Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
المؤمنون
Al-Mu'minun
The Believers · Meccan · 118 ayahs
سُورَةُ المُؤْمِنُونَ
(مَكِّيَّةٌ وهي عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِائَةٌ وتِسْعَ عَشْرَةَ آيَةً، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ مِائَةٌ وثَمانِيَ عَشْرَةَ آيَةً )
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ الفَلاحُ: الفَوْزُ بِالمَرامِ والنَّجاةُ مِنَ المَكْرُوهِ، وقِيلَ: البَقاءُ في الخَيْرِ، والإفْلاحُ: الدُّخُولُ في ذَلِكَ كالإبْشارِ الَّذِي هو الدُّخُولُ في البِشارَةِ، وقَدْ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا بِمَعْنى الإدْخالِ فِيهِ وعَلَيْهِ قِراءَةُ مَن قَرَأ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. وكَلِمَةُ "قَدْ" هَهُنا لِإفادَةِ ثُبُوتِ ما كانَ مُتَوَقِّعَ الثُّبُوتِ مِن قَبْلُ لا مُتَوَقِّعَ الإخْبارِ بِهِ ضَرُورَةَ أنَّ المُتَوَقَّعَ مِن حالِ المُؤْمِنِينَ ثُبُوتُ الفَلاحِ لَهم لا الإخْبارُ بِذَلِكَ، فالمَعْنى: قَدْ فازُوا بِكُلِّ خَيْرٍ ونَجَوْا مِن كُلِّ ضَيْرٍ حَسَبَما كانَ ذَلِكَ مُتَوَقَّعًا مِن حالِهِمْ، فَإنَّ إيمانَهم وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ مِن دَواعِي الفَلاحِ بِمُوجِبِ الوَعْدِ الكَرِيمِ خَلا أنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالإفْلاحِ حَقِيقَةُ الدُّخُولِ في الفَلاحِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ إلّا في الآخِرَةِ، فالإخْبارُ بِهِ عَلى صِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحَقُّقِهِ لا مَحالَةَ بَتَنْـزِيلِهِ مَنـزِلَةَ الثّابِتِ وإنْ أُرِيدَ كَوْنُهم بِحالٍ تَسْتَتْبِعُهُ البَتَّةَ فَصِيغَةُ الماضِي في مَحَلِّها. وقُرِئَ: "أفْلَحُوا" عَلى الإبْهامِ والتَّفْسِيرِ، أوْ عَلى أكَلُونِي البَراغِيثُ. وقُرِئَ "أفْلَحُ" بِضَمَّةٍ اكْتَفى بِها عَنِ الواوِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ ولَوْ أنَّ الأطَبّا كانَ حَوْلِي..
23:2Page 342
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ ٢
They who are during their prayer humbly intent
والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ: إمّا المُصَدِّقُونَ بِما عُلِمَ ضَرُورَةَ أنَّهُ مِن دِينِ نَبِيِّنا ﷺ مِنَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والبَعْثِ والجَزاءِ ونَظائِرِها،فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ صِفاتٌ مُخَصَّصَةٌ لَهم، وإمّا الآتُونَ بِفُرُوعِهِ أيْضًا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَةُ الصَّلاةِ إلَيْهِمْ فَهي صِفاتٌ مُوَضَّحَةٌ أوْ مادِحَةٌ لَهم حَسَبَ اعْتِبارِ ما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ مِنَ المَعانِي مَعَ الإيمانِ إجْمالًا أوْ تَفْصِيلًا كَما مَرَّ في أوائِلِ (سُورَةِ البَقَرَةِ ) . والخُشُوعُ: الخَوْفُ والتَّذَلُّلُ، أيْ: خائِفُونَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مُتَذَلِّلُونَ لَهُ مُلْزِمُونَ أبْصارَهم مَساجِدَهم. رَوى «أنَّهُ ﷺ كانَ إذا صَلّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فَلَمّا نَزَلَتْ رَمى بِبَصَرِهِ نَحْوَ مَسْجِدِهِ، وأنَّهُ رَأى مُصَلِّيًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فَقالَ: "لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذا لَخَشَعَتْ جَوارِحُهُ"» .
﴿والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ﴾ أيْ: عَمّا لا يَعْنِيهِمْ مِنَ الأقْوالِ والأفْعالِ.
(p-124)﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ: في عامَّةِ أوْقاتِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْمُ الدّالُّ عَلى الِاسْتِمْرارِ فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ إعْراضُهم عَنْهُ حالَ اشْتِغالِهِمْ بِالصَّلاةِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، ومَدارُ إعْراضِهِمْ عَنْهُ ما فِيهِ مِنَ الحالَةِ الدّاعِيَةِ إلى الإعْراضِ عَنْهُ لا مُجَرَّدَ الِاشْتِغالِ بِالجِدِّ في أُمُورِ الدِّينِ كَما قِيلَ، فَإنَّ ذَلِكَ رُبَّما يُوهِمُ أنْ لا يَكُونَ في اللَّغْوِ نَفْسِهِ ما يَزْجُرُهم عَنْ تَعاطِيهِ، وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: لا يَلْهُونَ مِن وُجُوهِ جَعْلِ الجُمْلَةِ اسْمِيَّةً. وبِناءِ الحُكْمِ عَلى الضَّمِيرِ والتَّعْبِيرِ عَنْهُ بِالِاسْمِ وتَقْدِيمِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ وإقامَةِ الإعْراضِ مَقامَ التَّرْكِ لَيَدُلَّ عَلى تَباعُدِهِمْ عَنْهُ رَأْسًا مُباشَرَةً وتَسَبُّبًا ومَيْلًا وحُضُورًا، فَإنَّ أصْلَهُ أنْ يَكُونَ في عَرْضٍ غَيْرِ عَرْضِهِ.
﴿والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ﴾ وصَفَهم بِذَلِكَ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهم بَلَغُوا الغايَةَ القاصِيَةَ مِنَ القِيامِ بِالطّاعاتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ والتَّجَنُّبِ عَنِ المُحَرَّماتِ وسائِرِ ما يُوجِبُ المُرُوءَةَ اجْتِنابَهُ، وتَوْسِيطِ حَدِيثِ الإعْراضِ بَيْنَهُما لِكَمالِ مُلابَسَتِهِ بِالخُشُوعِ في الصَّلاةِ. والزَّكاةُ مَصْدَرٌ لِأنَّهُ الأمْرُ الصّادِرُ عَنِ الفاعِلِ لا المَحَلُّ الَّذِي هو مَوْقِعُهُ، ومَعْنى الفِعْلِ قَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِها العَيْنُ عَلى تَقْدِيرِ المُضافِ.
23:5–6Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ ٥
And they who guard their private parts
إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ ٦
Except from their wives or those their right hands possess,1 for indeed, they will not be blamed -
﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ مُمْسِكُونَ لَها، فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ مِن نَفْيِ الإرْسالِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْهُ الحِفْظُ، أيْ: لا يُرْسِلُونَها عَلى أحَدٍ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ قُوَّتَهُمُ الشَّهَوَيَّةِ داعِيَةٌ لَهم إلى ما لا يَخْفى وأنَّهم حافِظُونَ لَها مِنِ اسْتِيفاءِ مُقْتَضاها، وبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ كَمالُ العِفَّةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ "عَلى" بِمَعْنى "مِن" وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ . أيْ: حافِظُونَ لَها مِن كُلِّ أحَدٍ إلّا مِن أزْواجِهِمْ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن ضَمِيرِ "حافِظُونَ"، أيْ: حافِظُونَ لَها في جَمِيعِ الأحْوالِ إلّا حالَ كَوْنِهِمْ والِينَ أوْ قَوّامِينَ عَلى أزْواجِهِمْ، وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: يُلامُونَ عَلى كُلِّ مُباشِرٍ إلّا عَلى ما أُطْلِقَ لَهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ، وحَمْلُ الحِفْظِ عَلى القَصْرِ عَلَيْهِنَّ لَيَكُونَ المَعْنى: حافِظُونَ فُرُوجَهم عَلى الأزْواجِ لا يَتَعَدّاهُنَّ، ثُمَّ يُقالُ: غَيْرُ حافِظِينَ إلّا عَلَيْهِنَّ تَأْكِيدًا عَلى تَأْكِيدِ تَكَلُّفٍ عَلى تَكَلُّفٍ.
﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ أيْ: سَرارِيهِمْ، عَبَّرَ عَنْهُنَّ بِـ "ما" إجْراءً لَهُنَّ لِمَمْلُوكِيَّتِهِنَّ مُجْرى غَيْرِ العُقَلاءِ أوْ لِأُنُوثَتِهِنَّ المُنْبِئَةِ عَنِ المَقْصُودِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُفِيدُهُ الِاسْتِثْناءُ مِن عَدَمِ حِفْظِ فُرُوجِهِمْ مِنهُنَّ، أيْ: فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ عَلى عَدَمِ حِفْظِها مِنهُنَّ.
23:7Page 342
فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ ٧
But whoever seeks beyond that, then those are the transgressors -
﴿فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الحَدِّ المُتَّسِعِ، وهو أرْبَعٌ مِنَ الحَرائِرِ وما شاءَ مِنَ الإماءِ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ الكامِلُونَ في العُدْوانِ المُتَناهُونَ فِيهِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ حَتْمًا عَلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ حَسَبَما نُقِلَ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، فَإنَّهُ قالَ: إنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لَهُ، أمّا (p-125)أنَّها لَيْسَتْ زَوْجَةً لَهُ فَلِأنَّهُما لا يَتَوارَثانِ بِالإجْماعِ ولَوْ كانَتْ زَوْجَةً لَهُ لَحَصَلَ التَّوارُثُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكُمْ﴾ فَوَجَبَ أنْ لا تَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ لِأنَّ لَهم أنْ يَقُولُوا إنَّها زَوْجَةٌ لَهُ في الجُمْلَةِ، وأمّا أنَّ كُلَّ زَوْجَةٍ تَرِثُ فَهم لا يُسَلِّمُونَها، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّهُ إنْ أُرِيدَ لَوْ كانَتْ زَوْجَةً حالَ الحَياةِ لَمْ يُفِدْ، وإنْ أُرِيدَ بَعْدَ المَوْتِ فالمُلازَمَةُ مَمْنُوعَةٌ فَلَيْسَ لَهُ مَعْنًى مُحَصَّلٌ، نَعَمْ لَوْ عُكِسَ لَكانَ لَهُ وجْهٌ.
23:8Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨
And they who are to their trusts and their promises attentive
﴿والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ﴾ لِما يُؤْتَمَنُونَ عَلَيْهِ ويُعاهِدُونَ مِن جِهَةِ الحَقِّ أوِ الخَلْقِ ﴿راعُونَ﴾ أيْ: قائِمُونَ عَلَيْها حافِظُونَ لَها عَلى وجْهِ الإصْلاحِ، وقُرِئَ: "لِأمانَتِهِمْ" .
23:9Page 342
وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ ٩
And they who carefully maintain their prayers -
﴿والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ﴾ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ ﴿يُحافِظُونَ﴾ يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُؤَدُّونَها في أوْقاتِها. ولَفْظُ الفِعْلِ فِيهِ لِما في الصَّلاةِ مِنَ التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ وهو السِّرُّ في جَمْعِها، ولَيْسَ فِيهِ تَكْرِيرٌ لِما أنَّ الخُشُوعَ في الصَّلاةِ غَيْرُ المُحافَظَةِ عَلَيْها وفَصْلُهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنهُما فَضِيلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ عَلى حِيالِها، ولَوْ قُرِنا في الذِّكْرِ لَرُبَّما تُوَهِّمَ أنَّ مَجْمُوعَ الخُشُوعِ والمُحافَظَةِ فَضِيلَةٌ واحِدَةٌ.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المُؤْمِنِينَ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِمْ بِما ذُكِرَ مِنَ الصِّفاتِ، وإيثارُها عَلى الإضْمارِ لِلْإشْعارِ بِامْتِيازِهِمْ بِها عَنْ غَيْرِهِمْ ونُزُولِهِمْ مَنـزِلَةَ المُشارِ إلَيْهِ حِسًّا، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِالنُّعُوتِ الجَلِيلَةِ المَذْكُورَةِ.
﴿هُمُ الوارِثُونَ﴾ أيِ: الأحِقّاءُ بِأنْ يُسَمَّوْا وُرّاثًا دُونَ مَن عَداهم مِمَّنْ ورِثَ رَغائِبَ الأمْوالِ والذَّخائِرِ وكَرائِمَهُما.
23:11Page 342
ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١١
Who will inherit al-Firdaus.1 They will abide therein eternally.
﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ﴾ بَيانٌ لِما يَرِثُونَهُ وتَقْيِيدٌ لِلْوِراثَةِ بَعْدَ إطْلاقِها وتَفْسِيرٌ لَها بَعْدَ إبْهامِها تَفْخِيمًا لِشَأْنِها ورَفْعًا لِمَحَلِّها، وهي اسْتِعارَةٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الفِرْدَوْسَ بِأعْمالِهِمْ حَسَبَما يَقْتَضِيهِ الوَعْدُ الكَرِيمُ لِلْمُبالَغَةِ فِيهِ. وقِيلَ: إنَّهم يَرِثُونَ مِنَ الكُفّارِ مَنازِلَهم فِيها حَيْثُ فَوَّتُوها عَلى أنْفُسِهِمْ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ لِكُلِّ إنْسانٍ مَنـزِلًا في الجَنَّةِ ومَنـزِلًا في النّارِ.
﴿هم فِيها﴾ أيْ: في الفِرْدَوْسِ، والتَّأْنِيثُ لِأنَّهُ اسْمٌ لِلْجَنَّةِ أوْ لِطَبَقَتِها العُلْيا، وهو البُسْتانُ الجامِعُ لِأصْنافِ الثَّمَرِ. رُوِيَ أنَّهُ تَعالى بَنى جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ لَبِنَةً مِن ذَهَبٍ ولَبِنَةٍ مِن فِضَّةٍ وجَعَلَ خِلالَها المِسْكَ الأذْفَرَ، وفي رِوايَةٍ: ولَبِنَةً مِن مِسْكٍ مُذْرِي وغَرَسَ فِيها مِن جَيِّدِ الفاكِهَةِ وجَيِّدِ الرَّيْحانِ.
﴿خالِدُونَ﴾ لا يَخْرُجُونَ مِنها أبَدًا. والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها، وإمّا حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِن فاعِلِ "يَرِثُونَ" أوْ مَفْعُولِهِ، إذْ فِيها ذِكْرٌ كُلٍّ مِنهُما، ومَعْنى الكَلامِ لا يَمُوتُونَ ولا يَخْرُجُونَ مِنها.
23:12Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢
And certainly did We create man from an extract of clay.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَبْدَأِ خَلْقِ الإنْسانِ وتَقَلُّبِهِ في أطْوارِ الخِلْقَةِ وأدْوارِ الفِطْرَةِ بَيانًا إجْمالِيًّا (p-126)إثْرَ بَيانِ حالِ بَعْضِ أفْرادِهِ السُّعَداءِ، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ، والواوُ ابْتِدائِيَّةٌ، وقِيلَ: عاطِفَةٌ عَلى ما قَبْلَها، والمُرادُ بِالإنْسانِ: الجِنْسُ، أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ خَلَقْنا جِنْسَ الإنْسانِ في ضِمْنِ خَلْقِ آَدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَلْقًا إجْمالِيًّا حَسَبَما تَحَقَّقَتْهُ في (سُورَةِ الحَجِّ ) وغَيْرِها. وأمّا كَوْنُهُ مَخْلُوقًا مِن سُلالاتٍ جُعِلَتْ نُطَفًا بَعْدَ أدْوارٍ وأطْوارٍ فَبَعِيدٌ.
﴿مِن سُلالَةٍ﴾ السُّلالَةُ ما سُلَّ مِنَ الشَّيْءِ واسْتُخْرِجَ مِنهُ، فَإنَّ فُعالَةَ اسْمٌ لِما يَحْصُلُ مِنَ الفِعْلِ فَتارَةً تَكُونُ مَقْصُودًا مِنهُ كالخُلاصَةِ، وأُخْرى غَيْرَ مَقْصُودٍ مِنهُ كالقُلامَةِ والكُناسَةِ والسُّلالَةُ مِن قَبِيلِ الأوَّلِ فَإنَّها مَقْصُودَةٌ بِالسَّلِّ، و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالخَلْقِ.
و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن طِينٍ﴾ بَيانِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِسُلالَةٍ، أيْ: خَلَقْناهُ مِن سُلالَةٍ كائِنَةٍ مِن طِينٍ، ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِسُلالَةٍ عَلى أنَّها بِمَعْنى مَسْلُولَةٍ فَهي ابْتِدائِيَّةٌ كالأُولى، وقِيلَ: المُرادُ بِالإنْسانِ: آَدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنَّهُ الَّذِي خُلِقَ مِن صَفْوَةٍ سُلَّتْ مِنَ الطِّينِ وقَدْ وقَفَتْ عَلى التَّحْقِيقِ.
23:13Page 342
ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣
Then We placed him as a sperm-drop1 in a firm lodging [i.e., the womb].
﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ﴾ أيِ: الجِنْسَ بِاعْتِبارِ أفْرادِهِ المُغايِرَةِ لَآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ جَعَلْنا نَسْلَهُ عَلى حَذْفِ المُضافِ إنْ أُرِيدَ بِالإنْسانِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
﴿نُطْفَةً﴾ بِأنْ خَلَقْناهُ مِنها، أوْ ثُمَّ جَعَلْنا السُّلالَةَ نُطْفَةً. والتَّذْكِيرُ بِتَأْوِيلِ الجَوْهَرِ أوِ المَسْلُولِ أوِ الماءِ ﴿فِي قَرارٍ﴾ أيْ: مُسْتَقَرٍّ وهو الرَّحِمُ، عَبَّرَ عَنْها بِالقَرارِ الَّذِي هو مَصْدَرٌ مُبالَغَةً.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَكِينٍ﴾ وصْفٌ لَها بِصِفَةِ ما اسْتَقَرَّ فِيها مِثْلُ طَرِيقٍ سائِرٍ أوْ بِمَكانَتِها في نَفْسِها فَإنَّها مُكِّنَتْ بِحَيْثُ هي وأُحْرِزَتْ.
23:14Page 342
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤
Then We made the sperm-drop into a clinging clot, and We made the clot into a lump [of flesh], and We made [from] the lump, bones, and We covered the bones with flesh; then We developed him into another creation. So blessed is Allāh, the best of creators.1
﴿ثُمَّ خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أيْ: دَمًا جامِدًا بِأنْ أحَلْنا النُّطْفَةَ البَيْضاءَ عَلَقَةً حَمْراءَ.
﴿فَخَلَقْنا العَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ أيْ: قِطْعَةَ لَحْمٍ لا اسْتِبانَةَ ولا تَمايُزَ فِيها.
﴿فَخَلَقْنا المُضْغَةَ﴾ أيْ: غالِبَها ومُعْظَمَها أوْ كُلَّها ﴿عِظامًا﴾ بِأنْ صَلَبْناها وجَعَلْناها عَمُودًا لِلْبَدَنِ عَلى هَيْئاتٍ وأوْضاعٍ مَخْصُوصَةٍ تَقْتَضِيها الحِكْمَةُ.
﴿فَكَسَوْنا العِظامَ﴾ المَعْهُودَةُ ﴿لَحْمًا﴾ مِن بَقِيَّةِ المُضْغَةِ، أوْ مِمّا أنْبَتْنا عَلَيْها بِقُدْرَتِنا مِمّا يَصِلُ إلَيْها، أيْ: كَسَوْنا كُلَّ عَظْمٍ مِن تِلْكَ العِظامِ ما يَلِيقُ بِهِ مِنَ اللَّحْمِ عَلى مِقْدارٍ لائِقٍ بِهِ وهَيْئَةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ. واخْتِلافِ العَواطِفِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَفاوُتِ الِاسْتِحالاتِ وجَمْعِ العِظامِ لِاخْتِلافِها. وقُرِئَ عَلى التَّوْحِيدِ فِيهِما اكْتِفاءً بِالجِنْسِ، وبِتَوْحِيدِ الأوَّلِ فَقَطْ، وبِتَوْحِيدِ الثّانِي فَحَسْبُ.
﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ هي صُورَةُ البَدَنِ، أوِ الرُّوحِ، أوِ القُوى بِنَفْخِهِ فِيهِ، أوِ المَجْمُوعِ، و"ثُمَّ" لِكَمالِ التَّفاوُتِ بَيْنَ الخَلْقَيْنِ. واحْتَجَّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلى أنَّ مَن غَصَبَ بَيْضَةً فَأفْرَخَتْ عِنْدَهُ لَزِمَهُ ضَمانُ البَيْضَةِ لا الفَرْخُ لِأنَّهُ خَلْقٌ آَخَرُ.
﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ﴾ فَتَعالى شَأْنُهُ في عِلْمِهِ الشّامِلِ وقدرته الباهِرَةِ والِالتِفاتِ إلى الإسْلامِ الجَلِيلِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ وإدْخالِ الرَّوْعَةِ، والإشْعارِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفاعِيلِ العَجِيبَةِ مِن أحْكامِ الأُلُوهِيَّةِ ولِلْإيذانِ بِأنَّ حَقَّ كُلِّ مَن سُمِعَ ما فُصِّلَ مِنَ اثارِ قدرته عَزَّ وعَلا أوْ لاحَظَهُ أنْ يُسارِعَ إلى التَّكَلُّمِ بِهِ إجْلالًا وإعْظامًا لِشُؤُونِهِ تَعالى.
﴿أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجَلالَةِ، وقِيلَ: نَعْتٌ لَهُ بِناءً عَلى أنَّ الإضافَةَ لَيْسَتْ لَفْظِيَّةً، وقِيلَ: خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو أحْسَنُ الخالِقِينَ خَلْقًا، أيِ: المُقَدِّرِينَ تَقْدِيرًا حُذِفَ المُمَيِّزُ (p-127)لِدَلالَةِ الخالِقِينَ عَلَيْهِ، كَما حُذِفَ المَأْذُونُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ ...﴾ لِدِلالَةِ الصِّلَةِ عَلَيْهِ، أيْ: أحْسَنُ الخالِقِينَ خَلْقًا فالحُسْنُ لِلْخَلْقِ. قِيلَ: نَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ﴾ أيْ: جَمِيلٌ فِعْلُهُ فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ فانْقَلَبَ مَرْفُوعًا فاسْتَكَنَ. «رُوِيَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي سَرْحٍ كانَ يَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيَ فَلَمّا انْتَهى ﷺ إلى قَوْلِهِ خَلْقًا آخَرَ، سارَعَ عَبْدُ اللَّهِ إلى النُّطْقِ بِهِ قَبْلَ إمْلائِهِ ﷺ فَقالَ: اكْتُبْهُ هَكَذا نَزَلَتْ، فَشَكَّ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ يُوحى إلَيْهِ فَأنا كَذَلِكَ، فَلَحِقَ بِمَكَّةَ كافِرًا ثُمَّ أسْلَمَ يَوْمَ الفَتْحِ، وقِيلَ: ماتَ عَلى كُفْرِهِ» . ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَكَذا نَزَلَ يا عُمَرُ،» وكانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ ويَقُولُ: وافَقْتُ رَبِّي في أرْبَعٍ: الصَّلاةُ خَلْفَ المَقامِ، وضَرْبُ الحِجابِ عَلى النِّسْوَةِ، وقَوْلِي لَهُنَّ:أوْ لَيُبْدِلَهُ اللَّهُ خَيْرًا مِنكُنَّ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ ...﴾ الآيَةِ. والرّابِعُ: فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ، انْظُرْ كَيْفَ وقَعَتْ هَذِهِ الواقِعَةُ سَبَبًا لِسَعادَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وشَقاوَةِ ابْنِ أبِي سَرْحٍ حَسَبَما قالَ تَعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا ويَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ . لا يُقالُ فَقَدْ تَكَلَّمَ البَشَرُ ابْتِداءً بِمِثْلِ نَظْمِ القرآن وذَلِكَ قادِحٌ في إعْجازِهِ لِما أنَّ الخارِجَ عَنْ قُدْرَةِ البَشَرِ ما كانَ مِقْدارَ أقْصَرِ السُّوَرِ عَلى أنَّ إعْجازَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مَنُوطٌ بِما قَبْلَها، كَما تُعْرِبُ عَنْهُ الفاءُ فَإنَّها اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.
﴿ثُمَّ إنَّكم بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ ما ذُكِرَ مِنَ الأُمُورِ العَجِيبَةِ حَسَبَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ المُشْعِرِ بِعُلُوِّ رُتْبَةِ المُشارِ إلَيْهِ وبُعْدِ مَنـزِلَتِهِ في الفَضْلِ والكَمالِ، وكَوْنُهُ بِذَلِكَ مُمْتازًا مُنَـزَّلًا مَنزِلَةَ الأُمُورِ الحِسِّيَّةِ.
﴿لَمَيِّتُونَ﴾ لَصائِرُونَ إلى المَوْتِ لا مَحالَةَ كَما تُؤْذِنُ بِهِ صِيغَةُ النَّعْتِ الدّالَّةِ عَلى الثُّبُوتِ دُونَ الحُدُوثِ الَّذِي تُفِيدُهُ صِيغَةُ الفاعِلِ. وقَدْ قُرِئَ: "لَمائِتُونَ" .
23:16Page 342
ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ ١٦
Then indeed you, on the Day of Resurrection, will be resurrected.
﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ ﴿تُبْعَثُونَ﴾ مِن قُبُورِكم لِلْحِسابِ والمُجازاةِ بِالثَّوابِ والعِقابِ.
23:17Page 342
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ ١٧
And We have created above you seven layered heavens, and never have We been of [Our] creation unaware.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ﴾ بَيانٌ لِخَلْقَ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ بَقاؤُهم إثْرَ بَيانِ خَلْقِهِمْ، أيْ: خَلَقْنا في جِهَةِ العُلُوِّ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ فَوْقِيَّتِها لَهم لِأنَّ تِلْكَ النِّسْبَةَ إنَّما تَعَرَّضَ لَها بَعْدَ خَلْقِهِمْ.
﴿سَبْعَ طَرائِقَ﴾ هي: السَّمَواتُ السَّبْعُ، سُمِّيَتْ بِها لِأنَّها طُورِقَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مُطارَقَةَ النَّعْلِ فَإنَّ كُلَّ ما فَوْقَهُ مِثْلُهُ فَهو طَرِيقَةٌ، أوْ لِأنَّها طَرائِقُ المَلائِكَةِ أوِ الكَواكِبِ فِيها مَسِيرُها.
﴿وَما كُنّا عَنِ الخَلْقِ﴾ عَنْ ذَلِكَ المَخْلُوقِ الَّذِي هو السَّمَواتُ، أوْ عَنْ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ الَّتِي هي مِن جُمْلَتِها، أوْ عَنِ النّاسِ.
﴿غافِلِينَ﴾ مُهْمِلِينَ أمْرَها بَلْ نَحْفَظُها عَنِ الزَّوالِ والِاخْتِلالِ ونُدَبِّرُ أمْرَها حَتّى تَبْلُغَ مُنْتَهى ما قُدِّرَ لَها مِنَ الكَمالِ حَسَبَما اقْضَتْهُ الحِكْمَةُ وتَعَلَّقَتْ بِهِ المَشِيئَةُ ويَصِلُ إلى ما في الأرْضِ مَنافِعُها.
23:18Page 343
وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ ١٨
And We have sent down rain from the sky in a measured amount and settled it in the earth. And indeed, We are Able to take it away.
كَمًّا يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ هو المَطَرُ، أوِ الأنْهارُ النّازِلَةُ مِنَ (p-128)الجَنَّةِ، قِيلَ: هي خَمْسَةُ أنْهارِ: سَيْحُونُ نَهْرُ الهِنْدِ، وجَيْحُونُ نَهْرُ بَلْخِ، ودِجْلَةُ والفُراتُ نَهْرُ العِراقِ، والنِّيلُ نَهْرُ مِصْرَ، أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِن عَيْنٍ واحِدَةٍ مِن عُيُونِ الجَنَّةِ فاسْتَوْدَعَها الجِبالَ وأجْراها في الأرْضِ وجَعَلَ فِيها مَنافِعَ لِلنّاسِ في فُنُونِ مَعايِشِهِمْ. و"مِن" ابْتِدائِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بَأنْزَلْنا، وتَقْدِيمُها عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الِاعْتِناءِ بِالمُقَدَّمِ والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ والعُدُولِ عَنِ الإضْمارِ لِأنَّ الإنْزالَ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ عُنْوانُ كَوْنِها طَرائِقَ بَلْ مُجَرَّدُ كَوْنِها جِهَةَ العُلُوِّ.
﴿بِقَدَرٍ﴾ بِتَقْدِيرٍ لائِقٍ لِاسْتِجْلابِ مَنافِعِهِمْ ودَفْعِ مُضارِّهِمْ، أوْ بِمِقْدارِ ما عَلِمْنا مِن حاجاتِهِمْ ومَصالِحِهِمْ.
﴿فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ ثابِتًا قارًّا فِيها.
﴿وَإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ﴾ أيْ: إزالَتُهُ بِالإفْسادِ أوِ التَّصْعِيدِ أوِ التَّغْوِيرِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ اسْتِنْباطُهُ.
﴿لَقادِرُونَ﴾ كَما كُنّا قادِرِينَ عَلى إنْزالِهِ. وفي تَنْكِيرِ "ذَهابٍ" إيماءٌ إلى كَثْرَةِ طُرُقِهِ ومُبالَغَةٌ في الإبْعادِ بِهِ، ولِذَلِكَ جَعَلَ أبْلَغَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ .
23:19Page 343
فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ١٩
And We brought forth for you thereby gardens of palm trees and grapevines in which for you are abundant fruits and from which you eat.
﴿فَأنْشَأْنا لَكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ الماءِ ﴿جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ لَكم فِيها﴾ في الجَنّاتِ ﴿فَواكِهُ كَثِيرَةٌ﴾ تَتَفَكَّهُونَ بِها ﴿وَمِنها﴾ مِنَ الجَنّاتِ ﴿تَأْكُلُونَ﴾ تَغَذِّيًا، أوْ تُرْزَقُونَ وتُحَصِّلُونَ مَعايِشَكم مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَأْكُلُ مِن حِرْفَتِهِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ لِلنَّخِيلِ والأعْنابِ، أيْ: لَكم في ثَمَراتِها أنْواعٌ مِنَ الفَواكِهِ الرُّطَبِ والعِنَبِ والتَّمْرِ والزَّبِيبِ والعَصِيرِ والدِّبْسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وطَعامٌ يَأْكُلُونَهُ.
23:20Page 343
وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ ٢٠
And [We brought forth] a tree issuing from Mount Sinai which produces oil and food [i.e., olives] for those who eat.
﴿وَشَجَرَةً﴾ بِالنَّصْبِ عُطِفَ عَلى "جَنّاتٍ"، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، أيْ: ومِمّا أُنْشِئَ لَكم بِهِ شَجَرَةٌ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ الأشْجارِ لِاسْتِقْلالِها بَمَنافِعَ مَعْرُوفَةٍ، قِيلَ: هي أوَّلُ شَجَرَةٍ نَبَتَتْ بَعْدَ الطُّوفانِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْناءَ﴾ وهو جَبَلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ مِصْرَ وأيْلَةَ، وقِيلَ بِفِلَسْطِينَ، ويُقالُ لَهُ: طُورُ سِينِينَ، فَإمّا أنْ يَكُونَ الطُّورُ اسْمُ الجَبَلِ وسَيْناءُ اسْمُ البُقْعَةِ أُضِيفَ إلَيْها، أوِ المُرَكَّبُ مِنهُما عَلَمٌ لَهُ كامْرِئِ القَيْسِ. ومُنِعَ صَرْفُهُ عَلى قِراءَةِ مَن كَسَرَ السِّينَ لِلتَّعْرِيفِ والعُجْمَةِ، أوِ التَّأْنِيثِ عَلى تَأْوِيلِ البُقْعَةِ لا لِلْألِفِ لِأنَّهُ فِيعالٌ كَدِيماسٍ مِنَ السَّناءِ بِالمَدِّ وهو الرِّفْعَةُ، أوْ بِالقَصْرِ وهو النُّورُ، أوْ مُلْحَقٌ بِفَعْلانَ كَعِلْباءَ مِنَ السِّينِ إذْ لا فَعْلاءَ بِألِفِ التَّأْنِيثِ، بِخِلافِ سَيْناءَ فَإنَّهُ فَيْعالٌ كَكَيْسانَ، أوْ فَعَلاءُ كَصَحْراءَ، إذْ لا فَعِلالَ في كَلامِهِمْ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ والقَصْرِ. والجُمْلَةُ صِفَةٌ لَشَجَرَةٍ وتَخْصِيصُها بِالخُرُوجِ مِنهُ مَعَ خُرُوجِها مِن سائِرِ البِقاعِ أيْضًا لِتَعْظِيمِها ولِأنَّهُ المُنْشَأُ الأصْلِيُّ لَها.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِشَجَرَةٍ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها، أيْ: تَنْبُتُ مُلْتَبِسَةً بِهِ. ويَجُوزُ كَوْنُها صِلَةً مُعِدِيَّةً، أيْ: تُنْبِتُهُ بِمَعْنى: تَتَضَمَّنُهُ وتُحَصِّلُهُ، فَإنَّ النَّباتَ حَقِيقَةً صِفَةٌ لِلشَّجَرَةِ لا لِلدُّهْنِ. وقُرِئَ: تُنْبِتُ مِنَ الإفْعالِ وهو إمّا مِنَ الإنْباتِ بِمَعْنى: النَّباتِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
؎ رَأيْتُ ذَوِي الحاجّاتِ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ .... قَطِينًا لَهم حَتّى إذا أنْبَتَ البَقْلُ
أوْ عَلى تَقْدِيرِ: تُنْبِتُ زَيْتُونَها مُلْتَبِسًا بِالدُّهْنِ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ وهو كالأوَّلِ وتُثْمِرُ بِالدُّهْنِ وتَخْرُجُ بِالدُّهْنِ وتَنْبُتُ بِالدِّهانِ.
﴿وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى الدُّهْنِ جارٍ عَلى إعْرابِهِ عَطْفُ أحَدِ وصْفَيِ الشَّيْءِ عَلى (p-129)الآخَرِ، أيْ: تَنْبُتُ بِالشَّيْءِ الجامِعِ بَيْنَ كَوْنِهِ دُهْنًا يُدْهَنُ بِهِ ويُسَرَّجُ مِنهُ، وكَوْنُهُ إدامًا يُصْبَغُ فِيهِ الخُبْزُ، أيْ: يُغْمَسُ فِيهِ لِلِائْتِدامِ. وقُرِئَ: "وَصَبّاغٍ" كَدَبّاغٍ في دِبْغٍ.
23:21Page 343
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ ٢١
And indeed, for you in livestock is a lesson. We give you drink from that which is in their bellies, and for you in them are numerous benefits, and from them you eat.
﴿وَإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ بَيانٌ لِلنِّعَمِ الفائِضَةِ عَلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الحَيَوانِ إثْرَ بَيانِ النِّعَمِ الواصِلَةِ إلَيْهِمْ مِن جِهَةِ الماءِ والنَّباتِ، وقَدْ بُيِّنَ أنَّها مَعَ كَوْنِها في نَفْسِها نِعْمَةً يَنْتَفِعُونَ بِها عَلى وُجُوهٍ شَتّى عِبْرَةٌ لابُدَّ مِن أنْ يَعْتَبِرُوا بِها ويَسْتَدِلُّوا بِأحْوالِها عَلى عَظِيمِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وسابِغِ رَحْمَتِهِ ويَشْكُرُوهُ ولا يَكْفُرُوهُ، وخُصَّ هَذا بِالحَيَوانِ لِما أنَّ مَحَلَّ العِبْرَةِ فِيهِ أظْهَرُ مِمّا في النَّباتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُسْقِيكم مِمّا في بُطُونِها﴾ تَفْصِيلٌ لِما فِيها مِن مَواقِعِ العِبْرَةِ، و"ما في بُطُونِها" عِبارَةٌ إمّا عَنِ الألْبانِ فَمِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ بِالبُطُونِ: الجَوْفُ، أوْ عَنِ العَلَفِ الَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنهُ اللَّبَنُ فَمِنَ ابْتِدائِيَّةٌ، والبُطُونُ عَلى حَقِيقَتِها. وقُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وبِالتّاءِ، أيْ: تَسْقِيكُمُ الأنْعامُ.
﴿وَلَكم فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ غَيْرَ ما ذُكِرَ مِن أصْوافِها وأشْعارِها ﴿وَمِنها تَأْكُلُونَ﴾ فَتَنْتَفِعُونَ بِأعْيابِها كَما تَنْتَفِعُونَ بِما يَحْصُلُ مِنها.
23:22Page 343
وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ ٢٢
And upon them and on ships you are carried.
﴿وَعَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الأنْعامِ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلَيْها لا يَقْتَضِي الحَمْلَ عَلى جَمِيعِ أنْواعِها بَلْ يَتَحَقَّقُ بِالحَمْلِ عَلى البَعْضِ كالإبِلِ ونَحْوِها، وقِيلَ المُرادُ: هي الإبِلُ خاصَّةً لِأنَّها هي المَحْمُولُ عَلَيْها عِنْدَهم والمُناسِبُ لِلْفُلْكِ فَإنَّها سَفائِنُ البَرِّ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
؎ سَفِينَةٌ بَرٍّ تَحْتَ خَدِّي زِمامُها
..
فالضَّمِيرُ فِيهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ ﴿وَعَلى الفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ أيْ: في البَرِّ والبَحْرِ، وفي الجَمْعِ بَيْنَها وبَيْنَ الفُلْكِ في إيقاعِ الحَمْلِ عَلَيْها مُبالَغَةٌ في تَحَمُّلِها لِلْحَمْلِ، وهو الدّاعِي إلى تَأْخِيرِ ذِكْرِ هَذِهِ المَنفَعَةِ مَعَ كَوْنِها مِنَ المَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنها عَنْ ذِكْرِ مَنفَعَةِ الأكْلِ المُتَعَلِّقَةِ بِعَيْنِها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences