Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الواقعة
Al-Waqi'ah
The Inevitable · Meccan · 96 ayahs
(p-188)سُورَةُ الواقِعَةِ
مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً 81، 82 فَمَدَنِيَّتانِ وآياتُها سِتٌّ وتِسْعُونَ آيَةً
﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ: إذا قامَتِ القِيامَةُ وذَلِكَ عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالواقِعَةِ لِلْإيذانِ بِتَحَقُّقِ وقْعِها لا مَحالَةَ كَأنَّها واقِعَةٌ في نَفْسِها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الوُقُوعِ الواقِعِ في حَيِّزِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: كانَتِ الكائِنَةُ وحَدَثَتِ الحادِثَةُ، وانْتِصابُ "إذا" بِمُضْمَرٍ يُنْبِئُ عَنِ الهَوْلِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ يَكُونُ مِنَ الأهْوالِ ما لا يَفِي بِهِ المَقالُ، وقِيلَ: بِالنَّفْيِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ تَعالى:
﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ أيْ: لا يَكُونُ عِنْدَ وُقُوعِها نَفْسٌ تَكْذِبُ عَلى اللَّهِ تَعالى أوْ تَكْذِبُ في نَفْيِها كَما تَكْذِبُ اليَوْمَ واللّامُ كَهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ اعْتِراضٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ الشَّرْطِ عَلى أنَّ الكاذِبَةَ مَصْدَرٌ كالعافِيَةِ أيْ: لَيْسَ لِأجْلِ وقْعَتِها وفي حَقِّها كَذِبٌ أصْلًا بَلْ كُلُّ ما ورَدَ في شَأْنِها مِنَ الأخْبارِ حَقٌّ صادِقٌ لا رَيْبَ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هي خافِضَةٌ لِأقْوامٍ رافِعَةٌ لِآخَرِينَ، وهو تَقْرِيرٌ لِعَظَمَتِها وتَهْوِيلٌ لِأمْرِها فَإنَّ الوَقائِعَ العِظامَ شَأْنُها كَذَلِكَ أوْ بَيانٌ لِما يَكُونُ يَوْمَئِذْ مِن حَطِّ الأشْقِياءِ إلى الدَّرَكاتِ ورَفْعِ السُّعَداءِ إلى الدَّرَجاتِ ومِن زَلْزَلَةِ الأشْياءِ وإزالَةِ الأجْرامِ عَنْ مَقارِّها بِنَثْرِ الكَواكِبِ وإسْقاطِ السَّماءِ كِسَفًا وتَسْيِيرِ الجِبالِ في الجَوِّ كالسَّحابِ، وتَقْدِيمُ الخَفْضِ عَلى الرَّفْعِ لِلتَّشْدِيدِ في التَّهْوِيلِ وقُرِئَ "خافِضَةً رافِعَةً" بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ "الواقِعَةِ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ أيْ: زُلْزِلَتْ زِلْزالًا شَدِيدًا بِحَيْثُ يَنْهَدِمُ ما فَوْقَها مِن بِناءٍ وجَبَلٍ، مُتَعَلِّقٌ بِـ"خافِضَةٌ رافِعَةٌ" أيْ: تَخْفِضُ وتَرْفَعُ وقْتَ رَجِّ الأرْضِ إذْ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْخَفِضُ ما هو مُرْتَفِعٌ ويَرْتَفِعُ ما هو مُنْخَفِضٌ أوْ بَدَلٌ مِن "إذا وقَعَتِ".
﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ: فُتِّتَتْ حَتّى صارَتْ (p-189)مَثَلَ السَّوِيقِ المَلْتُوتِ مِن بَسَّ السَّوِيقَ إذا لَتَّهُ أوْ سِيقَتْ وسُيِّرَتْ مِن أماكِنِها مِن بَسَّ الغَنَمَ إذا ساقَها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ﴾ وقُرِئَ "رُجَّتْ" و"بُسَّتْ" أيِ: ارْتَجَّتْ وذَهَبَتْ.
﴿فَكانَتْ﴾ أيْ: فَصارَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ.
﴿هَباءً﴾ غُبارًا.
﴿مُنْبَثًّا﴾ مُنْتَشِرًا.
﴿وَكُنْتُمْ﴾ إمّا خِطابٌ لِلْأُمَّةِ الحاضِرَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ تَغْلِيبًا أوْ لِلْحاضِرَةِ.
﴿أزْواجًا﴾ أيْ: أصْنافًا.
﴿ثَلاثَةً﴾ فَكُلُّ صِنْفٍ يَكُونُ مَعَ صِنْفٍ آخَرَ في الوُجُودِ أوْ في الذِّكْرِ فَهو زَوْجٌ.
56:8–9Page 534
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Then the companions of the right - what are the companions of the right?1
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
And the companions of the left - what are companions of the left?1
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ تَقْسِيمٌ وتَنْوِيعٌ لِلْأزْواجِ الثَّلاثَةِ مَعَ الإشارَةِ الإجْمالِيَّةِ إلى أحْوالِهِمْ قَبْلَ تَفْصِيلِها فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ مُبْتَدَأٌ وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ خَبَرُهُ عَلى أنَّ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ ثانٍ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ والأصْلُ ما هُمْ؟ أيْ: أيُّ شَيْءٍ هم في حالِهِمْ وصِفَتِهِمْ؟ فَإنَّ "ما" وإنْ شاعَتْ في طَلَبِ مَفْهُومِ الِاسْمِ والحَقِيقَةِ لَكِنَّها قَدْ يُطْلَبُ بَها الصِّفَةُ والحالُ تَقُولُ: ما زَيْدٌ؟ فَيُقالُ: عالِمٌ أوْ طَبِيبٌ، فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِكَوْنِهِ أدْخَلَ في التَّفْخِيمِ وكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ والمُرادُ: تَعْجِيبُ السّامِعِ مِن شَأْنِ الفَرِيقَيْنِ في الفَخامَةِ والفَظاعَةِ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ في غايَةِ حُسْنِ الحالِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ في نِهايَةِ سُوءِ الحالِ وتَكَلَّمُوا في الفَرِيقَيْنِ فَقِيلَ: أصْحابُ المَيْمَنَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ السَّنِيَّةِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ أصْحابُ المَنزِلَةِ الدَّنِيَّةِ أخْذًا مِن تَيَمُّنِهِمْ بِالمَيامِنِ وتَشاؤُمِهِمْ بِالشَّمائِلِ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ صَحائِفَهم بِأيْمانِهِمْ والَّذِينَ يُؤْتَوْنَها بِشَمائِلِهِمْ، وقِيلَ: الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ والَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ، وقِيلَ: أصْحابُ اليَمِينِ وأصْحابُ الشُّؤْمِ فَإنَّ السُّعَداءَ مَيامِينُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِطاعَتِهِمْ والأشْقِياءُ مَشائِيمُ عَلَيْها بِمَعاصِيهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ هو القِسْمُ الثّالِثُ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ، ولَعَلَّ تَأْخِيرَ ذِكْرِهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أسْبَقَ الأقْسامِ وأقْدَمَهم في الفَضْلِ لِيَقْتَرِنَ ذِكْرُهم بِبَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِهِمْ عَلى أنَّ إيرادَهم بِعُنْوانِ السَّبْقِ مُطْلَقًا مُعْرِبٌ عَنْ إحْرازِهِمْ لِقَصَبِ السَّبْقِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ وتَكَلَّمُوا فِيهِمْ أيْضًا فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ سَبَقُوا إلى الإيمانِ والطّاعَةِ عِنْدَ ظُهُورِ الحَقِّ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَوانٍ، وقِيلَ: الَّذِينَ سَبَقُوا في حِيازَةِ الفَضائِلِ والكَمالاتِ، وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إلى القِبْلَتَيْنِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾، وقِيلَ: هُمُ السّابِقُونَ إلى الصَّلَواتِ الخَمْسِ، وقِيلَ: المُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأيًّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، (p-190)والمَعْنى: والسّابِقُونَ هُمُ الَّذِينَ اشْتَهَرَتْ أحْوالُهم وعُرِفَتْ مَحاسِنُهم كَقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: [أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي] وفِيهِ تَفْخِيمُ شَأْنِهِمْ والإيذانُ بِشُيُوعِ فَضْلِهِمْ واسْتِغْنائِهِمْ عَنِ الوَصْفِ بِالجَمِيلِ ما لا يَخْفى. وقِيلَ: والسّابِقُونَ إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى السّابِقُونَ إلى رَحْمَتِهِ أوِ السّابِقُونَ إلى الخَيْرِ والسّابِقُونَ إلى الجَنَّةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى السّابِقِينَ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِذَلِكَ النَّعْتِ الجَلِيلِ.
﴿المُقَرَّبُونَ﴾ أيِ: الَّذِينَ قُرِّبَتْ إلى العَرْشِ العَظِيمِ دَرَجاتُهم وأُعْلِيَتْ مَراتِبُهم ورَقِيَتْ إلى حَظائِرِ القُدْسِ نُفُوسُهُمُ الزَّكِيَّةُ هَذا أظْهَرُ ما ذُكِرَ في إعْرابِ هَذِهِ الجُمَلِ وأشْهَرُهُ والَّذِي تَقْتَضِيِهِ جَزالَةُ التَّنْزِيلِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وكَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ﴾ فَإنَّ المُتَرَقَّبَ عِنْدَ بَيانِ انْقِسامِ النّاسِ إلى الأقْسامِ الثَّلاثَةِ بَيانُ أنْفَسِ الأقْسامِ الثَّلاثَةِ وأمّا أوْصافُها وأحْوالُها فَحَقُّها أنَّ تُبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإسْنادِها إلَيْها والتَّقْدِيرُ: فَأحَدُها أصْحابُ المَيْمَنَةِ والآخَرُ أصْحابُ المَشْأمَةِ والثّالِثُ: السّابِقُونَ خَلا أنَّهُ لَمّا أُخِّرَ بَيانُ أحْوالِ القِسْمَيْنِ الأوَّلَيْنِ عُقِّبَ كُلٌّ مِنهُما بِجُمْلَةٍ مُعْتَرِضَةٍ بَيْنَ القِسْمَيْنِ مُنْبِئَةٍ عَنْ تَرامِي أحْوالِهِما في الخَيْرِ والشَّرِّ إنْباءً إجْمالِيًّا مُشْعِرًا بِأنَّ لِأحْوالٍ كُلٍّ مِنهُما تَفْصِيلًا مُتَرَقَّبًا لَكِنْ لا عَلى أنَّ "ما" الِاسْتِفْهامِيَّةَ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَها خَبَرٌ، عَلى ما رَآهُ سِيبَوَيْهِ في أمْثالِهِ بَلْ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِما بَعْدَها فَإنَّ مَناطَ الإفادَةِ بَيانُ أنَّ أصْحابَ المَيْمَنَةِ أمْرٌ بَدِيعٌ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُ "ما" خَبَرًا إلّا بَيانُ أنَّ أمْرًا بَدِيعًا أصْحابُ المَيْمَنَةِ كَما يُفِيدُهُ كَوْنُها مُبْتَدَأً وكَذا الحالُ فى "أصْحابُ المَشْأمَةِ" وأمّا القِسْمُ الأخِيرُ فَحَيْثُ قُرِنَ بَيانُ مَحاسِنِ أحْوالِهِ بِذِكْرِهِ لَمْ يُحْتَجْ فِيهِ إلى تَقْدِيمِ الأُنْمُوذَجِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿السّابِقُونَ﴾ مُبْتَدَأٌ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلتَّفْخِيمِ و"أُولَئِكَ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ أوْ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ وما بَعْدَهُ خَبَرٌ لَهُ أوِ الثّانِي والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"المُقَرَّبُونَ" أوْ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِن ضَمِيرِهِ أيْ: كائِنِينَ في جَنّاتِ النَّعِيمِ وقِيلَ: خَبَرٌ ثانٍ لِاسْمِ الإشارَةِ وفِيهِ أنَّ الإخْبارَ بِكَوْنِهِمْ مُقَرَّبِينَ لَيْسَ فِيهِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ، وقُرِئَ "فِي جَنَّةِ النَّعِيمِ".
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هم أُمَّةٌ جَمَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وهُمُ الأُمَمُ السّالِفَةُ مِن لَدُنِ آدَمَ إلى نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعَلى مَن بَيْنَهُما مِنَ الأنْبِياءِ العِظامِ.
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ أيْ: مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ولا يُخالِفُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إنَّ أُمَّتِي يَكْثُرُونَ (p-191)سائِرَ الأُمَمِ﴾ فَإنَّ أكْثَرِيَّةَ سابِقِي الأُمَمِ السّالِفَةِ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ لا تَمْنَعُ أكْثَرِيَّةَ تابِعِي هَؤُلاءِ مِن تابِعِي أُولَئِكَ ولا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ لِأنَّ كَثْرَةَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في أنْفُسِهِما لا تُنافِي أكْثَرِيَّةَ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ وسَيَأْتِي أنَّ الثُّلُثَيْنِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا أنَّ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ هَهُنا أيْضًا مُتَقَدِّمُو هَذِهِ الأُمَّةِ ومُتَأخِّرُوهم واشْتِقاقُ الثُّلَّةِ مِنَ الثِّلِ وهو الكَسْرُ.
﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ حالٌ أُخْرى مِنَ "المُقَرَّبِينَ" أوْ مِن ضَمِيرِهِمْ في الحالِ الأُولى وقِيلَ: خَبَرٌ آخَرُ لِلضَّمِيرِ و"المَوْضُونَةُ": المَنسُوجَةُ بِالذَّهَبِ مُشَبَّكَةٌ بِالدُّرِّ والياقُوتِ أوِ المُتَواصِلَةُ مِنَ الوَضْنِ وهو النَّسْجُ.
﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ حالانِ مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ فِيما تَعَلَّقَ بِهِ عَلى سُرُرٍ أيْ: مُسْتَقِرِّينَ عَلى سُرُرٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ لا يَنْظُرُ بَعْضُهم مِن أقْفاءِ بَعْضٍ، وهو وصْفٌ لَهم بِحُسْنِ العِشْرَةِ وتَهْذِيبِ الأخْلاقِ والآدابِ.
56:17Page 535
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ﴾ حالٌ أُخْرى أوِ اسْتِئْنافٌ أيْ: يَدُورُ حَوْلَهم لِلْخِدْمَةِ.
﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ أيْ: مُبْقَوْنَ أبَدًا عَلى شَكْلِ الوِلْدانِ وطَرَواتِهِمْ لا يَتَحَوَّلُونَ عَنْها، وقِيلَ: مُقْرَطُونَ والخُلْدُ: القِرْطُ، قِيلَ: هم أوْلادُ أهْلِ الدُّنْيا لَمْ يَكُنْ لَهم حَسَناتٌ فَيُثابُوا عَلَيْها ولا سَيِّئاتٌ فَيُعاقَبُوا عَلَيْها، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وعَنِ الحَسَن ِ رَحِمَهُ اللَّهُ وفي الحَدِيثِ « "أوْلادُ الكُفّارِ خُدّامُ أهْلِ الجَنَّةِ".»
56:18Page 535
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
﴿بِأكْوابٍ﴾ بِآنِيَةٍ لا عُرى لَها ولا خَراطِيمُ.
﴿وَأبارِيقَ﴾ أيْ: آنِيَةٌ ذاتُ عُرًى وخَراطِيمَ.
﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ أيْ: خَمْرٍ جارِيَةٍ مِنَ العُيُونِ، قِيلَ: إنَّما أفْرَدَ الكَأْسَ لِأنَّها لا تُسَمّى كَأْسًا إلّا إذا كانَتْ مَمْلُوءَةً.
56:19Page 535
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها﴾ أيْ: بِسَبَبِها وحَقِيقَتُهُ لا يَصْدُرُ صُداعُهم عَنْها، وقُرِئَ "لا يُصَدَّعُونَ" أيْ: لا يَتَصَدَّعُونَ ولا يَتَفَرَّقُونَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ وقُرِئَ "لا يَصَّدَّعُونَ" أيْ: لا يُفَرِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا.
﴿وَلا يُنْزِفُونَ﴾ أيْ: لا يَسْكَرُونَ مِن أنْزَفَ الشّارِبُ إذا نَفِدَ عَقْلُهُ أوْ شَرابُهُ.
﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أيْ: يَخْتارُونَهُ و"يَأْخُذُونَ" خَيْرَهُ وأفْضَلَهُ.
﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ أيْ: يَتَمَنَّوْنَ، وقُرِئَ "وَلُحُومِ طَيْرٍ".
(p-192)﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلى "وِلْدانٌ" أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ أيْ: وفِيها أوْ لَهم حُورٌ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى "جَنّاتِ النَّعِيمِ" كَأنَّهُ قِيلَ: هم في جَنّاتٍ وفاكِهَةٍ ولَحْمٍ ومُصاحَبَةِ حُورٍ أوْ عَلى أكْوابٍ، لِأنَّ مَعْنى يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ بِأكْوابٍ: يُنَعَّمُونَ بِأكْوابٍ وبِالنَّصْبِ أيْ: ويُؤْتَوْنَ حُورًا.
﴿كَأمْثالِ اللُّؤْلُؤِ المَكْنُونِ﴾ صِفَةٌ لِـ"حُورٌ" أوْ حالٌ.
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: يَفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ جَزاءً بِأعْمالِهِمْ أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءً.
56:25Page 535
لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا ٢٥
They will not hear therein ill speech or commission of sin -
﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا﴾ أيْ: باطِلًا.
﴿وَلا تَأْثِيمًا﴾ أيْ: و"لا" نِسْبَةً إلى الإثْمِ أيْ: لا لَغْوَ فِيها ولا تَأْثِيمَ ولا سَماعَ كَقَوْلِهِ:
وَلا تَرى الضَّبَّ بِها يَنْجَحِرُ
﴿إلا قِيلا﴾ أيْ: قَوْلًا.
﴿سَلامًا سَلامًا﴾ بَدَلٌ مِن قِيلًا، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلا سَلامًا﴾ أوْ صِفَتُهُ أوْ مَفْعُولُهُ بِمَعْنى: لا يَسْمَعُونَ فِيها إلّا أنْ يَقُولُوا سَلامًا سَلامًا، والمَعْنى: أنَّهم يُفْشُونَ السَّلامَ فَيُسَلِّمُونَ سَلامًا بَعْدَ سَلامٍ أوْ لا يَسْمَعُ كُلٌّ مِنَ المُسَلِّمِ والمُسَلَّمِ عَلَيْهِ إلّا سْلامَ الآخَرِ بَدْءًا أوْ رَدًّا، وقُرِئَ "سَلامٌ سَلامٌ" عَلى الحِكايَةِ.
56:27Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ ٢٧
The companions of the right - what are the companions of the right?
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ عِنْدَ التَّقْسِيمِ مِن شُؤُونِهِمُ الفاضِلَةِ إثْرَ تَفْصِيلِ شُؤُونِ السّابِقِينَ وهو مُبْتَدَأُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ جُمْلَةٌ اسْتِفْهامِيَّةٌ مَسُوقَةٌ لِتَفْخِيمِهِمْ والتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ وقَدْ عَرَفْتَ كَيْفِيَّةَ سَبْكِها مَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإ أوْ مُعْتَرِضَةٌ لا مَحَلَّ لَها والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ وهو عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ ثانٍ لِلْمُبْتَدَإ أوْ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ ما أُبْهِمَ في قَوْلِهِ تَعالى:﴿ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ أيْ: هم في سِدْرٍ غَيْرِ ذِي شَوْكٍ لا كَسِدْرِ الدُّنْيا وهو شَجَرُ النَّبْقِ كَأنَّهُ خُضِّدَ شَوْكُهُ أيْ: قُطِعَ، وقِيلَ: مَخْضُودٌ أيْ: مَثْنِيٌّ أغْصانُهُ لِكَثْرَةِ حَمْلِهِ مِن خَضَدَ الغُصْنَ إذا ثَناهُ وهو رَطْبٌ.
﴿وَطَلْحٍ مَنضُودٍ﴾ قَدْ نُضِّدَ حَمْلُهُ مِن أسْفَلِهِ إلى أعْلاهُ لَيْسَتْ لَهُ ساقٌ بارِزَةٌ وهو شَجَرُ (p-193)المَوْزِ وأُمِّ غِيلانَ ولَهُ أنْوارٌ كَثِيرَةٌ مُنْتَظِمَةٌ طَيِّبَةُ الرّائِحَةِ، وعَنِ السُّدِّيِّ شَجَرٌ يُشْبِهُ طَلْحَ الدُّنْيا ولَكِنْ لَهُ ثَمَرٌ أحْلى مِنَ العَسَلِ، وعَنْ عَلِّيٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ "وَطَلْعٍ" وما شَأْنُ الطَّلْحِ، وقَرَأ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ فَقِيلَ: أوَ نُحَوِّلُها، قالَ: آيُ القرآن لا تُهاجُ ولا تَحَوُّلُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوُهُ.
﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ مُمْتَدٍّ مُنْبَسِطٍ لا يَتَقَلَّصُ ولا يَتَعاوَنُ كَظِلِّ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ وطُلُوعِ الشَّمْسِ.
﴿وَماءٍ مَسْكُوبٍ﴾ يُسْكَبُ لَهم أيْنَما شاؤُوا وكَيْفَما أرادُوا بِلا تَعَبٍ أوْ مَصْبُوبٍ سائِلٍ يَجْرِي عَلى الأرْضِ في غَيْرِ أُخْدُودٍ كَأنَّهُ مَثَّلَ حالَ السّابِقِينَ بِأقْصى ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ المُدُنِ، وقالَ أصْحابُ اليَمِينِ بِأكْمَلِ ما يُتَصَوَّرُ لِأهْلِ البَوادِي إيذانًا بِالتَّعاوُنِ بَيْنَ الحالَيْنِ.
﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ بِحَسَبِ الأنْواعِ والأجْناسِ.
﴿لا مَقْطُوعَةٍ﴾ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ كَفَواكِهِ الدُّنْيا.
﴿وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ مِن مُتَناوِلِيها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا يُحْظَرُ عَلَيْها كَما يُحْظَرُ عَلى بَساتِينِ الدُّنْيا، وقُرِئَ "فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ " بِالرَّفْعِ عَلى "وَهُناكَ فاكِهَةٌ" ...إلَخْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ .
﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: رَفِيعَةُ القَدْرِ أوْ مُنَضَّدَةٍ مُرْتَفِعَةٍ أوْ مَرْفُوعَةٍ عَلى الأسِرَّةِ، وقِيلَ: الفُرُشُ النِّساءُ حَيْثُ يُكْنى بِالفِراشِ عَنِ المَرْأةِ وارْتِفاعُها كَوْنُهُنَّ عَلى الأرائِكِ، قالَ تَعالى: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
56:35Page 535
إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ ٣٥
Indeed, We have produced them [i.e., the women of Paradise] in a [new] creation
﴿إنّا أنْشَأْناهُنَّ إنْشاءً﴾ وعَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ أُضْمِرَ لَهُنَّ لِدَلالَةِ ذِكْرِ الفُرُشِ الَّتِي هي المَضاجِعُ عَلَيْهِنَّ دَلالَةً بَيِّنَةً، والمَعْنى: ابْتَدَأْنا خَلْقَهُنَّ ابْتِداءً جَدِيدًا أوْ أبْدَعْناهُنَّ مِن غَيْرِ وِلادٍ إبْداءً أوْ إعادَةً، وفي الحَدِيثِ « "هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في دارِ الدُّنْيا عَجائِزَ شُمْطًا رُمْصًا جَعَلَهُنَّ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ الكِبَرِ أتْرابًا عَلى مِيلادٍ واحِدٍ في الِاسْتِواءِ كُلَّما أتاهُنَّ أزْواجُهُنَّ وجَدُوهُنَّ أبْكارًا".»
56:36–37Page 535
فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا ٣٦
And made them virgins,
عُرُبًا أَتۡرَابٗا ٣٧
Devoted [to their husbands] and of equal age,
﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُرُبًا﴾ (p-194)جَمْعُ عَرُوبٍ وهي المُتَحَبِّبَةُ إلى زَوْجِها الحَسَنَةُ التَّبَعُّلِ، وقُرِئَ "عُرْبًا" بِسُكُونِ الرّاءِ.
﴿أتْرابًا﴾ مُسْتَوَياتٍ في السِّنِّ بَناتِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً وكَذا أزْواجُهُنَّ.
واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأصْحابِ اليَمِينِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"أنْشَأْنا" أوْ "جَعَلْنا" أوْ بِـ"أتْرابًا" كَقَوْلِكَ: هَذا تِرْبٌ لِهَذا أيْ: مُساوٍ لَهُ في السِّنِّ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِـ"أبْكارًا" أيْ: كائِناتٍ لِأصْحابِ اليَمِينِ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هُنَّ لِأصْحابِ اليَمِينِ، وقِيلَ: خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى:
56:39–40Page 535
ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٩
A company of the former peoples
وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ ٤٠
And a company of the later peoples.
﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهو بَعِيدٌ بَلْ هو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ خُتِمَتْ بِهِ قِصَّةُ أصْحابِ اليَمِينِ أيْ: هم أمَةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وأمَةٌ مِنَ الآخِرِينَ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ فِيهِما، وعَنْ أبِي العالِيَةِ ومُجاهِد ٍ وعَطاءٍ والضَّحّاكِ ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ أيْ: مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ، وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "هم جَمِيعًا مِن أُمَّتِي".»
56:41Page 535
وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ ٤١
And the companions of the left - what are the companions of the left?
﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ أحْوالِهِمُ الَّتِي أُشِيرَ عِنْدَ التَّنْوِيعِ إلى هَوْلِها وفَظاعَتِها بَعْدَ تَفْصِيلِ حُسْنِ حالِ أصْحابِ اليَمِينِ والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ عَيْنُ ما فُصِّلَ في نَظِيرِهِ، وكَذا في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ والسَّمُومُ حَرُّ نارٍ يَنْفُذُ في المَسامِّ والحَمِيمُ: الماءُ المُتَناهِي في الحَرارَةِ.
﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ مِن دُخانٍ أسْوَدَ بَهِيمٍ.
﴿لا بارِدٍ﴾ كَسائِرِ الظِّلالِ.
﴿وَلا كَرِيمٍ﴾ فِيهِ خَيْرُ ما في الجُمْلَةِ سُمِّيَ ذَلِكَ ظِلًّا ثُمَّ نُفِي عَنْهُ وصَفاهُ البَرْدُ والكَرَمُ الَّذِي عَبَّرَ بِهِ عَنْ دَفْعِ أذى الحَرِّ لِتَحْقِيقِ أنَّهُ لَيْسَ بِظِلٍّ، وقُرِئَ "لا بارِدٌ ولا كَرِيمٌ" بِالرَّفْعِ أيْ: لا هو بارِدٌ ولا كَرِيمٌ.
56:45Page 535
إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ ٤٥
Indeed they were, before that, indulging in affluence,
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِابْتِلائِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ العَذابِ أيْ: إنَّهم كانُوا قَبْلَ ما ذُكِرَ مِن سُوءِ العَذابِ في الدُّنْيا مُنَعَّمِينَ بِأنْواعِ النِّعَمِ مِنَ المَآكِلِ والمَشارِبِ والمَساكِنِ الطَّيِّبَةِ والمَقاماتِ الكَرِيمَةِ مُنْهَمِكِينَ في الشَّهَواتِ فَلا جَرَمَ عُذِّبُوا (p-195)بِنَقائِضِها.
56:46Page 535
وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ ٤٦
And they used to persist in the great violation,1
﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ أيْ: الذَّنْبِ العَظِيمِ الَّذِي هو الشِّرْكُ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: بَلَغَ الغُلامُ الحِنْثَ أيِ: الحُلُمَ، ووَقْتَ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences