Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الجمعة
Al-Jumu'ah
The Congregation, Friday · Medinan · 11 ayahs
62:1Page 553
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh,1 the Sovereign, the Pure, the Exalted in Might, the Wise.2
(p-247)سُورَةُ الجُمُعَةِ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها إحْدى عَشْرَةَ
﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ تَسْبِيحًا مُسْتَمِرًّا.
﴿المَلِكِ القُدُّوسِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ وقَدْ قُرِئَ الصِّفاتُ الأرْبَعُ بِالرَّفْعِ عَلى المَدْحِ.
62:2Page 553
هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢
It is He who has sent among the unlettered [Arabs] a Messenger from themselves reciting to them His verses and purifying them and teaching them the Book [i.e., the Qur’ān] and wisdom [i.e., the sunnah] - although they were before in clear error -
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ﴾ أيْ: في العَرَبِ لِأنَّ أكْثَرَهم لا يَكْتُبُونَ ولا يَقْرَءُونَ، قِيلَ: بُدِئَتِ الكِتابَةُ بِالطّائِفِ أخَذُوها مِن أهْلِ الحَيْرَةِ وهم مِن أهْلِ الأنْبارِ.
﴿رَسُولا مِنهُمْ﴾ أيْ: كائِنًا مِن جُمْلَتِهِمْ أُمِّيًّا مِثْلَهم.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ مَعَ كَوْنِهِ أُمِّيًّا مِثْلَهم لَمْ يُعْهَدْ مِنهُ قِراءَةٌ ولا تَعَلُّمٌ.
﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"رَسُولًا" مَعْطُوفَةٌ عَلى "يَتْلُو" أيْ: يَحْمِلُهم عَلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ مِن خَبائِثِ العَقائِدِ والأعْمالِ.
﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"رَسُولًا" مُتَرَتِّبَةٌ في الوُجُودِ عَلى التِّلاوَةِ وإنَّما وسَّطَ بَيْنَهُما التَّزْكِيَةَ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ تَكْمِيلِ النَّفْسِ بِحَسَبَ قُوَّتِها العَمَلِيَّةِ وتَهْذِيبِها المُتَفَرِّغِ وعَلى تَكْمِيلِها بِحَسَبَ القُوَّةِ النَّظَرِيَّةِ الحاصِلِ بِالتَّعْلِيمِ المُتَرَتِّبِ عَلى التِّلاوَةِ لِلْإيذانِ بِأنَّ كُلًّا مِنَ الأُمُورِ المُتَرَتِّبَةِ نِعْمَةٌ جَلِيلَةٌ عَلى حِيالِها مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ، فَلَوْ رُوعِيَ تَرْتِيبُ الوُجُودِ لَتَبادَرَ إلى الفَهْمِ كَوْنُ الكُلِّ نِعْمَةً واحِدَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهو السِّرُّ في التَّعْبِيرِ عَنِ القرآن تارَةً بِالآياتِ وأُخْرى بِالكِتابِ والحِكْمَةِ رَمْزًا إلى أنَّهُ بِاعْتِبارِ كُلِّ عُنْوانٍ نِعْمَةٌ عَلى حِدَةٍ ولا يَقْدَحُ فِيهِ شُمُولُ الحِكْمَةِ لِما في تَضاعِيفِ الأحادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِنَ الأحْكامِ والشَّرائِعِ.
﴿وَإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ مِنَ الشِّرْكِ وخُبْثِ الجاهِلِيَّةِ وهو بَيانٌ لِشِدَّةِ افْتِقارِهِمْ إلى مَن يُرْشِدُهم وإزاحَةٌ لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن تَعَلُّمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الغَيْرِ و"إنْ" هي المُخَفَّفَةُ واللّامُ هي الفارِقَةُ.
62:3Page 553
وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣
And [to] others of them who have not yet joined them. And He is the Exalted in Might, the Wise.
﴿وَآخَرِينَ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى "الأُمِّيِّينَ" أوْ عَلى المَنصُوبِ في "يُعَلِّمُهُمْ" و"يُعَلِّمُ آخَرِينَ مِنهُمْ" أيْ: مِنَ الأُمِّيِّينَ وهُمُ الَّذِينَ جاءُوا بَعْدَ الصَّحابَةِ إلى يَوْمِ الدِّينِ فَإنَّ دَعْوَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَعْلِيمَهُ يَعُمُّ الجَمِيعَ.
﴿لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ صِفَةٌ لِـ"آخَرِينَ" أيْ: لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ بَعْدُ وسَيَلْحَقُونَ.
﴿وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ المَبالِغُ في العِزَّةِ والحِكْمَةِ ولِذَلِكَ مَكَّنَ رَجُلًا أُمِّيًّا مِن ذَلِكَ الأمْرِ (p-248)العَظِيمِ واصْطَفاهُ مِن بَيْنِ كافَّةِ البَشَرِ.
62:4Page 553
ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٤
That is the bounty of Allāh, which He gives to whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.
﴿ذَلِكَ﴾ الَّذِي امْتازَ بِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ الأفْرادِ.
﴿فَضْلُ اللَّهِ﴾ وإحْسانُهُ.
﴿يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ﴾ تَفْضِيلًا وعَطِيَّةً.
﴿واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ الَّذِي يُسْتَحْقَرُ دُونَهُ نَعِيمُ الدُّنْيا ونَعِيمُ الآخِرَةِ.
62:5Page 553
مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥
The example of those who were entrusted with the Torah and then did not take it on1 is like that of a donkey who carries volumes [of books].2 Wretched is the example of the people who deny the signs of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ﴾ أيْ: عُلِّمُوها وكُلِّفُوا العَمَلَ بِها.
﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها﴾ أيْ: لَمْ يَعْمَلُوا بِما في تَضاعِيفِها مِنَ الآياتِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الآياتُ النّاطِقَةُ بِنُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿كَمَثَلِ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا﴾ أيْ: كُتُبًا مِنَ العِلْمِ يَتْعَبُ بِحَمْلِها ولا يَنْتَفِعُ بِها و"يَحْمِلُ" إمّا حالٌ والعامِلُ فِيها مَعْنى المَثَلِ أوْ صِفَةٌ "لِلْحِمارِ" إذْ لَيْسَ المُرادُ بِهِ مُعَيَّنًا فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ كَما في قَوْلِ مَن قالَ: [وَلَقَدْ أمُرُّ عَلى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي] .
﴿بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِئْسَ مَثَلًا مَثَلُ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآياتِ اللَّهِ، عَلى أنَّ التَّمْيِيزَ مَحْذُوفٌ والفاعِلَ المُفَسَّرَ بِهِ مُسْتَتِرٌ و"مَثَلُ القَوْمِ" هو المَخْصُوصُ بِالذَّمِّ والمَوْصُولُ صِفَةٌ لِلْقَوْمِ أوْ بِئْسَ مَثَلُ القَوْمِ مَثَلُ الَّذِينَ كَذَّبُوا ...إلَخْ عَلى أنَّ "مَثَلُ القَوْمِ" فاعِلُ بِئْسَ والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِما في التَّوْراةِ مِنَ الآياتِ الشّاهِدَةِ بِصِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ.
﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الواضِعِينَ لِلتَّكْذِيبِ في مَوْضِعِ التَّصْدِيقِ أوِ الظّالِمِينَ لِأنْفُسِهِمْ بِتَعْرِيضِها لِلْعَذابِ الخالِدِ.
62:6Page 553
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٦
Say, "O you who are Jews, if you claim that you are allies of Allāh, excluding the [other] people, then wish for death, if you should be truthful."
﴿قُلْ يا أيُّها الَّذِينَ هادُوا﴾ أيْ: تَهَوَّدُوا.
﴿إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكم أوْلِياءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النّاسِ﴾ كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ ويَدَّعُونَ أنَّ الدّارَ الآخِرَةَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً ويَقُولُونَ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم إظْهارًا لِكَذِبِهِمْ إنْ زَعَمْتُمْ ذَلِكَ.
﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ أيْ: فَتَمَنَّوْا مِنَ اللَّهِ أنْ يُمِيتَكم ويَنْقُلَكم مِن دارِ البَلِيَّةِ إلى دارِ الكَرامَةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم واثِقِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ فَإنَّ مَن أيْقَنَ بِأنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ أحَبَّ أنْ يَتَخَلَّصَ إلَيْها مِن هَذِهِ الدّارِ الَّتِي هي قَرارَةُ الأكْدارِ.
62:7Page 553
وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٧
But they will not wish for it, ever, because of what their hands have put forth. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا﴾ إخْبارٌ بِما سَيَكُونُ مِنهُمْ، والبِناءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّفْيُ أيْ: يَأْبَوْنَ التَّمَنِّيَ بِسَبَبِ ما عَمِلُوا مِنَ الكُفْرَ والمَعاصِي المُوجِبَةِ لِدُخُولِ النّارِ ولَمّا كانَتِ اليَدُ مِن بَيْنِ جَوارِحِ الإنْسانِ مَناطَ عامَّةِ أفاعِيلِهِ عَبَّرَ بِها تارَةً عَنِ النَّفْسِ وأُخْرى عَنِ القُدْرَةِ.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أيْ: بِهِمْ وإيثارُ الإظْهارِ عَلى الإضْمارِ (p-249)لِذَمِّهِمْ والتَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم ظالِمُونَ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ادِّعاءُ ما هم عَنْهُ بِمَعْزِلٍ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَها مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِهِ أيْ: عَلِيمٌ بِهِمْ وبِما صَدَرَ عَنْهم مِن فُنُونِ الظُّلْمِ والمَعاصِي المُفْضِيَةِ إلى أفانِينِ العَذابِ وبِما سَيَكُونُ مِنهم مِنَ الِاحْتِرازِ عَمّا يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ فَوَقَعَ الأمْرُ كَما ذَكَرَ فَلَمْ يَتَمَنَّ مِنهم مَوْتَهُ أحَدٌ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
62:8Page 553
قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٨
Say, "Indeed, the death from which you flee - indeed, it will meet you. Then you will be returned to the Knower of the unseen and the witnessed, and He will inform you about what you used to do."
﴿قُلْ إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يُقالُ لَهُمْ: بَعْدَ ظُهُورِ فِرارِهِمْ مِنَ التَّمَنِّي وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ " «لَوْ تَمَنَّوْا لَماتُوا مِن ساعَتِهِمْ» " وهَذِهِ إحْدى المُعْجِزاتِ أيْ: إنَّ المَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنهُ ولا تَجْسُرُونَ عَلى أنْ تَتَمَنَّوْهُ مَخافَةَ أنْ تُؤْخَذُوا بِوَبالِ كُفْرِكم.
﴿فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ﴾ البَتَّةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ والفاءُ لِتُضَمِّنِ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ بِاعْتِبارِ الوَصْفِ، وقُرِئَ بِدُونِها وقُرِئَ "تَفِرُّونَ مِنهُ مُلاقِيكُمْ".
﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ.
﴿فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي بِأنْ يُجازِيَكم بِها.
62:9Page 554
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٩
O you who have believed, when [the adhān] is called for the prayer on the day of Jumuʿah [Friday], then proceed to the remembrance of Allāh and leave trade. That is better for you, if you only knew.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ أيْ: فُعِلَ النِّداءُ لَها أيْ: أُذِّنَ لَها.
﴿مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ بَيانٌ لِإذا وتَفْسِيرٌ لَها، وقِيلَ: "مِن" بِمَعْنى فِي، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: " أرُونِي ماذا خَلَقُواْ مِنَ الأرْضِ " أيْ: في الأرْضِ وإنَّما سُمِّيَ جُمُعَةً لِاجْتِماعِ النّاسِ مِنهُ لِلصَّلاةِ. وقِيلَ: أوَّلُ مَن سَمّاها جُمْعَةً كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وكانَتِ العَرَبُ تُسَمِّيهِ العَرُوبَةَ. وقِيلَ: إنَّ الأنْصارَ قالُوا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِلْيَهُودِ يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ بِكُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ ولِلنَّصارى مِثْلُ ذَلِكَ فَهَلُمُّوا نَجْعَلْ لَنا يَوْمًا نَجْتَمِعُ فِيهِ فَنَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ ونُصَلِّي فَقالُوا: يَوْمُ السَّبْتِ لِلْيَهُودِ ويَوْمُ الأحَدِ لِلنَّصارى فاجْعَلُوهُ يَوْمَ العَرُوبَةِ فاجْتَمَعُوا إلى سَعْدِ بْنِ زُرارَةَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وذَكَّرَهم فَسَمَّوْهُ يَوْمَ الجُمْعَةِ لِاجْتِماعِهِمْ فِيهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الجُمْعَةِ فَهي أوَّلُ جُمْعَةٍ كانَتْ في الإسْلامِ. وأمّا أوَّلُ جُمْعَةً جَمَّعَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَهو أنَّهُ لَمّا قَدِمَ مُهاجِرًا نَزَلَ قُباءَ عَلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وأقامَ بِها يَوْمَ الاثْنَيْنِ والثُّلاثاءِ والأرْبِعاءِ والخَمِيسِ وأسَّسَ مَسْجِدَهم ثُمَّ خَرَجَ يَوْمَ الجُمْعَةِ عامِدًا المَدِينَةَ فَأدْرَكَتْهُ صَلاةُ الجُمْعَةِ في بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ في بَطْنٍ وادٍ لَهَمْ فَخَطَبَ وصَلّى الجُمْعَةَ.
﴿فاسْعَوْا إلى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ: امْشُوا واقْصِدُوا إلى الخُطْبَةِ والصَّلاةِ.
﴿وَذَرُوا البَيْعَ﴾ واتْرُكُوا المُعامَلَةَ.
﴿ذَلِكُمْ﴾ أيِ: السَّعْيُ إلى ذِكْرِ اللَّهِ وتَرْكُ البَيْعِ.
﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِن مُباشَرَتِهِ فَإنَّ نَفْعَ الآخِرَةِ أجَلُّ وأبْقى.
﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيِ: الخَيْرَ والشَّرَّ الحَقِيقِيَّيْنِ أوْ إنْ كُنْتُمْ أهْلَ العِلْمِ.
62:10Page 554
فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠
And when the prayer has been concluded, disperse within the land and seek from the bounty of Allāh, and remember Allāh often that you may succeed.
﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ (p-250)
أيْ: أُدِّيَتْ وفُرِغَ مِنها ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ.﴾ لِإقامَةِ مَصالِحِكم.
﴿وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أيِ: الرِّبْحَ فالأمْرُ لِلْإطْلاقِ بَعْدَ الحَظْرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما لَمْ يُؤْمَرُوا بِطَلَبِ شَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا إنَّما هو عِيادَةُ المَرْضى وحُضُورُ الجَنائِزِ وزِيارَةُ أخٍ في اللَّهِ، وعَنِ الحَسَن ِ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ طَلَبُ العِلْمِ، وقِيلَ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ.
﴿واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ذِكْرًا كَثِيرًا أوْ زَمانًا كَثِيرًا ولا تَخُصُّوا ذِكْرَهُ تَعالى بِالصَّلاةِ.
﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ كَيْ تَفُوزُوا بِخَيْرِ الدّارَيْنِ.
62:11Page 554
وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١
But [on one occasion] when they saw a transaction or a diversion, [O Muḥammad], they rushed to it and left you standing. Say, "What is with Allāh is better than diversion and than a transaction, and Allāh is the best of providers."
﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ رُوِيَ أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ أصابَهم جُوعٌ وغَلاءٌ شَدِيدٌ فَقَدِمَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ بِتِجارَةٍ مِن زَيْتِ الشّامِ والنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَقامُوا إلَيْهِ خَشْيَةَ أنْ يُسْبَقُوا إلَيْهِ فَما بَقِيَ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا ثَمانِيَةٌ. وقِيلَ: أحَدَ عَشَرَ. وقِيلَ: اثْنا عَشَرَ. وقِيلَ: أرْبَعُونُ، فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ خَرَجُوا جَمِيعًا لَأضْرَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الوادِيَ نارًا وكانُوا إذا أقْبَلَتِ العِيرُ اسْتَقْبَلُوها بِالطَّبْلِ والتَّصْفِيقِ" وهو المُرادُ بِاللَّهْوِ وتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِرَجْعِ الضَّمِيرِ لِأنَّها المَقْصُودَةُ أوْ لِأنَّ الِانْفِضاضَ لِلتِّجارَةِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْها والِانْتِفاعِ بِها إذا كانَ مَذْمُومًا فَما ظَنُّكَ بِالِانْفِضاضِ إلى اللَّهْوِ وهو المَذْمُومُ في نَفْسِهِ. وقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: إذا رَأوْا تِجارَةً انْفَضُّوا إلَيْها أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْهِ، فَحُذِفَ الثّانِي لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وقُرِئَ "إلَيْهِما".
﴿وَتَرَكُوكَ قائِمًا﴾ أيْ: عَلى المِنبَرِ.
﴿قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ﴾ مِنَ الثَّوابِ.
﴿خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ نَفْعٌ مُحَقَّقٌ مُخَلَّدٌ بِخِلافِ ما فِيهِما مِنَ النَّفْعِ المُتَوَهَّمِ.
﴿واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ فَإلَيْهِ اسْعَوْا ومِنهُ اطْلُبُوا الرِّزْقَ.
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الجُمُعَةِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرَ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن أتى الجُمْعَةَ ومَن لَمْ يَأْتِها في أمْصارِ المُسْلِمِينَ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences