Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الصافات
As-Saffat
Those who set the Ranks · Meccan · 182 ayahs
(سُورَةُ الصّافّاتِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها مِائَةٌ واثْنَتانِ وثَمانُونَ آيَةً)
﴿والصّافّاتِ صَفًّا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الفاعِلاتِ لِلصُّفُوفِ، عَلى أنَّ المُرادَ إيقاعُ نَفْسِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ إلى المَفْعُولِ، أوِ الصّافّاتِ أنْفُسَها، أيِ: النّاظِماتِ لَها في سِلْكِ الصُّفُوفِ بِقِيامِها في مَقاماتِها المَعْلُومَةِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ وعَلى هَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مَدارُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنّا لَنَحْنُ الصّافُّونَ﴾ وقِيلَ: الصّافّاتِ أقْدامَها في الصَّلاةِ، وقِيلَ: أجْنِحَتُها في الهَواءِ.
﴿فالزّاجِراتِ زَجْرًا﴾ أيِ: الفاعِلاتِ لِلزَّجْرِ، أوِ الزّاجِراتِ لِما نِيطَ بِها زَجْرُهُ مِنَ الأجْرامِ العُلْوِيَّةِ والسُّفْلِيَّةِ وغَيْرِها عَلى وجْهٍ يَلِيقُ بِالمَزْجُورِ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ زَجْرُ العِبادِ بِالمَعاصِي، وزَجْرُ الشَّياطِينِ عَنِ الوَسْوَسَةِ والإغْواءِ، وعَنْ إسْتِراقِ السَّمْعِ كَما سَيَأْتِي "وَصَفًّا" و"زَجْرًا" مَصْدَرانِ مُؤَكِّدانِ لِما قَبْلَهُما، أيْ: صَفًّا بَدِيعًا، وزَجْرًا بَلِيغًا، وأمّا ذِكْرًا في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ فَمَفْعُولُ التّالِياتِ، أيِ: التّالِياتِ ذِكْرًا عَظِيمَ الشَّأْنِ مِن آياتِ اللَّهِ تَعالى، وكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ عَلى الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وغَيْرِها مِنَ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّحْمِيدِ والتَّمْجِيدِ.
وَقِيلَ: هو أيْضًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما قَبْلَهُ؛ فَإنَّ التِّلاوَةَ مِن بابِ الذِّكْرِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ إنْ أُجْرِيَتْ عَلى الكُلِّ فَعَطْفُها بِالفاءِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِها في الفَضْلِ إمّا بِكَوْنِ الفَضْلِ للصَّفِ ثُمَّ لِلزَّجْرِ ثُمَّ (p-184)لِلتِّلاوَةِ، أوْ عَلى العَكْسِ، وإنْ أُجْرِيَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُنَّ عَلى طَوائِفَ مُعَيَّنَةٍ فَهو الدَّلالَةُ عَلى تَرَتُّبِ المَوْصُوفاتِ في مَراتِبِ الفَضْلِ، بِمَعْنى أنَّ طَوائِفَ الصّافّاتِ ذَواتُ فَضْلٍ، والزّاجِراتُ أفْضَلُ، والتّالِياتُ أبْهَرُ فَضْلًا، أوْ عَلى العَكْسِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِالمَذْكُوراتِ نُفُوسُ العُلَماءِ العُمّالِ الصّافّاتُ أنْفُسَها في صُفُوفِ الجَماعاتِ، وأقْدامَها في الصَّلَواتِ، الزّاجِراتُ بِالمَواعِظِ والنَّصائِحِ، التّالِياتُ آياتِ اللَّهِ تَعالى، الدّارِساتُ شَرائِعَهُ وأحْكامَهُ.
وَقِيلَ: طَوائِفُ الغُزاةِ الصّافّاتُ أنْفُسَهم في مُواطِنِ الحُرُوبِ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ، أوْ طَوائِفُ قُوّادِهِمُ الصّافّاتُ لَهم فِيها، الزّاجِراتُ الخَيْلَ لِلْجِهادِ سَوْقًا، والعَدُوَّ في المَعارِكِ طَرْدًا، التّالِياتُ آياتِ اللَّهِ تَعالى وذِكْرَهُ وتَسْبِيحَهُ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ، والكَلامُ في العَطْفِ ودَلالَتِهِ عَلى تَرَتُّبِ الصِّفاتِ في الفَضْلِ أوْ تَرَتُّبِ مَوْصُوفاتِها فِيهِ كالَّذِي سَلَفَ، وأمّا الدَّلالَةُ عَلى التَّرَتُّبِ في الوُجُودِ كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لُهْفَ زَبّانَةَ لِلْحَرْثِ الـ ـصّابِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
فَغَيْرُ ظاهِرَةٍ في شَيْءٍ مِنَ الطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ، فَإنَّهُ لَوْ سُلِّمَ تَقَدُّمُ الصَّفِّ عَلى الزَّجْرِ في المَلائِكَةِ والغُزاةِ، فَتَأخُّرُ التِّلاوَةِ عَنِ الزَّجْرِ غَيْرُ ظاهِرٍ، وقِيلَ: الصّافّاتُ الطَّيْرُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ والزّاجِراتُ كُلُّ ما يَزْجُرُ عَنِ المَعاصِي، والتّالِياتُ كُلُّ مَن يَتْلُو كِتابَ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الزّاجِراتُ القَوارِعُ القرآنيَّةُ، وقُرِئَ بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ والزّايِ والذّالِ.
﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والجُمْلَةُ تَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ بِما هو المَأْلُوفُ في كَلامِهِمْ مِنَ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ مِنَ البُرْهانِ النّاطِقِ بِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى:
37:5Page 446
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Lord of the heavens and the earth and that between them and Lord of the sunrises.1
﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ فَإنَّ وُجُودَها وانْتِظامَها عَلى هَذا النَّمَطِ البَدِيعِ مِن أوْضَحِ دَلائِلِ وُجُودِ الصّانِعِ، وعِلْمِهِ وقدرته، وأعْدَلِ شَواهِدِ وحْدَتِهِ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ و(رَبُّ) خَبَرٌ ثانٍ لِـ(إنَّ) أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: مالِكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِنَ المَوْجُوداتِ ومُرَبِّيها ومُبَلِّغُها إلى كِمالاتِها، والمُرادُ بِـ"المَشارِقِ" مَشارِقُ الشَّمْسِ، وإعادَةُ الرَّبِّ فِيها لِغايَةِ ظُهُورِ آثارِ الربوبية فِيها، وتَجَدُّدِها كُلَّ يَوْمٍ فَإنَّها ثَلاثُمِائَةٍ وسِتُّونَ مَشْرِقًا تُشْرِقُ كُلَّ يَوْمٍ مِن مَشْرِقٍ مِنها، وبِحَسَبِها تَخْتَلِفُ المَغارِبُ، وتَغْرُبُ كُلَّ يَوْمٍ في مَغْرِبٍ مِنها، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ فَهُما مَشْرِقا الصَّيْفِ والشِّتاءِ ومَغْرِباهُما.
37:6Page 446
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Indeed, We have adorned the nearest heaven with an adornment of stars
﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ أيِ: القُرْبى مِنكم ﴿بِزِينَةٍ﴾ عَجِيبَةٍ بَدِيعَةٍ ﴿الكَواكِبِ﴾ بِالجَرِّ بَدَلٌ مِن (زِينَةٍ) عَلى أنَّ المُرادَ بِها الِاسْمُ، أيْ ما يُزَيَّنُ بِهِ لا المَصْدَرُ، فَإنَّ الكَواكِبَ بِأنْفُسِها وأوْضاعِ بَعْضِها مِن بَعْضٍ زِينَةٌ، وأيُّ زِينَةٍ.
وَقُرِئَ بِالإضافَةِ عَلى أنَّها بَيانِيَّةٌ لِما أنَّ الزِّينَةَ مُبْهَمَةٌ صادِقَةٌ عَلى كُلِّ ما يُزانُ بِهِ فَتَقَعُ الكَواكِبُ بَيانًا لَها، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِزِينَةِ الكَواكِبِ ما زُيِّنَتْ هي بِهِ وهو ضَوْؤُها.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: بِزِينَةِ الكَواكِبِ: بِضَوْءِ الكَواكِبِ.
هَذا، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ الزِّينَةِ مَصْدَرًا فالمَعْنى عَلى (p-185)تَقْدِيرِ إضافَتِها إلى الفاعِلِ بِأنْ زانَتِ الكَواكِبُ إيّاها، وأصْلُهُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، وعَلى تَقْدِيرِ إضافَتِها إلى المَفْعُولِ بِأنْ زانَ اللَّهُ الكَواكِبَ وحَسَّنَها، وأصْلُهُ بِزِينَةِ الكَواكِبِ، والمُرادُ هو التَّزْيِينُ في رَأْيِ العَيْنِ، فَإنَّ جَمِيعَ الكَواكِبِ مِنَ الثَّوابِتِ والسَّيّاراتِ تَبْدُو لِلنّاظِرِينَ كَأنَّها جَواهِرُ مُتَلَأْلِأةٌ في سَطْحِ سَماءِ الدُّنْيا بِصُوَرٍ بَدِيعَةٍ وأشْكالٍ رائِعَةٍ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ ارْتِكازُ الثَّوابِتِ في الفُلْكِ الثّامِنِ، وما عَدا القَمَرَ في السِّتَّةِ المُتَوَسِّطَةِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ.
37:7Page 446
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
And as protection against every rebellious devil
﴿وَحِفْظًا﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِعَطْفِهِ عَلى زِينَةٍ بِاعْتِبارِ المَعْنى، كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا خَلَقَنا الكَواكِبَ زِينَةً لِلسَّماءِ وحِفْظًا ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ أيْ: خارِجٍ عَنِ الطّاعَةِ بِرَمْيِ الشُّهُبِ، وإمّا بِإضْمارِ فِعْلِهِ، وإمّا بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مُؤَخَّرٍ مُعَلَّلٍ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ زَيَّناها بِالكَواكِبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ .
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:8Page 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
[So] they may not listen to the exalted assembly [of angels] and are pelted from every side,1
﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ بَيانِ حِفْظِ السَّماءِ عَنْهُمْ، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى كَيْفِيَّةِ الحِفْظِ، وما يَعْتَرِيهِمْ في أثْناءِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ، ولا سَبِيلَ إلى جَعْلِهِ صِفَةً لِـ(كُلِّ شَيْطانٍ) ولا جَوابًا عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ لِعَدَمِ اسْتِقامَةِ المَعْنى، ولا عِلَّةً لِلْحِفْظِ عَلى أنْ يَكُونَ الأصْلُ لِئَلّا يَسْمَعُوا، فَحُذِفَتِ اللّامُ كَما حُذِفَتْ مِن قَوْلِكَ: جِئْتُكَ أنْ تُكْرِمَنِي، فَبَقِيَ أنْ لا يَسْمَعُوا، ثُمَّ بِحَذْفِ "أنْ" وبِهَدْرِ عَمَلِها كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى
لِما أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن ذَيْنِكَ الحَذْفَيْنِ غَيْرُ مُنْكَرٍ بِانْفِرادِهِ، فَأمّا اجْتِماعُهُما فَمِن أنْكَرِ المُنْكَراتِ الَّتِي يَجِبُ تَنْزِيهُ ساحَةِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ عَنْ أمْثالِها، وأصْلُ (يَسَّمَّعُونَ) يَتَسَمَّعُونَ، والمَلَأُ الأعْلى المَلائِكَةُ.
وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - هُمُ الكَتَبَةُ، وعَنْهُ أشْرافُ المَلائِكَةِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أيْ: لا يَتَطَلَّبُونَ السَّماعَ والإصْغاءَ إلَيْهِمْ، وقُرِئَ: (يَسْمَعُونَ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿وَيُقْذَفُونَ﴾ يُرْمَوْنَ ﴿مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ مِن جَمِيعِ جَوانِبِ السَّماءِ إذا قَصَدُوا الصُّعُودَ إلَيْها.
﴿دُحُورًا﴾ عِلَّةٌ لِلْقَذْفِ، أيْ: لِلدُّحُورِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى مَدْحُورِينَ، أوْ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لَهُ؛ لِأنَّهُما مِن وادٍ واحِدٍ، وقُرِئَ: (دَحُورًا) بِفَتْحِ الدّالِ، أيْ: قَذْفًا دَحُورًا مُبالِغًا في الطَّرْدِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالقَبُولِ والوَلُوعِ ﴿وَلَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ أيْ: ولَهم في الآخِرَةِ - غَيْرُ ما في الدُّنْيا مِن عَذابِ الرَّجْمِ بِالشُّهُبِ - عَذابٌ شَدِيدٌ دائِمٌ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ .
37:10Page 446
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Except one who snatches [some words] by theft, but they are pursued by a burning flame, piercing [in brightness].
﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن واوِ "يَسَّمَّعُونَ" و"مَن" بَدَلٌ مِنهُ، و"الخَطْفُ" الِاخْتِلاسُ، والمُرادُ اخْتِلاسُ كَلامِ المَلائِكَةِ مُسارَقَةً، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ تَعْرِيفُ الخَطْفَةِ، وقُرِئَ بِكَسْرِ الخاءِ والطّاءِ المُشَدَّدَةِ، وبِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطّاءِ (p-186)وَتَشْدِيدِها، وأصْلُهُما اخْتَطَفَ ﴿فَأتْبَعَهُ شِهابٌ﴾ أيْ: تَبِعَهُ ولَحِقَهُ، وقُرِئَ: (فاتَّبَعَهُ) و"الشِّهابُ" ما يُرى مُنْقَضًّا مِنَ السَّماءِ ﴿ثاقِبٌ﴾ مُضِيءٌ في الغايَةِ كَأنَّهُ يَثْقُبُ الجَوَّ بِضَوْئِهِ، يُرْجَمُ بِهِ الشَّياطِينُ إذا صَعِدُوا لِاسْتِراقِ السَّمْعِ فَيَقْتُلُهم أوْ يَحْرُقُهم أوْ يَخْبِلُهُمْ، قالُوا: وإنَّما يَعُودُ مَن يُسْلِمُ مِنهم حَيًّا طَمَعًا في السَّلامَةِ، ونَيْلِ المُرادِ كَراكِبِ السَّفِينَةِ.
37:11Page 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Then inquire of them, [O Muḥammad], "Are they a stronger [or more difficult] creation or those [others] We have created?" Indeed, We created them [i.e., men] from sticky clay.
﴿فاسْتَفْتِهِمْ﴾ فاسْتَخْبِرْ مُشْرِكِي مَكَّةَ ﴿أهم أشَدُّ خَلْقًا﴾ أيْ: أقْوى خِلْقَةً وأمْتَنُ بِنْيَةً، أوْ أصْعَبُ خَلْقًا وأشَقُّ إيجادًا ﴿أمْ مَن خَلَقْنا﴾ مِنَ المَلائِكَةِ والسَّماءِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما والمَشارِقِ والكَواكِبِ والشُّهُبِ الثَّواقِبِ، و"مَن" لِتَغْلِيبِ العُقَلاءِ عَلى غَيْرِهِمْ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ إطْلاقُهُ ومَجِيئُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، لا سِيَّما قِراءَةُ مَن قَرَأ (أمْ مَن عَدَدْنا).
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ فَإنَّهُ الفارِقُ بَيْنَهم وبَيْنَها لا بَيْنَهم وبَيْنَ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ كَعادٍ وثَمُودَ، ولِأنَّ المُرادَ إثْباتُ المَعادِ ورَدُّ اسْتِحالَتِهِمْ، والأمْرُ فِيهِ بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ وإلى مَن قَبْلَهم سَواءٌ، وقُرِئَ: (لازِمٍ) و(لاتِبٍ).
﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ أيْ: مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى هَذِهِ الخَلائِقِ العَظِيمَةِ، وإنْكارِهِمْ لِلْبَعْثِ ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ مِن تَعْجِيبِكَ، وتَقْرِيرِكَ لِلْبَعْثِ، وقُرِئَ بِضَمِّ التّاءِ عَلى مَعْنى أنَّهُ بَلَغَ كَمالُ قُدْرَتِي وكَثْرَةُ مَخْلُوقاتِي إلَيَّ حَيْثُ عَجِبْتُ مِنها، وهَؤُلاءِ لِجَهْلِهِمْ يَسْخَرُونَ مِنها، أوْ عَجِبْتُ مِن أنْ يُنْكِرُوا البَعْثَ مِمَّنْ هَذِهِ أفاعِيلُهُ، ويَسْخَرُوا مِمَّنْ يُجَوِّزُهُ، والعَجَبُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إمّا عَلى الفَرْضِ والتَّخْيِيلِ، أوْ عَلى مَعْنى الِاسْتِعْظامِ اللّازِمِ لَهُ، فَإنَّهُ رَوْعَةٌ تَعْتَرِي الإنْسانَ عِنْدَ اسْتِعْظامٍ الشَّيْءِ، وقِيلَ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالقَوْلِ، أيْ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: بَلْ عَجِبْتُ.
﴿وَإذا ذُكِّرُوا﴾ أيْ: ودَأْبُهُمُ المُسْتَمِرُّ أنَّهم إذا وُعِظُوا بِشَيْءٍ مِنَ المَواعِظِ ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾ لا يَتَّعِظُونَ، وإذا ذُكِرَ لَهم ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ لا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِغايَةِ بَلادَتِهِمْ وقُصُورِ فِكْرِهِمْ.
﴿وَإذا رَأوْا آيَةً﴾ أيْ: مُعْجِزَةً تَدُلُّ عَلى صِدْقِ القائِلِ بِهِ ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يُبالِغُونَ في السُّخْرِيَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّهُ سِحْرٌ، أوْ يَسْتَدْعِي بَعْضُهم مِن بَعْضٍ أنْ يَسْخَرَ مِنها.
37:15Page 446
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
And say, "This is not but obvious magic.
﴿وَقالُوا إنْ هَذا﴾ أيْ: ما يَرَوْنَهُ مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ ﴿إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ظاهِرٌ سِحْرِيَّتِهِ.
37:16Page 446
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
When we have died and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?
﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ: كانَ بَعْضُ أجْزائِنا تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا، وتَقْدِيمُ التُّرابِ؛ لِأنَّهُ مُنْقَلِبٌ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ، والعامِلُ في "إذا" ما دَلَّ عَلَيْهِ مَبْعُوثُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أيْ: نُبْعَثُ لا نَفْسُهُ؛ لِأنَّ دُونَهُ خُطُوبًا (p-187)لَوْ تَفَرَّدَ واحِدٌ مِنها لَكَفى في المَنعِ، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ غايَةَ المُنافاةِ، وكَذا تَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في "أئِنّا" لِلْمُبالَغَةِ والتَّشْدِيدِ في ذَلِكَ، وكَذا تَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ"إنَّ" و"اللّامِ" لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما يُوهِمُهُ ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ، فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ، كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: " أفَلا تَعْقِلُونَ " عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ، فَإنَّ المَعْنى عِنْدَهم تَعْقِيبُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّعْقِيبِ كَما هو المَشْهُورُ، وقُرِئَ بِطَرْحِ الهَمْزَةِ الأُولى، وبِطَرْحِ الثّانِيَةِ فَقَطْ.
﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، أيْ: وآباؤُنا الأوَّلُونَ أيْضًا مَبْعُوثُونَ، وقِيلَ: عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: عَلى الضَّمِيرِ في "مَبْعُوثُونَ" لِلْفَصْلِ بِهَمْزَةِ الإنْكارِ الجارِيَةِ مَجْرى حَرْفِ النَّفْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا﴾ وأيًّا ما كانَ فَمُرادُهم زِيادَةُ الِاسْتِبْعادِ بِناءً عَلى أنَّهم أقْدَمُ فَبَعْثُهم أبْعَدُ عَلى زَعْمِهِمْ، وقُرِئَ: (أوْ آباؤُنا).
37:18Page 446
قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨
Say, "Yes, and you will be [rendered] contemptible."
﴿قُلْ﴾ تَبْكِيتًا لَهم ﴿نَعَمْ﴾ والخِطابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْتُمْ داخِرُونَ﴾ لَهم ولِآبائِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ نَعَمْ، أيْ: كُلُّكم مَبْعُوثُونَ، والحالُ أنَّكم صاغِرُونَ أذِلّاءُ، وقُرِئَ: (نَعِمْ) بِكَسْرِ العَيْنِ، وهي لُغَةٌ فِيهِ.
37:19Page 446
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩
It will be only one shout, and at once they will be observing.
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ هي إمّا ضَمِيرٌ مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ خَبَرُهُ، أوْ ضَمِيرُ البَعْثَةِ، والجُمْلَةُ جَوابُ شَرْطٍ مُضْمَرٍ، أوْ تَعْلِيلٌ لِنَهْيٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: إذا كانَ كَذَلِكَ فَإنَّما هي ... إلَخْ، أوْ لا تَسْتَصْعِبُوهُ فَإنَّما هي ... إلَخْ، والزَّجْرَةُ الصَّيْحَةُ مِن زَجَرَ الرّاعِيَ غَنَمَهُ إذا صاحَ عَلَيْها، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ ﴿فَإذا هُمْ﴾ قائِمُونَ مِن مَراقِدِهِمْ أحْياءً ﴿يَنْظُرُونَ﴾ يُبْصِرُونَ كَما كانُوا، أوْ يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ.
37:20Page 446
وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠
They will say, "O woe to us! This is the Day of Recompense."
﴿وَقالُوا﴾ أيِ: المَبْعُوثُونَ، وصِيغَةُ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ والتَّقَرُّرِ ﴿يا ويْلَنا﴾ أيْ: هَلاكَنا، احْضُرْ فَهَذا أوانُ حُضُورِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ تَعْلِيلٌ لِدُعائِهِمُ الوَيْلَ بِطَرِيقِ الِاسْتِئْنافِ، أيِ: اليَوْمَ الَّذِي نُجازى فِيهِ بِأعْمالِنا، وإنَّما عَلِمُوا ذَلِكَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا أنَّهم يُبْعَثُونَ ويُحاسَبُونَ ويُجْزَوْنَ بِأعْمالِهِمْ، فَلَمّا شاهَدُوا البَعْثَ أيْقَنُوا بِما بَعْدَهُ أيْضًا.
37:21Page 446
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١
[They will be told], "This is the Day of Judgement which you used to deny."
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ كَلامُ المَلائِكَةِ جَوابًا لَهم بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، وقِيلَ: هو أيْضًا مِن كَلامِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، والفَصْلُ القَضاءُ، أوِ الفَرْقُ بَيْنَ فِرَقِ الهُدى والضَّلالِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
37:22Page 446
۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢
[The angels will be ordered], "Gather those who committed wrong, their kinds,1 and what they used to worship
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - لِلْمَلائِكَةِ (p-188)أوْ مِن بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِحَشْرِ الظَّلَمَةِ مِن مَقامِهِمْ إلى المَوْقِفِ، وقِيلَ: مِنَ المَوْقِفِ إلى الجحيم ﴿وَأزْواجَهُمْ﴾ أيْ: أشْباهَهم ونُظَراءَهم مِنَ العُصاةِ، عابِدِ الصَّنَمِ مَعَ عَبَدَتِهِ، وعابِدِ الكَواكِبِ مَعَ عَبَدَتِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ وقِيلَ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، وقِيلَ: نِساءَهُمُ الَّتِي عَلى دِينِهِمْ ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ .
37:23Page 446
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣
Other than Allāh, and guide them to the path of Hellfire
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ ونَحْوِها؛ زِيادَةً في تَحْسِيرِهِمْ وتَخْجِيلِهِمْ، قِيلَ: هو عامٌّ مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهم مِنّا الحُسْنى﴾ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ المَوْصُولَ عِبارَةٌ عَنِ المُشْرِكِينَ خاصَّةً جِيءَ بِهِ لِتَعْلِيلِ الحُكْمِ بِما في حَيِّزِ صِلَتِهِ فَلا عُمُومَ ولا تَخْصِيصَ ﴿فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجحيم﴾ أيْ: عَرِّفُوهم طَرِيقَها، ووَجِّهُوهم إلَيْها، وفِيهِ تَهَكُّمٌ بِهِمْ.
37:24Page 446
وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤
And stop them; indeed, they are to be questioned."
﴿وَقِفُوهُمْ﴾ احْبِسُوهم في المَوْقِفِ، كَأنَّ المَلائِكَةَ سارَعُوا إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِن حَشْرِهِمْ إلى الجحيم فَأُمِرُوا بِذَلِكَ، وعُلِّلَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ إيذانًا مِن أوَّلِ الأمْرِ بِأنْ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْعَفْوِ عَنْهُمْ، ولا لِيَسْتَرِيحُوا بِتَأْخِيرِ العَذابِ في الجُمْلَةِ بَلْ لِيُسْألُوا، لَكِنْ لا عَنْ عَقائِدِهِمْ وأعْمالِهِمْ - كَما قِيلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ قَبْلَ الأمْرِ بِهِمْ إلى الجحيم - بَلْ عَمّا يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
37:25Page 447
مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥
[They will be asked], "What is [wrong] with you? Why do you not help each other?"
﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ والتَّهَكُّمِ، أيْ: لا يَنْصُرُ بَعْضُكم بَعْضًا - كَما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدُّنْيا - وتَأْخِيرُ هَذا السُّؤالِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ وقْتُ تَنَجُّزِ العَذابِ، وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى النُّصْرَةِ، وحالَةِ انْقِطاعِ الرَّجاءِ عَنْها بِالكُلِّيَّةِ، فالتَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ حِينَئِذٍ أشَدُّ وقْعًا وتَأْثِيرًا، وقُرِئَ: (لا تَتَناصَرُونَ) و(لا تَنّاصَرُونَ) بِالإدْغامِ.
﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ مُنْقادُونَ خاضِعُونَ لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ، وانْسِدادِ بابِ الحِيَلِ عَلَيْهِمْ، أوْ أسْلَمَ بَعْضُهم بَعْضًا وخَذَلَهُ عَنْ عَجْزٍ، فَكُلُّهم مُسْتَسْلِمٌ غَيْرُ مُنْتَصِرٍ.
37:27Page 447
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧
And they will approach one another asking [i.e., blaming] each other.
﴿وَأقْبَلَ﴾ حِينَئِذٍ ﴿بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾ هُمُ الأتْباعُ والرُّؤَساءُ، أوِ الكَفَرَةُ والقُرَناءُ ﴿يَتَساءَلُونَ﴾ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ تَوْبِيخٍ بِطَرِيقِ الخُصُومَةِ والجِدالِ.
37:28Page 447
قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨
They will say, "Indeed, you used to come at us from the right."1
﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِن حِكايَةِ تَساؤُلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ تَساءَلُوا؟ فَقِيلَ: قالُوا: أيِ الأتْباعُ لِلرُّؤَساءِ، أوِ الكُلُّ لِلْقُرَناءِ ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدُّنْيا ﴿عَنِ اليَمِينِ﴾ عَنْ أقْوى الوُجُوهِ وأمْتَنِها، أوْ عَنِ الدِّينِ، أوْ عَنِ الخَيْرِ، كَأنَّكم تَنْفَعُونَنا نَفْعَ السّانِحِ فَتَبِعْناكم فَهَلَكْنا، مُسْتَعارٌ مِن يَمِينِ الإنْسانِ الَّذِي هو أشْرَفُ الجانِبَيْنِ وأقْواهُما وأنْفَعُهُما، ولِذَلِكَ سُمِّيَ يَمِينًا، ويُتَيَمَّنُ بِالسّانِحِ، أوْ عَنِ القُوَّةِ والقَسْرِ فَتَقْسِرُونَنا عَلى الغَيِّ، وهو الأوْفَقُ لِلْجَوابِ، أوْ عَنِ الحَلِفِ حَيْثُ كانُوا يَحْلِفُونَ أنَّهم عَلى الحَقِّ.
37:29Page 447
قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩
They [i.e., the oppressors] will say, "Rather, you [yourselves] were not believers,
(p-189)﴿قالُوا﴾ اسْتِئْنافٌ كَما سَبَقَ، أيْ: قالَ الرُّؤَساءُ أوِ القُرَناءُ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ . أيْ: لَمْ نَمْنَعْكم مِنَ الإيمانِ بَلْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِاخْتِيارِكُمْ، وأعْرَضْتُمْ عَنْهُ مَعَ تَمَكُّنِكم مِنهُ، وآثَرْتُمُ الكُفْرَ عَلَيْهِ.
37:30Page 447
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠
And we had over you no authority, but you were a transgressing people.
﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ﴾ مِن قَهْرٍ وتَسَلُّطٍ نَسْلُبُكم بِهِ اخْتِيارَكم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ مُخْتارِينَ لِلطُّغْيانِ مُصِرِّينَ عَلَيْهِ.
37:31Page 447
فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١
So the word [i.e., decree] of our Lord has come into effect upon us; indeed, we will taste [punishment].
﴿فَحَقَّ عَلَيْنا﴾ أيْ: لَزِمَنا وثَبَتَ عَلَيْنا ﴿قَوْلُ رَبِّنا﴾ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إنّا لَذائِقُونَ﴾ أيِ: العَذابَ الَّذِي ورَدَ بِهِ الوَعِيدُ.
37:32Page 447
فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢
And we led you to deviation; indeed, we were deviators."
﴿فَأغْوَيْناكُمْ﴾ فَدَعَوْناكم إلى الغَيِّ دَعْوَةً غَيْرَ مُلْجِئَةٍ فاسْتَجَبْتُمْ لَنا بِاخْتِيارِكم واسْتِحْبابِكُمُ الغَيَّ عَلى الرُّشْدِ ﴿إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ فَلا عَتَبَ عَلَيْنا في تَعَرُّضِنا لِإغْوائِكم بِتِلْكَ المَرْتَبَةِ مِنَ الدَّعْوَةِ لِتَكُونُوا أمْثالَنا في الغَوايَةِ.
37:33Page 447
فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣
So indeed they, that Day, will be sharing in the punishment.
﴿فَإنَّهُمْ﴾ أيِ: الأتْباعُ والمَتْبُوعِينَ ﴿يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ حَسْبَما كانُوا مُشْتَرِكِينَ في الغَوايَةِ.
37:34Page 447
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤
Indeed, that is how We deal with the criminals.
﴿إنّا كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ البَدِيعِ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ ﴿نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾ المُتَناهِينَ في الإجْرامِ، وهُمُ المُشْرِكُونَ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ التَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى:
37:35Page 447
إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ ٣٥
Indeed they, when it was said to them, "There is no deity but Allāh," were arrogant
﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهُمْ﴾ بِطَرِيقِ الدَّعْوَةِ والتَّلْقِينِ ﴿لا إلَهَ إلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عَنِ القَبُولِ.
37:36–37Page 447
وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ ٣٦
And were saying, "Are we to leave our gods for a mad poet?"
بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٧
Rather, he [i.e., the Prophet (ﷺ)] has come with the truth and confirmed the [previous] messengers.
﴿وَيَقُولُونَ أإنّا لَتارِكُو آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ﴿بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ، وتَكْذِيبٌ لَهم بِبَيانِ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ هو الحَقُّ الَّذِي قامَ بِهِ البُرْهانُ، وأجْمَعَ عَلَيْهِ كافَّةُ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَأيْنَ الشِّعْرُ والجُنُونُ مِن ساحَتِهِ الرَّفِيعَةِ؟!
37:38Page 447
إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ ٣٨
Indeed, you [disbelievers] will be tasters of the painful punishment,
﴿إنَّكُمْ﴾ بِما فَعَلْتُمْ مِنَ الإشْراكِ وتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ والِاسْتِكْبارِ ﴿لَذائِقُو العَذابِ الألِيمِ﴾ (p-190)والِالتِفاتُ لِإظْهارِ كَمالِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ بِنَصْبِ العَذابِ عَلى تَقْدِيرِ النُّونِ، كَقَوْلِهِ:
؎ ولا ذاكِرُ اللَّهَ إلّا قَلِيلًا
وَقُرِئَ: (لَذائِقُونَ العَذابَ) عَلى الأصْلِ.
37:39Page 447
وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٩
And you will not be recompensed except for what you used to do -
﴿وَما تُجْزَوْنَ إلا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: إلّا جَزاءَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، أوْ إلّا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَهُ مِنها.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences