Abu as-Su'udAl-'Ankabut · 29:1–21

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

العنكبوت

Al-'Ankabut

The Spider · Meccan · 69 ayahs

29:1Page 396

الٓمٓ ١

Alif, Lām, Meem.1

(p-29)سُورَةُ العَنْكَبُوتِ

(مَكِّيَّةٌ، وهي تِسْعٌ وسِتُّونَ آيَةً)

﴿الم﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ مِرارًا في نَظائِرِهِ مِنَ الفَواتِحِ الكَرِيمَةِ خَلا أنَّ ما بَعْدَهُ لا يَحْتَمِلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ تَعَلُّقًا إعْرابِيًّا.

29:2Page 396

أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢

Do the people think that they will be left to say, "We believe" and they will not be tried?

﴿أحَسِبَ النّاسُ﴾ الحُسْبانُ، ونَظائِرُهُ لا يَتَعَلَّقُ بِمَعانِي المُفْرَداتِ، بَلْ بِمَضامِينِ الجُمَلِ المُفِيدَةِ لِثُبُوتِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ، أوِ انْتِفاءِ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ بِحَيْثُ يَتَحَصَّلُ مِنها مَفْعُولاهُ، إمّا بِالفِعْلِ كَما في عامَّةِ المَواقِعِ، وإمّا بِنَوْعِ تَصَرُّفٍ فِيها كَما في الجُمَلِ المُصَدَّرَةِ بِأنْ والواقِعَةِ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الِاسْمِيِّ أوِ الحَرْفِيِّ. فَإنَّ كُلًّا مِنها صالِحَةٌ لِأنْ يُسْبَكَ مِنها مَفْعُولاهُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ . في قُوَّةِ "أنْ" يُقالَ أحَسِبُوا أنْفُسَهم مَتْرُوكِينَ بِلا فِتْنَةٍ بِمُجَرَّدِ أنْ يَقُولُوا آمَنّا، أوْ أنْ يُقالَ: أحَسِبُوا تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ بِقَوْلِهِمْ آمَنّا حاصِلًا مُتَحَقِّقًا، والمَعْنى إنْكارُ الحُسْبانِ المَذْكُورِ، واسْتِبْعادُهُ، وتَحْقِيقُ أنَّهُ تَعالى يَمْتَحِنُهم بِمَشاقِّ التَّكالِيفِ كالمُهاجَرَةِ والمُجاهَدَةِ، ورَفْضِ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ، ووَظائِفِ الطّاعاتِ، وفُنُونِ المَصائِبِ في الأنْفُسِ والأمْوالِ؛ لِيَتَمَيَّزَ المُخْلِصُ مِنَ المُنافِقِ، والرّاسِخُ في الدِّينِ مِنَ المُتَزَلْزِلِ فِيهِ. ويُجازِيَهم بِحَسَبِ مَراتِبِ أعْمالِهِمْ فَإنَّ مُجَرَّدَ الإيمانِ، وإنْ كانَ عَنْ خُلُوصٍ لا يَقْتَضِي غَيْرَ الخَلاصِ مِنَ الخُلُودِ في النّارِ. رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في ناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ جَزِعُوا مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: في عَمّارٍ قَدْ عُذِّبَ في اللَّهِ، وقِيلَ: في مَهْجَعٍ مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَماهُ عامِرُ بْنُ الحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ، فَجَزِعَ عَلَيْهِ أبَواهُ وامْرَأتُهُ، وهو أوَّلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ مِنَ المُسْلِمِينَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « "سَيِّدُ الشُّهَداءِ مَهْجَعٌ، وهو أوَّلُ مَن يُدْعى إلى بابِ الجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ".»

29:3Page 396

وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣

But We have certainly tried those before them, and Allāh will surely make evident those who are truthful, and He will surely make evident the liars.

﴿وَلَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: "أحَسِبَ" أوْ بِقَوْلِهِ تَعالى: "لا يُفْتَنُونَ" والمَعْنى أنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، جارِيَةٌ فِيما بَيْنَ الأُمَمِ كُلِّها، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُتَوَقَّعَ خِلافُها، والمَعْنى أنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ قَدْ أصابَهم مِن ضُرُوبِ الفِتَنِ والمِحَنِ ما هو أشَدُّ مِمّا أصابَ هَؤُلاءِ فَصَبَرُوا. كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ وما ضَعُفُوا وما اسْتَكانُوا﴾ ... الآياتِ. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «قَدْ كانَ مَن قَبْلَكم يُؤْخَذُ فَيُوضَعُ المِنشارُ (p-30)عَلى رَأْسِهِ فَيُفَرَّقُ فِرْقَتَيْنِ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمَشَّطُ بِأمْشاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ عَظْمِهِ مِن لَحْمٍ، وعَصَبٍ ما يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ.» ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أيْ: في قَوْلِهِمْ آمَنّا.

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ في ذَلِكَ. و "الفاءُ" لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما يُفْصِحُ عَنْهُ ما قَبْلَها مِن وُقُوعِ الِامْتِحانِ، و "اللّامُ" جَوابُ القَسَمِ. والِالتِفاتُ إلى الِاسْمِ الجَلِيلِ لِإدْخالِ الرَّوْعَةِ، وتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، وتَكْرِيرُ الجَوابِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ والتَّقْرِيرِ، أيْ: فَواللَّهِ لَيَتَعَلَّقَنَّ عِلْمُهُ بِالِامْتِحانِ تَعَلُّقًا حالِيًّا، يَتَمَيَّزُ بِهِ الَّذِينَ صَدَقُوا في الإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ، والَّذِينَ هم كاذِبُونَ فِيهِ مُسْتَمِرُّونَ عَلى الكَذِبِ، ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أجَزِيَتُهم مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ. ولِذَلِكَ قِيلَ: المَعْنى لَيَمِيزَنَّ، أوْ لَيُجازِيَنَّ. وقُرِئَ: (وَلَيُعْلِمَنَّ) مِنَ الإعْلامِ، أيْ: ولَيُعَرِّفَنَّهُمُ النّاسَ، أوْ لَيَسِمَنَّهم بِسِمَةٍ يُعْرَفُونَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ كَبَياضِ الوُجُوهِ وسَوادِها.

29:4Page 396

أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤

Or do those who do evil deeds think they can outrun [i.e., escape] Us? Evil is what they judge.

﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ أيْ: يَفُوتُونا فَلا نَقْدِرَ عَلى مُجازاتِهِمْ بِمَساوِئِ أعْمالِهِمْ، وهو سادٌّ مَفْعُولَيْ حَسِبَ لِاشْتِمالِهِ عَلى مُسْنَدٍ ومُسْنَدٍ إلَيْهِ، و "أمْ" مُنْقَطِعَةٌ وما فِيها مِن مَعْنى "بَلْ" لِلْإضْرابِ، والِانْتِقالِ عَنِ التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ حُسْبانِهِمْ مَتْرُوكِينَ غَيْرَ مَفْتُونِينَ إلى التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ ما هو أبْطَلُ مِنَ الحُسْبانِ الأوَّلِ، وهو حُسْبانُهم أنْ لا يُجازُوا بِسَيِّئاتِهِمْ، وهم وإنْ لَمْ يَحْسَبُوا أنَّهم يَفُوتُونَهُ تَعالى ولَمْ يُحَدِّثُوا نُفُوسَهم بِذَلِكَ لَكِنَّهم حَيْثُ أصَرُّوا عَلى المَعاصِي، ولَمْ يَتَفَكَّرُوا في العاقِبَةِ نَزَلُوا مَنزِلَةَ مَن يَطْمَعُ في ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْسَبُ أنَّ مالَهُ أخْلَدَهُ﴾ .

﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ أيْ: بِئْسَ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ، أوْ بِئْسَ حُكْمًا يَحْكُمُونَهُ حُكْمُهم ذَلِكَ.

29:5Page 396

مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥

Whoever should hope for the meeting with Allāh - indeed, the term [decreed by] Allāh is coming. And He is the Hearing, the Knowing.

﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ أيْ: يَتَوَقَّعُ مُلاقاةَ جَزائِهِ ثَوابًا، أوْ عِقابًا، أوْ مُلاقاةُ حُكْمِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وقِيلَ: يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في الجَنَّةِ، وقِيلَ: يَرْجُو ثَوابَهُ، وقِيلَ: يَخافُ عِقابَهُ، وقِيلَ: لِقاؤُهُ تَعالى عِبارَةٌ عَنِ الوُصُولِ إلى العاقِبَةِ مِن تَلَقِّي مَلَكِ المَوْتِ، والبَعْثِ، والحِسابِ، والجَزاءِ عَلى تَمْثِيلِ تِلْكَ الحالِ بِحالِ عَبْدٍ قَدِمَ عَلى سَيِّدِهِ بَعْدَ عَهْدٍ طَوِيلٍ. وقَدْ عَلِمَ مَوْلاهُ بِجَمِيعِ ما كانَ يَأْتِي ويَذَرُ، فَإمّا أنْ يَلْقاهُ بِبِشْرٍ وكَرامَةٍ لِما رَضِيَ مِن أفْعالِهِ، أوْ بِضِدِّهِ لِما سَخِطَهُ.

﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ﴾ الأجَلُ عِبارَةٌ عَنْ غايَةِ زَمانٍ مُمْتَدٍّ عُيِّنَتْ لِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ذَلِكَ الزَّمانُ، والأوَّلُ هو الأشْهَرُ في الِاسْتِعْمالِ، أيْ: فَإنَّ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ تَعالى لِذَلِكَ ﴿لآتٍ﴾ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِ؛ لِأنَّ أجْزاءَ الزَّمانِ عَلى التَّقَضِّي، والتَّصَرُّمِ دائِمًا، فَلا بُدَّ مِن إتْيانِ ذَلِكَ الجَزاءِ أيْضًا البَتَّةَ، وإتْيانُ وقْتِهِ مُوجِبٌ لِإتْيانِ اللِّقاءِ حَتْمًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَلْيَخْتَرْ مِنَ الأعْمالِ ما يُؤَدِّي إلى حُسْنِ الثَّوابِ، ولْيَحْذَرْ ما يَسُوقُهُ إلى سُوءِ العَذابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ وفِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ: فَلْيُبادِرْ إلى ما يُحَقِّقُ أمَلَهُ، ويُصَدِّقُ رَجاءَهُ، أوْ ما يُوجِبُ القُرْبَةَ والزُّلْفى.

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِ العِبادِ.

﴿العَلِيمُ﴾ بِأحْوالِهِمْ مِنَ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ والعَقائِدِ.

29:6Page 396

وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

And whoever strives only strives for [the benefit of] himself. Indeed, Allāh is Free from need of the worlds.

﴿وَمَن جاهَدَ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ لِعَوْدِ مَنفَعَتِها (p-31)إلَيْها.

﴿إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ فَلا حاجَةَ لَهُ إلى طاعَتِهِمْ، وإنَّما أمَرَهم بِها تَعْرِيضًا لَهم لِلثَّوابِ بِمُوجِبِ رَحْمَتِهِ.

29:7Page 397

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧

And those who believe and do righteous deeds - We will surely remove from them their misdeeds and will surely reward them according to the best of what they used to do.

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ الكُفْرَ بِالإيمانِ، والمَعاصِيَ بِما يَتْبَعُها مِنَ الطّاعاتِ.

﴿وَلَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: أحْسَنَ جَزاءِ أعْمالِهِمْ، لا جَزاءَ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ فَقَطْ.

29:8Page 397

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨

And We have enjoined upon man goodness to parents. But if they endeavor to make you associate with Me that of which you have no knowledge,1 do not obey them. To Me is your return, and I will inform you about what you used to do.

﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ أيْ: بِإيتاءِ والِدَيْهِ وإيلائِهِما فِعْلًا ذا حُسْنٍ، أوْ ما هو في حَدِّ ذاتِهِ حَسَنٌ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ و "وَصّى" يَجْرِي مَجْرى أمْرٍ مَعْنًى، وتَصَرُّفًا غَيْرَ أنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ في المَأْمُورِ بِهِ نَفْعٌ عائِدٌ إلى المَأْمُورِ، أوْ غَيْرِهِ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى قالَ. فالمَعْنى وقُلْنا أحْسِنْ بِوالِدَيْكَ حُسْنًا، وقِيلَ: انْتِصابُ حُسْنًا بِمُضْمَرٍ عَلى تَقْدِيرِ قَوْلٍ مُفَسِّرٍ لِلتَّوْصِيَةِ، أيْ: وقُلْنا أوْلِهِما، أوِ افْعَلْ بِهِما حُسْنًا، وهو أوْفَقُ لِما بَعْدَهُ، وعَلَيْهِ يَحْسُنُ الوَقْفُ عَلى بِوالِدَيْهِ، وقُرِئَ: (حُسْنًا) و (إحْسانًا).

﴿وَإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: بِإلَهِيَّتِهِ. عَبَّرَ عَنْ نَفْيِها بِنَفْيِ العِلْمِ بِها لِلْإيذانِ بِأنَّ ما لا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ لا يَجُوزُ اتِّباعُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ بُطْلانُهُ. فَكَيْفَ بِما عُلِمَ بُطْلانُهُ؟ ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ في ذَلِكَ فَإنَّهُ لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ، ولا بُدَّ مِن إضْمارِ القَوْلِ إنْ لَمْ يُضْمَرْ فِيما قَبْلُ، وفي تَعْلِيقِ النَّهْيِ عَنْ طاعَتِهِما بِمُجاهَدَتِهِما في التَّكالِيفِ إشْعارٌ بِأنَّ مُوجِبَ النَّهْيِ فِيما دُونَها مِنَ التَّكْلِيفِ ثابِتٌ بِطَرِيقِ الأوْلَوِيَّةِ.

﴿إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ: مَرْجِعُ مَن آمَنُ مِنكُمْ، ومَن أشْرَكَ، ومَن بَرَّ بِوالِدَيْهِ، ومَن عَقَّ.

﴿فَأُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بِأنْ أُجازِيَ كُلًّا مِنكم بِعَمَلِهِ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، والآيَةُ نَزَلَتْ في سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عِنْدَ إسْلامِهِ، حَيْثُ حَلَفَتْ أُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ بْنِ أُمَيَّةَ أنْ لا تَنْتَقِلَ مِنَ الضِّحِّ إلى الظِّلِّ، ولا تَطْعَمَ، ولا تَشْرَبَ، حَتّى يَرْتَدَّ فَلَبِثَتْ ثَلاثَةَ أيّامٍ كَذَلِكَ، وكَذا الَّتِي في سُورَةِ لُقْمانَ، وسُورَةِ الأحْقافِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ، وذَلِكَ أنَّهُ هاجَرَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتّى نَزَلا المَدِينَةَ فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ، والحَرْثُ أخُوهُ لِأُمِّهِ أسْماءَ، فَنَزَلا بِعَيّاشٍ، وقالا لَهُ: إنَّ مِن دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ صِلَةَ الأرْحامِ، وبِرَّ الوالِدَيْنِ. وقَدْ تَرَكْتَ أُمَّكَ لا تَطْعَمُ، ولا تَشْرَبُ، ولا تَأْوِي بَيْتًا، حَتّى تَراكَ فاخْرُجْ مَعَنا وفَتْلًا مِنهُ في الذِّرْوَةِ، والغارِبِ، واسْتَشارَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ: هُما يَخْدَعانِكَ، ولَكَ عَلَيَّ أنْ أقْسِمَ مالِي بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَما زالا بِهِ حَتّى أطاعَهُما، وعَصى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أمّا إذا عَصَيْتَنِي فَخُذْ ناقَتِي فَلَيْسَ في الدُّنْيا بَعِيرٌ يَلْحَقُها فَإنْ رابَكَ مِنهُما رَيْبٌ فارْجِعْ، فَلَمّا انْتَهَوْا إلى البَيْداءِ. قالَ أبُو جَهْلٍ: إنْ ناقَتِي قَدْ كَلَّتْ فاحْمِلْنِي مَعَكَ فَنَزَلَ لِيُوَطِّئَ لِنَفْسِهِ، ولَهُ فَأخَذاهُ، فَشَدّاهُ وثاقًا، وجَلَدَهُ كُلُّ واحِدٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وذَهَبا بِهِ إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: لا تَزالُ في عَذابٍ حَتّى تَرْجِعَ عَنْ دِينِ مُحَمَّدٍ.

29:9Page 397

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩

And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].

﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا (p-32)الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهم في الصّالِحِينَ﴾ أيْ: في زُمْرَةِ الرّاسِخِينَ في الصَّلاحِ، والكَمالُ في الصَّلاحِ مُنْتَهى دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ، وغايَةُ مَأْمُولِ أنْبِياءِ اللَّهِ المُرْسَلِينَ. قالَ اللَّهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ في عِبادِكَ الصّالِحِينَ﴾ . وقالَ في حَقِّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ أوْ في مَدْخَلِ الصّالِحِينَ، وهو الجَنَّةُ.

29:10Page 397

وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠

And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?

﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ أيْ: في شَأْنِهِ تَعالى بِأنْ عَذَّبَهُمُ الكَفَرَةُ عَلى الإيمانِ ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ أيْ: ما يُصِيبُهُ مِن أذِيَّتِهِمْ.

﴿كَعَذابِ اللَّهِ﴾ في الشِّدَّةِ والهَوْلِ، فَيَرْتَدَّ عَنِ الدِّينِ مَعَ أنَّهُ لا قَدْرَ لَها عِنْدَ نَفْحَةٍ مِن عَذابِهِ تَعالى أصْلًا.

﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِن رَبِّكَ﴾ أيْ: فَتْحٌ وغَنِيمَةٌ.

﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بِضَمِّ اللّامِ نَظَرًا إلى مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِالنَّظَرِ إلى لَفْظِها، وقُرِئَ: بِالفَتْحِ.

﴿إنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أيْ: مُشايِعِينَ لَكم في الدِّينِ فَأشْرِكُونا في المَغْنَمِ، وهم ناسٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا مَسَّهم أذًى مِنَ الكُفّارِ وافَقُوهُمْ، وكانُوا يَكْتُمُونَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِما في صُدُورِ العالَمِينَ﴾ أيْ: بِأعْلَمَ مِنهم بِما في صُدُورِهِمْ مِنَ الإخْلاصِ، والنِّفاقِ حَتّى يَفْعَلُوا ما يَفْعَلُونَ مِنَ الِارْتِدادِ، والإخْفاءِ عَنِ المُسْلِمِينَ، وادِّعاءِ كَوْنِهِمْ مِنهم لِنَيْلِ الغَنِيمَةِ، وهَذا هو الأوْفَقُ لِما سَبَقَ ولِما لَحِقَ مِن قَوْلِهِ تَعالى:

29:11Page 397

وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١

And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: بِالإخْلاصِ.

﴿وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقِينَ﴾ سَواءٌ كانَ كُفْرُهم بِأذِيَّةِ الكَفَرَةِ أوْ لا، أيْ: لَيَجْزِيَنَّهم بِما لَهم مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ.

29:12Page 397

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢

And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.

﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ بَيانٌ لِحَمْلِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى الكُفْرِ بِالِاسْتِمالَةِ بَعْدَ بَيانِ حَمْلِهِمْ لَهم عَلَيْهِ بِالأذِيَّةِ، والوَعِيدِ، وصْفُهم بِالكُفْرِ هَهُنا دُونَ ما سَبَقَ، لِما أنَّ مَساقَ الكَلامِ لِبَيانِ جِناياتِهِمْ، وفِيما سَبَقَ لِبَيانِ جِنايَةِ مَن أضَلُّوهُ، و "اللّامُ" لِلتَّبْلِيغِ، أيْ: قالُوا مُخاطِبِينَ لَهُمُ.

﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ أيِ: اسْلُكُوا طَرِيقَتَنا الَّتِي نَسْلُكُها في الدِّينِ. عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالِاتِّباعِ الَّذِي هو المَشْيُ خَلْفَ ماشٍ آخَرَ، تَنْزِيلًا لِلْمَسْلَكِ مَنزِلَةَ السّالِكِ فِيهِ، أوِ اتَّبِعُونا في طَرِيقَتِنا.

﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ أيْ: إنْ كانَ ذَلِكَ خَطِيئَةً يُؤاخَذُ عَلَيْها بِالبَعْثِ كَما تَقُولُونَ: وإنَّما أمَرُوا أنْفُسَهم بِالحَمْلِ عاطِفِينَ لَهُ عَلى أمْرِهِمْ بِالِاتِّباعِ، لِلْمُبالَغَةِ في تَعْلِيقِ الحَمْلِ بِالِاتِّباعِ. والوَعْدِ بِتَخْفِيفِ الأوْزارِ عَنْهم إنْ كانَ ثَمَّةَ وِزْرٌ فَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ﴾ وقُرِئَ: (مِن خَطِيئاتِهِمْ) أيْ: وما هم بِحامِلِينَ شَيْئًا مِن خَطاياهُمُ الَّتِي التَزَمُوا أنْ يَحْمِلُوا كُلَّها عَلى أنَّ مِنَ الأُولى لِلتَّبْيِينِ، والثّانِيَةَ مَزِيدَةٌ لِلِاسْتِغْراقِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ أوْ حالٌ.

﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ حَيْثُ أخْبَرُوا في ضِمْنِ وعْدِهِمْ بِالحَمْلِ بِأنَّهم قادِرُونَ عَلى إنْجازِ ما وعَدُوا، فَإنَّ الكَذِبَ كَما يُتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ (p-33)مَنطُوقِهِ يُتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُ مَدْلُولُهُ كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ .

29:13Page 397

وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣

But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.

﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهُمْ﴾ بَيانٌ لِما يَسْتَتْبِعُهُ قَوْلُهم ذَلِكَ في الآخِرَةِ مِنَ المَضَرَّةِ لِأنْفُسِهِمْ بَعْدَ بَيانِ عَدَمِ مَنفَعَتِهِ لِمُخاطَبِيهِمْ أصْلًا، والتَّعْبِيرُ عَنِ الخَطايا بِالأثْقالِ لِلْبِذانِ بِغايَةِ ثِقَلِها، وكَوْنِها فادِحَةً. و "اللّامُ" جَوابُ قَسَمٍ مُضْمَرٍ، أيْ: وبِاللَّهِ لَيَحْمِلُنَّ أثْقالَ أنْفُسِهِمْ كامِلَةً.

﴿وَأثْقالا﴾ أُخَرَ ﴿مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ لِما تَسَبَّبُوا بِالإضْلالِ، والحَمْلُ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي مِن غَيْرِ أنْ يَنْتَقِصَ مِن أثْقالِ مَن أضَلُّوهُ شَيْءٌ ما أصْلًا.

﴿وَلَيُسْألُنَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ سُؤالَ تَقْرِيعٍ وتَبْكِيتٍ ﴿عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَخْتَلِقُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأكاذِيبِ والأباطِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها كَذِبُهم هَذا.

29:14Page 397

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤

And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.

﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عامًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ افْتِتانِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأذِيَّةِ أُمَمِهِمْ إثْرَ بَيانِ افْتِتانِ المُؤْمِنِينَ بِأذِيَّةِ الكُفّارِ، تَأْكِيدًا لِلْإنْكارِ عَلى الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنْ يُتْرَكُوا بِمُجَرَّدِ الإيمانِ بِلا ابْتِلاءٍ، وحَثًّا لَهم عَلى الصَّبْرِ. فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَيْثُ ابْتُلُوا بِما أصابَهم مِن جِهَةِ أُمَمِهِمْ مِن فُنُونِ المَكارِهِ، وصَبَرُوا عَلَيْها فَلِأنْ يَصْبِرَ هَؤُلاءِ أوْلى وأحْرى. قالُوا: كانَ عُمْرُ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ألْفًا وخَمْسِينَ عامًا، بُعِثَ عَلى رَأْسِ أرْبَعِينَ سَنَةً، ودَعا قَوْمَهُ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، وعاشَ بَعْدَ الطُّوفانِ سِتِّينَ سَنَةً. وعَنْ وهْبٍ أنَّهُ عاشَ ألْفًا وأرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ. ولَعَلَّ ما عَلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ لِلدِّلالَةِ عَلى كَمالِ العَدَدِ فَإنَّ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ قَدْ يُطْلَقُ عَلى ما يَقْرُبُ مِنهُ، ولِما في ذِكْرِ الألْفِ مِن تَخْيِيلِ طُولِ المُدَّةِ، فَإنَّ المَقْصُودَ مِنَ القِصَّةِ تَسْلِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَثْبِيتَهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ مِن مُكابَدَةِ ما يَنالُهُ مِنَ الكَفَرَةِ، وإظْهارَ رَكاكَةِ رَأْيِ الَّذِينَ يَحْسَبُونَ أنَّهم يُتْرَكُونَ بِلا ابْتِلاءٍ، واخْتِلافَ المُمَيَّزِ لِما في التَّكْرِيرِ مَن نَوْعِ بَشاعَةٍ.

﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ أيْ: عَقِبَ تَمامِ المُدَّةِ المَذْكُورَةِ. و "الطُّوفانُ" يُطْلَقُ عَلى كُلِّ ما يَطُوفُ بِالشَّيْءِ عَلى كَثْرَةٍ، وشِدَّةٍ مِنَ السَّيْلِ والرَّيِّحِ والظَّلامِ، وقَدْ غَلَبَ عَلى طُوفانِ الماءِ.

﴿وَهم ظالِمُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم مُسْتَمِرُّونَ عَلى الظُّلْمِ لَمْ يَتَأثَّرُوا بِما سَمِعُوا مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الآياتِ، ولَمْ يَرْعَوُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والمَعاصِي هَذِهِ المُدَّةَ المُتَمادِيَةَ.

29:15Page 398

فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥

But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.

﴿فَأنْجَيْناهُ﴾ أيْ: نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ.

﴿وَأصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ أيْ: ومَن رَكِبَ فِيها مَعَهُ مِن أوْلادِهِ وأتْباعِهِ، وكانُوا ثَمانِينَ، وقِيلَ: ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، وقِيلَ: عَشَرَةً، وقِيلَ: ثَمانِيَةً نِصْفُهم ذُكُورٌ ونِصْفُهم إناثٌ.

﴿وَجَعَلْناها﴾ أيِ: السَّفِينَةَ، أوِ الحادِثَةَ. والقِصَّةَ ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ يَتَّعِظُونَ بِها.

29:16Page 398

وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦

And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.

﴿وَإبْراهِيمَ﴾ نُصِبَ بِالعَطْفِ عَلى نُوحًا، وقِيلَ: (p-34)بِإضْمارِ اذْكُرْ. وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ: ومِنَ المُرْسَلِينَ إبْراهِيمُ ﴿إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ عَلى الأوَّلِ: ظَرْفٌ لِلْإرْسالِ، أيْ: أرْسَلْناهُ حِينَ تَكامَلَ عَقْلُهُ، وقَدَرَ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وتَرَقّى مِن رُتْبَةِ الكَمالِ إلى دَرَجَةِ التَّكْمِيلِ، حَيْثُ تَصَدّى لِإرْشادِ الخَلْقِ إلى طَرِيقِ الحَقِّ، وعَلى الثّانِي: بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن إبْراهِيمَ.

﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وحْدَهُ.

﴿واتَّقُوهُ﴾ أنْ تُشْرِكُوا بِهِ شيئًا.

﴿ذَلِكُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى.

﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: مِمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ، ومَعْنى التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّهُ لا خَيْرِيَّةَ فِيهِ قَطْعًا بِاعْتِبارِ زَعْمِهِمُ الباطِلَ.

﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الخَيْرَ والشَّرَّ، وتُمَيِّزُونَ أحَدَهُما مِنَ الآخَرِ، أوْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، فَإنَّ ذَلِكَ كافٍ في الحُكْمِ بِخَيْرِيَّةِ ما ذَكَرَهُ مِنَ العِبادَةِ والتَّقْوى.

29:17Page 398

إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧

You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."

﴿إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أوْثانًا﴾ بَيانٌ لِبُطْلانِ دِينِهِمْ، وشَرِّيَّتِهِ في نَفْسِهِ بَعْدَ بَيانِ شَرِّيَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الدِّينِ الحَقِّ، أيْ: إنَّما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ تَعالى أوْثانًا هي في نَفْسِها تَماثِيلُ مَصْنُوعَةٌ لَكم لَيْسَ فِيها وصْفٌ غَيْرَ ذَلِكَ.

﴿وَتَخْلُقُونَ إفْكًا﴾ أيْ: وتَكْذِبُونَ كَذِبًا حَيْثُ تُسَمُّونَها آلِهَةً، وتَدَّعُونَ أنَّها شُفَعاؤُكم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَعْمَلُونَها، وتَنْحِتُونَها لِلْإفْكِ، وقُرِئَ: (تُخَلِّقُونَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ في الخَلْقِ بِمَعْنى الكَذِبِ والِافْتِراءِ، و (تَخْلُقُونَ) بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مِن تَخَلَّقَ بِمَعْنى تَكَذَّبَ وتَخَرَّصَ. وقُرِئَ: (أفِكًا) عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كالكَذِبِ واللَّعِبِ، أوْ نَعْتٌ بِمَعْنى خَلْقًا ذا إفْكٍ.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِشَرِّيَّةِ ما يَعْبُدُونَهُ مِن حَيْثُ إنَّهُ لا يَكادُ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا.

﴿لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا﴾ أيْ: لا يَقْدِرُونَ عَلى أنْ يَرْزُقُوكم شَيْئًا مِنَ الرِّزْقِ.

﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ كُلَّهُ فَإنَّهُ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ.

﴿واعْبُدُوهُ﴾ وحْدَهُ ﴿واشْكُرُوا لَهُ﴾ عَلى نَعْمائِهِ مُتَوَسِّلِينَ إلى مَطالِبِكم بِعِبادَتِهِ مُقَيَّدِينَ بِالشُّكْرِ لِلْعَتِيدِ، ومُسْتَجْلِبِينَ لِلْمَزِيدِ.

﴿إلَيْهِ تَرْجِعُونَ﴾ أيْ: بِالمَوْتِ، ثُمَّ بِالبَعْثِ لا إلى غَيْرِهِ فافْعَلُوا ما أمَرْتُكم بِهِ، وقُرِئَ: (تُرْجَعُونَ) مِن رَجَعَ رُجُوعًا.

29:18Page 398

وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨

And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1

﴿وَإنْ تُكَذِّبُوا﴾ أيْ: تُكَذِّبُونِي فِيما أخْبَرْتُكم بِهِ مِن أنَّكم إلَيْهِ تُرْجَعُونَ بِالبَعْثِ.

﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجَوابِ، أيْ: فَلا تَضُرُّونَنِي بِتَكْذِيبِكُمْ، فَإنَّ مَن قَبْلَكم مِنَ الأُمَمِ قَدْ كَذَّبُوا مَن قَبْلِي مِنَ الرُّسُلِ، وهم شِيثٌ، وإدْرِيسُ، ونُوحٌ، عَلَيْهِمُ السَّلامُ. فَلَمْ يَضُرَّهم تَكْذِيبُهم شَيْئًا، وإنَّما ضَرَّ أنْفُسَهم حَيْثُ تَسَبَّبَ لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ فَكَذا تَكْذِيبُكم.

﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيِ: التَّبْلِيغُ الَّذِي لا يَبْقى مَعَهُ شَكٌّ، وما عَلَيْهِ أنْ يُصَدِّقَهُ قَوْمُهُ البَتَّةَ، وقَدْ خَرَجْتُ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلا يَضُرُّنِي تَكْذِيبُكم بَعْدَ ذَلِكَ أصْلًا.

29:19Page 398

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩

Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.

﴿أوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الخَلْقَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِلْإنْكارِ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ مَعَ وُضُوحِ دَلِيلِهِ، وسُنُوحِ سَبِيلِهِ. و "الهَمْزَةُ" لِإنْكارِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِمُ المُوجِبِ لِتَقْرِيرِها، و "الواوُ" لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، أيْ: ألَمْ يَنْظُرُوا، (p-35)ألَمْ يَعْلَمُوا عِلْمًا جارِيًا مَجْرى الرُّؤْيَةِ في الجَلاءِ، والظُّهُورِ كَيْفِيَّةَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى الخَلْقَ ابْتِداءً مِن مادَّةٍ، ومِن غَيْرِ مادَّةٍ، أيْ: قَدْ عَلِمُوا ذَلِكَ. وقُرِئَ: بِصِيغَةِ الخِطابِ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ وتَأْكِيدِهِ، وقُرِئَ: (يَبْدَأُ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ عَطْفٌ عَلى "أوْلَمَ يَرَوْا" لا عَلى "يُبْدِئُ" لِعَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ عَلَيْهِ، فَهو إخْبارٌ بِأنَّهُ تَعالى يُعِيدُ الخَلْقَ قِياسًا عَلى الإبْداءِ، وقَدْ جُوِّزَ العَطْفُ عَلى يُبْدِئُ بِتَأْوِيلِ الإعادَةِ بِإنْشائِهِ تَعالى كُلَّ سَنَةٍ مِثْلَ ما أنْشَأهُ في السَّنَةِ السّابِقَةِ مِنَ النَّباتِ والثِّمارِ وغَيْرِهِما. فَإنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ البَعْثِ، ووُقُوعِهِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ.

﴿إنَّ ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِنَ الإعادَةِ.

﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ إذْ لا يَفْتَقِرُ إلى شَيْءٍ أصْلًا.

29:20Page 398

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠

Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."

﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ﴾ أمْرٌ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ لَهم ذَلِكَ، أيْ: سِيرُوا فِيها.

﴿فانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الخَلْقَ﴾ أيْ: كَيْفَ خَلَقَهُمُ ابْتِداءً عَلى أطْوارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وطَبائِعَ مُتَغايِرَةٍ، وأخْلاقٍ شَتّى، فَإنَّ تَرْتِيبَ النَّظَرِ عَلى السَّيْرِ في الأرْضِ مُؤْذِنٌ بِتَتَبُّعِ أحْوالِ أصْنافِ الخَلْقِ القاطِنِينَ في أقْطارِها.

﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ بَعْدَ النَّشْأةِ الأُولى الَّتِي شاهَدْتُمُوها. والتَّعْبِيرُ عَنِ الإعادَةِ الَّتِي هي مَحَلُّ النِّزاعِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ المُشْعِرَةِ بِكَوْنِ البَدْءِ نَشْأةً أُولى لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُما شَأْنٌ واحِدٌ مِن شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى حَقِيقَةً، واسْمًا مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنهُما اخْتِراعٌ، وإخْراجٌ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُما إلّا بِالأوَّلِيَّةِ والآخِرِيَّةِ، وقُرِئَ: (النَّشاءَةَ) بِالمَدِّ. وهُما لُغَتانِ كالرَّأْفَةِ والرَّآفَةِ، ومَحَلُّها النَّصْبُ عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ "يُنْشِئُ" بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، والأصْلُ الإنْشاءَةُ. أوْ بِحَذْفِ العامِلِ، أيْ: يُنْشِئُ فَيَنْشَأُونَ النَّشْأةَ الآخِرَةَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "سِيرُوا في الأرْضِ" داخِلَةٌ مَعَها في حَيِّزِ القَوْلِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ، وإيقاعُهُ مُبْتَدَأً مَعَ إضْمارِهِ في بَدَأ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ تَحَقُّقِ الإعادَةِ بِالإشارَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ، وتَكْرِيرِ الإسْنادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْطِيلٌ لِما قَبْلَهُ بِطَرِيقِ التَّحْقِيقِ فَإنَّ مَن عَلِمَ قدرته تعالى عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإعادَةُ لا يَتَصَوَّرُ أنْ يَتَرَدَّدَ في قدرته عَلَيْها، ولا في وُقُوعِها بَعْدَ ما أخْبَرَ بِهِ.

29:21Page 398

يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١

He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.

﴿يُعَذِّبُ﴾ أيْ: بَعْدَ النَّشْأةِ الآخِرَةِ.

﴿مَن يَشاءُ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ، وهُمُ المُنْكِرُونَ لَها حَتْمًا.

﴿وَيَرْحَمُ مَن يَشاءُ﴾ أنْ يَرْحَمَهُ، وهُمُ المُصَدِّقُونَ بِها، والجُمْلَةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَّها، وتَقْدِيمُ التَّعْذِيبِ لِما أنَّ التَّرْهِيبَ أنْسَبُ بِالمَقامِ مِنَ التَّرْغِيبِ.

﴿وَإلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ لا إلى غَيْرِهِ فَيَفْعَلُ بِكم ما يَشاءُ مِنَ التَّعْذِيبِ والرَّحْمَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском