Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الجاثية
Al-Jathiyah
The Crouching · Meccan · 37 ayahs
سُورَةُ الجاثِيَةِ
مَكِّيَّةٌ وهي سَبْعٌ وثَلاثُونَ آيَةً
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
﴿حم﴾ الكَلامُ فِيهِ كَما مَرَّ في فاتِحَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِ فَإنْ جُعِلَ اسْمًا لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هَذا مُسَمّى بِـ"حَمْ" والإشارَةُ إلى السُّورَةِ قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها قَدْ وقَفْتَ عَلى سِرِّهِ مِرارًا وإنْ جُعِلَ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا حَظَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
45:2Page 499
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ أيِ: المُؤَلَّفُ مِن جِنْسٍ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ. وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِـ"حُمَّ" أيِ: المُسَمّى بِهِ تَنْزِيلُ ...إلَخْ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا أنَّ الَّذِي يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ وإذْ لا عَهْدَ بِالتَّسْمِيَةِ بَعْدُ فَحَقُّها الإخْبارُ بَها وأمّا جَعْلُهُ خَبَرًا لَهُ بِتَقْدِيرِ المُضافِ وإبْقاءِ التَّنْزِيلِ عَلى أصْلِهِ أيْ: تَنْزِيلُ "حم" تَنْزِيلُ الكِتابِ فَمَعَ عَرائِهِ عَنْ إفادَةِ فائِدَةٍ يُعْتَدُّ بِها تَمَحُّلٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ كَمًّا مَرَّ في صَدْرِ سُورَةِ الزُّمَرُ عَلى التَّفْصِيلِ. وقِيلَ: ﴿حم﴾ مُقْسَمٌ بِهِ وتَنْزِيلُ الكِتابِ صِفَتُهُ وجَوابُ القَسَمِ قَوْلُهُ تَعالى:
45:3Page 499
إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٣
Indeed, within the heavens and earth are signs for the believers.
﴿إنَّ في السَّماواتِ والأرْضِ لآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وهو عَلى الوُجُوهِ المُتَقَدِّمَةِ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ الآفاقِيَّةِ والأنْفُسِيَّةِ ومَحَلُّ الآياتِ إمّا نَفْسُ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنَّهُما مُنْطَوِيَتانِ مِن فُنُونِ الآياتِ عَلى ما يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ وإمّا خَلْقُهُما كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ " وهو الأوْفَقُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
45:4Page 499
وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٤
And in the creation of yourselves and what He disperses of moving creatures are signs for people who are certain [in faith].
﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾ أيْ: مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ مُتَقَلِّبَةٍ في أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ إلى تَمامِ الخَلْقِ.
﴿وَما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ﴾ عَطْفٌ عَلى المُضافِ دُونَ المُضافِ إلَيْهِ أيْ: وفِيما يَنْشُرُهُ ويُفَرِّقُهُ مِن دابَّةٍ.
﴿آياتٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ الظَّرْفُ المُقَدَّمُ والجُمَلُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها مِنَ الجُمْلَةِ المُصَدَّرَةِ بِإنَّ. وقِيلَ: "آياتٌ" عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها مِن آياتٍ بِاعْتِباِرِ المَحَلِّ عِنْدَ مَن يُجَوِّزُهُ، وقُرِئَ (p-68)"آيَةٌ" بِالتَّوْحِيدِ، وقُرِئَ "آياتٍ" بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى ما قَبْلَها مِنَ اسْمِ إنَّ والخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ: وإنَّ في خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٍ.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ: مِن شَأْنِهِمْ أنْ يُوقِنُوا بِالأشْياءِ عَلى ما هي عَلَيْهِ.
45:5Page 499
وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٥
And [in] the alternation of night and day and [in] what Allāh sends down from the sky of provision [i.e., rain] and gives life thereby to the earth after its lifelessness and [in His] directing of the winds are signs for a people who reason.
﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ بِالجَرِّ عَلى إضْمارِ الجارِّ المَذْكُورِ في الآيَتَيْنِ قَبْلَهُ، وقَدْ قُرِئَ بِذِكْرِهِنَّ والمُرادُ: بِاخْتِلافِهِما إمّا تَعاقُبُهُما أوْ تَفاوُتُهُما طُولًا وقِصَرًا.
﴿وَما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ﴾ عَطْفٌ عَلى "اخْتِلافِ".
﴿مِن رِزْقٍ﴾ أيْ: مِن مَطَرٍ وهو سَبَبٌ لِلرِّزْقِ عُبِّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى كَوْنِهِ آيَةً مِن جِهَتَيِ القُدْرَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾ بِأنْ أخْرَجَ مِنها أصْنافَ الزُّرُوعِ والثَّمَراتِ والنَّباتِ.
﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ وعَرائِها عَنْ آثارِ الحَياةِ وانْتِفاءِ قُوَّةِ التَّنْمِيَةِ عَنْها وخُلُوِّ أشْجارِها عَنِ الثِّمارِ.
﴿وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ مِن جِهَةٍ أُخْرى ومِن حالٍ إلى حال، وقُرِئَ بِتَوْحِيدِ " الرِّيحِ"، وتَأْخِيرُهُ عَنْ إنْزالِ المَطَرِ مَعَ تَقَدُّمِهِ عَلَيْهِ في الوُجُودِ إمّا لِلْإيذانِ بِأنَّهُ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ حَيْثُ لَوْ رُوعِيَ التَّرْتِيبُ الوُجُودِيُّ لَرُبَّما تُوُهِّمَ أنَّ مَجْمُوعَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وإنْزالِ المَطَرِ آيَةٌ واحِدَةٌ وإمّا لِأنَّ كَوْنَ التَّصْرِيفِ آيَةً لَيْسَ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَبْدَأً لِإنْشاءِ المَطَرِ بَلْ لَهُ ولِسائِرِ المَنافِعِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها سَوْقُ السُّفُنِ في البِحارِ.
﴿آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما تَقَدَّمَ مِنَ الجارِّ والمَجْرُورِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ. وقِيلَ: عَلى أنَّها اسْمُ إنَّ، والمَجْرُورُ المُتَقَدِّمُ خَبَرُها بِطَرِيقِ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ هُما إنَّ وفي أُقِيمَتِ الواوُ مُقامَهُما فَعَمِلَتِ الجَرَّ في اخْتِلافِ والنَّصْبَ في "آياتٍ"، وتَنْكِيرُ "آياتٍ" في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ لِلتَّفْخِيمِ كَمًّا وكَيْفًا واخْتِلافُ الفَواصِلِ لِاخْتِلافِ مَراتِبَ الآياتِ في الدِّقَّةِ والجَلاءِ.
45:6Page 499
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ ٦
These are the verses of Allāh which We recite to you in truth. Then in what statement after Allāh and His verses will they believe?
﴿تِلْكَ آياتُ اللَّهِ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ﴾ حالٌ عامِلُها مَعْنى الإشارَةِ. وقِيلَ: هو الخَبَرُ و"آياتُ اللَّهِ" بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ.
﴿بِالحَقِّ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "نَتْلُو" ومِن مَفْعُولِهِ أيْ: نَتْلُوها مُحِقِّينَ أوْ مُلْتَبِسَةً بِالحَقِّ.
﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ﴾ مِنَ الأحادِيثِ.
﴿بَعْدَ اللَّهِ وآياتِهِ﴾ أيْ: بَعْدَ آياتِ اللَّهِ، وتَقْدِيمُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَعْظِيمِها كَما في قَوْلِهِمْ: "أعْجَبَنِي زَيْدٌ وكَرْمُهُ" أوْ بَعْدَ "حَدِيثِ اللَّهِ" الَّذِي هو القرآن حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ وهو المُرادُ بِآياتِهِ ومَناطُ العَطْفِ التَّغايُرُ العُنْوانِيُّ.
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ بِصِيغَةِ الغَيْبَةِ وقُرِئَ بِالتّاءِ.
﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ﴾ كَذّابٍ.
﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرُ الآثامِ.
45:8Page 499
يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٨
Who hears the verses of Allāh recited to him, then persists arrogantly as if he had not heard them. So give him tidings of a painful punishment.
﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"أفّاكٍ". وقِيلَ: اسْتِئْنافٌ. وقِيلَ: حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "أثِيمٍ".
﴿تُتْلى عَلَيْهِ﴾ حالٌ مِن آياتِ اللَّهِ ولا مَساغَ لِجَعْلِهِ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ"يَسْمَعُ" لِأنَّ شَرْطَهُ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَهُ مِمّا لا يُسْمَعُ (p-69)كَقَوْلِكَ: "سَمِعْتُ زَيْدًا يَقْرَأُ".
﴿ثُمَّ يُصِرُّ﴾ أيْ: يُقِيمُ عَلى كُفْرِهِ، وأصْلُهُ: مِن إصْرارِ الحِمارِ عَلى العانَةِ.
﴿مُسْتَكْبِرًا﴾ عَنِ الإيمانِ بِما سَمِعَهُ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى والإذْعانِ لِما تَنْطِقُ مُزْدَرِيًا لَها مُعْجَبًا بِما عِنْدَهُ مِنَ الأباطِيلِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ وكانَ يَشْتَرِي مِن أحادِيثِ الأعاجِمِ ويَشْغَلُ بِها النّاسَ عَنِ اسْتِماعِ القرآن لَكِنَّها ورَدَتْ بِعِبارَةٍ عامَّةٍ ناعِيَةٍ عَلَيْهِ وعَلى كُلِّ مَن يَسِيرُ سِيرَتَهُ ما هم فِيهِ مِنَ الشَّرِّ والفَسادِ، وكَلِمَةُ "ثُمَّ" لِاسْتِبْعادِ الإصْرارِ والِاسْتِكْبارِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ الَّتِي حَقُّها أنْ تُذْعِنَ لَها القُلُوبُ وتَخْضَعَ لَها الرِّقابُ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها].
﴿كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ أيْ: كَأنَّ لَمْ يَسْمَعْها فَخُفِّفَ وحُذِفَ ضَمِيرُ الشَّأْنِ والجُمْلَةُ حالٌ مِن "يُصِرُّ" أيْ: يُصِرُّ شَبِيهًا بِغَيْرِ السّامِعِ.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ عَلى إصْرارِهِ واسْتِكْبارِهِ.
45:9Page 499
وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٩
And when he knows anything of Our verses, he takes them in ridicule. Those will have a humiliating punishment.
﴿وَإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا﴾ أيْ: إذا بَلَغَهُ مِن آياتِنا شَيْءٌ وعَلِمَ أنَّهُ مِن آياتِنا لا أنَّهُ عَلِمَهُ كَما هو عَلَيْهِ فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ العِلْمِ. وقِيلَ: إذا عَلِمَ مِنها شَيْئًا يُمْكِنُ أنْ يَتَشَبَّثَ بِهِ المُعانِدُ ويَجِدَ لَهُ مَحْمَلًا فاسِدًا يَتَوَصَّلُ بِهِ إلى الطَّعْنِ والغَمِيزَةِ.
﴿اتَّخَذَها﴾ أيِ: الآياتُ كُلُّها.
﴿هُزُوًا﴾ أيْ: مَهْزُوئًا بِها لا ما سَمِعَهُ فَقَطْ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلشَّيْءِ والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ في مَعْنى الآياتِ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى كُلِّ أفّاكٍ مِن حَيْثُ الِاتِّصافُ بِما ذُكِرَ مِنَ القَبائِحِ، والجَمْعُ بِاعْتِبارِ الشُّمُولِ لِلْكُلِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ مِنَ الضَّمائِرِ بِاعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ واحِدٍ.
﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ جِناياتِهِمُ المَذْكُورَةِ.
﴿عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وصْفُ العَذابِ بِالإهانَةِ تَوْفِيَةً لِحَقِّ اسْتِكْبارِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى.
45:10Page 499
مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٠
Before them1 is Hell, and what they had earned will not avail them at all nor what they had taken besides Allāh as allies. And they will have a great punishment.
﴿مِن ورائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أيْ: مِن قُدّامِهِمْ لِأنَّهم مُتَوَجِّهُونَ إلى ما أُعِدَّ لَهم أوْ مِن خَلْفِهِمْ لِأنَّهم مُعْرِضُونَ عَنْ ذَلِكَ مُقْبِلُونَ عَلى الدُّنْيا، فَإنَّ الوَراءَ اسْمٌ لِلْجِهَةِ الَّتِي يُوارِيها الشَّخْصُ مِن خَلَفٍ وقُدّامٍ.
﴿وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ولا يَدْفَعُ.
﴿ما كَسَبُوا﴾ مِنَ الأمْوالِ والأوْلادِ.
﴿شَيْئًا﴾ مِن عَذابِ اللَّهِ تَعالى أوْ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ.
﴿وَلا ما اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أوْلِياءَ﴾ أيِ: الأصْنامَ وتَوْسِيطُ حَرْفِ النَّفْيِ بَيْنِ المَعْطُوفَيْنِ مَعَ أنَّ عَدَمَ إغْناءِ الأصْنامِ أظْهَرُ وأجْلى مِن عَدَمِ إغْناءِ الأمْوالِ والأوْلادِ قَطْعًا مَبْنِيٌّ عَلى زَعْمِهِمُ الفاسِدِ حَيْثُ كانُوا يَطْمَعُونَ في شَفاعَتِهِمْ وفِيهِ تَهَكُّمٌ.
﴿وَلَهُمْ﴾ فِيما وراءَهم مِن جَهَنَّمَ.
﴿عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
45:11Page 499
هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ ١١
This [Qur’ān] is guidance. And those who have disbelieved in the verses of their Lord will have a painful punishment of foul nature.
﴿هَذا﴾ أيِ: القرآن.
﴿هُدًى﴾ في غايَةِ الكَمالِ مِنَ الهِدايَةِ كَأنَّهُ نَفْسُها.
﴿والَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: بِالقرآن وإنَّما وضَعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ لِزِيادَةِ تَشْنِيعِ كُفْرِهِمْ بِهِ وتَفْظِيعِ حالِهِمْ.
﴿لَهم عَذابٌ مِن رِجْزٍ﴾ أيْ: مِن أشَدِّ العَذابِ.
﴿ألِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ "عَذابٌ"، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رِجْزٍ" وتَنْوِينُ "عَذابٌ" في المَواقِعِ الثَّلاثَةِ لِلتَّفْخِيمِ ورَفْعُهُ إمّا عَلى الِابْتِداءِ وإمّا عَلى الفاعِلِيَّةِ.
45:12Page 499
۞ ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٢
It is Allāh who subjected to you the sea so that ships may sail upon it by His command and that you may seek of His bounty; and perhaps you will be grateful.
(p-70)﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ البَحْرَ﴾ بِأنْ جَعَلَهُ أمْلَسَ السَّطْحِ يَطْفُو عَلَيْهِ ما يَتَخَلَّلُ كالأخْشابِ ولا يَمْنَعُ الغَوْصَ والخَرْقَ لِمَيَعانِهِ.
﴿لِتَجْرِيَ الفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾ وأنْتُمْ راكِبُوها.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ بِالتِّجارَةِ والغَوْصِ والصَّيْدِ وغَيْرِها.
﴿وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ولِكَيْ تَشْكُرُوا النِّعَمَ المُتَرَتِّبَةَ عَلى ذَلِكَ.
45:13Page 499
وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ١٣
And He has subjected to you whatever is in the heavens and whatever is on the earth - all from Him. Indeed in that are signs for a people who give thought.
﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِنَ المَوْجُوداتِ بِأنْ جَعَلَها مَدارًا لِمَنافِعِكم.
﴿جَمِيعًا﴾ إمّا حالٌ مِن "ما في السَّمَواتِ والأرْضِ" أوْ تَوْكِيدٌ لَهُ.
﴿مِنهُ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ"جَمِيعًا" أوْ حالٌ مِن "ما" أيْ: جَمِيعًا كائِنًا مِنهُ تَعالى أوْ سَخَّرَ لَكم هَذِهِ الأشْياءَ كائِنَةً مِنهُ مَخْلُوقَةً لَهُ تَعالى أوْ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ أيْ: هي جَمِيعًا مِنهُ تَعالى، وقُرِئَ "مِنهُ" عَلى المَفْعُولِ لَهُ و"مِنهُ" عَلى أنَّهُ فاعِلُ "سَخَّرَ" عَلى الإسْنادِ المَجازِيِّ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: ذَلِكَ مِنهُ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ العَظائِمِ.
﴿لآياتٍ﴾ عَظِيمَةَ الشَّأْنِ كَثِيرَةَ العَدَدِ.
﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهم يَقِفُونَ بِذَلِكَ عَلى جَلائِلِ نِعَمِهِ تَعالى ودَقائِقِها ويُوَفَّقُونَ لِشُكْرِها.
45:14Page 500
قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
Say, [O Muḥammad], to those who have believed that they [should] forgive those who expect not the days of Allāh [i.e., of His retribution] so that He may recompense a people1 for what they used to earn.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ حُذِفَ المَقُولُ لِدَلالَةِ.
﴿يَغْفِرُوا﴾ عَلَيْهِ فَإنَّهُ جَوابٌ لِلْأمْرِ بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِهِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ فَقَطْ أيْ: قُلْ لَهُمُ اغْفِرُوا يَغْفِرُوا.
﴿لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَعْفُوا ويَصْفَحُوا عَنِ الَّذِينَ لا يَتَوَقَّعُونَ وقائِعَهُ تَعالى بِأعْدائِهِ مِن قَوْلِهِمْ أيّامُ العَرَبِ لِوَقائِعِها. وقِيلَ: لا يَأْمُلُونَ الأوْقاتَ الَّتِي وقَّتَها اللَّهُ تَعالى لِثَوابِ المُؤْمِنِينَ ووَعْدِهِمُ الفَوْزَ فِيها. قِيلَ نَزَلَتْ قَبْلَ آيَةِ القِتالِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِها. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عُمْرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ شَتَمَهُ غِفارِيٌّ فَهَّمَ أنْ يَبْطِشَ بِهِ. وقِيلَ: حِينَ قالَ ابْنُ أُبَيٍّ ما قالَ؛ وذَلِكَ أنَّهم نَزَلُوا في غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ عَلى بِئْرٍ يُقالُ لَها المُرَيْسِيعُ فَأرْسَلَ ابْنُ أُبَيٍّ غُلامَهُ يَسْتَقِي فَأبْطَأ عَلَيْهِ فَلَمّا أتاهُ قالَ لَهُ: ما حَبَسَكَ؟ قالَ غُلامُ عُمَرَ: قَعَدَ عَلى طَرَفِ البِئْرِ فَما تَرَكَ أحَدًا يَسْتَقِي حَتّى مَلَأ قِرَبَ النَّبِيِّ ﷺ وقِرَبَ أبِي بَكْرٍ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: ما مَثَلُنا ومَثَلُ هَؤُلاءِ إلّا كَما قِيلَ سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فاشْتَمَلَ سَيْفَهُ يُرِيدُ التَّوَجُّهَ إلَيْهِ فَأنْزَلَها اللَّهُ تَعالى.
﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ والمُرادُ بِالقَوْمِ: المُؤْمِنُونَ، والتَّنْكِيرُ لِمَدْحِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ أيْ: أُمِرُوا بِذَلِكَ لِيَجْزِيَ يَوْمَ القِيامَةِ قَوْمًا أيَّما قَوْمٍ قَوْمًا مَخْصُوصِينَ بِما كَسَبُوا في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الصَّبْرُ عَلى أذِيَّةِ الكَفّارِ والإغْضاءُ عَنْهم بِكَظْمِ الغَيْظِ واحْتِمالِ المَكْرُوهِ ما يَقْصُرُ عَنْهُ البَيانُ مِنَ الثَّوابِ العَظِيمِ، هَذا وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالقَوْمِ: الكَفَرَةُ، وبِما كانُوا يَكْسِبُونَ: سَيِّئاتُهُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما حُكِيَ مِنَ الكَلِمَةِ الخَبِيثَةِ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّحْقِيرِ وفِيهِ أنَّ مُطْلَقَ الجَزاءِ لا يَصْلُحُ تَعْلِيلًا لِلْأمْرِ بِالمَغْفِرَةِ لِتَحَقُّقِهِ عَلى تَقْدِيرَيِ المَغْفِرَةِ وعَدَمِها فَلا بُدَّ مِن تَخْصِيصِهِ بِالكُلِّ بِأنْ لا يَتَحَقَّقَ بَعْضٌ مِنهُ في الدُّنْيا أوْ بِما يَصْدُرُ عَنْهُ تَعالى بِالذّاتِ وفي ذَلِكَ مِنَ التَّكَلُّفِ ما لا (p-71)يَخْفى. وأنْ يُرادَ كِلا الفَرِيقَيْنِ وهو أكْثَرُ تَكَلُّفًا وأشُدُّ تَمَحُّلًا، وقُرِئَ "لِيُجْزى قَوْمٌ" و"لِيُجْزى قَوْمًا" أيْ: لِيُجْزى الجَزاءُ قَوْمًا، وقُرِئَ "لِنَجْزِيَ" بِنُونِ العَظَمَةِ.
45:15Page 500
مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١٥
Whoever does a good deed - it is for himself; and whoever does evil - it is against it [i.e., the self or soul]. Then to your Lord you will be returned.
﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ لا يَكادُ يَسْرِي عَمَلٌ إلى غَيْرِ عامِلِهِ.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ﴾ مالِكِ أُمُورِكم.
﴿تُرْجَعُونَ﴾ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا.
45:16Page 500
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
And We did certainly give the Children of Israel the Scripture and judgement1 and prophethood, and We provided them with good things and preferred them over the worlds.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إسْرائِيلَ الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ.
﴿والحُكْمَ﴾ أيِ: الحِكْمَةَ النَّظَرِيَّةَ والعِلْمِيَّةَ والفِقْهَ في الدِّينِ أوْ فَصْلَ الخُصُوماتِ بَيْنَ النّاسِ إذْ كانَ المُلْكُ فِيهِمْ.
﴿والنُّبُوَّةَ﴾ حَيْثُ كَثُرَ فِيهِمُ الأنْبِياءُ ما لَمْ يَكْثُرْ في غَيْرِهِمْ.
﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ تَعالى مِنَ اللَّذائِذِ كالمَنِّ والسَّلْوى.
﴿وَفَضَّلْناهم عَلى العالَمِينَ﴾ حَيْثُ آتَيْناهم ما لَمْ يُؤْتَ مَن عَداهم مِن فَلْقِ البَحْرِ وإضْلالِ الغَمامِ ونَظائِرِها. وقِيلَ: عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ.
45:17Page 500
وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٧
And We gave them clear proofs of the matter [of religion]. And they did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
﴿وَآتَيْناهم بَيِّناتٍ مِنَ الأمْرِ﴾ دَلائِلَ ظاهِرَةً في أمْرِ الدِّينِ ومُعْجِزاتٍ قاهِرَةً. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو العِلْمُ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وما بَيَّنَ لَهم مِن أمْرِهِ وأنَّهُ يُهاجِرُ مِن تِهامَةَ إلى يَثْرِبَ ويَكُونُ أنْصارُهُ أهْلَ يَثْرِبَ.
﴿فَما اخْتَلَفُوا﴾ في ذَلِكَ الأمْرِ.
﴿إلا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ﴾ بِحَقِيقَتِهِ وحَقِّيَتِهِ فَجَعَلُوا ما يُوجِبُ زَوالَ الخِلافِ مُوجِبًا لِرُسُوخِهِ.
﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أيْ: عَداوَةً وحَسَدًا لا شَكًّا فِيهِ.
﴿إنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ بِالمُؤاخَذَةِ والجَزاءِ.
﴿فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أمْرِ الدِّينِ.
45:18Page 500
ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨
Then We put you, [O Muḥammad], on an ordained way concerning the matter [of religion]; so follow it and do not follow the inclinations of those who do not know.
﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ﴾ أيْ: سُنَّةٍ وطَرِيقَةٍ عَظِيمَةِ الشَّأْنِ.
﴿مِنَ الأمْرِ﴾ أيْ: أمْرِ الدِّينِ.
﴿فاتَّبِعْها﴾ بِإجْراءِ أحْكامِها في نَفْسِكَ وفي غَيْرِكَ مِن غَيْرِ إخْلالٍ بِشَيْءٍ مِنها.
﴿وَلا تَتَّبِعْ أهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أيْ: آراءَ الجَهَلَةِ واعْتِقاداتِهِمُ الزّائِغَةَ التّابِعَةَ لِلشَّهَواتِ وهم رُؤَساءُ قُرَيْش كانُوا يَقُولُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ارْجِعْ إلى دِينِ آبائِكَ.
45:19Page 500
إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩
Indeed, they will never avail you against Allāh at all. And indeed, the wrongdoers are allies of one another; but Allāh is the protector of the righteous.
﴿إنَّهم لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ مِمّا أرادَ بِكَ إنِ اتَّبَعْتَهم.
﴿وَإنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لا يُوالِيهِمْ ولا يَتَّبِعُ أهْواءَهم إلّا مَن كانَ ظالِمًا مِثْلَهَمْ.
﴿واللَّهُ ولِيُّ المُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ أنْتَ قُدْوَتُهم قُدِّمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مَن تَوَلِّيهِ خاصَّةً والإعْراضِ عَمّا سِواهُ بِالكُلِّيَّةِ.
45:20Page 500
هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٢٠
This [Qur’ān] is enlightenment for mankind and guidance and mercy for a people who are certain [in faith].
﴿هَذا﴾ أيِ: القرآن أوِ اتِّباعُ الشَّرِيعَةِ.
﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ (p-72)فَإنَّ ما فِيهِ مِن مَعالِمِ الدِّينِ وشَعائِرِ الشَّرائِعِ بِمَنزِلَةِ البَصائِرِ في القُلُوبِ.
﴿وَهُدًى﴾ مِن ورْطَةِ الضَّلالَةِ.
﴿وَرَحْمَةٌ﴾ عَظِيمَةً.
﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ مِن شَأْنِهِمُ الإيقانُ بِالأُمُورِ.
45:21Page 500
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٢١
Or do those who commit evils think We will make them like those who have believed and done righteous deeds - [make them] equal in their life and their death?1 Evil is that which they judge [i.e., assume].
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ تَبايُنِ حالَيِ المُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ إثْرَ بَيانِ تَبايُنِ حالَيِ الظّالِمِينَ والمُتَّقِينَ و"أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى بَلْ لِلِانْتِقالِ مِنَ البَيانِ الأوَّلِ إلى الثّانِي، والهَمْزَةُ لِإنْكارِ الحُسْبانِ لَكِنْ لا بِطَرِيقِ إنْكارِ الوُقُوعِ ونَفْيِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ كالمُفْسِدِينَ في الأرْضِ أمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كالفُجّارِ﴾ بَلْ بِطَرِيقِ إنْكارِ الواقِعِ واسْتِقْباحِهِ والتَّوْبِيخِ عَلَيْهِ، والِاجْتِراحُ: الِاكْتِسابُ.
﴿أنْ نَجْعَلَهُمْ﴾ أيْ: نُصَيِّرَهم في الحُكْمِ والِاعْتِبارِ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِن مَساوِئِ الأحْوالِ.
﴿كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ وهم فِيما هم فِيهِ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ ونُعامِلُهم مُعامَلَتَهم في الكَرامَةِ ورَفْعِ الدَّرَجَةِ.
﴿سَواءً مَحْياهم ومَماتُهُمْ﴾ أيْ: مَحْيا الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ومَماتُهم، حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في الظَّرْفِ والمَوْصُولِ مَعًا لِاشْتِمالِهِ عَلى ضَمِيرَيْهِما عَلى أنَّ السَّواءَ بِمَعْنى المُسْتَوِي، ومَحْياهم ومَماتُهم مُرْتَفِعانِ عَلى الفاعِلِيَّةِ والمَعْنى: أمْ حَسِبُوا أنْ نَجْعَلَهم كائِنِينَ مِثْلَهم حالَ كَوْنِ الكُلِّ مُسْتَوِيًا مَحْياهم ومَماتُهم كَلّا لا يَسْتَوُونَ في شَيْءٍ مِنهُما، فَإنَّ هَؤُلاءِ في عِزِّ الإيمانِ والطّاعَةِ وشَرَفِهِما في المَحْيا وفي رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى ورِضْوانِهِ في المَماتِ وأُولَئِكَ في ذَلِكَ الكُفْرِ والمَعاصِي وهو أنَّهُما في المَحْيا وفي لَعْنَةِ اللَّهِ والعَذابِ الخالِدِ في المَماتِ شَتّانَ بَيْنَهُما، وقَدْ قِيلَ المُرادُ: إنْكارُ أنْ يَسْتَوُوا في المَماتِ كَما اسْتَوَوْا في الحَياةِ لِأنَّ المُسِيئِينَ والمُحْسِنِينَ مُسْتَوٍ مَحْياهم في الرِّزْقِ والصِّحَّةِ وإنَّما يَفْتَرِقُونَ في المَماتِ، وقُرِئَ "مَحْياهُمْ" و"مَماتَهُمْ" بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُما ظَرْفانِ كَمَقْدَمِ الحاجِّ، وسَواءً: حال عَلى حالِهِ أيْ: حالَ كَوْنِهِمْ مُسْتَوِينَ في مَحْياهم ومَماتِهِمْ، وقَدْ ذُكِرَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ وُجُوهٌ أُخَرَ مِنَ الإعْرابِ، والَّذِي يَلِيقُ بِجَزالَةِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ فَتَدَبَّرُ، وقُرِئَ "سَواءٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ و"مَحْياهُمْ" مُبْتَدَأٌ فَقِيلَ: الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الكافِ.وَقِيلَ: حالٌ. وأيًّا ما كانَ؛ فَنِسْبَةُ حِسْبانِ التَّساوِي إلَيْهِمْ في ضِمْنِ الإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ مَعَ أنَّهم بِمَعْزِلٍ مِنهُ جازِمُونَ بِفَضْلِهِمْ عَلى المُؤْمِنِينَ لِلْمُبالَغَةِ في الإنْكارِ والتَّشْدِيدِ في التَّوْبِيخِ، فَإنَّ إنْكارَ حُسْبانِ التَّساوِي والتَّوْبِيخَ عَلَيْهِ إنْكارٌ لِحُسْبانِ الجَزْمِ بِالفَضْلِ وتَوْبِيخٌ عَلَيْهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ.
﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: ساءَ حُكْمُهم هَذا أوْ بِئْسَ شَيْئًا حَكَمُوا بِهِ ذَلِكَ.
45:22Page 500
وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٢
And Allāh created the heavens and earth in truth and so that every soul may be recompensed for what it has earned, and they will not be wronged.
﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما سَبَقَ مِنَ الحُكْمِ فَإنَّ خَلْقَ اللَّهِ تَعالى لَهُما ولِما فِيهِما بِالحَقِّ المُقْتَضِي لِلْعَدْلِ يَسْتَدْعِي لا مَحالَةَ تَفْضِيلَ المُحْسِنِ عَلى المُسِيءِ في المَحْيا والمَماتِ وانْتِصارَ المَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ وإذا لَمْ يَطَّرِدْ ذَلِكَ في المَحْيا فَهو بَعْدَ المَماتِ حَتْمًا.
﴿وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ عَطْفٌ عَلى "بِالحَقِّ" لِأنَّ فِيهِ مَعْنى التَّعْلِيلِ إذْ مَعْناهُ: خَلَقَها مَقْرُونَةً بِالحِكْمَةِ والصَّوابِ دُونَ العَبَثِ والباطِلِ فَحاصِلُهُ خَلْقُها لِأجْلِ ذَلِكَ ولِتُجْزى ...إلَخْ أوْ عَلى عِلَّةٍ (p-73)مَحْذُوفَةٍ مِثْلَ لِيَدُلَّ بَها عَلى قدرته أوْ لِيَعْدِلَ ولِتُجْزى.
﴿وَهُمْ﴾ أيِ: النُّفُوسُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِكُلِّ نَفْسٍ.
﴿لا يُظْلَمُونَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ بِزِيادَةِ عِقابٍ وتَسْمِيَةُ ذَلِكَ ظُلْمًا مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلى ما عُرِفَ، قاعِدَةُ أهْلٍ السُّنَّةِ لِبَيانِ غايَةِ تَنَزُّهِ ساحَةِ لُطْفِهِ تَعالى عَمّا ذُكِرَ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ الظُّلْمِ الَّذِي يَسْتَحِيلُ صُدُورُهُ عَنْهُ تَعالى.
45:23Page 501
أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣
Have you seen he who has taken as his god his [own] desire, and Allāh has sent him astray due to knowledge1 and has set a seal upon his hearing and his heart and put over his vision a veil? So who will guide him after Allāh? Then will you not be reminded?
﴿أفَرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ تَعَجُّبٌ مِن حالِ مَن تَرَكَ مُتابَعَةَ الهُدى إلى مُطاوَعَةِ الهَوى فَكَأنَّهُ عَبَدَهُ أيْ: أنَظَرْتَ فَرَأيْتَهُ فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُقْضى مِنهُ العَجَبُ، وقُرِئَ "آلِهَةً هَواهُ" لِأنَّ أحَدَهم كانَ يَسْتَحْسِنُ حَجَرًا فَيَعْبُدُهُ فَإذا رَأى أحْسَنَ مِنهُ رَفَضَهُ إلَيْهِ فَكَأنَّهُ اتَّخَذَ آلِهَةً شَتّى.
﴿وَأضَلَّهُ اللَّهُ﴾ وخَذَلَهُ.
﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أيْ: عالِمًا بِضَلالِهِ وتَبْدِيلِهِ لِفِطْرَةِ اللَّهِ تَعالى الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
﴿وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وقَلْبِهِ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَأثَّرُ بِالمَواعِظِ ولا يَتَفَكَّرُ في الآياتِ والنُّذُرِ.
﴿وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً﴾ مانِعَةً عَنِ الِاسْتِبْصارِ والِاعْتِبارِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الغَيْنِ وضَمِّها، وقُرِئَ "غِشْوَةً".
﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ إضْلالِهِ تَعالى إيّاهُ بِمُوجِبِ تَعامِيهِ عَنِ الهُدى وتَمادِيهِ في الغَيِّ.
﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ألا تُلاحِظُونَ فَلا تَذَكَّرُونَ وقُرِئَ "تَتَذَكَّرُونَ" عَلى الأصْلِ.
45:24Page 501
وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ ٢٤
And they say, "There is not but our worldly life; we die and live,1 and nothing destroys us except time." And they have of that no knowledge; they are only assuming.
﴿وَقالُوا﴾ بَيانٌ لِأحْكامِ ضَلالِهِمُ المَحْكِيِّ أيْ: قالُوا مِن غايَةِ غَيِّهِمْ وضَلالِهِمْ.
﴿ما هِيَ﴾ أيْ: ما الحَياةُ؟ ﴿إلا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ الَّتِي نَحْنُ فِيها.
﴿نَمُوتُ ونَحْيا﴾ أيْ: يُصِيبُنا المَوْتُ والحَياةُ فِيها ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ حَياةٌ. وقِيلَ: نَكُونُ نُطَفًا وما قَبْلَها وما بَعْدَها ونَحْيا بَعْدَ ذَلِكَ أوْ نَمُوتُ بِأنْفُسِنا ونَحْيا بِبَقاءِ أوْلادِنا أوْ يَمُوتُ بَعْضُنا ويَحْيا بَعْضُنا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ التَّناسُخَ فَإنَّهُ عَقِيدَةُ أكْثَرِ عَبَدَةِ الأوْثانِ وقُرِئَ "نَحْيا".
﴿وَما يُهْلِكُنا إلا الدَّهْرُ﴾ إلّا مُرُورُ الزَّمانِ وهو في الأصْلِ مُدَّةُ بَقاءِ العالِمِ مِن دَهَرَهُ أيْ: غَلَبَهُ، وقُرِئَ إلّا دَهْرٌ يَمُرُّ، وكانُوا يَزْعُمُونَ أنَّ المُؤَثِّرَ في هَلاكِ الأنْفُسِ هو مُرُورُ الأيّامِ واللَّيالِي ويُنْكِرُونَ مَلَكَ المَوْتِ وقَبْضَهُ لِلْأرْواحِ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى ويُضِيفُونَ الحَوادِثَ إلى الدَّهْرِ والزَّمانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ ﴿لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإنَّ اللَّهَ هو الدَّهْرُ﴾ أيْ: فَإنَّ اللَّهَ هو الآتِي بِالحَوادِثِ لا الدَّهْرُ.
﴿وَما لَهم بِذَلِكَ﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ مِنِ اقْتِصارِ الحَياةِ عَلى ما في الدُّنْيا واسْتِنادِ الحَياةِ والمَوْتِ إلى الدَّهْرِ.
﴿مِن عِلْمٍ﴾ ما مُسْتَنِدٍ إلى عَقْلٍ أوْ نَقْلٍ.
﴿إنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ ما هم إلّا قَوْمٌ قُصارى أمْرِهِمُ الظَّنُّ والتَّقْلِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يَصِحُّ أنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ في الجُمْلَةِ هَذا مُعْتَقَدُهُمُ الفاسِدُ في أنْفُسِهِمْ.
45:25Page 501
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٥
And when Our verses are recited to them as clear evidences, their argument is only that they say, "Bring [back] our forefathers, if you should be truthful."
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا﴾ النّاطِقَةُ بِالحَقِّ الَّذِي مِن جُمْلَتِهِ البَعْثُ.
﴿بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتِ الدَّلالَةِ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ أوْ مُبَيِّناتٍ لَهُ.
﴿ما كانَ حُجَّتَهُمْ﴾ بِالنَّصْبِ (p-74)عَلى أنَّهُ خَبَرُ كانَ أيْ: ما كانَ مُتَمَسَّكًا لَهم شَيْءٌ مِنَ الأشْياءِ.
﴿إلا أنْ قالُوا ائْتُوا بِآبائِنا إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في أنّا نَبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ: هَذا القَوْلُ الباطِلُ الَّذِي يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ مِن قَبِيلِ الحُجَّةِ، وتَسْمِيَتُهُ "حُجَّةً" إمّا لِسَوْقِهِمْ إيّاهُ مَساقَ الحُجَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِهِمْ أوْ لِأنَّهُ مِن قَبِيلِ [تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ] وقُرِئَ بِرَفْعِ "حُجَّتَهُمْ" عَلى أنَّها اسْمُ كانَ فالمَعْنى: ما كانَ حُجَّتُهم شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ إلّا هَذا القَوْلَ الباطِلَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences