Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
النجم
An-Najm
The Star · Meccan · 62 ayahs
(p-154)سُورَةُ النَّجْمِ
﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ المُرادُ بِالنَّجْمِ: إمّا الثُّرَيّا فَإنَّهُ اسْمٌ غالِبٌ لَهُ أوْ جِنْسُ النُّجُومِ وبِهَوِيِّهِ غُرُوبُهُ، وقِيلَ: طُلُوعُهُ يُقالُ: هَوى هَوِيًّا بِوَزْنِ قَبُولِ إذا غَرَبَ و"هُوِيًّا" بِوَزْنِ دُخُولِ إذا عَلا وصَعِدَ، وأمّا النَّجْمُ مِن نُجُومِ القرآن فَهُوِيُّهُ نُزُولُهُ والعامِلُ في إذا فِعْلُ القَسَمِ بِذَلِكَ فَإنَّهُ بِمَعْنى مُطْلَقِ الوَقْتِ مُنْسَلِخٌ مِن مَعْنى الِاسْتِقْبالِ كَما في قَوْلِكَ: آتِيكَ إذا احْمَّرَ البُسْرُ، وفي الإقْسامِ بِذَلِكَ عَلى نَزاهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ شائِبَةِ الضَّلالِ والغِوايَةِ مِنَ البَراعَةِ البَدِيعَةِ وحُسْنِ المَوْقِعِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، أمّا عَلى الأوَّلَيْنِ فَلِأنَّ النَّجْمَ شَأْنُهُ أنْ يَهْتَدِيَ بِهِ السّارِي إلى مَسالِكِ الدُّنْيا كَأنَّهُ قِيلَ: والنَّجْمِ الَّذِي يَهْتَدِي بِهِ السّابِلَةُ إلى سَواءِ السَّبِيلِ.
53:2Page 526
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
Your companion [i.e., Muḥammad] has not strayed, nor has he erred,
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ﴾ أيْ: ما عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ الَّذِي هو مَسْلَكُ الآخِرَةِ.
﴿وَما غَوى﴾ أيْ: وما اعْتَقَدَ باطِلًا قَطُّ أيْ: هو في غايَةِ الهُدى والرُّشْدِ ولَيْسَ مِمّا تَتَوَهَّمُونَهُ مِنَ الضَّلالِ والغِوايَةِ في شَيْءٍ أصْلًا، وأمّا عَلى الثّالِثِ فَلِأنَّهُ تَنْوِيهٌ بِشَأْنِ القرآن كَما أُشِيرَ إلَيْهِ في مَطْلَعِ سُورَةِ يَس وسُورَةِ الزُّخْرُفِ وتَنْبِيهٌ عَلى مَناطِ اهْتِدائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَدارِ رَشادِهِ كَأنَّهُ قِيلَ: والقرآن الَّذِي هو عَلَمٌ في الهِدايَةِ إلى مَناهِجِ الدِّينِ ومَسالِكِ الحَقِّ ما ضَلَّ عَنْها مُحَمَّدٌ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما غَوى، والخِطابُ لِقُرَيْش وإيرادُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِعُنْوانِ صاحِبِيَّتِهِ لَهم ولِلْإيذانِ بِوُقُوفِهِمْ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِهِ الشَّرِيفَةِ وإحاطَتِهِمْ خُبْرًا بِبَراءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِمّا نَفى عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ واتِّصافِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغايَةِ الهُدى والرَّشادِ، فَإنَّ طُولَ صُحْبَتِهِمْ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومُشاهَدَتَهم لِمَحاسِنِ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ مُقْتَضِيَةٌ لِذَلِكَ حَتْمًا وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِوَقْتِ الهَوِيِّ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ ظاهِرٌ، وأمّا عَلى الأوَّلَيْنِ فَلِأنَّ النَّجْمَ لا يَهْتَدِي بِهِ السّارِي عِنْدَ كَوْنِهِ في وسَطِ السَّماءِ ولا يُعْلَمُ المَشْرِقُ مِنَ المَغْرِبِ ولا الشَّمالُ مِنَ الجَنُوبِ وإنَّما يَهْتَدِي بِهِ عِنْدَ هُبُوطِهِ أوْ صُعُودِهِ مَعَ ما فِيهِ مِن كَمالِ المُناسِبَةِ لِما سَيُحْكى مِن تَدَلِّي جِبْرِيلَ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى ودُنُوِّهِ مِنهُ عَلَيْهِما السَّلامُ هَذا هو اللّائِقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، وأمّا حَمْلُ هَوِيِّهُ عَلى انْتِثارِهِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ عَلى انْقِضاضِ النَّجْمِ الَّذِي يُرْجَمُ بِهِ أوْ حَمْلُ النَّجْمِ عَلى النَّباتِ وحَمْلُ هَوِيِّهِ عَلى سُقُوطِهِ عَلى الأرْضِ أوْ (p-155)عَلى ظُهُورِهِ مِنها فَمِمّا لا يُناسِبُ المَقامَ.
﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ: وما يَصْدُرُ نُطْقُهُ بِالقرآن عَنْ هَواهُ ورَأْيِهِ أصْلًا فَإنَّ المُرادَ: اسْتِمْرارُ نَفْيِ النُّطْقِ عَنِ الهَوى لا نَفْيُ اسْتِمْرارِ النُّطْقِ عَنْهُ كَما مَرَّ مِرارًا.
﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ: ما الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ مِنَ القرآن.
﴿إلا وحْيٌ﴾ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوحى﴾ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِـ"وَحْيٌ" رافِعَةٌ لِاحْتِمالِ المَجازِ مُفِيدَةٌ لِلِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
53:5Page 526
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Taught to him by one intense in strength [i.e., Gabriel] -
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ أيْ: مَلَكٌ شَدِيدٌ قُواهُ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ الواسِطَةُ في إبْداءِ الخَوارِقِ وناهِيكَ دَلِيلًا عَلى شِدَّةِ قُوَّتِهِ أنَّهُ قَلَعَ قُرى قَوْمِ لُوطٍ مِنَ الماءِ الأسْوَدِ الَّذِي هو تَحْتَ الثَّرى وحَمَلَها عَلى جَناحِهِ ورَفَعَها إلى السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها وصاحَ بِثَمُودَ صَيْحَةً فَأصْبَحُوا جاثِمِينَ وكانَ هُبُوطُهُ عَلى الأنْبِياءِ وصُعُودُهُ في أسْرَعَ مِن رَجْعَةِ الطَّرَفِ.
﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ أيْ: حَصافَةٍ في عَقْلِهِ ورَأْيِهِ ومَتانَةٍ في دِينِهِ.
﴿فاسْتَوى﴾ عَطْفٌ عَلى عَلَّمَهُ بِطَرِيقِ التَّفْسِيرِ فَإنَّهُ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أوْحى﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ أيْ: فاسْتَقامَ عَلى صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها دُونَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَ يَتَمَثَّلُ بِها كُلَّما هَبَطَ بِالوَحْيِ؛ وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أحَبَّ أنْ يَراهُ في صُورَتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِراءَ فَطَلَعَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَشْرِقِ فَسَدَّ الأرْضَ مِنَ المَغْرِبِ ومَلَأ الأُفُقَ فَخَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ الآدَمِيِّينَ فَضَمَّهُ إلى نَفْسِهِ وجَعَلَ يَمْسَحُ الغُبارَ عَنْ وجْهِهِ. قِيلَ: ما رَآهُ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ في صُورَتِهِ غَيْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ رَآهُ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في الأرْضِ ومَرَّةً في السَّماءِ. وقِيلَ: اسْتَوى بِقُوَّتِهِ عَلى ما جُعِلَ لَهُ مِنَ الأمْرِ.
53:7–8Page 526
وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧
While he was in the higher [part of the] horizon.1
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨
Then he approached and descended
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ أيْ: أُفُقِ الشَّمْسِ حالٌ مِن فاعِلِ "اسْتَوى".
﴿ثُمَّ دَنا﴾ أيْ: أرادَ الدُّنُوَّ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿فَتَدَلّى﴾ أيِ: اسْتَرْسَلَ مِنَ الأُفُقِ الأعْلى مَعَ تَعَلُّقِ بِهِ فَدَنا مِنَ النَّبِيِّ، يُقالُ: تَدَلَّتِ الثَّمَرَةُ ودَلّى رِجْلَيْهِ مِنَ السَّرِيرِ وأدْلى دَلْوَهُ، والدَّوالِي: الثَّمَرُ المُعَلَّقُ.
53:9Page 526
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
And was at a distance of two bow lengths or nearer.
﴿فَكانَ﴾ أيْ: مِقْدارُ امْتِدادِ ما بَيْنَهُما.
﴿قابَ قَوْسَيْنِ﴾ أيْ: مِقْدارَهُما فَإنَّ القابَ والقِيبَ والقادَ والقَيْدَ والقِيسَ (p-156)المِقْدارُ، وقِيلَ: فَكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ كَما في قَوْلِكَ: هو مِنِّي مَعْقِدُ الإزارِ.
﴿أوْ أدْنى﴾ أيْ: عَلى تَقْدِيرِكم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَزِيدُونَ﴾ والمُرادُ: تَمْثِيلُ مَلَكَةِ الِاتِّصالِ وتَحَقُّقِ اسْتِماعِهِ لِما أُوحِيَ إلَيْهِ بِنَفِيِ البُعْدِ المُلْبِسِ.
53:10Page 526
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
And he revealed to His Servant1 what he revealed [i.e., conveyed].
﴿فَأوْحى﴾ أيْ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿إلى عَبْدِهِ﴾ عَبْدِ اللَّهِ تَعالى، وإضْمارُهُ قَبْلَ الذِّكْرِ لِغايَةِ ظُهُورِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها﴾ .
﴿ما أوْحى﴾ أيْ: مِنَ الأُمُورِ العَظِيمَةِ الَّتِي لا تَفِي بِها العِبارَةُ أوْ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى حِينَئِذٍ بِواسِطَةِ جِبْرِيلَ ما أوْحى، قِيلَ: أوْحى إلَيْهِ أنَّ الجَنَّةَ مُحَرَّمَةٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى تَدْخَلَها وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدْخَلَها أُمَّتُكَ.
﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ﴾ أيْ: فُؤادُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿ما رَأى﴾ أيْ: ما أراهُ بِبَصَرِهِ مِن صُورَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ أيْ: ما قالَ فُؤادُهُ لِما رَآهُ لَمْ أعْرِفْكَ ولَوْ قالَ ذَلِكَ لَكانَ كاذِبًا لِأنَّهُ عَرَفَهُ بِقَلْبِهِ كَما رَآهُ بِبَصَرِهِ، وقُرِئَ "ما كَذَّبَ" أيْ: صَدَّقَهُ ولَمْ يَشُكَّ أنَّهُ جِبْرِيلُ بِصُورَتِهِ.
﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ أيْ: أتُكَذِّبُونَهُ فَتُجادِلُونَهُ عَلى ما يَراهُ مُعايَنَةً أوْ أبَعْدَ ما ذُكِرَ مِن أحْوالِهِ المُنافِيَةِ لِلْمُماراةِ، تُمارُونَهُ مِنَ المِراءِ وهو المُلاحاةُ والمُجادَلَةُ واشْتِقاقُهُ مِن مَرى النّاقَةَ كَأنَّ كُلًّا مِنَ المُتَجادِلِينَ يَمْرِي ما عِنْدَ صاحِبِهِ، وقُرِئَ "أفَتُمْرُونَهُ" أيْ: أفَتَغْلِبُونَهُ في المِراءِ مِن مارَيْتُهُ فَمَرَيْتُهُ، ولِما فِيهِ مِن مَعْنى الغَلَبَةِ عُدِّيَ بِعَلى كَما يُقالُ: غَلَبْتُهُ عَلى كَذا، وقِيلَ: أفَتُمْرُونَهُ أفَتَجْحَدُونَهُ مِن مَرّاهُ حَقَّهُ إذا جَحَدَهُ.
﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ رَأى جِبْرِيلَ في صُورَتِهِ مَرَّةً أُخْرى مِنَ النُّزُولِ نُصِبَتِ النَّزْلَةُ نَصْبَ الظَّرْفِ الَّذِي هو مَرَّةٌ؛ لِأنَّ الفَعْلَةَ اسْمٌ لِلْمَرَّةِ مِنَ الفِعْلِ فَكانَتْ في حُكْمِها، وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: ولَقَدْ رَآهُ نازِلًا نَزْلَةً أُخْرى فَنَصْبُها عَلى المَصْدَرِ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ هي شَجَرَةُ نَبْقٍ في السَّماءِ السّابِعَةِ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ ثَمَرُها كَقِلالِ هَجَرَ ووَرَقُها كَآذانِ الفُيُولِ، تَنْبُعُ مِن أصْلِها الأنْهارُ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ، يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها سَبْعِينَ عامًا لا يَقْطَعُها. والمُنْتَهى مَوْضِعُ الِانْتِهاءِ أوِ الِانْتِهاءُ كَأنَّها في مُنْتَهى الجَنَّةِ، وقِيلَ: إلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ الخَلائِقِ وأعْمالُهم ولا يَعْلَمُ أحَدٌ ما وراءَها. وقِيلَ: يَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ. وقِيلَ: يَنْتَهِي إلَيْها ما يَهْبِطُ مِن فَوْقِها ويَصْعَدُ مِن تَحْتِها. قِيلَ: إضافَةُ السِّدْرَةِ إلى المُنْتَهى إمّا إضافَةُ الشَّيْءِ إلى مَكانِهِ كَقَوْلِكَ: "شَجَرُ البُسْتانِ" أوْ إضافَةُ المَحَلِّ إلى الحالِّ كَقَوْلِكَ: "كِتابُ الفِقْهِ"، والتَّقْدِيرُ: سَدِرَةٌ عِنْدَها مُنْتَهى عُلُومِ الخَلائِقِ، أوْ إضافَةُ المِلْكَ إلى المالِكِ عَلى حَذْفِ الجارِّ والمَجْرُورِ، أيْ: سِدْرَةُ المُنْتَهى إلَيْهِ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالَ تَعالى: ﴿إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾ .
(p-157)﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ أيِ: الجَنَّةُ الَّتِي يَأْوِي إلَيْها المُتَّقُونَ أوْ أرَواحُ الشُّهَداءِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقِيلَ: الأحْسَنُ أنْ يَكُونَ الحالُ هو الظَّرْفَ و"جَنَّةُ المَأْوى" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ.
53:16Page 526
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
When there covered the Lote Tree that which covered [it].1
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ ظَرْفُ زَمانٍ لِـ"رَآهُ" لا لِما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ كَما قِيلَ، فَإنَّ "ما" النّافِيَةَ لا يَعْمَلُ ما بَعْدَها فِيما قَبْلَها، والغَشَيانُ بِمَعْنى: التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ ومِنهُ الغَواشِي، أوْ بِمَعْنى الإتْيانِ يُقالُ: فُلانٌ يَغْشانِي كُلَّ حِينٍ أيْ: يَأْتِينِي، والأوَّلُ هو الألْيَقُ بِالمَقامِ، وفي إبْهامِ "ما يَغْشى" مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وتَأْخِيرُهُ عَنِ المَفْعُولِ لِلتَّشْوِيقِ إلَيْهِ أيْ: ولَقَدْ رَآهُ عِنْدَ السِّدْرَةِ وقْتَ ما غَشِيَها مِمّا لا يَكْتَنِهُهُ الوَصْفُ ولا يَفِي بِهِ البَيانُ كَيْفًا ولا كَمًّا، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها البَدِيعَةِ ولِلْإيذانِ بِاسْتِمْرارِ الغَشَيانِ بِطَرِيقِ التَّجَدُّدِ. وقِيلَ: يَغْشاها الجَمُّ الغَفِيرُ مِنَ المَلائِكَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ تَعالى عِنْدَها. وقِيلَ: يَزُورُونَها مُتَبَرِّكِينَ بِها كَما يَزُورُ النّاسُ الكَعْبَةَ. وقِيلَ: يَغْشاها سَبَحاتُ أنْوارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حِينَ يَتَجَلّى لَها كَما يَتَجَلّى لِلْجَبَلِ لَكِنَّها أقْوى مِنَ الجَبَلِ وأثْبَتُ حَيْثُ لَمْ يُصِبْها ما أصابَهُ مِنَ الدَّكِّ. وقِيلَ: يَغْشاها فَراشٌ أوْ جَرادٌ مِن ذَهَبٍ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ والضِّحاكِ، ورُوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "رَأيْتُ السِّدْرَةَ يَغْشاها فَراشٌ مِن ذَهَبٍ ورَأيْتُ عَلى كُلِّ ورَقَةٍ مَلَكًا قائِمًا يُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى"،» وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿يَغْشاها رَفْرَفٌ مِن طَيْرٍ خُضْرٍ﴾ .
53:17Page 526
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
The sight [of the Prophet (ﷺ)] did not swerve, nor did it transgress [its limit].
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ: ما مالَ بَصَرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا رَآهُ.
﴿وَما طَغى﴾ وما تَجاوَزَهُ مَعَ ما شاهَدَهُ هُناكَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ المُذْهِلَةِ ما لا يُحْصى بَلْ أثْبَتَهُ إثْباتًا صَحِيحًا مُتَيَقِّنًا أوْ ما عَدَلَ عَنِ رُؤْيَةِ العَجائِبِ الَّتِي أُمِرَ بِرُؤْيَتِها ومُكِّنَ مِنها وما جاوَزَها.
53:18Page 526
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
He certainly saw of the greatest signs of his Lord.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ أيْ: واللَّهِ لَقَدْ رَأى الآياتِ الَّتِي هي كُبْراها وعُظْماها حِينَ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ فَأُرِيَ عَجائِبَ المُلْكِ والمَلَكُوتِ ما لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ العِبارَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "الكُبْرى" صِفَةً لـِ"آياتٍ" والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ آياتِ رَبِّهِ وأنْ تَكُونَ "مِن" مَزِيدَةً.
53:19–20Page 526
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩
So have you considered al-Lāt and al-ʿUzzā?
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠
And Manāt, the third - the other one?1
﴿أفَرَأيْتُمُ اللاتَ والعُزّى﴾، ﴿وَمَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ هي أصْنامٌ كانَتْ لَهُمْ، فاللّاتُ كانَتْ لِثَقِيفٍ بِالطّائِفِ. وقِيلَ: لِقُرَيْش بِنَخْلَةٍ وهي فَعَلَةٌ مِن لَوى لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ عَلَيْها ويَطُوفُونَ بِها، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ التّاءِ عَلى أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ اشْتُهِرَ بِهِ رَجُلٌ كانَ يَلُتُّ السَّمْنَ بِالزَّيْتِ ويُطْعِمُهُ (p-158)الحاجَّ. وقِيلَ: كانَ يَلُتُّ السَّوِيقَ بِالطّائِفِ ويُطْعِمُهُ الحاجَّ فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ يَعْبُدُونَهُ. وقِيلَ: كانَ يَجْلِسُ عَلى حَجَرٍ فَلَمّا ماتَ سُمِّيَ الحَجَرُ بِاسْمِهِ وعُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقِيلَ: كانَ الحَجْرُ عَلى صُورَتِهِ، والعُزّى تَأْنِيثُ الأعَزِّ كانَتْ لِغَطَفانَ وهي سَمُرَةً كانُوا يَعْبُدُونَها فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَقَطَعَها فَخَرَجَتْ مِنها شَيْطانَةٌ ناشِرَةٌ شَعْرَها واضِعَةً يَدَها عَلى رَأْسِها وهي تُوَلْوِلُ فَجَعَلَ خالِدٌ يَضْرِبُها بِالسَّيْفِ حَتّى قَتْلَها فَأخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: تِلْكَ العُزّى ولَنْ تُعْبَدَ أبَدًا، ومَناةُ صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ وخُزاعَةَ. وقِيلَ لِثَقِيفٍ وكَأنَّها سُمِّيَتْ مَناةَ لِأنَّ دِماءَ النِّسائِكَ تُمْنى عِنْدَها أيْ: تُراقُ، وقُرِئَ "وَمُناءَةَ" وهي مُفْعَلَةٌ مِنَ النَّوْءِ كَأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ تَبَرُّكًا بِها والأُخْرى صِفَةُ ذَمٍّ لَها وهي المُتَأخِّرَةُ الوَضِيعَةُ المِقْدارِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ تَكُونَ الأوَّلِيَّةُ والتَّقَدُّمُ عِنْدَهم لِلّاتِ والعُزّى ثُمَّ إنَّهم كانُوا مَعَ ما ذُكِرَ مِن عِبادَتِهِمْ لَها يَقُولُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ وتِلْكَ الأصْنامَ بَناتُ اللَّهِ تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَقِيلَ لَهم تَوْبِيخًا وتَبْكِيتًا: ﴿أفَرَأيْتُمُ﴾ ...إلَخْ والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِتَوْجِيهِهِ إلى تَرْتِيبِ الرُّؤْيَةِ عَلى ما ذَكَرَ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى المُنافِيَةِ لَها غايَةَ المُنافاةِ وهي قَلْبِيَّةٌ ومَفْعُولُها الثّانِي مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ الحالِ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: عَقِيبُ ما سَمِعْتُمْ مِن آثارِ كَمالِ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في مُلْكِهِ ومَلَكُوتِهِ وجَلالِهِ وجَبَرُوتِهِ وإحْكامِ قدرته ونَفاذِ أمْرِهِ في المَلَأِ الأعْلى وما تَحْتَ الثَّرى وما بَيْنَهُما رَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ غايَةِ حَقارَتِها وقَماءَتِها بَناتٍ لَهُ تَعالى. وقِيلَ: المَعْنى: أفَرَأيْتُمْ هَذِهِ الأصْنامَ مَعَ حَقارَتِها وذِلَّتِها شُرَكاءَ اللَّهِ تَعالى مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن عَظَمَتِهِ. وقِيلَ: أخْبَرُونِي عَنْ آلِهَتِكم هَلْ لَها شَيْءٌ مِنَ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ الَّتِي وُصِفَ بِها رَبُّ العِزَّةِ في الآيِ السّابِقَةِ. وقِيلَ: المَعْنى: أظْنَنْتُمْ أنَّ هَذِهِ الأصْنامَ الَّتِي تَعْبُدُونَها تَنْفَعُكم. وقِيلَ: أظْنَنْتُمْ أنَّها تَشْفَعُ لَكم في الآخِرَةِ. وقِيلَ: أفَرَأيْتُمْ إلى هَذِهِ الأصْنامِ إنْ عَبَدْتُمُوها لا تَنْفَعْكم وإنْ تَرَكْتُمُوَها لا تَضُرَّكُمْ، والأوَّلُ هو الحَقُّ كَما يَشْهَدُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ شَهادَةٌ بَيِّنَةً فَإنَّهُ تَوْبِيخٌ مَبْنِيٌّ عَلى التَّوْبِيخِ الأوَّلِ وحَيْثُ كانَ مَدارُهُ تَفْضِيلَ جانِبِ أنْفُسِهِمْ عَلى جَنابِهِ تَعالى بِنِسْبَتِهِمْ إلَيْهِ تَعالى الإناثَ مَعَ اخْتِيارِهِمْ لِأنْفُسِهِمُ الذُّكُورَ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَناطُ الأوَّلِ نَفْسَ تِلْكَ النِّسْبَةِ حَتّى يَتَسَنّى بِناءُ التَّوْبِيخِ الثّانِي عَلَيْهِ وظاهِرٌ أنْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ التَّقْدِيراتِ المَذْكُورَةِ مِن تِلْكَ النِّسْبَةِ عَيْنٌ ولا أثَرٌ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَفْعُولٌ ثانٍ لِلرُّؤْيَةِ وخُلُوُّها عَنِ العائِدِ إلى المَفْعُولِ الأوَّلِ لِما أنَّ الأصْلَ: أخْبِرُونِي أنَّ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ ألْكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ هُنَّ أيْ: تِلْكَ الأصْنامُ، فَوُضِعَ مَوْضِعَ الأُنْثى لِمُراعاةِ الفَواصِلِ وتَحْقِيقِ مَناطِ التَّوْبِيخِ فَمَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّمَحُّلاتِ الَّتِي يَنْبَغِي تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ عَنْ أمْثالِها يَقْتَضِي اقْتِصارَ التَّوْبِيخِ عَلى تَرْجِيحِ جانِبِهِمُ الحَقِيرِ عَلى جَنابِ اللَّهِ العَزِيزِ الجَلِيلِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلتَّوْبِيخِ عَلى نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ.
﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى القِسْمَةِ المُنْفَهِمَةِ مِنَ الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ.
﴿إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ أيْ: جائِرَةٌ حَيْثُ جَعَلْتُمْ لَهُ تَعالى ما تَسْتَنْكِرُونَ (p-159)مِنهُ، وهي فُعْلى مِنَ الضَّيْزِ وهو الجَوْرُ لَكِنَّهُ كُسِرَ فاؤُهُ لِتَسْلَمَ الياءُ كَما فُعِلَ في بِيضٍ فَإنَّ فُعْلى بِالكَسْرِ لَمْ يَأْتِ في الوَصْفِ، وقُرِئَ "ضِئْزى" بِالهَمْزَةِ مِن ضَأزَهُ إذا ظَلَمَهُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ، وقُرِئَ "ضَيْزى" إمّا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ كَدَعْوى أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كَسَكْرى وعَطْشى.
53:23Page 526
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
They are not but [mere] names you have named them - you and your forefathers - for which Allāh has sent down no authority. They follow not except assumption and what [their] souls desire, and there has already come to them from their Lord guidance.
﴿إنْ هِيَ﴾ الضَّمِيرُ لِلْأصْنامِ أيْ: ما الأصْنامُ بِاعْتِبارِ الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي يَدَّعُونَها.
﴿إلا أسْماءٌ﴾ مَحْضَةٌ لَيْسَ تَحْتَها مِمّا تُنْبِئُ هي عَنْهُ مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ شَيْءٌ ما أصْلًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمَّيْتُمُوها﴾ صِفَةٌ لِـ"أسْماءٌ" وضَمِيرُها لَها لا لِلْأصْنامِ والمَعْنى: جَعَلْتُمُوها أسْماءً لا جَعَلْتُمْ لَها أسْماءً فَإنَّ التَّسْمِيَةَ نِسْبَةٌ بَيْنَ الِاسْمِ والمُسَمّى، فَإذا قِيسَتْ إلى الاسْمِ فَمَعْناها جَعْلُهُ اسْمًا لِلْمُسَمّى وإنْ قِيسَتْ إلى المُسَمّى فَمَعْناها جَعْلُهُ مُسَمًّى لِلِاسْمِ وإنَّما اخْتِيرَ هَهُنا المَعْنى الأوَّلُ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِلْمُسَمّى لِتَحْقِيقِ أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ الَّتِي يُسَمُّونَها آلِهَةً أسْماءٌ مُجَرَّدَةٌ لَيْسَ لَها مُسَمَّياتٌ قَطْعًا كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ الآيَةُ لا أنَّ هُناكَ مُسَمَّياتٍ لَكِنَّها لا تَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ. وقِيلَ: هي لِلْأسْماءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ حَيْثُ كانُوا يُطْلِقُونَها عَلى تِلْكَ الأصْنامِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّها تَسْتَحِقُّ العُكُوفَ عَلى عِبادَتِها والإعْزازَ والتَّقَرُّبَ إلَيْها بِالقَرابِينِ.
وَأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّهُ لَوْ سُلِّمَ دَلالَةُ الأسْماءِ المَذْكُورَةِ عَلى ثُبُوتِ تِلْكَ المَعانِي الخاصَّةِ لِلْأصْنامِ فَلَيْسَ في سَلْبِها عَنْها مَزِيدُ فائِدَةٍ بَلْ إنَّما هي في سَلْبِ الأُلُوهِيَّةِ عَنْها كَما هو زَعْمُهُمُ المَشْهُورُ في حَقِّ جَمِيعِ الأصْنامِ عَلى وجْهٍ بُرْهانِيٍّ فَإنَّ انْتِفاءَ المَوْصُوفِ يَقْتَضِي انْتِفاءَ الوَصْفِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ أيْ: ما هي إلّا أسْماءٌ خالِيَةٌ عَنِ المُسَمَّياتِ وضَعْتُمُوها.
﴿أنْتُمْ ولا آباؤُكُمْ﴾ بِمُقْتَضى أهْوائِكُمُ الباطِلَةِ.
﴿ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ بِرِهانٍ تَتَعَلَّقُونَ بِهِ.
﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ التِفاتٌ إلى الغَيْبَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْدادَ قَبائِحِهِمُ اقْتَضى الإعْراضَ عَنْهم وحِكايَةَ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ أيْ: ما يَتْبَعُونَ فِيما ذُكِرَ مِنَ التَّسْمِيَةِ والعَمَلِ بِمُوجِبِها.
﴿إلا الظَّنَّ﴾ إلّا تَوَهُّمَ أنَّ ما هم عَلَيْهِ حَقٌّ تَوَهُّمًا باطِلًا.
﴿وَما تَهْوى الأنْفُسُ﴾ أيْ: تَشْتَهِيهِ أنْفُسُهُمُ الأمّارَةُ بِالسُّوءِ.
﴿وَلَقَدْ جاءَهم مِن رَبِّهِمُ الهُدى﴾ قِيلَ: هي حالٌ مِن فاعِلِ "يَتَّبِعُونَ" أوِ اعْتِراضٌ وأيًّا ما كانَ؛ فَفِيهِ تَأْكِيدٌ لِبُطْلانِ اتِّباعِ الظَّنِّ - وهو النَّفْسُ - وزِيادَةُ تَقْبِيحٍ لِحالِهِمْ، فَإنَّ اتِّباعَهُما مِن أيِّ شَخْصٍ كانَ قَبِيحٌ ومِمَّنْ هَداهُ اللَّهُ تَعالى بِإرْسالِ الرَّسُولِ ﷺ وإنْزالِ الكِتابِ أقْبَحُ.
﴿أمْ لِلإنْسانِ ما تَمَنّى﴾ "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن بَلْ لِلِانْتِقالِ مِن بَيانِ أنَّ ما هم عَلَيْهِ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ إلّا إلى تَوَهُّمِهِمْ وهَوى أنْفُسِهِمْ إلى بَيانِ أنَّ ذَلِكَ مِمّا لا يُجْدِي نَفْعًا أصْلًا والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ أيْ: لَيْسَ لِلْإنْسانِ كُلُّ ما يَتَمَنّاهُ وتَشْتَهِيهُ نَفَسُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أطْماعُهُمُ الفارِغَةُ في شَفاعَةِ الآلِهَةِ ونَظائِرِها الَّتِي لا تَكادُ تَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ.
53:25Page 526
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Rather, to Allāh belongs the Hereafter and the first [life].
﴿فَلِلَّهِ الآخِرَةُ والأُولى﴾ تَعْلِيلٌ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لِلْإنْسانِ ما يَتَمَنّاهُ حَتْمًا فَإنَّ اخْتِصاصَ (p-160)أُمُورِ الآخِرَةِ والأوْلى جَمِيعًا بِهِ تَعالى مُقْتَضٍ لِانْتِفاءِ أنْ يَكُونَ لَهُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ.
53:26Page 526
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
And how many angels there are in the heavens whose intercession will not avail at all except [only] after Allāh has permitted [it] to whom He wills and approves.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا﴾ إقْناطٌ لَهم عَمّا عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهم مِن شَفاعَةِ المَلائِكَةِ لَهم مُوجِبٌ لِإقْناطِهِمْ مِن شَفاعَةِ الأصْنامِ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ و"كَمْ" خَبَرِيَّةٌ مُفِيدَةٌ لِلتَّكْثِيرِ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ هي الجُمْلَةُ المَنفِيَّةُ وجَمْعُ الضَّمِيرِ في شَفاعَتِهِمْ مَعَ إفْرادِ المَلَكِ بِاعْتِبارِ المَعْنى أيْ: وكَثِيرٌ مِنَ المَلائِكَةِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿إلا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ لَهم في الشَّفاعَةِ.
﴿لِمَن يَشاءُ﴾ أنْ يَشْفَعُوا لَهُ.
﴿وَيَرْضى﴾ ويَراهُ أهْلًا لِلشَّفاعَةِ مِن أهِلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ، وأمّا مَن عَداهم مَن أهِلِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ فَهم مِن إذَنِ اللَّهِ تَعالى بِمَعْزِلٍ ومِنَ الشَّفاعَةِ ألْفُ مَنزِلٍ فَإذا كانَ حالُ المَلائِكَةِ في بابِ الشَّفاعَةِ كَما ذُكِرَ فَما ظَنُّهم بِحالِ الأصْنامِ.
53:27Page 527
إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ ٢٧
Indeed, those who do not believe in the Hereafter name the angels female names,
﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وبِما فِيها مِنَ العِقابِ عَلى ما يَتَعاطَوْنَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي.
﴿لَيُسَمُّونَ المَلائِكَةَ﴾ المُنَزَّهِينَ عَنْ سِماتِ النُّقْصانِ عَلى الإطْلاقِ يُسَمُّونَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم ﴿تَسْمِيَةَ الأُنْثى﴾ فَإنَّ قَوْلَهُمُ: "المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ" قَوْلٌ مِنهم بِأنَّ كُلًّا مِنهم بِنْتُهُ سُبْحانَهُ وهي التَّسْمِيَةُ بِالأُنْثى وفي تَعْلِيقِها بِعَدَمِ الإيمان بالآخِرَةِ إشْعارٌ بِأنَّها في الشَّناعَةِ والفَظاعَةِ واسْتِتْباعِ العُقُوبَةِ في الآخِرَةِ بِحَيْثُ لا يَجْتَرِئُ عَلَيْها إلّا مَن يُؤْمِنُ بَها رَأْسًا.
53:28Page 527
وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا ٢٨
And they have thereof no knowledge. They follow not except assumption, and indeed, assumption avails not against the truth at all.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يُسَمُّونَ" أيْ: يُسَمُّونَهُ والحالُ أنَّهُ لا عِلْمَ لَهم بِما يَقُولُونَ أصْلًا، وقُرِئَ بِها أيْ: بِالمَلائِكَةِ أوْ بِالتَّسْمِيَةِ.
﴿إنْ يَتَّبِعُونَ﴾ في ذَلِكَ.
﴿إلا الظَّنَّ﴾ الفاسِدَ.
﴿وَإنَّ الظَّنَّ﴾ أيْ: جِنْسَ الظَّنِّ كَما يُلَوِّحُ بِهِ الإظْهارُ في مَوْقِعِ الإضْمارِ.
﴿لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا﴾ مِنَ الإغْناءِ فَإنَّ الحَقَّ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ حَقِيقَةِ الشَّيْءِ لا يُدْرَكُ إلّا بِالعِلْمِ والظَّنِّ لا اعْتِدادَ بِهِ في شَأْنِ المَعارِفِ الحَقِيقِيَّةِ وإنَّما يُعْتَدُّ بِهِ في العَمَلِيّاتِ وما يُؤَدِّي إلَيْها.
53:29Page 527
فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا ٢٩
So turn away from whoever turns his back on Our message and desires not except the worldly life.
﴿فَأعْرِضْ عَنْ مَن تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا﴾ أيْ: عَنْهم ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّوَسُّلِ بِهِ إلى وصْفِهِمْ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ مِنَ الأوْصافِ القَبِيحَةِ وتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِها أيْ: فَأعْرِضْ عَمَّنْ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِنا المُفِيدِ لِلْعِلْمِ اليَقِينِيِّ وهو القرآن المُنْطَوِي عَلى عُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ المُذَكِّرِ لِأُمُورِ الآخِرَةِ أوْ عَنْ ذِكْرِنا كَما يَنْبَغِي فَإنَّ ذَلِكَ مُسْتَتْبِعٌ لِذِكْرِ الآخِرَةِ وما فِيها مِنَ الأُمُورِ المَرْغُوبِ فِيها والمَرْهُوبِ عَنْها.
﴿وَلَمْ يُرِدْ إلا الحَياةَ الدُّنْيا﴾ راضِيًا بِها قاصِرًا نَظَرَهُ عَلَيْها والمُرادُ: النَّهْيُ عَنْ دَعْوَتِهِ والِاعْتِناءُ بِشَأْنِهِ، قالَ: مَن أعْرَضَ عَمّا ذُكِرَ وانْهَمَكَ في الدُّنْيا بِحَيْثُ كانَتْ هي مُنْتَهى هِمَّتِهِ وقُصارى سَعْيِهِ (p-161)لا تَزِيدُهُ الدَّعْوَةُ إلى خِلافِها إلّا عِنادًا وإصْرارًا عَلى الباطِلِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences