Abu as-Su'udAl‑Hajj · 22:1–10

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الحج

Al-Hajj

The Pilgrimage · Medinan · 78 ayahs

22:1Page 332

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ ١

O mankind, fear your Lord. Indeed, the convulsion of the [final] Hour is a terrible thing.

(p-91)(سُورَةُ الحَجِّ مَدَنِيَّةٌ إلّا الآياتِ [52، 53، 54، 55] فَبَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وآياتُها 78 )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ خِطابٌ يَعُمُّ حُكْمُهُ المُكَلَّفِينَ عِنْدَ النُّـزُولِ ومَن سَيَنْتَظِمُ في سَلْكِهِمْ بَعْدُ مِنَ المَوْجُودِينَ القاصِرِينَ عَنْ رُتْبَةِ التَّكْلِيفِ والحادِثِينِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنْ كانَ خِطابُ المُشافَهَةِ مُخْتَصًّا بِالفَرِيقِ الأوَّلِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي مَرَّ تَقْرِيرُهُ في مَطْلَعِ (سُورَةِ النِّساءِ ) . ولَفْظُ "النّاسِ" يَنْتَظِمُ الذُّكُورَ والإناثَ حَقِيقَةً، وأمّا صِيغَةُ جَمْعِ المَذْكُورِ فَوارِدَةٌ عَلى نَهْجِ التَّغْلِيبِ لِعَدَمِ تَناوُلِها لِلْإناثِ حَقِيقَةً إلّا عِنْدَ الحَنابِلَةِ، والمَأْمُورُ بِهِ مُطْلَقُ التَّقْوى الَّذِي هو التَّجَنُّبُ عَنْ كُلِّ ما يُؤَثِّمُ مِن فِعْلٍ وتَرْكٍ، ويَنْدَرِجُ فِيهِ الإيمان باللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ حَسَبَما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ انْدِراجًا أوَّلِيًّا، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ المالِكِيَّةِ والتَّرْبِيَةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ لِتَأْيِيدِ الأمْرِ وتَأْكِيدِ إيجابِ الِامْتِثالِ بِهِ تَرْهِيبًا وتَرْغِيبًا، أيِ: احْذَرُوا عُقُوبَةَ مالِكِ أُمُورِكم ومُرَبِّيكم.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُوجَبِ الأمْرِ بِذِكْرِ بَعْضِ عُقُوباتِهِ الهائِلَةِ فَإنَّ مُلاحَظَةَ عِظَمِها وهَوْلِها وفَظاعَةِ ما هي مِن مَبادِئِهِ ومُقَدِّماتِهِ مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ الَّتِي لا مَلْجَأ مِنها سِوى التَّدَرُّعِ بِلِباسِ التَّقْوى مِمّا يُوجِبُ مَزِيدَ الِاعْتِناءِ بِمُلابَسَتِهِ ومُلازَمَتِهِ لا مَحالَةَ. والزَّلْزَلَةُ: التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ والإزْعاجُ العَنِيفُ بِطَرِيقِ التَّكْرِيرِ بِحَيْثُ يُزِيلُ الأشْياءَ مِن مَقارِّها ويُخْرِجُها عَنْ مَراكِزِها، وإضافَتُها إلى السّاعَةِ إمّا إضافَةُ المَصْدَرِ إلى فاعِلِهِ عَلى المَجازِ الحُكْمِيِّ كَأنَّها هي الَّتِي تُزَلْزِلُ الأشْياءَ، أوْ إضافَتُهُ إلى الظَّرْفِ إمّا بِإجْرائِهِ مُجْرى المَفْعُولِ بِهِ اتِّساعًا أوْ بِتَقْدِيرِ في كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾، وهي الزَّلْزَلَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾ . عَنِ الحَسَنِ: أنَّها تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: زَلْزَلَةُ السّاعَةِ: قِيامُها. وعَنْ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ: أنَّها قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِن مَغْرِبِها، فَإضافَتُها إلى السّاعَةِ حِينَئِذٍ لِكَوْنِها مِن أشْراطِها. وفي التَّعْبِيرِ عَنْها بِالشَّيْءِ إيذانٌ بِأنَّ العُقُولَ قاصِرَةٌ عَنْ إدْراكِ كُنْهِها، والعِبارَةُ ضَيِّقَةٌ لا تُحِيطُ بِها إلّا عَلى وجْهِ الإبْهامِ.

22:2Page 332

يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ ٢

On the Day you see it every nursing mother will be distracted from that [child] she was nursing, and every pregnant woman will abort her pregnancy, and you will see the people [appearing] intoxicated while they are not intoxicated; but the punishment of Allāh is severe.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَها﴾ مُنْتَصِبٌ بِما بَعْدَهُ قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ، والضَّمِيرُ لِلزَّلْزَلَةِ، أيْ: وقْتَ رُؤْيَتِكم إيّاها ومُشاهَدَتِكم لِهَوْلِ مَطْلَعِها.

﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أيْ: مُباشِرَةٍ لِلْإرْضاعِ ﴿عَمّا أرْضَعَتْ﴾ أيْ: تَغْفُلُ مَعَ دَهْشَةٍ عَمّا هي بِصَدَدِ (p-92)إرْضاعِهِ مِن طِفْلِها الَّذِي ألْقَمَتْهُ ثَدْيَها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما دُونَ "مَن" لِتَأْكِيدِ الذُّهُولِ وكَوْنُهُ بِحَيْثُ لا يَخْطُرُ بِبالِها أنَّهُ ماذا لا أنَّها تَعْرِفُ شِيئَتَهُ، لَكِنْ لا تَدْرِي مَن هو بِخُصُوصِهِ. وقِيلَ: "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تُذْهِلُ عَنْ إرْضاعِها، والأوَّلُ أدَلُّ عَلى شِدَّةِ الهَوْلِ وكَمالِ الِانْزِعاجِ. وقُرِئَ: "تُذْهَلُ" مِنَ الإذْهالِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أوْ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ مَعَ نَصْبِ "كُلَّ"، أيْ: تُذْهِلُها الزَّلْزَلَةُ.

﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها﴾ أيْ: تَلْقى جَنِينَها لِغَيْرِ تَمامٍ كَما أنَّ المُرْضِعَةَ تَذْهَلُ عَنْ ولَدِها لِغَيْرِ فِطامٍ، وهَذا ظاهِرٌ عَلى قَوْلِ عَلْقَمَةَ والشَّعْبِيِّ. وأمّا عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِتَهْوِيلِ الأمْرِ، وفِيهِ أنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ أشَدُّ مِن ذَلِكَ وأعْظَمُ وأهْوَلُ مِمّا وُصِفَ وأطَمُّ. وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَإنَّهم يَقُومُونَ عَلى ما صُعِقُوا في النَّفْخَةِ الأُولى، فَتَقُومُ المُرْضِعَةُ عَلى إرْضاعِها والحامِلُ عَلى حَمْلِها، ولا رَيْبَ في أنَّ قِيامَ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لا قَبْلَها حَتّى يَتَصَوَّرَ ما ذُكِرَ.

﴿وَتَرى النّاسَ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ والرّاءِ عَلى خِطابِ كُلِّ أحَدٍ مِنَ المُخاطَبِينَ بِرُؤْيَةِ الزَّلْزَلَةِ، والِاخْتِلافُ بِالجَمْعِيَّةِ والإفْرادِ لِما أنَّ المَرْئِيَّ في الأوَّلِ هي الزَّلْزَلَةُ الَّتِي يُشاهِدُها الجَمِيعُ، وفي الثّانِي حالٌ مِن عَدا المُخاطَبِ مِنهم فَلا بُدَّ مِنَ اِفْرادِ المُخاطَبِ عَلى وجْهٍ يَعُمُّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم، لَكِنْ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِتِلْكَ الحالَةِ فَإنَّ المُرادَ بَيانُ تَأْثِيرِ الزَّلْزَلَةِ في المَرْئِيِّ لا في الرّائِي بِاخْتِلافِ مَشاعِرِهِ لِأنَّ مَدارَهُ حَيْثِيَّةُ رُؤْيَتِهِ لِلزَّلْزَلَةِ لا لِغَيْرِها، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصِيرُ النّاسُ سُكارى .. إلَخِ، وإنَّما أُوثِرَ عَلَيْهِ ما في التَّنْـزِيلِ لِلْإيذانِ بِكَمالِ ظُهُورِ تِلْكَ الحالَةِ فِيهِمْ وبُلُوغِها مِنَ الجَلاءِ إلى حَدٍّ لا يَكادُ يَخْفى عَلى أحَدٍ، أيْ: يَراهم كُلُّ أحَدٍ.

﴿سُكارى﴾ أيْ: كَأنَّهم سُكارى ﴿وَما هم بِسُكارى﴾ حَقِيقَةً ﴿وَلَكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ فَيُرْهِقُهم هَوْلُهُ ويُطَيِّرُ عُقُولَهم ويَسْلُبُ تَمْيِيزَهم فَهو الَّذِي جَعَلَهم كَما وُصِفُوا. وقُرِئَ: "تُرى" بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الرّاءِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ مِن أرَيْتُكَ قائِمًا أوْ رُؤْيَتُكَ قائِمًا والنّاسَ مَنصُوبٌ، أيْ: تَظُنُّهم سُكارى. وقُرِئَ بِرَفْعِ النّاسِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ المَجْهُولِ إلَيْهِ والتَّأْنِيثُ عَلى تَأْوِيلِ الجَماعَةِ. وقُرِئَ "تَرى" بِضَمِّ التّاءِ وكَسْرِ الرّاءِ، أيْ: تُرِي الزَّلْزَلَةُ الخَلْقَ جَمِيعَ النّاسِ سُكارى، وقُرِئَ: "سَكْرى" و "سَكْرى" كَعَطْشى وجَوْعى إجْراءً لِلسُّكْرِ مَجْرى العِلَلِ.

22:3Page 332

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ ٣

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge and follows every rebellious devil.

﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ بَيانٍ عَظِيمِ شَأْنِ السّاعَةِ المُنْبِئَةِ عَنِ البَعْثِ بَيانًا لِحالِ بَعْضِ المُنْكِرِينَ لَها ومَحَلُّ الجارِّ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ، إمّا بِحَمْلِهِ عَلى المَعْنى أوْ بِتَقْدِيرِ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ كَما مَرَّ مِرارًا، أيْ: وبَعْضُ النّاسِ، أوْ وبَعْضٌ كائِنٌ مِنَ النّاسِ.

﴿مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِهِ تَعالى، ويَقُولُ فِيهِ ما لا خَيْرَ فِيهِ مِنَ الأباطِيلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ "يُجادِلُ" مُوَضِّحَةٌ لِما يَشْعُرُ بِها المُجادَلَةُ مِنَ الجَهْلِ، أيْ: مُلابِسًا بِغَيْرِ عِلْمٍ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحَرْثِ، وكانَ جَدَلًا يَقُولُ المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ والقرآن أساطِيرُ الأوَّلِينَ ولا بَعْثَ بَعْدَ المَوْتِ وهي عامَّةٌ لَهُ ولِأضْرابِهِ مِنَ العُتاةِ المُتَمَرِّدِينَ.

﴿وَيَتَّبِعُ﴾ أيْ: فِيما يَتَعاطاهُ مِنَ المُجادَلَةِ، أوْ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذَرُ مِنَ الأُمُورِ الباطِلَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَلِكَ.

﴿كُلَّ شَيْطانٍ مَرِيدٍ﴾ عاتٍ مُتَمَرِّدٍ مُتَجَرِّدٍ لِلْفَسادِ، وأصْلُهُ العُرى المُنْبِئِ عَنِ التَّمَخُّصِ لَهُ كالتَّشَمُّرِ، ولَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِن تَجَرُّدِ المُصارِعِينَ عِنْدَ المُصارَعَةِ، قالَ الزَّجّاجُ: المَرِيدُ والمارِدُ المُرْتَفِعُ الأمْلَسُ، والمُرادُ: إمّا رُؤَساءُ الكَفَرَةِ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِمْ إلى الكُفْرِ، وإمّا إبْلِيسُ وجُنُودُهُ.

22:4Page 332

كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ٤

It has been decreed for him [i.e., every devil] that whoever turns to him - he will misguide him and will lead him to the punishment of the Blaze.

(p-93)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى الشَّيْطانِ صِفَةٌ أُخْرى لَهُ. وقَوْلُهُ تَعالى: "أنَّهُ" فاعِلُ كُتِبَ والضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، أيْ: رُقِّمَ بِهِ لِظُهُورِ ذَلِكَ مِن حالِهِ أنَّ الشَّأْنَ.

﴿مَن تَوَلاهُ﴾ أيِ: اتَّخَذَهُ ولِيًّا وتَبِعَهُ ﴿فَأنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ بِالفَتْحِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والجُمْلَةُ جَوابُ الشَّرْطِ إنْ جُعِلَتْ "مَن" شُرْطِيَّةً وخَبَرٌ لَها إنْ جُعِلَتْ مَوْصُولَةً مُتَضَمِّنَةً لِمَعْنى الشَّرْطِ، أيْ: مَن تَوَلّاهُ فَشَأْنُهُ أنَّهُ يُضِلَّهُ عَنْ طَرِيقِ الجَنَّةِ أوْ طَرِيقِ الحَقِّ، أوْ فَحَقٌّ أنَّهُ يُضِلُّهُ قَطْعًا. وقِيلَ: "فَأنَّهُ" مَعْطُوفٌ عَلى "أنَّهُ" وفِيهِ مِنَ التَّعَسُّفِ ما لا يُخْفى. وقِيلَ: مِمّا لا يَخْلُو عَنِ التَّمَحُّلِ والتَّأْوِيلِ. وقُرِئَ: "فَإنَّهُ" بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمَن أوْ جَوابٌ لَها، وقُرِئَ بِالكَسْرِ فِيهِما عَلى حِكايَةِ المَكْتُوبِ كَما هو مِثْلُ ما في قَوْلِكَ: كَتَبْتُ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ، أوْ عَلى إضْمارِ القَوْلِ أوْ تَضْمِينِ الكُتُبِ مَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَراهُ.

﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ بِحَمْلِهِ عَلى مُباشَرَةِ ما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ السَّيِّئاتِ.

22:5Page 332

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٥

O people, if you should be in doubt about the Resurrection, then [consider that] indeed, We created you from dust, then from a sperm-drop, then from a clinging clot, and then from a lump of flesh, formed and unformed1 - that We may show you.2 And We settle in the wombs whom We will for a specified term, then We bring you out as a child, and then [We develop you] that you may reach your [time of] maturity. And among you is he who is taken in [early] death, and among you is he who is returned to the most decrepit [old] age so that he knows, after [once having] knowledge, nothing. And you see the earth barren, but when We send down upon it rain, it quivers and swells and grows [something] of every beautiful kind.

﴿يا أيُّها النّاسُ﴾ إثْرَ ما حَكى أحْوالَ المُجادِلِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ وأُشِيرَ إلى ما يُؤَوَّلُ إلَيْهِ أمْرُهم، أُقِيمَتِ الحُجَّةُ الدّالَّةُ عَلى تَحْقِيقِ ما جادَلُوا فِيهِ مِنَ البَعْثِ.

﴿إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ مِنَ اِمْكانِهِ وكَوْنِهِ مَقْدُورًا لَهُ تَعالى، أوْ مِن وُقُوعِهِ. وقُرِئَ: ﴿مِنَ البَعْثِ﴾ بِالتَّحْرِيكِ كالجَلَبِ في الجَلْبِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ اعْتِقادِهِمْ في حَقِّهِ بِالرَّيْبِ مَعَ التَّنْكِيرِ المُنْبِئِ عَنِ القِلَّةِ مَعَ أنَّهم جازِمُونَ بِاسْتِحالَتِهِ، وإيرادِ كَلِمَةِ الشَّكِّ مَعَ تُقَرِّرِ حالِهِمْ في ذَلِكَ وإيثارِ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ عَلى أنْ يُقالَ إنِ ارْتَبْتُمْ في البَعْثِ، فَقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ .

﴿فَإنّا خَلَقْناكُمْ﴾ أيْ: فانْظُرُوا إلى مَبْدَإ خَلْقِكم لَيَزُولَ رَيْبُكم، فَإنّا خَلَقْناكم أيْ: خَلَقْنا كُلَّ فَرْدٍ مِنكم ﴿مِن تُرابٍ﴾ في ضِمْنِ خَلْقِ آدَمَ مِنهُ خَلْقًا إجْمالِيًّا فَإنَّ خَلْقَ كُلِّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا لَمْ تَكُنْ فِطْرَتُهُ الشَّرِيفَةُ مَقْصُورَةً عَلى نَفْسِهِ بَلْ كانَتْ أُنْمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا مُسْتَتْبِعًا لِجَرَيانِ آثارِها عَلى الكُلِّ، فَكانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ خَلْقًا لِلْكُلِّ مِنهُ كَما مَرَّ تَحْقِيقُهُ مِرارًا.

﴿ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ أيْ: ثُمَّ خَلَقْناكم خَلْقًا تَفْصِيلِيًّا مِن نُطْفَةٍ، أيْ: مِن مَنِيٍّ مِنَ النُّطَفِ الَّذِي هو الصَّبُّ.

﴿ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ﴾ أيْ: قِطْعَةٍ مِنَ الدَّمِ جامِدَةٍ مُتَكَوِّنَةٍ مِنَ المَنِيِّ ﴿ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ﴾ أيْ: مِن قِطْعَةِ اللَّحْمِ مُتَكَوِّنَةٍ مِنَ العَلَقَةِ وهي في الأصْلِ مِقْدارُ ما يُمْضَغُ.

﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ بِالجَرِّ صِفَةُ مُضْغَةٍ، أيْ: مُسْتَبِينَةِ الخَلْقِ مُصَوَّرَةٍ.

﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ أيْ: لَمْ يَسْتَبِنْ خَلْقُها وصُورَتُها بَعْدُ. والمُرادُ: تَفْصِيلُ حالِ المُضْغَةِ وكَوْنُها أوَّلًا قِطْعَةً لَمْ يُظْهَرْ فِيها شَيْءٌ (p-94)مِنَ الأعْضاءِ ثُمَّ ظَهَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا وكانَ مُقْتَضى التَّرْتِيبِ السّابِقِ المَبْنِيِّ عَلى التَّدَرُّجِ مِنَ المَبِادِئِ البَعِيدَةِ إلى القَرِيبَةِ أنْ يُقَدِّمَ غَيْرَ المُخَلَّقَةِ عَلى المُخَلَّقَةِ، وإنَّما أُخِّرَتْ عَنْها لِأنَّها عَدَمُ المَلَكَةِ هَذا وقَدْ فُسِّرَتا بِالمُسَوّاةِ وغَيْرِ المُسَوّاةِ، وبِالتّامَّةِ والسّاقِطَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، وفي جَعْلِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن هَذِهِ المَراتِبِ مَبْدَأً لِخَلْقِهِمْ لا لِخَلْقِ ما بَعْدَها مِنَ المَراتِبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى:" ﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ ..." الآيَةَ مَزِيدُ دَلالَةٍ عَلى عَظِيمِ قدرته تعالى وكَسْرٍ لِسَوْرَةِ اسْتِبْعادِهِمْ.

﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِخَلْقِنا، وتُرِكَ المَفْعُولُ لِتَفْخِيمِهِ كَمًّا وكَيْفًا، أيْ: خَلَقْناكم عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ لِنُبَيِّنَ لَكم بِذَلِكَ ما لا تَحْصُرُهُ العِبارَةُ مِنَ الحَقائِقِ والدَّقائِقِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها سِرُّ البَعْثِ، فَإنَّ مَن تَأمَّلَ فِيما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ التَّدْرِيجِيِّ تَأمُّلًا حَقِيقِيًّا جَزَمَ جَزْمًا ضَرُورِيًّا بِأنَّ عَلى خَلْقِ البَشَرِ أوَّلًا مِن تُرابٍ لَمْ يَشُمَّ رائِحَةَ الحَياةِ قَطُّ. وإنْشائِهِ عَلى وجْهٍ مُصَحَّحٍ لِتَوْلِيدِ مِثْلِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى بِتَصْرِيفِهِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وتَحْوِيلِهِ مِن حالٍ إلى حالٍ مَعَ ما بَيْنَ تِلْكَ الأطْوارِ والأحْوالِ مِنَ المُخالَفَةِ والتَّبايُنِ فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ، بَلْ هو أهْوَنُ في القِياسِ نَظَرًا إلى الفاعِلِ والقابِلِ. وقُرِئَ: "لِيُبَيِّنَ" بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُقِرُّ في الأرْحامِ ما نَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ تَمامِ خَلْقِهِمْ، وعَدَمُ نَظْمِ هَذا وما عُطِفَ عَلَيْهِ في سَلْكِ الخَلْقِ المُعَلَّلِ بِالتَّبَيُّنِ مَعَ كَوْنِهِما مِن مُتَمِّماتِهِ ومِن مَبادِئِ التَّبْيِينِ أيْضًا لِما أنَّ دَلالَةَ الأوَّلِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها البَعْثُ المَبْحُوثُ عَنْهُ أجْلى وأظْهَرُ، أيْ: ونَحْنُ نُقِرُّ في الأرْحامِ بَعْدَ ذَلِكَ ما نَشاءُ أنْ نُقِرَّهُ فِيها.

﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ هو وقْتُ الوَضْعِ وأدْناهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ وأقْصاهُ سَنَتانِ، وقِيلَ: أرْبَعُ سِنِينَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ بَعْضَ ما في الأرْحامِ لا يَشاءُ اللَّهُ تَعالى إقْرارَهُ فِيها بَعْدَ تَكامُلِ خَلْقِهِ فَتُسْقِطُهُ، والتَّعَرُّضُ لِلْإزْلاقِ لا يُناسِبُ المَقامَ لِأنَّ الكَلامَ فِيما جَرى عَلَيْهِ أطْوارُ الخَلْقِ وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ المُرادَ بِغَيْرِ المُخَلَّقَةِ لَيْسَ مَن وُلِدَ ناقِصًا أوْ مَعِيبًا، وأنَّ ما فُصِّلَ إلى هُنا هي الأطْوارُ المُتَوارِدَةُ عَلى المَوْلُودِ قَبْلَ الوِلادَةِ. وقُرِئَ: "يُقِرُّ" بِالياءِ، و"نُقِرُّ" و "يَقُرُّ" بِضَمِ القافِ مَن قَرُرَتِ الماءُ إذا أصَبَبْتَهُ.

﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ﴾ أيْ: مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم بَعْدَ إقْرارِكم فِيها عِنْدَ تَمامِ الأجَلِ المُسَمّى.

﴿طِفْلا﴾ أيْ: حالَ كَوْنِكم أطْفالًا، والإفْرادُ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم أوْ بِإرادَةِ الجِنْسِ المُنْتَظِمِ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ. وقُرِئَ: "يُخْرِجُكُمْ" بِالياءِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكُمْ﴾ عِلَّةٌ لِنُخْرِجَكم مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ أُخْرى لَهُ مُناسِبَةٌ لَها، كَأنَّهُ قِيلَ: ثُمَّ نُخْرِجُكم لِتَكْبُرُوا شَيْئًا فَشَيْئًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمالَكم في القُوَّةِ والعَقْلِ والتَّمْيِيزِ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: ثُمَّ نُمْهِلُكم لِتَبْلُغُوا .. إلَخِ. وما قِيلَ إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى نُبَيِّنُ مُخِلٌّ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ. هَذا وقَدْ قُرِئَ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلَيْنِ بِالنَّصْبِ حِكايَةً وغَيْبَةً، فَهو حِينَئِذٍ عَطْفٌ عَلى "نُبَيِّنُ" مَثَلَهُما، والمَعْنى: خَلَقْناكم عَلى التَّدْرِيجِ المَذْكُورِ لِغايَتَيْنِ مُتَرَتِّبَتَيْنِ عَلَيْهِ، إحْداهُما أنْ نُبَيِّنَ شُئُونَنا، والثّانِيَةُ أنْ نُقِرَّكم في الأرْحامِ ثُمَّ نُخْرِجُكم صِغارًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم. وتَقْدِيمُ التَّبْيِينِ عَلى ما بَعْدَهُ مَعَ أنَّ حُصُولَهُ بِالفِعْلِ بَعْدَ الكُلِّ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ غايَةُ الغاياتِ ومَقْصُودٌ بِالذّاتِ، وإعادَةُ اللّامِ هَهُنا مَعَ تَجْرِيدِ الأوَّلِينِ عَنْها لِلْإشْعارِ بِأصالَتِهِ في الغَرَضِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِما إذْ عَلَيْهِ يَدُورُ التَّكْلِيفُ المُؤَدِّي إلى السَّعادَةِ والشَّقاوَةِ، وإيثارُ البُلُوغِ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِينَ عَلى التَّبْلِيغِ مُسْنَدًا إلَيْهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ لِأنَّهُ المُناسِبُ لِبَيانِ حالِ اتَّصافِهِمْ بِالكَمالِ واسْتِقْلالِهِمْ بِمَبْدَئِيَّةِ الآثارِ والأفْعالِ، والأشُدُّ مِنَ الفاظِ الجُمُوعِ الَّتِي لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَها واحِدٌ كالأسَدِ والقَتُودِ، وكَأنَّها حِينَ كانَتْ شِدَّةً في غَيْرِ شَيْءٍ بُنِيَتْ عَلى لَفْظِ الجَمْعِ ﴿وَمِنكم مَن يُتَوَفّى﴾ أيْ: بَعْدَ بُلُوغِ الأشُدِّ أوْ قَبْلَهُ. (p-95)وَقُرِئَ: "يَتَوَفّى" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، أيْ: يَتَوَفّاهُ اللَّهُ تَعالى.

﴿وَمِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ وهو الهَرَمُ والخَوْفُ. وقُرِئَ بِسُكُونِ المِيمِ، وإيرادُ الرَّدِّ والتَّوَفِّي عَلى صِيغَةِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلْجَرْيِ عَلى سُنَنِ الكِبْرِياءِ لِتَعْيِينِ الفاعِلِ.

﴿لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ﴾ أيْ: عِلْمٍ كَثِيرٍ ﴿شَيْئًا﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ أوْ شَيْئًا مِنَ العِلْمِ مُبالَغَةً في انْتِقاصِ عِلْمِهِ وانْتِكاسِ حالِهِ، أيْ: لَيَعُودَ إلى ما كانَ عَلَيْهِ في أوانِ الطُّفُولِيَّةِ مِن ضَعْفِ البِنْيَةِ وسَخافَةِ العَقْلِ وقِلَّةِ الفَهْمِ فَيَنْسى ما عَلِمَهُ ويُنْكِرُ ما عَرَفَهُ ويَعْجَزُ عَمّا قَدَرَ عَلَيْهِ. وفِيهِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ ما لا يَخْفى.

﴿وَتَرى الأرْضَ هامِدَةً﴾ حُجَّةٌ أُخْرى عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، وهي بَصَرِيَّةٌ. و"هامِدَةً" حالٌ مِنَ الأرْضِ، أيْ: مَيِّتَةٌ يابِسَةٌ مِن هَمَدَتِ النّارُ: إذا صارَتْ رَمادًا.

﴿فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ﴾ أيِ: المَطَرَ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ تَحَرَّكَتْ بِالنَّباتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ انْتَفَخَتْ وازْدادَتْ. وقُرِئَ: "رَبَأتْ" أيِ: ارْتَفَعَتْ.

﴿وَأنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أيْ: صِنْفٍ ﴿بَهِيجٍ﴾ حَسَنٍ رائِقٍ يَسُرُّ ناظِرَهُ.

22:6Page 333

ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

That is because Allāh is the True Reality and because He gives life to the dead and because He is over all things competent

﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ جِيءَ بِهِ إثْرَ تَحْقِيقِ حَقِّيَّةِ البَعْثِ وإقامَةِ البُرْهانِ عَلَيْهِ مِنَ العالَمَيْنِ الإنْسانِيِّ والنَّباتِيِّ، لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اثارِ أُلُوهِيَّتِهِ تَعالى وأحْكامِ شُئُونِهِ الذّاتِيَّةِ والوَصْفِيَّةِ والفِعْلِيَّةِ، وأنَّ ما يُنْكِرُونَ وُجُودَهُ بَلْ إمْكانَهُ مِنَ اِتْيانِ السّاعَةِ والبَعْثِ مِن أسْبابِ تِلْكَ الآثارِ العَجِيبَةِ الَّتِي يُشاهِدُونَها في الأنْفُسِ والآفاقِ ومَبادِئِ صُدُورِها عَنْهُ تَعالى، وفِيهِ مِنَ الإيذانِ بِقُوَّةِ الدَّلِيلِ وأصْلُهُ المَدْلُولُ في التَّحْقِيقِ وإظْهارُ بُطْلانِ إنْكارِهِ ما لا يَخْفى، فَإنَّ إنْكارَ تَحَقُّقِ السَّبَبِ مَعَ الجَزْمِ بِتَحْقِيقِ المُسَبَّبِ مِمّا يَقْضِي بِبُطْلانِهِ بَدِيهَةُ العُقُولِ. والمُرادُ بِالحَقِّ: هو الثّابِتُ الَّذِي يَحِقُّ ثُبُوتُهُ لا مَحالَةَ لِكَوْنِهِ لِذاتِهِ لا الثّابِتُ مُطْلَقًا، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِ الإنْسانِ عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ وتَصْرِيفِهِ في أحْوالٍ مُتَبايِنَةٍ، وإحْياءِ الأرْضِ بَعْدَ مَوْتِها وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الكَمالِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الجارِّ والمَجْرُورُ، أيْ: ذَلِكَ الصُّنْعُ البَدِيعُ حاصِلٌ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى هو الحَقُّ وحْدَهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ المُحَقِّقُ لِما سِواهُ مِنَ الأشْياءِ.

﴿وَأنَّهُ يُحْيِي المَوْتى﴾ أيْ: شَأْنُهُ وعادَتُهُ إحْياؤُها وحاصِلُهُ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْيائِها بَدْءًا وإعادَةً وإلّا لَما أحْيا النُّطْفَةَ والأرْضَ المَيِّتَةَ مِرارًا بَعْدَ مِرارٍ، وما تُفِيدُهُ صِيغَةُ المُضارِعِ مِنَ التَّجَدُّدِ إنَّما هو بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِ القُدْرَةِ ومُتَعَلَّقُها لا بِاعْتِبارِ نَفْسِها.

﴿وَأنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أيْ: مُبالَغٌ في القُدْرَةِ، وإلّا لَما أوْجَدَ هَذِهِ المَوْجُوداتِ القائِتَةِ لِلْحَصْرِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما ذُكِرَ، وأمّا الِاسْتِدْلالُ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ قدرته تعالى لِذاتِهِ الَّذِي نَسَبَتْهُ إلى الكُلِّ سَواءٌ فَلَمّا دَلَّتِ المُشاهَدَةُ عَلى قدرته عَلى إحْياءِ بَعْضِ الأمْواتِ لَزِمَ اقْتِدارُهُ عَلى إحْياءِ كُلِّها فَمَنشَأةُ الغُفُولِ عَمّا سِيقَ لَهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ مِن بَيانِ كَوْنِ الآثارِ الخاتِمَةِ المَذْكُورَةِ مِن فُرُوعِ القُدْرَةِ العامَّةِ اللّامَّةِ ومُسَبِّباتِها، وتَخْصِيصُ إحْياءِ المَوْتى بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ الأشْياءِ المَقْدُورِ عَلَيْها لِلتَّصْرِيحِ بِما فِيهِ النِّزاعُ والدَّفْعُ في نُحُورِ المُنْكِرِينَ، وتَقْدِيمُهُ لِإبْرازِ الِاعْتِناءِ بِهِ.

22:7Page 333

وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ ٧

And [that they may know] that the Hour is coming - no doubt about it - and that Allāh will resurrect those in the graves.

﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ أيْ: فِيما سَيَأْتِي، وإيثارُ صِيغَةِ الفاعِلِ عَلى الفِعْلِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ إتْيانِها وتُقَرِّرُهُ البَتَّةَ لِاقْتِضاءِ الحِكْمَةِ إيّاهُ لا مَحالَةَ، وتَعْلِيلُهُ بِأنَّ التَّغَيُّرَ مِن مُقَدِّماتِ الِانْصِرامِ وطَلائِعِهِ مَبْنِيٌّ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الغُفُولِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: " لا رَيْبَ فِيهِ " إمّا خَبَرٌ (p-96)ثانٍ لِأنَّ أوْ حالٌ مِن ضَمِيرِ السّاعَةِ في الخَبَرِ. ومَعْنى نَفْيِ الرَّيْبِ عَنْها: أنَّها في ظُهُورِ أمْرِها ووُضُوحِ دَلائِلِها التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْـزِيلِيَّةِ بِحَيْثُ لَيْسَ فِيها مَظِنَّةٌ أنْ يَرْتابَ في إتْيانِها حَسَبَما مَرَّ في مَطْلَعِ سُورَةِ البَقَرَةِ والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى المَجْرُورِ بِالباءِ كَما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَتَيْنِ داخِلَةٌ مِثْلُهُما في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ. وكَذا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن في القُبُورِ﴾ لَكِنْ لا مِن حَيْثُ إنَّ إتْيانَ السّاعَةِ وبَعْثَ المَوْتى مُؤَثِّرانِ فِيما ذَكَرَ مِن أفاعِيلِهِ تَعالى تَأْثِيرَ القُدْرَةِ فِيها، بَلْ مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما سَبَبٌ داعٍ لَهُ عَزَّ وجَلَّ بِمُوجِبِ رَأْفَتِهِ بِالعِبادِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ إلى ما ذُكِرَ مِن خَلْقِهِمْ ومِنَ اِحْياءِ الأرْضِ المَيِّتَةِ عَلى نَمَطٍ بَدِيعٍ صالِحٍ لِلِاسْتِشْهادِ بِهِ عَلى مَكانِهِما لَيَتَأمَّلُوا في ذَلِكَ ويَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلى وُقُوعِهِما لا مَحالَةَ ويُصَدِّقُوا بِما يَنْطِقُ بِهِما مِنَ الوَحْيِ المُبَيِّنِ ويَنالُوا بِهِ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ. ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَ تَعالى ما فَعَلَ، بَلْ لَما خَلَقَ العالَمَ رَأْسًا وهَذا كَما تَرى مِن أحْكامِ حَقِّيَّتِهِ تَعالى في أفْعالِهِ وابْتِنائِها عَلى الحِكَمِ الباهِرَةِ كَما أنَّ ما قَبْلَهُ مِن أحْكامٍ حَقِّيَّتِهِ تَعالى في صِفاتِهِ وكَوْنِها في غايَةِ الكَمالِ. وقَدْ جُعِلَ إتْيانُ السّاعَةِ وبَعْثُ مَن في القُبُورِ لِكَوْنِهِما مِن رَوادِفِ الحِكْمَةِ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ تَعالى حَكِيمًا، كَأنَّهُ قِيلَ ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إحْياءِ المَوْتى وعَلى كُلِّ مَقْدُورٍ وأنَّهُ حَكِيمٌ لا يُخْلِفُ مِيعادَهُ وقَدْ وُعِدَ بِالسّاعَةِ والبَعْثِ فَلا بُدَّ أنْ يَفِيَ بِما وعَدَ وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ مَآلَهُ الِاسْتِدْلالُ بِحكمته تعالى عَلى إتْيانِ السّاعَةِ والبَعْثِ ولَيْسَ الكَلامُ في ذَلِكَ بَلْ إنَّما هو في سَبَبِيَّتِها لِما مَرَّ مِن خَلْقِ الإنْسانِ وإحْياءِ الأرْضِ فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبَيِّنِ. وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلى المَجْرُورِ بِالياءِ ولا داخِلًا في حَيِّزِ السَّبَبِيَّةِ، بَلْ هو خَبَرٌ والمُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، والتَّقْدِيرُ: والأمْرُ أنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ وأنَّ الثّانِيَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى الأُولى. وقِيلَ: المَعْنى: ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ هو الحَقُّ ... الآيَتَيْنِ.

22:8Page 333

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ ٨

And of the people is he who disputes about Allāh without knowledge or guidance or an enlightening book [from Him],

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ﴾ هو أبُو جَهْلٍ بْنُ هِشامٍ حَسَبَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رِضى اللَّهُ عَنْهُما، وقِيلَ: هو مَن يَتَصَدّى لِإضْلالِ النّاسِ وإغْوائِهِمْ كائِنًا مَن كانَ، كَما أنَّ الأوَّلَ مِن يُقَلِّدُهم عَلى أنَّ الشَّيْطانَ عِبارَةٌ عَنِ المُضِلِّ المُغْوِيِ عَلى الإطْلاقِ.

﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "يُجادِلُ"، أيْ: كائِنًا بِغَيْرِ عِلْمٍ، والمُرادُ بِالعِلْمِ: العِلْمُ الضَّرُورِيُّ، كَما أنَّ المُرادَ بِالهُدى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا هُدًى﴾: هو الِاسْتِدْلالُ والنَّظَرُ الصَّحِيحُ الهادِي إلى المَعْرِفَةِ.

﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ وحَيٍّ مُظْهِرٍ لِلْحَقِّ، أيْ يُجادِلُ في شَأْنِهِ تَعالى مِن غَيْرِ تَمَسُّكٍ بِمُقَدِّمَةٍ ضَرُورِيَّةٍ ولا بِحُجَّةٍ نَظَرِيَّةٍ ولا بِبُرْهانٍ سَمْعِيٍّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطانًا وما لَيْسَ لَهم بِهِ عِلْمٌ﴾ . وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المُرادَ بِهِ المُجادَلَةُ الأوَّلُ والتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ والتَّمْهِيدِ لِما بَعْدَهُ مِن بَيانِ أنَّهُ سَنَدٌ لَهُ مِنِ اسْتِدْلالٍ أوْ وحْيٍ فَلا يُساعِدُهُ النَّظْمُ الكَرِيمُ، كَيْفَ لا وإنَّ وصْفَهُ بِاتِّباعِ كُلِّ شَيْطانٍ مَوْصُوفٍ بِما ذُكِرَ يُغْنِي عَنْ وصْفِهِ بِالعَراءِ عَنِ الدَّلِيلِ العَقْلِيِّ والسَّمْعِيِّ.

22:9Page 333

ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٩

Twisting his neck [in arrogance] to mislead [people] from the way of Allāh. For him in the world is disgrace, and We will make him taste on the Day of Resurrection the punishment of the Burning Fire [while it is said],

﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ حالٌ أُخْرى مِن فاعِلِ "يُجادِلُ"، أيْ: عاطِفًا لِجانِبِهِ وطاوِيًا كَشْحَهُ مُعْرِضًا مُتَكِبِّرًا، فَإنَّ ثَنْيَ العَطْفِ كِنايَةٌ عَنِ (p-97)التَّكَبُّرِ. وقُرِئَ بِفَتْحِ العَيْنِ، أيْ: مانِعًا لِتَعَطُّفِهِ.

﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِيُجادِلُ، فَإنَّ غَرَضَهُ الإضْلالُ عَنْهُ وإنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِأنَّهُ إضْلالٌ، والمُرادُ بِهِ: إمّا الإخْراجُ مِنَ الهُدى إلى الضَّلالِ، فالمَفْعُولُ مِن يُجادِلُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوِ النّاسِ جَمِيعًا بِتَغْلِيبِ المُؤْمِنِينَ عَلى غَيْرِهِمْ، وإمّا التَّثْبِيتُ عَلى الضَّلالِ أوِ الزِّيادَةُ عَلَيْهِ مَجازًا فالمَفْعُولُ هُمُ الكَفَرَةُ خاصَّةً. وقُرِئَ بِفَتْحِ الياءِ، وجُعِلَ ضَلالُهُ غايَةً لِجِدالِهِ مِن حَيْثُ إنَّ المُرادَ بِهِ الضَّلالُ المُبِينُ الَّذِي لا هِدايَةَ لَهُ بَعْدَهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنها قَبْلَ ذَلِكَ.

﴿لَهُ في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ نَتِيجَةِ ما سَلَكَهُ مِنَ الطَّرِيقَةِ، أيْ: يَثْبُتُ لَهُ في الدُّنْيا بِسَبَبِ ما فَعَلَهُ خِزْيٌ، وهو ما أصابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والصَّغارِ.

﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ عَذابَ الحَرِيقِ﴾ أيِ: النّارِ المُحْرِقَةِ.

22:10Page 333

ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ١٠

"That is for what your hands have put forth and because Allāh is not ever unjust to [His] servants."

﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِكَوْنِهِ في الغايَةِ القاصِيَةِ مِنَ الهَوْلِ والفَظاعَةِ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ يَداكَ﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما اقْتَرَفْتَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي. وإسْنادُهُ إلى يَدَيْهِ لِما أنَّ الِاكْتِسابَ عادَةً يَكُونُ بِالأيْدِي، والِالتِفاتُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ. ومَحَلُّ "أنَّ" في قَوْلِهِ عَزَّ وعَلا: ﴿وَأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: والأمْرُ أنَّهُ تَعالى لَيْسَ بِمُعَذِّبٍ لِعَبِيدِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ مَن قِبَلِهِمْ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِنَفْيِ الظُّلْمِ مَعَ أنَّ تَعْذِيبَهم بِغَيْرِ ذَنْبٍ لَيْسَ بِظُلْمٍ قَطْعًا عَلى ما نَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةِ فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ ظُلْمًا بِالِغًا قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في (سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ) . والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لَمَضْمُونِ ما قَبْلَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ مَحَلَّ "أنَّ" هو الجَرُّ بِالعَطْفِ عَلى ما قَدَّمَتْ فَقَدْ عَرَفْتَ حالَهُ في (سُورَةِ الأنْفالِ ) .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском