Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
غافر
Ghafir
The Forgiver · Meccan · 85 ayahs
( سُورَةُ غافِرٍ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها خَمْسٌ وثَمانُونَ آيَةً )
﴿حم﴾ بِتَفْخِيمِ الألِفِ، وتَسْكِينِ المِيمِ، وقُرِئَ بِإمالَةِ الألِفِ وبِإخْراجِها بَيْنَ بَيْنَ وبِفَتْحِ المِيمِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، أوْ نَصْبِها بِإضْمارِ اقْرَأْ ونَحْوِهِ، ومَنعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ، وكَوْنُها عَلى زِنَةِ قابِيلَ وهابِيلَ، وبَقِيَّةُ الكَلامِ فِيهِ.
40:2Page 467
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ٢
The revelation of the Book [i.e., the Qur’ān] is from Allāh, the Exalted in Might, the Knowing,
وَفي قَوْلِهِ تَعالى:
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ كالَّذِي سَلَفَ في الم السَّجْدَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ العَلِيمِ﴾ كَما في مَطْلَعِ سُورَةِ الزُّمَرِ في الوُجُوهِ كُلِّها، ووَجْهُ التَّعَرُّضِ لِنَعْتَيِ العِزَّةِ والعِلْمِ ما ذُكِرَ هُناكَ.
40:3Page 467
غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
The forgiver of sin, acceptor of repentance, severe in punishment, owner of abundance. There is no deity except Him; to Him is the destination.
﴿غافِرِ الذَّنْبِ وقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ إمّا صِفاتٌ أُخَرُ لِتَحْقِيقِ ما فِيها مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والحَثِّ عَلى ما هو المَقْصُودُ. والإضافَةُ فِيها حَقِيقِيَّةٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِها زَمانٌ مَخْصُوصٌ، وأُرِيدَ بِشَدِيدِ العِقابِ مُشَدِّدُهُ، أوِ الشَّدِيدُ عِقابُهُ بِحَذْفِ اللّامِ لِلِازْدِواجِ، وأمْنِ الِالتِباسِ، أوْ إبْدالٍ وجَعَلَهُ وحْدَهُ بَدَلًا كَما فَعَلَهُ الزَّجّاجُ مُشَوِّشٌ لِلنَّظْمِ. وتَوْسِيطُ الواوِ بَيْنَ الأوَّلَيْنِ لِإفادَةِ الجَمْعِ بَيْنَ مَحْوِ الذُّنُوبِ وقَبُولِ التَّوْبَةِ، أوْ تَغايُرِ الوَصْفَيْنِ إذْ رُبَّما يُتَوَهَّمُ الِاتِّحادُ، أوْ تَغايُرُ مَوْقِعِ الفِعْلَيْنِ؛ لِأنَّ الغَفْرَ هو السَّتْرُ مَعَ بَقاءِ الذَّنْبِ، وذَلِكَ لِمَن لَمْ يَتُبْ فَإنَّ التّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ كَمَن لا ذَنْبَ لَهُ. والتَّوْبُ مَصْدَرٌ كالتَّوْبَةِ، وقِيلَ: هو جَمْعُها، والطَّوْلُ الفَضْلُ بِتَرْكِ العِقابِ المُسْتَحَقِّ، وفي تَوْحِيدِ صِفَةِ العَذابِ مَغْمُورَةً بِصِفاتِ الرَّحْمَةِ دَلِيلُ سَبْقِها (p-266)وَرُجِّحا بِها.
﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ فَيَجِبُ الإقْبالُ الكُلِّيُّ عَلى طاعَتِهِ في أوامِرِهِ ونَواهِيهِ.
﴿إلَيْهِ المَصِيرُ﴾ فَحَسْبُ لا إلى غَيْرِهِ، لا اسْتِقْلالًا، ولا اشْتِراكًا، فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ المُطِيعِ والعاصِي.
40:4Page 467
مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ٤
No one disputes concerning the signs of Allāh except those who disbelieve, so be not deceived by their [uninhibited] movement throughout the land.
﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِالطَّعْنِ فِيها، واسْتِعْمالُ المُقَدِّماتِ الباطِلَةِ لِإدْحاضِ الحَقِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ .
﴿إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بِها، وأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَلا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ شائِبَةُ شُبْهَةٍ مِنها فَضْلًا عَنِ الطَّعْنِ فِيها، وأمّا الجِدالُ فِيها لِحَلِّ مُشْكِلاتِها، وكَشْفِ مُعْضِلاتِها، واسْتِنْباطِ حَقائِقِها الكُلِّيَّةِ، وتَوْضِيحِ مَناهِجِ الحَقِّ في مَضايِقِ الأفْهامِ، ومَزالِقِ الأقْدامِ، وإبْطالِ شَبَهِ أهْلِ الزَّيْغِ والضَّلالِ فَمِن أعْظَمِ الطّاعاتِ. ولِذَلِكَ قالَ ﷺ: ﴿إنَّ جِدالًا في القرآن كُفْرٌ﴾ . بِالتَّنْكِيرِ لِلْفَرْقِ بَيْنَ جِدالٍ وجِدالٍ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهم في البِلادِ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ، أوْ وُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَلى ما قَبْلَها مِنَ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ الَّذِي لا شَيْءَ أمْقَتُ مِنهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ولا أجْلَبُ لِخُسْرانِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ مَن تَحَقَّقَ ذَلِكَ لا يَكادُ يَغْتَرُّ بِما لَهم مِن حُظُوظِ الدُّنْيا، وزَخارِفِها، فَإنَّهم مَأْخُوذُونَ عَمّا قَلِيلِ أخْذٍ مِن قِبَلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
40:5Page 467
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٥
The people of Noah denied before them and the [disbelieving] factions after them, and every nation intended [a plot] for their messenger to seize him, and they disputed by [using] falsehood to [attempt to] invalidate thereby the truth. So I seized them, and how [terrible] was My penalty.
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهم قَوْمُ نُوحٍ والأحْزابُ مِن بَعْدِهِمْ﴾ أيِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلى الرُّسُلِ، وناصَبُوهم بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ مِثْلُ عادٍ وثَمُودَ وأضْرابِهِمْ.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ﴾ مِن تِلْكَ الأُمَمِ العاتِيَةِ.
﴿بِرَسُولِهِمْ﴾ وقُرِئَ: ( بِرَسُولِها ) ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ لِيَتَمَكَّنُوا مِنهُ فَيُصِيبُوا بِهِ ما أرادُوا مِنِ تَعْذِيبٍ، أوْ قَتْلٍ مِنَ الأخْذِ بِمَعْنى الأسْرِ.
﴿وَجادَلُوا بِالباطِلِ﴾ الَّذِي لا أصْلَ، ولا حَقِيقَةَ لَهُ أصْلًا.
﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الحَقَّ﴾ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ، كَما فَعَلَ هَؤُلاءِ.
﴿فَأخَذْتُهُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ﴿فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ الَّذِي عاقَبْتُهم بِهِ فَإنَّ آثارَ دَمارِهِمْ عِبْرَةٌ لِلنّاظِرِينَ، ولَآخُذَنَّ هَؤُلاءِ أيْضًا لِاتِّحادِهِمْ في الطَّرِيقَةِ، واشْتِراكِهِمْ في الجَرِيرَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
40:6Page 467
وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٦
And thus has the word [i.e., decree] of your Lord come into effect upon those who disbelieved that they are companions of the Fire.
﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ أيْ: كَما وجَبَ وثَبَتَ حُكْمُهُ تَعالى، وقَضاؤُهُ بِالتَّعْذِيبِ عَلى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ المُتَحَزِّبَةِ عَلى رُسُلِهِمْ، المُجادِلَةِ بِالباطِلِ لِإدْحاضِ الحَقِّ بِهِ وجَبَ أيْضًا ﴿عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: كَفَرُوا بِكَ، وتَحَزَّبُوا عَلَيْكَ، وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إضافَةُ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ . فَإنَّ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّ وُجُوبَ كَلِمَةِ العَذابِ عَلَيْهِمْ مِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها نُصْرَتُهُ ﷺ، وتَعْذِيبُ أعْدائِهِ، وذَلِكَ إنَّما يَتَحَقَّقُ بِكَوْنِ المَوْصُولِ عِبارَةً عَنْ كُفّارِ قَوْمِهِ لا عَنِ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنَّهم أصْحابُ النّارِ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ، أيْ: لِأنَّهم مُسْتَحِقُّو أشَدِّ العُقُوباتِ، وأفْظَعِها الَّتِي هي عَذابُ النّارِ، ومُلازِمُوها أبَدًا لِكَوْنِهِمْ كُفّارًا مُعانِدِينَ مُتَحَزِّبِينَ عَلى الرَّسُولِ ﷺ كَدَأْبٍ مِن قَبْلِهِمْ مِنَ الأُمَمِ المُهْلِكَةِ، فَهم لِسائِرِ فُنُونِ العُقُوباتِ أشَدُّ اسْتِحْقاقًا، وأحَقُّ اسْتِيجابًا، وقِيلَ: هو في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن كَلِمَةِ رَبِّكَ، والمَعْنى مِثْلُ ذَلِكَ (p-267)الوُجُوبِ وجَبَ عَلى الكَفَرَةِ المُهْلَكَةِ كَوْنُهم مِن أصْحابِ النّارِ، أيْ: كَما وجَبَ إهْلاكُهم في الدُّنْيا بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ كَذَلِكَ وجَبَ تَعْذِيبُهم بِعَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ، ومَحَلُّ الكافِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
40:7Page 467
ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ٧
Those [angels] who carry the Throne and those around it exalt [Allāh] with praise of their Lord and believe in Him and ask forgiveness for those who have believed, [saying], "Our Lord, You have encompassed all things in mercy and knowledge, so forgive those who have repented and followed Your way and protect them from the punishment of Hellfire.
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ﴾ وهم أعْلى طَبَقاتِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وأوَّلُهم وُجُودًا، وحَمْلُهم إيّاهُ وحَفِيفُهم حَوْلَهُ مَجازٌ عَنْ حِفْظِهِمْ وتَدْبِيرِهِمْ لَهُ، وكِنايَةٌ عَنْ زُلْفاهم مِن ذِي العَرْشِ جَلَّ جَلالُهُ، ومَكانَتِهِمْ عِنْدَهُ، ومَحَلُّ المَوْصُولِ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ.
﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِبَيانِ أنَّ أشْرافَ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُثابِرُونَ عَلى وِلايَةِ مَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ ونُصْرَتِهِمْ واسْتِدْعاءِ ما يُسْعِدُهم في الدّارَيْنِ، أيْ: يُنَزِّهُونَهُ تَعالى عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي لا تَتَناهى.
﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إيمانًا حَقِيقًا بِحالِهِمْ، والتَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ الغِنى عَنْ ذِكْرِهِ رَأْسًا لِإظْهارِ فَضِيلَةِ الإيمانِ، وإبْرازِ شَرَفِ أهْلِهِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ دُعائِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَإنَّ المُشارَكَةَ في الإيمانِ أقْوى المُناسَباتِ وأتَمُّها، وأدْعى الدَّواعِي إلى النُّصْحِ والشَّفَقَةِ، وفي نَظْمِ اسْتِغْفارِهِمْ لَهم في سِلْكِ وظائِفِهِمُ المَفْرُوضَةِ عَلَيْهِمْ مِن تَسْبِيحِهِمْ وتَحْمِيدِهِمْ وإيمانِهِمْ إيذانٌ بِكَمالِ اعْتِنائِهِمْ بِهِ، وإشْعارٌ بِوُقُوعِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى في مَوْقِعِ القَبُولِ. رُوِيَ أنَّ حَمَلَةَ العَرْشِ أرْجُلُهم في الأرْضِ السُّفْلى، ورُءُوسُهم قَدْ خَرَقَتِ العَرْشَ، وهم خُشُوعٌ لا يَرْفَعُونَ طَرْفَهم. وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿لا تَتَفَكَّرُوا في عِظَمِ رَبِّكم ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَإنَّ خَلْقًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُ إسْرافِيلُ زاوِيَةٌ مِن زَوايا العَرْشِ عَلى كاهِلِهِ، وقَدَماهُ في الأرْضِ السُّفْلى، وقَدُ مَرَقَ رَأْسُهُ مِن سَبْعِ سَماواتٍ وإنَّهُ لَيَتَضاءَلُ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ الوَضْعُ﴾ . وفي الحَدِيثِ: ﴿أنَّ اللَّهَ أمَرَ جَمِيعَ المَلائِكَةِ أنْ يَغْدُوا ويَرُوحُوا بِالسَّلامِ عَلى حَمَلَةِ العَرْشِ تَفْضِيلًا لَهم عَلى سائِرِ المَلائِكَةِ﴾ . وقِيلَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى العَرْشَ مِن جَوْهَرَةٍ خَضْراءَ، وبَيْنَ القائِمَتَيْنِ مِن قَوائِمِهِ خَفَقانُ الطَّيْرِ المُسْرِعِ ثَمانِينَ ألْفَ عامٍ، وقِيلَ: حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ مِنَ المَلائِكَةِ يَطُوفُونَ بِهِ مُهَلِّلِينَ مُكَبِّرِينَ، ومِن ورائِهِمْ سَبْعُونَ ألْفَ صَفٍّ قِيامٌ قَدْ وضَعُوا أيْدِيَهم عَلى عَواتِقِهِمْ رافِعِينَ أصْواتَهم بِالتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ، ومِن ورائِهِمْ مِائَةُ ألْفِ صَفٍّ قَدْ وضَعُوا أيْمانَهم عَلى الشَّمائِلِ ما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِما لا يُسَبِّحُ بِهِ الآخَرُ.
﴿رَبَّنا﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ أيْ: يَقُولُونَ رَبَّنا عَلى أنَّهُ إمّا بَيانٌ لِاسْتِغْفارِهِمْ، أوْ حالٌ.
﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْمًا﴾ أيْ: وسِعَتْ رَحْمَتُكَ وعِلْمُكَ، فَأُزِيلَ عَنْ أصْلِهِ لِلْإغْراقِ في وصْفِهِ تَعالى بِالرَّحْمَةِ والعِلْمِ، والمُبالَغَةِ في عُمُومِهِما، وتَقْدِيمُ الرَّحْمَةِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ هَهُنا. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ أيْ: لِلَّذِينِ عَلِمْتَ مِنهُمُ التَّوْبَةَ واتِّباعَ سَبِيلِ الحَقِّ لِتَرْتِيبِ الدُّعاءِ عَلى ما قَبْلَها مِن سِعَةِ الرَّحْمَةِ والعِلْمِ.
﴿وَقِهِمْ عَذابَ الجحيم﴾ واحْفَظْهم عَنْهُ، وهو تَصْرِيحٌ بَعْدَ إشْعارٍ لِلتَّأْكِيدِ.
40:8Page 468
رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٨
Our Lord, and admit them to gardens of perpetual residence which You have promised them and whoever was righteous among their forefathers, their spouses and their offspring. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise.
(p-268)﴿رَبَّنا وأدْخِلْهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "قِهِمْ"، وتَوْسِيطُ النِّداءِ بَيْنَهُما لِلْمُبالَغَةِ في الجُؤارِ.
﴿جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ أيْ: وعَدْتَهم إيّاها، وقُرِئَ: ( جَنَّةَ عَدْنٍ ) ﴿وَمَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ أيْ: صَلاحًا مُصَحَّحًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ في الجُمْلَةِ، وإنْ كانَ دُونَ صَلاحِ أُصُولِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ الأوَّلِ، أيْ: وأدْخِلْها مَعَهم هَؤُلاءِ لِيَتِمَّ سُرُورُهُمْ، ويَتَضاعَفَ ابْتِهاجُهم. أوْ عَلى الثّانِي لَكِنْ لا بِناءً عَلى الوَعْدِ العامِّ لِلْكُلِّ كَما قِيلَ. إذْ لا يَقِي حِينَئِذٍ لِلْعَطْفِ وجْهٌ بَلْ بِناءً عَلى الوَعْدِ الخاصِّ بِهِمْ، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ بِأنْ يَكُونُوا أعْلى دَرَجَةً مِن ذُرِّيَّتِهِمْ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يَدْخُلُ المُؤْمِنُ الجَنَّةَ فَيَقُولُ: أيْنَ أبِي ؟ أيْنَ ولَدِي ؟ أيْنَ زَوْجِي ؟ فَيُقالُ: إنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا مِثْلَ عَمَلِكَ. فَيَقُولُ: إنِّي كُنْتُ أعْمَلُ لِي ولَهم. فَيُقالُ: أدْخِلُوهُمُ الجَنَّةَ. وسَبْقُ الوَعْدِ بِالإدْخالِ والإلْحاقِ لا يَسْتَدْعِي حُصُولَ المَوْعُودِ بِلا تَوَسُّطِ شَفاعَةٍ واسْتِغْفارٍ، وعَلَيْهِ مَبْنى قَوْلِ مَن قالَ: فائِدَةُ الِاسْتِغْفارِ زِيادَةُ الكَرامَةِ والثَّوابِ، والأوَّلُ هو الأوْلى؛ لِأنَّ الدُّعاءَ بِالإدْخالِ فِيهِ صَرِيحٌ، وفي الثّانِي ضِمْنِيٌّ. وقُرِئَ: ( صَلُحَ ) بِالضَّمِ، و ( ذَرِّيَّتِهِمُ ) بِالإفْرادِ.
﴿إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ﴾ أيِ: الغالِبُ الَّذِي لا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مَقْدُورٌ.
﴿الحَكِيمُ﴾ أيِ: الَّذِي لا يَفْعَلُ إلّا ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ الباهِرَةُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إنْجازُ الوَعْدِ، فالجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها.
40:9Page 468
وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
And protect them from the evil consequences [of their deeds]. And he whom You protect from evil consequences that Day - You will have given him mercy. And that is the great attainment."
﴿وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ﴾ أيِ: العُقُوباتُ؛ لِأنَّ جَزاءَ السَّيِّئَةِ سَيِّئَةٌ مِثْلُها. أوْ جَزاءَ السَّيِّئاتِ عَلى حَذْفِ المُضافِ، وهو تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ، أوْ مَخْصُوصٌ بِالِاتِّباعِ، أوِ المَعاصِي في الدُّنْيا فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ ومَن تَقِهِ المَعاصِيَ في الدُّنْيا فَقَدْ رَحِمْتَهُ في الآخِرَةِ، كَأنَّهم طَلَبُوا لَهُمُ السَّبَبَ بَعْدَ ما سَألُوا المُسَبِّبَ.
﴿وَذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ المَفْهُومَةِ مِن رَحْمَتَهُ، أوْ إلَيْها وإلى الوِقايَةِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِما مَرَّ مِرارًا مِنَ الإشْعارِ بِبُعْدِ دَرَجَةِ المُشارِ إلَيْهِ.
﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الَّذِي لا مَطْمَعَ وراءَهُ لِطامِعٍ.
40:10Page 468
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ ١٠
Indeed, those who disbelieve will be addressed, "The hatred of Allāh for you was [even] greater than your hatred of yourselves [this Day in Hell] when you were invited to faith, but you disbelieved [i.e., refused]."
﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ دُخُولِ النّارِ بَعْدَما بَيَّنَ فِيما سَبَقَ أنَّهم أصْحابُ النّارِ.
﴿يُنادَوْنَ﴾ أيْ: مِن مَكانٍ بَعِيدٍ. وهم في النّارِ، وقَدْ مَقَتُوا أنْفُسَهُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ الَّتِي وقَعُوا فِيما وقَعُوا بِاتِّباعِ هَواها، أوْ مَقَتَ بَعْضُهم بَعْضًا مِنَ الأحْبابِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ أيْ: أبْغَضُوها أشَدَّ البُغْضِ، وأنْكَرُوها أبْلَغَ الإنْكارِ، وأظْهَرُوا ذَلِكَ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، فَيُقالُ لَهم عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لَمَقْتُ اللَّهِ أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ بِالسُّوءِ، أوْ مَقْتُهُ إيّاكم في الدُّنْيا.
﴿إذْ تُدْعَوْنَ﴾ مِن جِهَةِ الأنْبِياءِ.
﴿إلى الإيمانِ﴾ فَتَأْبَوْنَ قَبُولَهُ ﴿فَتَكْفُرُونَ﴾ اتِّباعًا لِأنْفُسِكُمُ الأمّارَةِ، ومُسارَعَةً إلى هَواها، أوِ اقْتِداءً بِأخِلّائِكُمُ المُضِلِّينَ، واسْتِحْبابًا لِآرائِهِمْ أكْبَرَ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكُمُ الأمّارَةَ، أوْ مِن مَقْتِ بَعْضِكم بَعْضًا (p-269)اليَوْمَ، "فَإذا" ظَرْفٌ لِلْمَقْتِ الأوَّلِ، وإنْ تَوَسَّطَ بَيْنَهُما الخَبَرُ لِما في الظُّرُوفِ مِنَ الِاتِّساعِ، وقِيلَ: لِمَصْدَرٍ آخَرَ مُقَدَّرٍ، أيْ: مَقْتُهُ إيّاكم إذْ تَدْعُونَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِـ "اذْكُرُوا" والأوَّلُ هو الوَجْهُ. وقِيلَ: كِلا المَقْتَيْنِ في الآخِرَةِ، و "إذْ تُدْعَوْنَ" تَعْلِيلٌ لِما بَيْنَ الظَّرْفِ والسَّبَبِ مِن عَلاقَةِ اللُّزُومِ، والمَعْنى لَمَقْتُ اللَّهِ إيّاكُمُ الآنَ أكْبَرُ مِن مَقْتِكم أنْفُسَكم لِما كُنْتُمُ تُدْعَوْنَ إلى الإيمانِ فَتَكْفُرُونَ، وتَخْصِيصُ هَذا الوَجْهِ بِصُورَةِ كَوْنِ المُرادِ بِأنْفُسِهِمْ أضْرابَهم مِمّا لا داعِيَ إلَيْهِ.
40:11Page 468
قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ ١١
They will say, "Our Lord, You made us lifeless twice and gave us life twice, and we have confessed our sins. So is there to an exit any way?"
﴿قالُوا رَبَّنا أمَتَّنا اثْنَتَيْنِ وأحْيَيْتَنا اثْنَتَيْنِ﴾ صِفَتانِ لِمَصْدَرَيِ الفِعْلَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: إماتَتَيْنِ وإحْياءَتَيْنِ، أوْ مَوْتَتَيْنِ وحَياتَيْنِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ لَهُما أيْضًا بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أوْ لِفِعْلَيْنِ يَدُلُّ عَلَيْهِما المَذْكُورانِ. فَإنَّ الإماتَةَ والإحْياءَ يَنْبَثّانِ عَنِ المَوْتِ والحَياةِ حَتْمًا كَأنَّهُ قِيلَ: أمَتَّنا فَمُتْنا مَوْتَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، وأحْيَيْتَنا فَحَيِينا حَياتَيْنِ اثْنَتَيْنِ، عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وعَضَّةُ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ *** مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يَبْقَ إلّا مُسْحَتٌ. . . إلَخْ. قِيلَ: أرادُوا بِالأمانَةِ الأُولى خَلْقَهم أمْواتًا، وبِالثّانِيَةِ إماتَتَهم عِنْدَ انْقِضاءِ آجالِهِمْ. عَلى أنَّ الإماتَةَ جَعْلُ الشَّيْءِ عادِمَ الحَياةِ أعَمَّ مِن أنْ يَكُونَ بِإنْشائِهِ كَذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِمْ سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ وكَبَّرَ الفِيلَ، أوْ بِجَعْلِهِ كَذَلِكَ بَعْدَ الحَياةِ وبِالإحْياءَيْنِ الإحْياءِ الأوَّلِ، وإحْياءِ البَعْثِ. وقِيلَ: أرادُوا بِالإماتَةِ الأُولى ما بَعْدَ حَياةِ الدُّنْيا، وبِالثّانِيَةِ ما بَعْدَ حَياةِ القَبْرِ، وبِالإحْياءَيْنِ ما في القَبْرِ، وما عِنْدَ البَعْثِ، وهو الأنْسَبُ بِحالِهِمْ. وأمّا حَدِيثُ لُزُومِ الزِّيادَةِ عَلى النَّصِّ ضَرُورَةَ تَحَقُّقِ حَياةِ الدُّنْيا فَمَدْفُوعٌ لَكِنْ لا بِما قِيلَ مِن عَدَمِ اعْتِدادِهِمْ بِها لِزَوالِها وانْقِضائِها، وانْقِطاعِ آثارِها وأحْكامِها، بَلْ بِأنَّ مَقْصُودَهم إحْداثُ الِاعْتِرافِ بِما كانُوا يُنْكِرُونَهُ في الدُّنْيا، كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿فاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا﴾ والتِزامُ العَمَلِ بِمُوجِبِ ذَلِكَ الِاعْتِرافِ لِيَتَوَسَّلُوا بِذَلِكَ إلى ما عَلَّقُوا بِهِ أطْماعَهُمُ الفارِغَةَ مِنَ الرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، كَما قَدْ صَرَّحُوا بِهِ حَيْثُ قالُوا فارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحًا إنّا مُوقِنُونَ، وهو الَّذِي أرادُوهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مِن سَبِيلٍ﴾ مَعَ نَوْعِ اسْتِبْعادٍ لَهُ، واسْتِشْعارِ يَأْسٍ مِنهُ، لا أنَّهم قالُوهُ بِطَرِيقِ القُنُوطِ البَحْتِ، كَما قِيلِ. ولا رَيْبَ في أنَّ الَّذِي كانَ يُنْكِرُونَهُ، ويُفَرِّعُونَ عَلَيْهِ فُنُونَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لَيْسَ إلّا الإحْياءَ بَعْدَ المَوْتِ، وأمّا الإحْياءُ الأوَّلُ فَلَمْ يَكُونُوا يُنْكِرُونَهُ لِيَنْظِمُوهُ في سِلْكِ ما اعْتَرَفُوا بِهِ، وزَعَمُوا أنَّ الِاعْتِرافَ يُجْدِيهِمْ نَفْعًا، وإنَّما ذَكَرُوا المَوْتَةَ الأُولى مَعَ كَوْنِهِمْ مُعْتَرِفِينَ بِها في الدُّنْيا لِتَوَقُّفِ حَياةِ القَبْرِ عَلَيْها، وكَذا حالُ المَوْتَةِ في القَبْرِ فَإنَّ مَقْصِدَهُمُ الأصْلِيَّ هو الِاعْتِرافُ بِالإحْياءَيْنِ، وإنَّما ذَكَرُوا الإماتَتَيْنِ لِتَرْتِيبِهِما عَلَيْهِما ذِكْرًا حَسَبَ تَرْتِيبِهِما عَلَيْهِما وُجُودًا، وتَنْكِيرُ سَبِيلٍ لِلْإبْهامِ، أيْ: مِن سَبِيلِ ما كَيْفَما كانَ. وقَوْلُهُ تَعالى:
40:12Page 468
ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ ١٢
[They will be told], "That is because, when Allāh was called upon alone, you disbelieved; but if others were associated with Him, you believed. So the judgement is with Allāh, the Most High, the Grand."
﴿ذَلِكُمْ﴾ . . . إلَخْ. جَوابٌ لَهم بِاسْتِحالَةِ حُصُولِ ما يَرْجُونَهُ بِبَيانِ ما يُوجِبُها مِن أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ، أيْ: ذَلِكُمُ الَّذِي أنْتُمُ فِيهِ مِنَ العَذابِ مُطْلَقًا لا مُقَيَّدًا بِالخُلُودِ، كَما قِيلَ.
﴿بِأنَّهُ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنَّ الشَّأْنَ.
﴿إذا دُعِيَ اللَّهُ﴾ في الدُّنْيا، أيْ: عُبِدَ.
﴿وَحْدَهُ﴾ أيْ: مُنْفَرِدًا.
﴿كَفَرْتُمْ﴾ أيْ: بِتَوْحِيدِهِ. (p-270)﴿وَإنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ أيْ: بِالإشْراكِ بِهِ، وتُسارِعُوا فِيهِ، وفي إيرادِ إذا، وصِيغَةِ الماضِي في الشُّرْطِيَّةِ الأُولى، وإنْ وصِيغَةِ المُضارِعِ في الثّانِيَةِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وحَيْثُ كانَ حالُكم كَذَلِكَ.
﴿فالحُكْمُ لِلَّهِ﴾ الَّذِي لا يَحْكُمُ إلّا بِالحَقِّ، ولا يَقْضِي إلّا بِما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿العَلِيِّ الكَبِيرِ﴾ الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ في ذاتِهِ، ولا في صِفاتِهِ، ولا في أفْعالِهِ يَفْعَلُ ما يَشاءُ ويَحْكُمُ ما يُرِيدُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وقَدْ حَكَمَ بِأنَّهُ لا مَغْفِرَةَ لِلْمُشْرِكِ ولا نِهايَةَ لِعُقُوبَتِهِ، كَما لا نِهايَةَ لِشَناعَتِهِ، فَلا سَبِيلَ لَكم إلى الخُرُوجِ أبَدًا.
40:13Page 468
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣
It is He who shows you His signs and sends down to you from the sky, provision. But none will remember except he who turns back [in repentance].
﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكم آياتِهِ﴾ الدّالَّةَ عَلى شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ المُوجِبَةِ لِتَفَرُّدِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ، لِتَسْتَدِلُّوا بِها عَلى ذَلِكَ، وتَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَتُوَحِّدُوهُ تَعالى وتَخُصُّوهُ بِالعِبادَةِ.
﴿وَيُنَزِّلُ﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وقُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الإنْزالِ.
﴿لَكم مِنَ السَّماءِ رِزْقًا﴾ أيْ: سَبَبَ رِزْقٍ، وهو المَطَرُ. وإفْرادُهُ بِالذِّكْرِ مَعَ كَوْنِهِ مِن جُمْلَةِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قدرته تعالى لِتَفَرُّدِهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ مِن آثارِ رَحْمَتِهِ، وجَلائِلَ نِعْمَتِهِ المُوجِبَةِ لِلشُّكْرِ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في الفِعْلَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ الإراءَةِ والتَّنْزِيلِ واسْتِمْرارِهِما. وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ لِما مَرَّ غَيْرَ مُرَّةٍ.
﴿وَما يَتَذَكَّرُ﴾ بِتِلْكَ الآياتِ الباهِرَةِ، ولا يَعْمَلُ بِمُقْتَضاها.
﴿إلا مَن يُنِيبُ﴾ إلى اللَّهِ تَعالى، ويَتَفَكَّرُ فِيما أوْدَعَهُ في تَضاعِيفِ مَصْنُوعاتِهِ مِن شَواهِدِ قدرته الكامِلَةِ، ونِعْمَتِهِ الشّامِلَةِ المُوجِبَةِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ تَعالى، ومَن لَيْسَ كَذَلِكَ فَهو بِمَعْزِلٍ مِنَ التَّذَكُّرِ والِاتِّعاظِ.
40:14Page 468
فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ١٤
So invoke Allāh, [being] sincere to Him in religion, although the disbelievers dislike it.
﴿فادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِنِ اخْتِصاصِ التَّذَكُّرِ بِمَن يُنِيبُ فاعْبُدُوهُ أيُّها المُؤْمِنُونَ مُخْلِصِينَ لَهُ دِينَكم بِمُوجِبِ إنابَتِكم إلَيْهِ تَعالى وإيمانِكم بِهِ.
﴿وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ ذَلِكَ وغاظَهم إخْلاصُكم.
40:15Page 468
رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ ١٥
[He is] the Exalted above [all] degrees, Owner of the Throne; He places the inspiration of His command [i.e., revelation] upon whom He wills of His servants to warn of the Day of Meeting.
﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ﴾ نَحْوَ بَدِيعِ السَّماواتِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ أُضِيفَتْ إلى فاعِلِها بَعْدَ النَّقْلِ إلى فَعُلَ بِالضَّمِّ، كَما هو المَشْهُورُ. وتَفْسِيرُهُ بِالرّافِعِ لِيَكُونَ مِن إضافَةِ اسْمِ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ بَعِيدٌ في الِاسْتِعْمالِ، أيْ: رَفِيعُ دَرَجاتِ مَلائِكَتِهِ، أيْ: مَعارِجِهِمْ ومَصاعِدِهِمْ إلى العَرْشِ.
﴿ذُو العَرْشِ﴾ أيْ: مالِكُهُ. وهُما خَبَرانِ آخَرانِ لِقَوْلِهِ تَعالى، هو أخْبَرَ عَنْهُ بِهِما إيذانًا بِعُلُوِّ شَأْنِهِ تَعالى، وعِظَمِ سُلْطانِهِ المُوجِبَيْنِ لِتَخْصِيصِ العِبادَةِ بِهِ، وإخْلاصِ الدِّينِ لَهُ إمّا بِطْرِيقِ الِاسْتِشْهادِ بِهِما عَلَيْهِما فَإنَّ ارْتِفاعَ مَعارِجِ مَلائِكَتِهِ إلى العَرْشِ، وكَوْنَ العَرْشِ العَظِيمِ المُحِيطِ بِأكْنافِ العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ وقَبْضَةِ قدرته، مِمّا يَقْضِي بِكَوْنِ عُلُوِّ شَأْنِهِ وعِظَمِ سُلْطانِهِ فِيهِ لا غايَةَ وراءَها، وإمّا بِجَعْلِهِما عِبارَةً عَنْهُما بِطَرِيقِ المَجازِ المُتَفَرِّعِ عَلى الكِنايَةِ، كالِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، وتَمْهِيدًا لِما يَعْقُبُهُما مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِن أمْرِهِ﴾ فَإنَّهُ خَبَرٌ آخَرُ لِما ذُكِرَ مُنْبِئٌ عَنْ إنْزالِ الرِّزْقِ الرُّوحانِيِّ الَّذِي هو الوَحْيُ بَعْدَ بَيانِ إنْزالِ الرِّزْقِ الجُسْمانِيِّ الَّذِي هو المَطَرُ، أيْ: يُنْزِلُ الوَحْيَ الجارِيَ مِنَ القُلُوبِ مَنزِلَةَ الرُّوحِ مِنَ الأجْسادِ. وقَوْلُهُ (p-271)تَعالى: مِن أمْرِهِ بَيانٌ لِلرُّوحِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الوَحْيُ فَإنَّهُ أمْرٌ بِالخَيْرِ، أوْ حالٌ مِنهُ، أيْ: حالَ كَوْنِهِ ناشِئًا. ومُبْتَدَأٌ مِن أمْرِهِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ عَلى رَأْيِ مَن يُجَوِّزُ حَذَفَ المَوْصُولِ مَعَ بَعْضِ صِلَتِهِ، أيِ: الرُّوحَ الكائِنَ مِن أمْرِهِ. أوْ مُتَعَلِّقٌ بِباقِي، و "مِن" لِلسَّبَبِيَّةِ كالباءِ مِثْلُ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ﴾ أيْ: يُلْقِي الوَحْيَ بِسَبَبِ أمْرِهِ.
﴿عَلى مَن يَشاءُ مَن عِبادِهِ﴾ وهو الَّذِي اصْطَفاهُ لِرِسالَتِهِ وتَبْلِيغِ أحْكامِهِ إلَيْهِمْ.
﴿لِيُنْذِرَ﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى، أوِ المُلْقى عَلَيْهِ، أوِ الرُّوحُ. وقُرِئَ: ( لِتُنْذِرَ ) عَلى أنَّ الفاعِلَ هو الرَّسُولُ ﷺ، أوِ الرُّوحُ؛ لِأنَّها قَدْ تُؤَنَّثُ.
﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ إمّا ظَرْفٌ لِلْمَفْعُولِ الثّانِي، أيْ: لِيُنْذِرَ النّاسُ العَذابَ يَوْمَ التَّلاقِ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ؛ لِأنَّهُ يَتَلاقى فِيهِ الأرْواحُ والأجْسامُ وأهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ، أوْ هو المَفْعُولُ الثّانِي اتِّساعًا أوْ أصالَةً فَإنَّهُ مِن شِدَّةِ هَوْلِهِ وفَظاعَتِهِ حَقِيقٌ بِالإنْذارِ أصالَةً، وقُرِئَ: ( لِيُنْذَرَ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ ورَفْعِ اليَوْمِ.
40:16Page 468
يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ١٦
The Day they come forth nothing concerning them will be concealed from Allāh. To whom belongs [all] sovereignty this Day? To Allāh, the One, the Prevailing.1
﴿يَوْمَ هم بارِزُونَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمِ التَّلاقِ، أيْ: خارِجُونَ مِن قُبُورِهِمْ، أوْ ظاهِرُونَ لا يَسْتُرُهم شَيْءٌ مِن جَبَلٍ أوْ أكَمَةٍ أوْ بِناءٍ، لِكَوْنِ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ قاعًا صَفْصَفًا، ولا عَلَيْهِمْ ثِيابٌ إنَّما هم عُراةٌ مَكْشُوفُونَ، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: ﴿يُحْشَرُونَ عُراةً حُفّاهُ غُرْلًا﴾ . وقِيلَ: ظاهِرَةُ نُفُوسِهِمْ لا تَحَجُّبُهم غَواشِي الأبْدانِ، أوْ أعْمالُهم وسَرائِرُهم.
﴿لا يَخْفى عَلى اللَّهِ مِنهم شَيْءٌ﴾ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ بُرُوزِهِمْ، وتَقْرِيرٌ لَهُ وإزاحَةٌ لِما كانَ يَتَوَهَّمَهُ المُتَوَهِّمُونَ في الدُّنْيا مِنَ الِاسْتِنارِ تَوَهُّمًا باطِلًا، أوْ خَبَرٌ ثانٍ. وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِ بارِزُونَ، أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ما مِن أعْيانِهِمْ وأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمُ الجَلِيَّةِ والخَفِيَّةِ السّابِقَةِ واللّاحِقَةِ.
﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ﴾ حِكايَةٌ لِما يَقَعُ حِينَئِذٍ مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ بِتَقْدِيرِ قَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الجُمْلَةِ المَنفِيَّةِ المُسْتَأْنِفَةِ، أوْ مُسْتَأْنِفٌ يَقَعُ جَوابًا عَنْ سُؤالِ نَشَأ مِن حِكايَةِ بُرُوزِهِمْ، وظُهُورِ أحْوالِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَكُونُ حِينَئِذٍ ؟ فَقِيلَ: يُقالُ. . . إلَخْ. أيْ: يُنادِي مُنادٍ: لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ ؟ فَيُجِيبُهُ أهْلُ المَحْشَرِ: لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ: المُجِيبُ هو السّائِلُ بِعَيْنِهِ لِما رُوِيَ أنَّهُ يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلائِقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ في أرْضٍ بَيْضاءَ، كَأنَّها سَبِيكَةُ فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ فِيها قَطُّ، فَأوَّلُ ما يَتَكَلَّمُ بِهِ أنْ يُنادِيَ مُنادٍ لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ: حِكايَةً لِما يَنْطِقُ بِهِ لِسانُ الحالِ مِن تَقَطُّعِ أسْبابٍ لِلتَّصَرُّفاتِ المَجازِيَّةِ، واخْتِصاصِ جَمِيعِ الأفاعِيلِ بِقَبْضَةِ القُدْرَةِ الإلَهِيَّةِ.
40:17Page 469
ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٧
This Day every soul will be recompensed for what it earned. No injustice today! Indeed, Allāh is swift in account.
﴿اليَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ﴾ . . . إلَخْ. إمّا مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ لِبَيانِ حُكْمِ اخْتِصاصِ المُلْكِ بِهِ تَعالى، ونَتِيجَتِهِ الَّتِي هي الحُكْمِ السَّوِيُّ، والقَضاءُ الحَقُّ، أوْ حِكايَةً لِما سَيَقُولُهُ تَعالى يَوْمَئِذٍ عَقِيبَ السُّؤالِ والجَوابِ، أيْ: تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ الفاجِرَةِ بِما كَسَبَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
﴿لا ظُلْمَ اليَوْمَ﴾ بِنَقْصِ ثَوابٍ أوْ زِيادَةِ عَذابٍ.
﴿إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ: سَرِيعٌ حِسابُهُ تَمامًا، إذْ لا يَشْغَلُهُ تَعالى شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ قاطِبَةً في أقْرَبِ زَمانٍ، كَما نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ تَعالى إذا أخَذَ في حِسابِهِمْ لَمْ يَقُلْ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا فِيها ولا أهْلُ النّارِ إلّا فِيها، فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "اليَوْمَ تُجْزى﴾ . . . إلَخْ. فَإنَّ كَوْنَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَيْنِهِ يَوْمَ التَّلاقِي ويَوْمَ البُرُوزِ، رُبَّما يُوهِمُ اسْتِبْعادَ وُقُوعِ الكُلِّ (p-272)فِيهِ أوْ سَرِيعٌ مَجِيئًا فَيَكُونُ تَعْلِيلًا لِلْإنْذارِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences