Abu as-Su'udSaba · 34:1–13

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

سبإ

Saba

Sheba · Meccan · 54 ayahs

34:1Page 428

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١

[All] praise is [due] to Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and to Him belongs [all] praise in the Hereafter. And He is the Wise, the Aware.

(p-120)(سُورَةُ سَبَأٍ مَكِّيَّةٌ، وقِيلَ: إلّا ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ ... الآيَةَ. وهى أرْبَعٌ وخَمْسُونَ آيَةً)

﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لَهُ تَعالى خَلْقًا ومِلْكًا وتَصَرُّفًا بِالإيجادِ، والإعْدامِ، والإحْياءِ، والإماتَةِ جَمِيعُ ما وُجِدَ فِيهِما داخِلًا في حَقِيقَتِهِما، أوْ خارِجًا عَنْهُما، مُتَمَكِّنًا فِيهِما. فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَهُ جَمِيعُ المَخْلُوقاتِ كَما مَرَّ في آيَةِ الكُرْسِيِّ. ووَصْفُهُ تَعالى بِذَلِكَ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ تَعْلِيقُ الحَمْدِ المُعَرَّفُ بِلامِ الحَقِيقَةِ بِالِاسْمِ الجَلِيلِ مِنَ اخْتِصاصِ جَمِيعِ أفْرادِهِ بِهِ تَعالى عَلى ما بُيِّنَ في فاتِحَةِ الكِتابِ بِبَيانِ تَفَرُّدِهِ تَعالى، واسْتِقْلالِهِ بِما يُوجِبُ ذَلِكَ، وكَوْنُ كُلِّ ما سِواهُ مِنَ المَوْجُوداتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإنْسانُ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى لَيْسَ لَها في حَدِّ ذاتِها اسْتِحْقاقُ الوُجُودِ فَضْلًا عَمّا عَداهُ مِن صِفاتِها، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ نِعَمٌ فائِضَةٌ عَلَيْها مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، فَما هَذا شَأْنُهُ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ اسْتِحْقاقِ الحَمْدِ الَّذِي مَدارُهُ الجَمِيلُ الصّادِرُ عَنِ القادِرِ بِالِاخْتِيارِ فَظَهَرَ اخْتِصاصُ جَمِيعِ أفْرادِهِ بِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الحَمْدُ في الآخِرَةِ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِ الحَمْدِ الأُخْرَوِيِّ بِهِ تَعالى إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ الدُّنْيَوِيِّ بِهِ، عَلى أنَّ الجارَّ مُتَعَلِّقٌ إمّا بِنَفْسِ الحَمْدِ، أوْ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الخَبَرُ مِنَ الِاسْتِقْرارِ. وإطْلاقُهُ عَنْ ذِكْرِ ما يُشْعِرُ بِالمَحْمُودِ عَلَيْهِ لَيْسَ لِلِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ كَوْنِهِ في الآخِرَةِ عَنِ التَّعْيِينِ، كَما اكْتُفِيَ فِيما سَبَقَ بِذِكْرِ كَوْنِ المَحْمُودِ عَلَيْهِ في الدُّنْيا عَنْ ذِكْرِ كَوْنِ الحَمْدِ أيْضًا فِيها، بَلْ لِيَعُمَّ النِّعَمَ الأُخْرَوِيَّةَ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ﴾ . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أحَلَّنا دارَ المُقامَةِ مِن فَضْلِهِ﴾ ... الآيَةَ. وما يَكُونُ ذَرِيعَةً إلى نَيْلِها مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهَذا﴾ أيْ: لِما جَزاؤُهُ هَذا مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ. والفَرْقُ بَيْنَ الحَمْدَيْنِ مَعَ كَوْنِ نِعْمَتِي الدُّنْيا والآخِرَةِ بِطَرِيقِ التَّفَضُّلِ أنَّ الأوَّلَ عَلى نَهْجِ العِبادَةِ، والثّانِيَ عَلى وجْهِ التَّلَذُّذِ والِاغْتِباطِ. وقَدْ ورَدَ في الخَبَرِ أنَّهم يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ كَما يُلْهَمُونَ النَّفَسَ.

﴿وَهُوَ الحَكِيمُ﴾ الَّذِي أحْكَمَ أُمُورَ الدِّينِ والدُّنْيا، ودَبَّرَها حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.

﴿الخَبِيرُ﴾ بِبَواطِنِ الأشْياءِ، ومَكْنُوناتِها. وقَوْلُهُ تَعالى:

34:2Page 428

يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ ٢

He knows what penetrates into the earth and what emerges from it and what descends from the heaven and what ascends therein. And He is the Merciful, the Forgiving.

(p-121)﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ﴾ ... إلَخْ. تَفْصِيلٌ لِبَعْضِ ما يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نِيطَتْ بِها مَصالِحُهُمُ الدُّنْيَوِيَّةُ والدِّينِيَّةُ، أيْ: يَعْلَمُ ما يَدْخُلُ فِيها مِنَ الغَيْثِ، والكُنُوزِ، والدَّفائِنِ، والأمْواتِ ونَحْوِها.

﴿وَما يَخْرُجُ مِنها﴾ كالحَيَوانِ والنَّباتِ وماءِ العُيُونِ ونَحْوِها.

﴿وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ﴾ كالمَلائِكَةِ والكُتُبِ والمَقادِيرِ ونَحْوِها. وقُرِئَ: (وَما نُنَزِّلُ) بِالتَّشْدِيدِ ونُونِ العَظَمَةِ.

﴿وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ كالمَلائِكَةِ، وأعْمالِ العِبادِ، والأبْخِرَةِ، والأدْخِنَةِ.

﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ لِلْحامِدِينَ عَلى ما ذُكِرَ مِن نِعَمِهِ ﴿الغَفُورُ﴾ لِلْمُفَرِّطِينَ في ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وكَرَمِهِ.

34:3Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ ٣

But those who disbelieve say, "The Hour will not come to us." Say, "Yes, by my Lord, it will surely come to you. [Allāh is] the Knower of the unseen." Not absent from Him is an atom's weight1 within the heavens or within the earth or [what is] smaller than that or greater, except that it is in a clear register -

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ﴾ أرادُوا بِضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ جِنْسَ البَشَرِ قاطِبَةً لا أنْفُسَهم أوْ مُعاصِرِيهِمْ فَقَطْ، كَما أرادُوا بِنَفْيِ إتْيانِها نَفْيَ وجُودِها بِالكُلِّيَّةِ، لا عَدَمَ حُضُورِها مَعَ تَحَقُّقِها في نَفْسِ الأمْرِ، وإنَّما عَبَّرُوا عَنْهُ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يُوعَدُونَ بِإتْيانِها، ولِأنَّ وُجُودَ الأُمُورِ الزَّمانِيَّةِ المُسْتَقْبَلَةِ لا سِيَّما أجْزاءُ الزَّمانِ لا يَكُونُ إلّا بِالإتْيانِ والحُضُورِ. وقِيلَ: هو اسْتِبْطاءٌ لِإتْيانِها المَوْعُودِ بِطَرِيقِ الهَزْءِ والسُّخْرِيَةِ، كَقَوْلِهِمْ: مَتى هَذا الوَعْدُ؟ ﴿قُلْ بَلى﴾ رَدٌّ لِكَلامِهِمْ، وإثْباتٌ لِما نَفَوْهُ عَلى مَعْنى لَيْسَ الأمْرُ إلّا إتْيانَها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لَهُ عَلى أتَمِّ الوُجُوهِ وأكْمَلِها. وقُرِئَ: (لِيَأْتِينَّكُمْ) عَلى تَأْوِيلِ السّاعَةِ بِاليَوْمِ أوِ الوَقْتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عالِمِ الغَيْبِ﴾ ... إلَخْ. إمْدادٌ لِلتَّأْكِيدِ وتَسْدِيدٌ لَهُ إثْرَ تَسْدِيدٍ، وكَسْرٌ لِسَوْرَةِ نَكِيرِهِمْ واسْتِبْعادِهِمْ. فَإنَّ تَعْقِيبَ القَسَمِ بِحَلائِلِ نُعُوتِ المُقْسَمِ بِهِ عَلى الإطْلاقِ يُؤْذِنُ بِفَخامَةِ شَأْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ، وقُوَّةِ ثَباتِهِ وصِحَّتِهِ، لِما أنَّ لَكَ في حُكْمِ الِاسْتِشْهادِ عَلى الأمْرِ، ولا رَيْبَ في أنَّ المُسْتَشْهَدَ بِهِ كُلَّما كانَ أجَلَّ وأعْلى كانَتِ الشَّهادَةُ آكَدَ وأقْوى، والمُسْتَشْهَدُ عَلَيْهِ أحَقُّ بِالثُّبُوتِ وأوْلى، لا سِيَّما إذا خُصَّ بِالذِّكْرِ مِنَ النُّعُوتِ ما لَهُ تَعَلُّقٌ خاصٌّ بِالمُقْسَمِ عَلَيْهِ، كَما نَحْنُ فِيهِ؛ فَإنَّ وصْفَهُ بِعِلْمِ الغَيْبِ الَّذِي أشْهَرَ أفْرادُهُ، وأدْخَلُها في الخَفاءِ، هو المُقْسَمُ عَلَيْهِ تَنْبِيهٌ لَهم عَلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وكَوْنِهِ مِمّا لا يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ رَيْبٍ ما. وفائِدَةُ الأمْرِ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِنَ اليَمِينِ أنْ لا يَقِيَ المُعانِدِينَ عُذْرٌ ما أصْلًا فَإنَّهم كانُوا يَعْرِفُونَ أمانَتَهُ ونَزاهَتَهُ عَنْ وصْمَةِ الكَذِبِ، فَضْلًا عَنِ اليَمِينِ الفاجِرَةِ، وإنَّما لَمْ يُصَدِّقُوهُ مُكابَرَةً. وقُرِئَ: (عَلّامُ الغَيْبِ) و (عالِمُ الغَيْبِ) و (عالِمُ الغُيُوبِ) بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ.

﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ أيْ: لا يَبْعُدُ. وقُرِئَ بِكَسْرِ الزّايِ ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ﴾ مِقْدارُ أصْغَرِ نَمْلَةٍ ﴿فِي السَّماواتِ ولا في الأرْضِ﴾ أيْ: كائِنَةٌ فِيهِما.

﴿وَلا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ﴾ أيْ: مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ، ﴿وَلا أكْبَرُ﴾ أيْ: مِنهُ. ورَفْعُهُما عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ. والجُمْلَةُ مُؤَكِّدَةٌ لِنَفْيِ العُزُوبِ. وقُرِئَ: (وَلا أصْغَرَ) (وَلا أكْبَرَ) بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى نَفْيِ الجِنْسِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ المَرْفُوعُ عَلى مِثْقالٍ، ولا المَفْتُوحُ عَلى ذَرَّةٍ بِأنَّهُ فُتِحَ في حَيِّزِ الجَرِّ؛ لِامْتِناعِ الصَّرْفِ لِما أنَّ الِاسْتِثْناءَ يَمْنَعُهُ، إلّا أنْ يُجْعَلَ الضَّمِيرُ في "عَنْهُ" لِلْغَيْبِ، ويُجْعَلَ المُثْبَتُ في اللَّوْحِ خارِجًا عَنْهُ؛ لِبُرُوزِهِ لِلْمُطالِعِينَ لَهُ فَيَكُونُ المَعْنى لا يَنْفَصِلُ عَنِ الغَيْبِ شَيْءٌ إلّا مَسْطُورًا في اللَّوْحِ.

34:4Page 428

لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

That He may reward those who believe and do righteous deeds. Those will have forgiveness and noble provision.

﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وبَيانٌ لِما (p-122)يَقْتَضِي إتْيانَها.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالصِّفاتِ الجَلِيلَةِ.

﴿لَهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ لِما فَرَطَ مِنهم مِن بَعْضِ فُرُطاتٍ قَلَّما يَخْلُو عَنْها البَشَرُ، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ لا تَعَبَ فِيهِ، ولا مَنَّ عَلَيْهِ.

34:5Page 428

وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ ٥

But those who strive against Our verses [seeking] to cause failure1 - for them will be a painful punishment of foul nature.

﴿والَّذِينَ سَعَوْا في آياتِنا﴾ بِالقَدْحِ فِيها، وصَدِّ النّاسِ عَنِ التَّصْدِيقِ بِها.

﴿مُعاجِزِينَ﴾ أيْ: مُسابِقِينَ كَيْ يَفُوتُونا، وقُرِئَ: (مُعْجِزِينَ) أيْ: مُثَبِّطِينَ عَنِ الإيمانِ مَن أرادَهُ.

﴿أُولَئِكَ لَهم عَذابٌ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ آنِفًا. و "مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن رِجْزٍ﴾ لِلْبَيانِ. قالَ قَتادَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الرِّجْزُ سُوءُ العَذابِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةُ عَذابٍ، أيْ: أُولَئِكَ السّاعُونَ لَهم عَذابٌ مِن جِنْسِ سُوءِ العَذابِ شَدِيدُ الإيلامِ، وقُرِئَ: (ألِيمٍ) بِالجَرِّ صِفَةٌ لِرِجْزٍ.

34:6Page 428

وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٦

And those who have been given knowledge see that what is revealed to you from your Lord is the truth, and it guides to the path of the Exalted in Might, the Praiseworthy.

﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ أيْ: يَعْلَمُ أُولُو العِلْمِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَن يُشايِعُهم مِن عُلَماءِ الأُمَّةِ، أوْ مَن آمَنَ مِن عُلَماءِ أهْلِ الكِتابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكَعْبٍ وأضْرابِهِما، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.

﴿الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أيِ: القرآن.

﴿هُوَ الحَقَّ﴾ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِ "يَرى"، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ الثّانِي، وهو ضَمِيرُ الفَصْلِ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ والجُمْلَةُ هو المَفْعُولُ الثّانِي لِ "يَرى" وقَوْلُهُ تَعالى: "وَيَرى"... إلَخْ. مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِلِاسْتِشْهادِ بِأُولِي العِلْمِ عَلى الجَهَلَةِ السّاعِينَ في الآياتِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى يَجْزِي، أيْ: ولِيَعْلَمَ أُولُو العِلْمِ عِنْدَ مَجِيءِ السّاعَةِ مُعايَنَةً أنَّهُ الحَقُّ حَسْبَما عَلِمُوهُ الآنَ بُرْهانًا، ويَحْتَجُّوا بِهِ عَلى المُكَذِّبِينَ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِأُولِي العِلْمِ مَن لَمْ يُؤْمِن مِنَ الأحْبارِ، أيْ: لِيَعْلَمُوا يَوْمَئِذٍ أنَّهُ هو الحَقُّ فَيَزْدادُوا حَسْرَةً وغَمًّا.

﴿وَيَهْدِي﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ، عُطِفَ الفِعْلُ عَلى الِاسْمِ؛ لِأنَّهُ في تَأْوِيلِهِ. كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صافّاتٍ ويَقْبِضْنَ﴾ . أيْ: وقابِضاتٍ. كَأنَّهُ قِيلَ: ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ الحَقَّ وهادِيًا.

﴿إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ والتَّدَرُّعُ بِلِباسِ التَّقْوى. وقِيلَ: مُسْتَأْنَفٌ، وقِيلَ: حالٌ مِنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ، أيْ: وهو يَهْدِي. كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

نَجَوْتُ وأرْهَنُهم مالِكًا

34:7Page 428

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ ٧

But those who disbelieve say, "Shall we direct you to a man who will inform you [that] when you have disintegrated in complete disintegration, you will [then] be [recreated] in a new creation?

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم كُفّارُ قُرَيْشٍ، قالُوا مُخاطِبًا بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ﴾ يَعْنُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ. وإنَّما قَصَدُوا بِالتَّنْكِيرِ الطَّنْزَ والسُّخْرِيَةَ، قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُحَدِّثُكم بِعَجَبٍ عُجابٍ، وقُرِئَ: (يُنْبِئُكُمْ) مِنَ الإنْباءِ.

﴿إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أيْ: إذا مُتُّمْ، ومُزِّقَتْ أجْسادُكم كُلَّ تَمْزِيقٍ، وفُرِّقَتْ كُلَّ تَفْرِيقٍ بِحَيْثُ صِرْتُمْ تُرابًا ورُفاتًا.

﴿إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أيْ: مُسْتَقِرُّونَ فِيهِ. عُدِلَ إلَيْهِ عَنِ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الحُدُوثِ مِثْلَ تُبْعَثُونَ، أوْ (p-123)تُخْلَقُونَ خَلْقًا جَدِيدًا. لِلْإشْباعِ في الِاسْتِبْعادِ والتَّعَجُّبِ، وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ الظَّرْفِ والعامِلُ فِيهِ ما دَلَّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ لا نَفْسُهُ، لِما أنَّ ما بَعْدَ إنَّ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها والجَدِيدُ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ مِن جَدَّ فَهو جَدِيدٌ، وقَلَّ فَهو قَلِيلٌ، وقِيلَ: بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن جَدَّ النَّسّاجُ الثَّوْبَ إذا قَطَعَهُ ثُمَّ شاعَ.

34:8Page 429

أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ ٨

Has he invented about Allāh a lie or is there in him madness?" Rather, they who do not believe in the Hereafter will be in the punishment and [are in] extreme error.

﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ فِيما قالَهُ.

﴿أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ أيْ: جُنُونٌ يُوهِمُهُ ذَلِكَ، ويُلْقِيهِ عَلى لِسانِهِ. والِاسْتِدْلالُ بِهَذا التَّرْدِيدِ عَلى أنَّ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ واسِطَةً هو ما لا يَكُونُ مِنَ الإخْبارِ عَنْ بَصِيرَةٍ بَيْنَ الفَسادِ لِظُهُورِ كَوْنِ الِافْتِراءِ أخَصَّ مِنَ الكَذِبِ.

﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ في العَذابِ والضَّلالِ البَعِيدِ﴾ جَوابٌ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى عَنْ تَرْدِيدِهِمُ الوارِدِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِفْهامِ بِالإضْرابِ عَنْ شِقَّيْهِ وإبْطالِها، وإثْباتُ قِسْمٍ ثالِثِ كاشِفٍ عَنْ حَقِيقَةِ الحالِ ناعٍ عَلَيْهِمْ سُوءَ حالِهِمْ، وابْتِلاءَهم بِما قالُوا في حَقِّهِ ﷺ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمُوا، بَلْ هم في كَمالِ اخْتِلالِ العَقْلِ، وغايَةِ الضَّلالِ عَنِ الفَهْمِ، والإدْراكُ الَّذِي هو الجُنُونُ حَقِيقَةً، وفِيما يُؤَدِّي إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ ما يَقُولُونَ. وتَقْدِيمُ العَذابِ عَلى ما يُوجِبُهُ ويَسْتَتْبِعُهُ لِلْمُسارَعَةِ إلى بَيانِ ما يَسُوؤُهُمْ، ويَفُتُّ في أعْضادِهِمْ، والإشْعارِ بِغايَةِ سُرْعَةِ تَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ يُسابِقُهُ فَيَسْبِقُهُ. ووَصْفُ الضَّلالِ بِالبُعْدِ الَّذِي هو وصْفُ الضّالِّ لِلْمُبالَغَةِ، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلتَّنْبِيهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ عِلَّةَ ما ارْتَكَبُوهُ واجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّناعَةِ الفَظِيعَةِ كُفْرُهم بِالآخِرَةِ، وما فِيها مِن فُنُونِ العِقابِ، ولَوْلاهُ لَما فَعَلُوا ذَلِكَ خَوْفًا مِن غائِلَتِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى:

34:9Page 429

أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ ٩

Then, do they not look at what is before them and what is behind them of the heaven and earth? If We should will, We could cause the earth to swallow them or [could] let fall upon them fragments from the sky. Indeed in that is a sign for every servant turning back [to Allāh].

﴿أفَلَمْ يَرَوْا إلى ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَهْوِيلِ ما اجْتَرَءُوا عَلَيْهِ مِن تَكْذِيبِ آياتِ اللَّهِ تَعالى، واسْتِعْظامِ ما قالُوا في حَقِّهِ ﷺ، وأنَّهُ مِنَ العَظائِمِ المُوجِبَةِ لِنُزُولِ أشَدِّ العِقابِ، وحُلُولِ أفْظَعِ العَذابِ مِن غَيْرِ رَيْثٍ وتَأْخِيرٍ. و "الفاءُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ نَشَأْ﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ذِكْرُ إحاطَتِهِما بِهِمْ مِنَ المَحْذُورِ المُتَوَقَّعِ مِن جِهَتِهِما، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِن أسْبابِ وُقُوعِهِ إلّا تَعَلُّقُ المَشِيئَةِ بِهِ، أيِ: أفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِنَ المُنْكَرِ الهائِلِ المُسْتَتْبِعِ لِلْعُقُوبَةِ فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِهِمْ مِن جَمِيعِ جَوانِبِهِمْ، بِحَيْثُ لا مَفَرَّ لَهم عَنْهُ، ولا مَحِيصَ؟ "إنْ نَشَأْ" جَرْيًا عَلى مُوجَبِ جِناياتِهِمْ.

﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ﴾ كَما خَسَفْناها بِقارُونَ.

﴿أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ أيْ: قِطَعًا.

﴿مِنَ السَّماءِ﴾ كَما أسْقَطْناها عَلى أصْحابِ الأيْكَةِ لِاسْتِيجابِهِمْ ذَلِكَ بِما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الجَرائِمِ، وقِيلَ: هو تَذْكِيرٌ بِما يُعايِنُونَهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ قدرته، وما يَحْتَمِلُ فِيهِ إزاحَةً لِاسْتِحالَتِهُمُ البَعْثَ حَتّى جَعَلُوهُ افْتِراءً وهُزْءًا، وتَهْدِيدٌ عَلَيْها. والمَعْنى: أعَمُوا فَلَمْ يَنْظُرُوا إلى ما أحاطَ بِجَوانِبِهِمْ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا أهم أشَدُّ خَلْقًا، أمْ هِيَ؟ و ﴿إنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا﴾ لِتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ بَعْدَ ظُهُورِ البَيِّناتِ فَتَأمَّلْ. وكُنِ الحَقَّ المُبِينَ، وقُرِئَ: (يَخْسِفْ) (p-124)وَ (يُسْقِطْ) بِالياءِ. لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ﴾ و (كِسْفًا) بِسُكُونِ السِّينِ.

﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن حَيْثُ إحاطَتُهُما بِالنّاظِرِ مِن جَمِيعِ الجَوانِبِ، أوْ فِيما تُلِيَ مِنَ الوَحْيِ النّاطِقِ بِما ذُكِرَ.

﴿لآيَةً﴾ واضِحَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ شَأْنُهُ الإنابَةُ إلى رَبِّهِ فَإنَّهُ إذا تَأمَّلَ فِيهِما، أوْ في الوَحْيِ المَذْكُورِ يَنْزَجِرُ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، ويُنِيبُ إلَيْهِ تَعالى، وفِيهِ حَثٌّ بَلِيغٌ عَلى التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وقَدْ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

34:10Page 429

۞ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ ١٠

And We certainly gave David from Us bounty. [We said], "O mountains, repeat [Our] praises with him, and the birds [as well]." And We made pliable for him iron,

﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلا﴾ أيْ: آتَيْناهُ لِحُسْنِ إنابَتِهِ، وصِحَّةِ تَوْبَتِهِ فَضْلًا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: نَوْعًا مِنَ الفَضْلِ. وهو ما ذُكِرَ بَعْدُ؛ فَإنَّهُ مُعْجِزَةٌ خاصَّةٌ بِهِ ﷺ، أوْ عَلى سائِرِ النّاسِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ النُّبُوَّةُ والكِتابُ والمُلْكُ والصَّوْتُ الحَسَنُ، فَتَنْكِيرُهُ لِلتَّفْخِيمِ. و "مِنّا" لِتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَّمْناهُ مِن لَدُنّا عِلْمًا﴾ وتَقْدِيمُهُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ. فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لَهُ، فَإذا ورَدَها يَتَمَكَّنُ عِنْدَها فَضْلَ تَمَكُّنٍ ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ مِنَ التَّأْوِيبِ، أيْ: رَجِّعِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ، أوِ النَّوْحَةَ عَلى الذَّنْبِ، وذَلِكَ إمّا بِأنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيها صَوْتًا مِثْلَ صَوْتِهِ، كَما خَلَقَ الكَلامَ في الشَّجَرَةِ، أوْ بِأنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ ذَلِكَ، وقُرِئَ: (أُوبِي) مِنَ الأوْبِ، أيِ: ارْجِعِي مَعَهُ في التَّسْبِيحِ كُلَّما رَجَعَ فِيهِ، وكانَ كُلَّما سَبَّحَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَسْمَعُ مِنَ الجِبالِ ما يُسْمَعُ مِنَ المُسَبِّحِ مُعْجِزَةً لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقِيلَ: كانَ يَنُوحُ عَلى ذَنْبِهِ بِتَرْجِيعٍ وتَحْزِينٍ، وكانَتِ الجِبالُ تُسْعِدُهُ عَلى نَوْحِهِ بِأصْدائِها، والطَّيْرُ بِأصْواتِها. وهو بَدَلٌ مِن "آتَيْنا" بِإضْمارِ قُلْنا، أوْ مِن "فَضْلًا" بِإضْمارِ قَوْلِنا ﴿والطَّيْرَ﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى "فَضْلًا" بِمَعْنى: وسَخَّرْنا لَهُ الطَّيْرَ؛ لِأنَّ إيتاءَها إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَسْخِيرُها لَهُ، فَلا حاجَةَ إلى إضْمارِهِ، كَما نُقِلَ عَنِ الكِسائِيِّ. ولا إلى تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ: تَسْبِيحَ الطَّيْرِ، كَما نُقِلَ عَنْهُ في رِوايَةٍ. وقِيلَ: عَطْفًا عَلى مَحَلِّ الجِبالِ، وفِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ لَفْظًا ومَعْنًى ما لا يَخْفى، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى لَفْظِها تَشْبِيهًا لِلْحَرَكَةِ البِنائِيَّةِ العارِضَةِ بِالحَرَكَةِ الإعْرابِيَّةِ، وقَدْ جُوِّزَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مَعَهُ، والأوَّلُ هو الوَجْهُ. وفي تَنْزِيلِ الجِبالِ والطَّيْرِ مَنزِلَةَ العُقَلاءِ المُطِيعِينَ لِأمْرِهِ تَعالى المُذْعِنِينَ لِحُكْمِهِ المُشْعِرِ بِأنَّهُ ما مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ وصامِتٍ وناطِقٍ إلّا وهو مُنْقادٌ لِمَشِيئَتِهِ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ عَلى إرادَتِهِ مِنَ الفَخامَةِ المُعْرِبَةِ عَنْ غايَةِ عَظَمَةِ شَأْنِهِ تَعالى، وكَمالِ كِبْرِياءِ سُلْطانِهِ ما لا يَخْفى عَلى أُولِي الألباب.

﴿وَألَنّا لَهُ الحَدِيدَ﴾ أيْ: جَعَلْناهُ لَيِّنًا في نَفْسِهِ كالشَّمْعِ يُصَرِّفُهُ في يَدِهِ، كَيْفَ يَشاءُ مِن غَيْرِ إحْماءٍ بِنارٍ، ولا ضَرْبٍ بِمِطْرَقَةٍ. أوْ جَعَلْناهُ بِالنِّسْبَةِ إلى قُوَّتِهِ الَّتِي آتَيْناها إيّاهُ لَيِّنًا، كالشَّمْعِ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِ القُوى البَشَرِيَّةِ.

34:11Page 429

أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١

[Commanding him], "Make full coats of mail and calculate [precisely] the links, and work [all of you] righteousness. Indeed I, of what you do, am Seeing."

﴿أنِ اعْمَلْ﴾ أمَرْناهُ أنِ اعْمَلْ عَلى أنَّ " أنْ " مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الباءُ، وفي حَمْلِها عَلى المُفَسِّرَةِ تَكَلُّفٌ لا يَخْفى.

﴿سابِغاتٍ﴾ واسِعاتٍ. وقُرِئَ: (صابِغاتٍ) وهي الدُّرُوعُ الواسِعَةُ الضّافِيَةُ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَها، وكانَتْ قَبْلُ صَفائِحَ. قالُوا: كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حِينَ مَلَكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ يَخْرُجُ مُتَنَكِّرًا، فَيَسْألُ النّاسَ ما تَقُولُونَ في داوُدَ؟ فَيُثْنُونَ عَلَيْهِ. فَقَيَّضَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مَلِكًا في (p-125)صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَسَألَهُ عَلى عادَتِهِ، فَقالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ، لَوْلا خَصْلَةٌ فِيهِ. فَرِيعَ داوُدُ فَسَألَهُ عَنْها. فَقالَ: لَوْلا أنَّهُ يُطْعِمُ عِيالَهُ مِن بَيْتِ المالِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُسَبِّبَ لَهُ ما يَسْتَغْنِي بِهِ عَنْ بَيْتِ المالِ. فَعلمه تعالى صَنْعَةَ الدُّرُوعِ. وقِيلَ: كانَ يَبِيعُ الدُّرُوعَ بِأرْبَعَةِ آلافٍ فَيُنْفِقُ مِنها عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ، ويَتَصَدَّقُ عَلى الفُقَراءِ.

﴿وَقَدِّرْ في السَّرْدِ﴾ السَّرْدُ نَسْجُ الدُّرُوعِ، أيِ: اقْتَصِدْ في نَسْجِها بِحَيْثُ تَتَناسَبُ حِلَقُها، وقِيلَ: قَدِّرْ في مَسامِيرِها فَلا تَعْمَلْها رِقاقًا ولا غِلاظًا. ورُدَّ بِأنَّ دُرُوعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّرَةً، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إلانَةُ الحَدِيدِ، وقِيلَ: مَعْنى "قَدِّرْ في السَّرْدِ" لا تَصْرِفْ جَمِيعَ أوْقاتِكَ إلَيْهِ بَلْ مِقْدارَ ما يَحْصُلُ بِهِ القُوتُ، وأمّا الباقِي فاصْرِفْهُ إلى العِبادَةِ، وهو الأنْسَبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واعْمَلُوا صالِحًا﴾ عَمَّمَ الخِطابَ حَسَبَ عُمُومِ التَّكْلِيفِ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولِأهْلِهِ.

﴿إنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الِامْتِثالِ بِهِ.

34:12Page 429

وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ ١٢

And to Solomon [We subjected] the wind - its morning [journey was that of] a month - and its afternoon [journey was that of] a month, and We made flow for him a spring of [liquid] copper. And among the jinn were those who worked for him by the permission of his Lord. And whoever deviated among them from Our command - We will make him taste of the punishment of the Blaze.

﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ﴾ أيْ: وسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ. وقُرِئَ بِرَفْعِ الرِّيحِ، أيْ "وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحُ مُسَخَّرَةً"، وقُرِئَ: (الرِّياحَ).

﴿غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ أيْ: جَرْيُها بِالغَداةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وجَرْيُها بِالعَشِيِّ كَذَلِكَ. والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِنَ الرِّيحِ. وقُرِئَ: (غَدْوَتُها) و (رَوْحَتُها). وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ يَغْدُو، أيْ: مِن دِمَشْقَ فَيُقِيلُ بِإصْطَخْرَ ثُمَّ يَرُوحُ، فَيَكُونُ رَواحُهُ بِكابِلَ، وقِيلَ: كانَ يَتَغَدّى بِالرِّيِّ، ويَتَعَشّى بِسَمَرْقَنْدَ. ويُحْكى أنَّ بَعْضَهم رَأى مَكْتُوبًا في مَنزِلٍ بِناحِيَةِ دِجْلَةَ كَتَبَهُ بَعْضُ أصْحابِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: نَحْنُ نَزَلْناهُ وما بَنَيْناهُ ومَبْنِيًّا وجَدْناهُ غَدَوْنا مِنَ إصْطَخْرَ، فَقُلْناهُ ونَحْنُ رائِحُونَ مِنهُ فَبايِتُونَ بِالشّامِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿وَأسَلْنا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ﴾ أيِ: النُّحاسَ المُذابَ، أسالَهُ مِن مَعْدِنِهِ، كَما آلانَ الحَدِيدَ لِداوُدَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنَبَعَ مِنهُ نُبُوعُ الماءِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ عَيْنًا. وكانَ ذَلِكَ بِاليَمَنِ، وقِيلَ: كانَ يَسِيلُ في الشَّهْرِ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إمّا جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، أوْ "مَن يَعْمَلُ" عَطْفٌ عَلى الرِّيحِ، و "مِنَ الجِنِّ" حالٌ مُتَقَدِّمَةٌ.

﴿بِإذْنِ رَبِّهِ﴾ بِأمْرِهِ تَعالى. كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَزِغْ مِنهم عَنْ أمْرِنا﴾ أيْ: ومَن يَعْدِلْ مِنهم عَمّا أمَرْناهُ بِهِ مِن طاعَةِ سُلَيْمانَ، وقُرِئَ: (يُزَغْ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أزاغَهُ.

﴿نُذِقْهُ مِن عَذابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: عَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ. رُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ كانَ مَعَهُ مَلَكٌ بِيَدِهِ سَوْطٌ مِن نارٍ كُلُّ مَنِ اسْتَعْصى عَلَيْهِ ضَرَبَهُ مِن حَيْثُ لا يَراهُ الجِنِّيُّ.

34:13Page 429

يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ ١٣

They made for him what he willed of elevated chambers,1 statues,2 bowls like reservoirs, and stationary kettles. [We said], "Work, O family of David, in gratitude." And few of My servants are grateful.

﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ﴾ تَفْصِيلٌ لِما ذُكِرَ مِن عَمَلِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن مَحارِيبَ﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ لِ «ما يَشاءُ»، أيْ: مِن قُصُورٍ حَصِينَةٍ، ومَساكِنَ شَرِيفَةٍ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها يُذَبُّ عَنْها، ويُحارَبُ عَلَيْها. وقِيلَ: هي المَساجِدُ.

﴿وَتَماثِيلَ﴾ وصُوَرَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى ما اعْتادُوهُ، فَإنَّها كانَتْ تُعْمَلُ حِينَئِذٍ في المَساجِدِ لِيَراها النّاسُ، ويَعْبُدُوا مِثْلَ عِباداتْهُمْ، وحُرْمَةُ التَّصاوِيرِ شَرْعٌ جَدِيدٌ. ورُوِيَ أنَّهم عَمِلُوا أسَدَيْنِ في أسْفَلِ كُرْسِيِّهِ، ونَسْرَيْنِ فَوْقَهُ، فَإذا أرادَ أنْ يَصْعَدَ بَسَطَ الأسَدانِ ذِراعَيْهِما (p-126)وَإذا قَعَدَ أظَلَّهُ النَّسْرانِ بِأجْنِحَتِهِما.

﴿وَجِفانٍ﴾ جَمْعُ جَفْنَةٍ، وهي الصَّفْحَةُ.

﴿كالجَوابِ﴾ كالحِياضِ الكِبارِ جَمْعِ جابِيَةٍ مِنَ الجِبايَةِ لِاجْتِماعِ الماءِ فِيها، وهي مِنَ الصِّفاتِ الغالِبَةِ كالدّابَّةِ، وقُرِئَ بِإثْباتِ الياءِ. قِيلَ: كانَ يَقْعُدُ عَلى الجَفْنَةِ ألْفُ رَجُلٍ.

﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ ثابِتاتٌ عَلى الأثافِيِّ لا تَنْزِلُ عَنْها لِعِظَمِها.

﴿اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْرًا﴾ حِكايَةٌ لِما قِيلَ لَهم. و "شُكْرًا" نُصِبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أوْ مَصْدَرٌ لِ "اعْمَلُوا"؛ لِأنَّ العَمَلَ لِلْمُنْعِمِ شُكْرٌ لَهُ، أوْ لِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ، أيِ: اشْكُرُوا شُكْرًا. أوْ حالٌ، أيْ: شاكِرِينَ. أوْ مَفْعُولٌ بِهِ، أيِ: اعْمَلُوا شُكْرًا.

﴿وَقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أيِ: المُتَوَفِّرُ عَلى أداءِ الشُّكْرِ بِقَلْبِهِ ولِسانِهِ، وجَوارِحِهِ أكْثَرَ أوْقاتِهِ، ومَعَ ذَلِكَ لا يُوَفِّي حَقَّهُ؛ لِأنَّ التَّوْفِيقَ لِلشُّكْرِ نِعْمَةٌ تَسْتَدْعِي شُكْرًا آخَرَ لا إلى نِهايَةٍ. ولِذَلِكَ قِيلَ: الشَّكُورُ مَن يَرى عَجْزَهُ عَنِ الشُّكْرِ. ورُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جَزَّأ ساعاتِ اللَّيْلِ والنَّهارِ عَلى أهْلِهِ فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي ساعَةٌ مِنَ السّاعاتِ إلّا وإنْسانٌ مِن آلِ داوُدَ قائِمٌ يُصَلِّي.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском