، وغايَةٌ لَهُ لا بِأخْذِنا، فَإنَّ المَقْصُودَ تَذْكِيرُ نَفْسِ المِيثاقِ، ثُمَّ بَيانُ الغَرَضِ مِنهُ بَيانًا قَصْدِيًّا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ بِالِالتِفاتِ إلى الغَيْبَةِ، أيْ: فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِيَسْألَ يَوْمَ القِيامَةِ الأنْبِياءَ، ووَضَعَ الصّادِقِينَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإيذانِ مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنَّهم صادِقُونَ فِيما سُئِلُوا عَنْهُ، وإنَّما السُّؤالُ لِحِكْمَةٍ تَقْتَضِيهِ، أيْ: لِيَسْألَ الأنْبِياءَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم عَمّا قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ، أوْ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ إيّاهم تَبْكِيتًا لَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾، أوِ المُصَدِّقِينَ لَهم عَنْ تَصْدِيقِهِمْ فَإنَّ مُصَدِّقَ الصّادِقِ صادِقٌ، وتَصْدِيقُهُ صِدْقٌ. وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لِيَسْألَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ صَدَقُوا عَهْدَهم حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ عَنْ صِدْقِهِمْ عَهْدَهُمْ، فَيَأْباهُ مَقامُ تَذْكِيرِ مِيثاقِ النَّبِيِّينَ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا ألِيمًا﴾ عُطِفَ ما ذُكِرَ مِنَ المُضْمَرِ لا عَلى أخَذْنا، كَما قِيلَ. والتَّوْجِيهُ بِأنَّ بِعْثَةَ الرُّسُلِ، وأخْذَ المِيثاقِ مِنهم لِإثابَةِ المُؤْمِنِينَ، أوْ بِأنَّ المَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى أكَّدَ عَلى الأنْبِياءِ الدَّعْوَةَ إلى دِينِهِ؛ لِأجْلِ إثابَةِ المُؤْمِنِينَ. تَعَسُّفٌ ظاهِرٌ أنَّهُ مُفْضٍ إلى كَوْنِ بَيانِ إعْدادِ العَذابِ الألِيمِ لِلْكافِرِينَ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالذّاتِ، نَعَمْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأثابَ المُؤْمِنِينَ، ﴿وَأعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ ... الآيَةَ.

33:9Page 419

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩

O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أنْ جَعَلَ النِّعْمَةَ مَصْدَرًا، فالجارٌّ مُتَعَلِّقٌ بِها وإلّا فَهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو حالٌ مِنها، أيْ: كائِنَةٌ عَلَيْكم.

﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ ظَرْفٌ لِنَفْسِ النِّعْمَةِ، أوْ لِثُبُوتِها لَهم وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِ «اذْكُرُوا» عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن نِعْمَةِ اللَّهِ. والمُرادُ بِ "الجُنُودِ" الأحْزابُ، وهم قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ، ويَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ. وكانُوا زُهاءَ اثْنَيْ عَشَرَ ألْفًا فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإقْبالِهِمْ ضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ بِإشارَةِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، ثُمَّ خَرَجَ في ثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَضَرَبَ مُعَسْكَرَهُ والخَنْدَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ القَوْمِ، وأمَرَ بِالذَّرارِيِّ والنِّساءِ فَرُفِعُوا في الآطامِ، واشْتَدَّ الخَوْفُ، وظَنَّ المُؤْمِنُونَ كُلَّ ظَنٍّ، ونَجَمَ النِّفاقُ في المُنافِقِينَ، - حَتّى قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كانَ مُحَمَّدٌ يَعِدُنا كُنُوزَ كِسْرى وقَيْصَرَ، ولا نَقْدِرُ أنْ نَذْهَبَ إلى الغائِطِ. - ومَضى عَلى الفَرِيقَيْنِ قَرِيبٌ مِن شَهْرٍ لا حَرْبَ بَيْنِهِمْ إلّا أنَّ فَوارِسَ مِن قُرَيْشٍ مِنهُمْ: عَمْرُو بْنُ عَبْدُوِدٍّ، وعِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ، وهُبَيْرَةُ بْنُ أبِي وهْبٍ، ونَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وضِرارُ بْنُ الخَطّابِ، ومِرْداسُ أخُو بَنِي مُحارِبٍ. قَدْ رَكِبُوا (p-93)خُيُولَهُمْ، وتَيَمَّمُوا مِنَ الخَنْدَقِ مَكانًا مُضَيَّقًا، فَضَرَبُوا خُيُولَهُمْ، فاقْتَحَمُوا، فَجالَتْ بِهِمْ في السَّبِخَةِ بَيْنَ الخَنْدَقِ وسَلْعٍ، فَخَرَجَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ حَتّى أخَذَ عَلَيْهِمُ الثُّغْرَةَ الَّتِي اقْتَحَمُوا مِنها، فَأقْبَلَتِ الفُرْسانُ نَحْوَهُمْ، وكانَ عَمْرٌو مَعْلَمًا لِيُرى مَكانُهُ، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يا عَمْرُو، وإنِّي أدْعُوكَ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ والإسْلامِ. قالَ: لا حاجَةَ لِي إلَيْهِ؛ فَإنِّي أدْعُوكَ إلى النِّزالِ. قالَ: يا ابْنَ أخِي، واللَّهِ لا أُحِبُّ أنْ أقْتُلَكَ. قالَ عَلِيٌّ: لَكِنِّي واللَّهِ أُحِبُّ أنْ أقْتُلَكَ. فَحَمِيَ عَمْرٌو عِنْدَ ذَلِكَ، وكانَ غَيُورًا مَشْهُورًا بِالشَّجاعَةِ، واقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهُ، أوْ ضَرَبَ وجْهَهُ ثُمَّ أقْبَلَ عَلى عَلِيٍّ فَتَناوَلا وتَجاوَلا، فَضَرَبَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ضَرْبَةً ذَهَبَتْ فِيها نَفْسُهُ، فَلَمّا قَتَلَهُ انْهَزَمَتْ خَيْلُهُ حَتّى اقْتَحَمَتْ مِنَ الخَنْدَقِ هارِبَةً، وقَتَلَ مَعَ عَمْرٍو رَجُلَيْنِ مُنَبِّهَ بْنَ عُثْمانَ ابْنَ عَبْدِ الدّارِ، ونَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيَّ قَتَلَهُ أيْضًا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم إلّا التَّرامِي بِالنَّبْلِ والحِجارَةِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى النَّصْرَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ عَطْفٌ عَلى جاءَتْكم مَسُوقٌ لِبَيانِ النِّعْمَةِ إجْمالًا، وسَيَأْتِي بَقِيَّتُها في آخِرِ القِصَّةِ.

﴿وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وهُمُ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وكانُوا ألْفًا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ صَبًا بارِدَةً في لَيْلَةٍ شاتِيَةٍ فَأخْصَرَتْهُمْ، وسَفَّتِ التُّرابَ في وُجُوهِهِمْ، وأمَرَ المَلائِكَةَ فَقَلَعَتِ الأوْتادَ، وقَطَعَتِ الأطْنابَ، وأطْفَأتِ النِّيرانَ، وأكْفَأتِ القُدُورَ، وماجَتِ الخَيْلُ بَعْضُها في بَعْضٍ، وقَذَفَ في قُلُوبِهُمُ الرُّعْبَ، وكَبَّرَتِ المَلائِكَةُ في جَوانِبِ عَسْكَرِهِمْ، فَقالَ طَلِيحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الأسَدِيُّ: أمّا مُحَمَّدٌ فَقَدْ بَدَأكم بِالسحر فالنِّجاءَ النِّجاءَ، فانْهَزَمُوا مِن غَيْرِ قِتالٍ.

﴿وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِن حَفْرِ الخَنْدَقِ، وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الحَرْبِ، وقِيلَ: مِنَ التِجائِكم إلَيْهِ، ورَجائِكم مِن فَضْلِهِ، وقُرِئَ بِالياءِ، أيْ: بِما يَعْمَلُهُ الكُفّارُ، أيْ: مِنَ التَّحَرُّزِ والمُحارَبَةِ، أوْ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.

﴿بَصِيرًا﴾ ولِذَلِكَ فَعَلَ ما فَعَلَ مِن نَصْرِكم عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ.

33:10Page 419

إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠

[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.

﴿إذْ جاءُوكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن: «إذْ جاءَتْكُمْ».

﴿مِن فَوْقِكُمْ﴾ مِن أعْلى الوادِي مِن جِهَةِ المَشْرِقِ، وهم بَنُو غَطَفانَ ومَن تابَعَهم مِن أهْلِ نَجْدٍ. قائِدُهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، وعامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ في هَوازِنَ، وضامَّتْهُمُ اليَهُودُ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ.

﴿وَمِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِن أسْفَلِ الوادِي مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، وهم قُرَيْشٌ ومَن شايَعَهم مِنَ الأحابِيشِ وبَنِي كِنانَةَ وأهْلِ تِهامَةَ، وقائِدُهم أبُو سُفْيانَ، وكانُوا عَشَرَةَ آلافٍ.

﴿وَإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّذْكِيرِ، أيْ: حِينَ مالَتْ عَنْ سُنَنِها، وانْحَرَفَتْ عَنْ مُسْتَوى نَظَرِها حَيْرَةً وشُخُوصًا، وقِيلَ: عَدَلَتْ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فَلَمْ تَلْتَفِتْ إلّا إلى عَدُوِّها لِشِدَّةِ الرَّوْعِ.

﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ لِأنَّ الرِّئَةَ تَنْتَفِخُ مِن شِدَّةِ الفَزَعِ فَيَرْتَفِعُ القَلْبُ بِارْتِفاعِها إلى رَأْسِ الحَنْجَرَةِ، وهي مُنْتَهى الحُلْقُومِ. وقِيلَ: هو مَثَلٌ في اضْطِرابِ القُلُوبِ ووَجِيبِها، وإنْ لَمْ تَبْلُغِ الحَناجِرَ حَقِيقَةً. والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ لِمَن يُظْهِرُ الإيمانَ عَلى الإطْلاقِ، أيْ: تَظُنُّونَ بِاللَّهِ تَعالى أنْواعَ الظُّنُونِ المُخْتَلِفَةِ، حَيْثُ ظَنَّ المُخْلِصُونَ الثَّبْتُ القُلُوبِ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُنْجِزُ وعْدَهُ في إعْلاءِ دِينِهِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما سَيُحْكى عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ ... الآيَةَ. (p-94)أوْ يَمْتَحِنُهم فَخافُوا الزَّلَلَ، وضَعُفَ الِاحْتِمالُ، والضِّعافُ القُلُوبِ، والمُنافِقُونَ ما حُكِيَ عَنْهم مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى "زاغَتْ". وصِيغَةُ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ والدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ، وقُرِئَ: (الظُّنُونَ) بِغَيْرِ ألِفٍ، وهو القِياسُ، وزِيادَتُها لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، كَما تُزادُ في القَوافِي.

33:11Page 419

هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١

There the believers were tested and shaken with a severe shaking.

﴿هُنالِكَ﴾ ظَرْفُ زَمانٍ، أوْ ظَرْفُ مَكانٍ لِما بَعْدَهُ، أيْ: في ذَلِكَ الزَّمانِ الهائِلِ، أوِ المَكانِ الدَّحْضِ.

﴿ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: عُومِلُوا مُعامَلَةَ مَن يُخْتَبَرُ؛ فَظَهَرَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ مِنَ المُتَزَلْزِلِ.

﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ مِنَ الهَوْلِ والفَزَعِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الزّايِ.

33:12Page 419

وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢

And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"

﴿وَإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى "إذْ زاغَتْ". وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ القَوْلِ، واسْتِحْضارِ صُورَتِهِ.

﴿والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أيْ: ضَعْفُ اعْتِقادٍ.

﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ مِن إعْلاءِ الدِّينِ والظَّفَرِ.

﴿إلا غُرُورًا﴾ أيْ: وعْدَ غُرُورٍ، وقِيلَ: قَوْلًا باطِلًا، والقائِلُ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأضْرابُهُ راضُونَ بِهِ. قالَ: يَعِدُنا مُحَمَّدٌ بِفَتْحِ كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ، وأحَدُنا لا يَقْدِرُ أنَّ يَتَبَرَّزَ فَرَقًا ما هَذا إلّا وعَدُ غُرُورٍ.

33:13Page 419

وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣

And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.

﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ هم أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وأتْباعُهُ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأشْياعُهُ.

﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ هو اسْمُ المَدِينَةِ المُطَهَّرَةِ، وقِيلَ: اسْمُ بُقْعَةٍ وقَعَتِ المَدِينَةُ في ناحِيَةٍ مِنها، وقَدْ نَهى النَّبِيُّ ﷺ أنْ تُسَمّى بِها كَراهَةً لَها، وقالَ: ««هِيَ طَيْبَةُ، أوْ طابَةُ».» كَأنَّهم ذَكَرُوها بِذَلِكَ الِاسْمِ مُخالَفَةً لَهُ ﷺ، ونِداؤُهم إيّاهم بِعُنْوانِ أهْلِيَّتِهِمْ لَها تَرْشِيحٌ لِما بَعْدَهُ مِنَ الأمْرِ بِالرُّجُوعِ إلَيْها.

﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ لا مَوْضِعَ إقامَةٍ لَكُمْ، أوْ لا إقامَةَ لَكم هَهُنا يُرِيدُونَ المُعَسْكَرَ. وقُرِئَ بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: لا قِيامَ أوْ لا مَوْضِعَ قِيامٍ لَكم.

﴿فارْجِعُوا﴾ أيْ: إلى مَنازِلِكم بِالمَدِينَةِ مُرادُهُمُ الأمْرُ بِالفِرارِ، لَكِنَّهم عَبَّرُوا عَنْهُ بِالرُّجُوعِ تَرْوِيجًا لِمَقالِهِمْ، وإيذانًا بِأنَّهُ لَيْسَ مِن قَبِيلِ الفِرارِ المَذْمُومِ. وقِيلَ: المَعْنى لا قِيامَ لَكم في دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فارْجِعُوا إلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ، أوْ فارْجِعُوا عَمّا بايَعْتُمُوهُ عَلَيْهِ، وأسْلِمُوهُ إلى أعْدائِهِ. أوْ لا مُقامَ لَكم في يَثْرِبَ، فارْجِعُوا كُفّارًا لِيَتَسَنّى لَكُمُ المَقامُ بِها، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ. فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قالَتْ. وصِيغَةُ المُضارِعِ لِما مَرَّ مِنَ اسْتِحْضارِ الصُّورَةِ، وهم بَنُو حارِثَةَ وبَنُو سَلَمَةَ اسْتَأْذَنُوهُ ﷺ في الرُّجُوعِ مُمْتَثِلِينَ بِأمْرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَسْتَأْذِنُ، أوْ حالٌ مِن فاعِلِهِ، أوِ اسْتِئْنافٌ مَبْنِيٌّ عَلى السُّؤالِ عَنْ كَيْفِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ.

﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ أيْ: غَيْرُ حَصِينَةٍ مُعَرَّضَةٌ لِلْعَدُوِّ والسُّرّاقِ، فَأْذَنْ لَنا حَتّى نُحَصِّنَها، ثُمَّ نَرْجِعَ إلى العَسْكَرِ. والعَوْرَةُ في الأصْلِ الخَلَلُ، أُطْلِقَتْ عَلى المُخْتَلِّ مُبالَغَةً، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَخْفِيفَ عَوِرَةٍ مِن عَوِرَتِ الدّارُ إذا اخْتَلَّتْ، وقَدْ قُرِئَ بِها، والأوَّلُ هو الأنْسَبُ بِمَقامِ الِاعْتِذارِ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَصْدِيرُ مَقالِهِمْ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ.

﴿وَما هي بِعَوْرَةٍ﴾ والحالُ أنَّها لَيْسَتْ كَذَلِكَ. (p-95)﴿إنْ يُرِيدُونَ﴾ ما يُرِيدُونَ بِالِاسْتِئْذانِ.

﴿إلا فِرارًا﴾ مِنَ القِتالِ.

33:14Page 419

وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤

And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.

﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أُسْنِدَ الدُّخُولُ إلى بُيُوتِهِمْ، وأُوقِعَ عَلَيْهِمْ لِما أنَّ المُرادَ فَرْضُ دُخُولِها وهم فِيها، لا فَرْضُ دُخُولِها مُطْلَقًا، كَما هو المَفْهُومُ. لَوْ لَمْ يُذْكَرِ الجارُّ والمَجْرُورُ، ولا فَرْضُ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ مُطْلَقًا كَما هو المَفْهُومُ. لَوْ أُسْنِدَ إلى الجارِّ والمَجْرُورِ ﴿مِن أقْطارِها﴾ أيْ: مِن جَمِيعِ جَوانِبِها لا مِن بَعْضِها دُونَ بَعْضٍ. فالمَعْنى: لَوْ كانَتْ بُيُوتُهم مُخْتَلَّةً بِالكُلِّيَّةِ، ودَخَلَها كُلُّ مَن أرادَ مِن أهْلِ الدَّعارَةِ والفَسادِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ مِن جِهَةِ طائِفَةٍ أُخْرى عِنْدَ تِلْكَ النّازِلَةِ والرَّجْفَةِ الهائِلَةِ.

﴿الفِتْنَةَ﴾ أيِ: الرِّدَّةَ والرَّجْعَةَ إلى الكُفْرِ مَكانَ ما سُئِلُوا الآنَ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ.

﴿لآتَوْها﴾ لَأعْطَوْها غَيْرَ مُبالِينَ بِما دَهاهم مِنَ الدّاهِيَةِ الدَّهْياءِ، والغارَةِ الشَّعْواءِ. وقُرِئَ: (لَأتَوْها) بِالقَصْرِ، أيْ: لَفَعَلُوها وجاءُوها.

﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها﴾ بِالفِتْنَةِ، أيْ: ما أُلْبِثُوها، وما أخَّرُوها ﴿إلا يَسِيرًا﴾ رَيْثَما يَسَعُ السُّؤالُ والجَوابُ مِنَ الزَّمانِ فَضْلًا عَنِ التَّعَلُّلِ بِاخْتِلالِ البُيُوتِ مَعَ سَلامَتِها، كَما فَعَلُوا الآنَ. وقِيلَ: ما لَبِثُوا بِالمَدِينَةِ بَعْدَ الِارْتِدادِ إلّا يَسِيرًا، والأوَّلُ هو اللّائِقُ بِالمَقامِ هَذا. وأمّا تَخْصِيصُ فَرْضِ الدُّخُولِ بِتِلْكَ العَساكِرِ المُتَحَزِّبَةِ فَمَعَ مُنافاتِهِ لِلْعُمُومِ المُسْتَفادِ مِن تَجْرِيدِ الدُّخُولِ عَنِ الفاعِلِ، فَفِيهِ ضَرْبٌ مِن فَسادِ الوَضْعِ لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ أنَّهم إذا دُعُوا إلى الحَقِّ تَعَلَّلُوا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ، وإنْ دُعُوا إلى الباطِلِ سارَعُوا إلَيْهِ آثِرَ ذِي أثِيرٍ، مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِمْ، ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِمْ، فَفَرْضُ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ العَساكِرِ المَذْكُورَةِ، وإسْنادُ سُؤالِ الفِتْنَةِ، والدَّعْوَةُ إلى الكُفْرِ إلى طائِفَةٍ أُخْرى مَعَ أنَّ العَساكِرَ هُمُ المَعْرُوفُونَ بِعَداوَةِ الدِّينِ، المُباشِرُونَ لِقِتالِ المُؤْمِنِينَ المُصِرُّونَ عَلى الإعْراضِ عَنِ الحَقِّ المُجِدُّونَ في الدُّعاءِ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّقْرِيبِ.

33:15Page 419

وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥

And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.

﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ فَإنَّ بَنِي حارِثَةَ عاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ فَشِلُوا أنْ لا يَعُودُوا لِمِثْلِهِ. وقِيلَ: هم قَوْمٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أهْلَ بَدْرٍ مِنَ الكَرامَةِ والفَضِيلَةِ فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ.

﴿وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولا﴾ مَطْلُوبًا مُقْتَضًى حَتّى يُوَفّى بِهِ، وقِيلَ: مَسْؤُولًا عَنِ الوَفاءِ بِهِ ومُجازًى عَلَيْهِ.

33:16Page 420

قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦

Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."

﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ﴾ فَإنَّهُ لا بُدَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مِن حَتْفِ أنْفٍ، أوْ قَتْلِ سَيْفٍ في وقْتٍ مُعَيَّنٍ سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وجَرى عَلَيْهِ القَلَمُ.

﴿وَإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ أيْ: وإنْ نَفَعَكُمُ الفِرارُ مَثَلًا فَمُتِّعْتُمْ بِالتَّأْخِيرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّمْتِيعُ إلّا تَمْتِيعًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском