Abu as-Su'udAl‑Isra · 17:1–11

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الإسراء

Al-Isra

The Night Journey · Meccan · 111 ayahs

17:1Page 282

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١

Exalted1 is He who took His Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] by night from al-Masjid al-Ḥarām to al-Masjid al-Aqṣā,2 whose surroundings We have blessed, to show him of Our signs. Indeed, He is the Hearing,3 the Seeing.4

(p-154)(سُورَةُ الإسْراءِ مَكِّيَّةٌ إلّا الآياتِ السّادِسَةَ والعِشْرِينَ، والثّانِيَةَ والثَّلاثِينَ، والثّالِثَةَ والثَّلاثِينَ، والسّابِعَةَ والخَمْسِينَ، ومِن آيَةِ ثَلاثٍ وسَبْعِينَ إلى ثَمانِينَ فَمَدَنِيَّةٌ وآياتُها إحْدى عَشَرَةَ ومِائَةٌ)

﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ﴾ سُبْحانَ عَلَمٌ لِلتَّسْبِيحِ كَعُثْمانَ لِلرَّجُلِ، وحَيْثُ كانَ المُسَمّى مَعْنًى لا عَيْنًا وجِنْسًا لا شَخْصًا لَمْ تَكُنْ إضافَتُهُ مِن قَبِيلِ ما في زَيْدِ المَعارِكِ، أوْ حاتِمِ طَيْءٍ. وانْتِصابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكِ الإظْهارِ تَقْدِيرُهُ أُسَبِّحُ اللَّهَ سُبْحانَ .. إلَخْ. وفِيهِ ما لا يَخْفى مِنَ الدَّلالَةِ عَلى التَّنْزِيهِ البَلِيغِ مِن حَيْثُ الِاشْتِقاقُ مِنَ السَّبْحِ الَّذِي هو الذَّهابُ والإبْعادُ في الأرْضِ، ومِنهُ فَرَسٌ سَبُّوحٌ، أيْ: واسِعُ الجَرْيِ. ومِن جِهَةِ النَّقْلِ إلى التَّفْعِيلِ، ومِن جِهَةِ العُدُولِ مِنَ المَصْدَرِ إلى الِاسْمِ المَوْضُوعِ لَهُ خاصَّةً لا سِيَّما، وهو عِلْمٌ يُشِيرُ إلى الحَقِيقَةِ الحاضِرَةِ في الذِّهْنِ، ومِن جِهَةِ قِيامِهِ مَقامَ المَصْدَرِ مَعَ الفِعْلِ. وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ كَغُفْرانٍ بِمَعْنى: التَّنَزُّهِ. فَفِيهِ مُبالَغَةٌ مِن حَيْثُ إضافَةُ التَّنَزُّهِ إلى ذاتِهِ المُقَدَّسَةِ، ومُناسَبَةٌ تامَّةٌ بَيْنَ المَحْذُوفِ، وبَيْنَ ما عُطِفَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى سُبْحانَهُ وتَعالى كَأنَّهُ قِيلَ: تَنَزَّهَ بِذاتِهِ وتَعالى. والإسْراءُ: السَّيْرُ بِاللَّيْلِ خاصَّةً كالسُّرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْلا﴾ لِإفادَةِ قِلَّةِ زَمانِ الإسْراءِ لِما فِيهِ مِنَ التَّنْكِيرِ الدّالِّ عَلى البَعْضِيَّةِ مِن حَيْثُ الأجْزاءُ دَلالَتَهُ عَلى البَعْضِيَّةِ مِن حَيْثُ الأفْرادِ، فَإنَّ قَوْلَكَ سِرْتُ لَيْلًا كَما يُفِيدُ بَعْضِيَّةَ زَمانِ سَيْرِكَ مِنَ اللَّيالِي، يُفِيدُ بَعْضِيَّتَهُ مِن فَرْدٍ واحِدٍ مِنها بِخِلافِ ما إذا قُلْتَ: سِرْتُ اللَّيْلَ، فَإنَّهُ يُفِيدُ اسْتِيعابَ السَّيْرِ لَهُ جَمِيعًا فَيَكُونُ مِعْيارًا لِلسَّيْرِ لا ظَرْفًا لَهُ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ مِنَ اللَّيْلِ، أيْ: بَعْضِهِ. وإيثارُ لَفْظِ العَبْدِ لِلْإيذانِ بِتَمَحُّضِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في عِبادَتِهِ سُبْحانَهُ، وبُلُوغِهِ في ذَلِكَ غايَةَ الغاياتِ القاصِيَةِ، ونِهايَةَ النِّهاياتِ النّائِيَةِ حَسْبَما يَلُوحُ بِهِ مَبْدَأُ الإسْراءِ ومُنْتَهاهُ. وإضافَةُ التَّنْزِيهِ أوِ التَّنَزُّهِ إلى المَوْصُولِ المَذْكُورِ لِلْإشْعارِ بِعِلِّيَّةِ ما في حَيِّزِ الصِّلَةِ لِلْمُضافِ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أدِلَّةِ كَمالِ قدرته، وبالِغِ حَكَمْتِهِ، ونِهايَةِ تَنَزُّهِهِ عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ ﴿مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ اخْتُلِفَ في مَبْدَأِ الإسْراءِ، فَقِيلَ: هو المَسْجِدُ الحَرامُ بِعَيْنِهِ، وهو الظّاهِرُ فَإنَّهُ رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «بَيْنَما أنا في المَسْجِدِ الحَرامِ في الحِجْرِ عِنْدَ البَيْتِ بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ، إذْ أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالبُراقِ، وقِيلَ: هو دارُ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ» ". والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ: الحَرَمُ لِإحاطَتِهِ بِالمَسْجِدِ والتِباسِهِ بِهِ، أوْ لِأنَّ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدٌ. فَإنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: «أنَّهُ ﷺ كانَ نائِمًا في بَيْتِ أُمِّ هانِئٍ بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ، فَكانَ ما كانَ فَقَصَّهُ عَلَيْها، فَلَمّا قامَ لِيَخْرُجَ إلى المَسْجِدِ تَشَبَّثَتْ بِثَوْبِهِ ﷺ لِتَمْنَعَهُ خَشْيَةَ أنْ يُكَذِّبَهُ القَوْمُ. قالَ ﷺ: وإنْ كَذَّبُونِي، فَلَمّا خَرَجَ جَلَسَ إلَيْهِ أبُو جَهْلٍ فَأخْبَرَهُ ﷺ بِحَدِيثِ الإسْراءِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالِبٍ هَلُمَّ، (p-155)فَحَدَّثَهم، فَمِن مُصَفِّقٍ وواضِعٍ يَدَهُ عَلى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا وإنْكارًا، وارْتَدَّ ناسٌ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وسَعى رِجالٌ إلى أبِي بَكْرٍ فَقالَ: إنْ كانَ قالَ ذَلِكَ لَقَدْ صَدَقَ. قالُوا: أتُصَدِّقُهُ عَلى ذَلِكَ؟ قالَ: إنِّي أُصَدِّقُهُ عَلى أبْعَدَ مِن ذَلِكَ. فَسُمِّيَ الصِّدِّيقَ. وكانَ فِيهِمْ مَن يَعْرِفُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فاسْتَنْعَتُوهُ المَسْجِدَ فَجُلِّيَ لَهُ بَيْتُ المَقْدِسِ فَطَفِقَ يَنْظُرُ إلَيْهِ، ويَنْعَتُهُ لَهُمْ، فَقالُوا: أمّا النَّعْتُ فَقَدْ أصابَهُ، فَقالُوا: أخْبِرْنا عَنْ عِيرِنا. فَأخْبَرَهم بِعَدَدِ جِمالِها، وأحْوالِها، وقالَ: تَقْدَمُ يَوْمَ كَذا مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يُقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ ذَلِكَ اليَوْمَ نَحْوَ الثَّنْيَةِ، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: هَذِهِ واللَّهِ الشَّمْسُ قَدْ أشْرَقَتْ، فَقالَ آخَرُ: هَذِهِ واللَّهِ العِيرُ قَدْ أقْبَلَتْ يَقْدُمُها جَمَلٌ أوْرَقُ كَما قالَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ» . واخْتُلِفَ في وقْتِهِ أيْضًا، فَقِيلَ: كانَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ. وعَنْ أنَسٍ والحَسَنِ أنَّهُ كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ. واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ في اليَقَظَةِ، أوْ في المَنامِ. فَعَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ في المَنامِ، وأكْثَرُ الأقاوِيلِ بِخِلافِهِ، والحَقُّ أنَّهُ كانَ في المَنامِ قَبْلَ البَعْثَةِ، وفي اليَقَظَةِ بَعْدَها. واخْتُلِفَ أيْضًا أنَّهُ كانَ جُسْمانِيًّا، أوْ رُوحانِيًّا، فَعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: ما فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ عُرِجَ بِرُوحِهِ. وعَنْ مُعاوِيَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّما عُرِجَ بِرُوحِهِ. والحَقُّ أنَّهُ كانَ جُسْمانِيًّا عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ التَّصْدِيرُ بِالتَّنْزِيهِ، وما في ضِمْنِهِ مِنَ التَّعَجُّبِ، فَإنَّ الرُّوحانِيَّ لَيْسَ في الِاسْتِبْعادِ، والِاسْتِنْكارِ، وخَرْقِ العادَةِ بِهَذِهِ المَثابَةِ، ولِذَلِكَ تَعَجَّبَتْ مِنهُ قُرَيْشٌ وأحالُوهُ، ولا اسْتِحالَةَ فِيهِ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ في الهَنْدَسَةِ أنَّ قُطْرَ الشَّمْسِ ضِعْفَ قُطْرِ الأرْضِ مِائَةً ونَيِّفًا وسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ إنَّ طَرَفَها الأسْفَلَ يَصِلُ إلى مَوْضِعِ طَرَفِها الأعْلى بِحَرَكَةِ الفَلَكِ الأعْظَمِ مَعَ مُعاوَقَةِ حَرَكَةِ فَلَكِها لَها في أقَلَّ مِن ثانِيةٍ، وقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ الأجْسامَ مُتَساوِيَةٌ في قَبُولِ الأعْراضِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الحَرَكَةُ، وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُحِيطُ بِهِ حِيطَةَ الإمْكانِ فَيَقْدِرُ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَ تِلْكَ الحَرَكَةِ بَلْ أسْرَعَ مِنها في جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ، أوْ فِيما يَحْمِلُهُ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَبْعَدًا لَمْ يَكُنْ مُعْجِزَةً.

﴿إلى المَسْجِدِ الأقْصى﴾ أيْ: بَيْتِ المَقْدِسِ. سُمِّيَ بِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ وراءَهُ مَسْجِدٌ، وفي ذَلِكَ مِن تَرْبِيَةِ مَعْنى التَّنْزِيهِ، والتَّعَجُّبِ ما لا يَخْفى.

﴿الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ﴾ بِبَرَكاتِ الدِّينِ والدُّنْيا، لِأنَّهُ مَهْبِطُ الوَحْيِ، ومُتَعَبَّدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿لِنُرِيَهُ﴾ غايَةُ لِلْإسْراءِ ﴿مِن آياتِنا﴾ العَظِيمَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ذَهابُهُ في بُرْهَةٍ مِنَ اللَّيْلِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ كَوْنُهُ قَبْلَ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ، ومُشاهَدَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وتَمَثُّلِ الأنْبِياءِ لَهُ، ووُقُوفِهِ عَلى مَقاماتِهِمُ العَلِيَّةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ. والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِتَعْظِيمِ تِلْكَ البَرَكاتِ والآياتِ، وقُرِئَ: (لِيُرِيَهُ) بِالياءِ.

﴿إنَّهُ هو السَّمِيعُ﴾ لِأقْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِلا أُذُنٍ.

﴿البَصِيرُ﴾ بِأفْعالِهِ بِلا بَصَرٍ حَسْبَما يُؤْذِنُ بِهِ القَصْرُ، فَيُكْرِمُهُ، ويُقَرِّبُهُ بِحَسَبِ ذَلِكَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ الإسْراءَ المَذْكُورَ لَيْسَ إلّا لِتَكْرِمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورَفْعِ مَنزِلَتِهِ، وإلّا فالإحاطَةُ بِأقْوالِهِ، وأفْعالِهِ حاصِلَةٌ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى التَّقْرِيبِ، والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ.

17:2Page 282

وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا ٢

And We gave Moses the Scripture and made it a guidance for the Children of Israel that you not take other than Me as Disposer of affairs,1

﴿وَآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أيِ: التَّوْراةَ. وفِيهِ إيماءٌ إلى دَعْوَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الطُّورِ، وما وقَعَ فِيهِ مِنَ المُناجاةِ جَمْعًا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المُتَّحِدَيْنِ في المَعْنى، ولَمْ يُذْكَرْ هَهُنا العُرُوجُ بِالنَّبِيِّ ﷺ إلى السَّماءِ، وما كانَ فِيهِ مِمّا لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ حَسْبَما نَطَقَتْ بِهِ سُورَةُ النَّجْمِ تَقْرِيبًا لِلْإسْراءِ إلى قَبُولِ السّامِعِينَ، أيْ: آتَيْناهُ التَّوْراةَ بَعْدَ ما أسْرَيْنا بِهِ إلى الطُّورِ.

﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ (p-156)الكِتابَ ﴿هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَهْتَدُونَ بِما في مَطاوِيهِ.

﴿ألا تَتَّخِذُوا﴾ أيْ: لا تَتَّخِذُوا نَحْوَ كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ أفْعَلَ كَذا. وقُرِئَ: بِالياءِ عَلى أنَّ "أنْ" مَصْدَرِيَّةٌ، والمَعْنى: آتَيْنا مُوسى الكِتابَ لِهِدايَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، لِئَلّا يَتَّخِذُوا ﴿مِن دُونِي وكِيلا﴾، أيْ: رَبًّا تَكِلُونَ إلَيْهِ أُمُورَكم. والإفْرادُ لِما أنَّ فَعِيلًا مُفْرَدٌ في اللَّفْظِ جَمْعٌ في المَعْنى.

17:3Page 282

ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا ٣

O descendants of those We carried [in the ship] with Noah. Indeed, he was a grateful servant.

﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ نُصِبَ عَلى الِاخْتِصاصِ، أوِ النِّداءِ عَلى قِراءَةِ النَّهْيِ، والمُرادُ: تَأْكِيدُ الحَمْلِ عَلى التَّوْحِيدِ بِتَذْكِيرِ إنْعامِهِ تَعالى عَلَيْهِمْ في ضِمْنِ إنْجاءِ آبائِهِمْ مِنَ الغَرَقِ في سَفِينَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ عَلى أنَّهُ أحَدُ مَفْعُولَيْ "لا يَتَّخِذُوا" عَلى قِراءَةِ النَّفْيِ، ومِن دُونِي حالٌ مِن وكِيلًا، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكم أنْ تَتَّخِذُوا المَلائِكَةَ والنَّبِيِّينَ أرْبابًا﴾ . وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن واوِ "لا تَتَّخِذُوا" بِإبْدالِ الظّاهِرِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ كَما هو مَذْهَبُ بَعْضِ البَغادِدَةِ. وقُرِئَ: (ذِرِّيَّةَ) بِكَسْرِ الذّالِ.

﴿إنَّهُ﴾ أيْ: إنَّ نُوحًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ كَثِيرَ الشُّكْرِ في مَجامِعِ حالاتِهِ. وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ إنْجاءَ مَن مَعَهُ كانَ بِبِرَكَةِ شُكْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَثٌّ لِلذُّرِّيَّةِ عَلى الِاقْتِداءِ بِهِ، وزَجْرٌ لَهم عَنِ الشِّرْكِ الَّذِي هو أعْظَمُ مَراتِبِ الكُفْرانِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

17:4Page 282

وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا ٤

And We conveyed1 to the Children of Israel in the Scripture that, "You will surely cause corruption on the earth twice, and you will surely reach [a degree of] great haughtiness."

﴿وَقَضَيْنا﴾ أيْ: أتْمَمْنا وأحْكَمْنا مُنْزِلِينَ.

﴿إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ: مُوحِينَ إلَيْهِمْ ﴿فِي الكِتابِ﴾ أيْ: في التَّوْراةِ. فَإنَّ الإنْزالَ والوَحْيَ إلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنْزالٌ، ووَحْيٌ إلَيْهِمْ.

﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، ويَجُوزُ إجْراءُ القَضاءِ المَحْتُومِ مَجْرى القَسَمِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأقْسَمْنا لَتُفْسِدُنَّ.

﴿مَرَّتَيْنِ﴾ مَصْدَرٌ، والعامِلُ فِيهِ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ. أُولاهُما: مُخالِفَةُ حُكْمِ التَّوْراةِ، وقَتْلُ شَعْياءَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وحَبْسُ أرْمِياءَ حِينَ أنْذَرَهم سُخْطَ اللَّهِ تَعالى. والثّانِيَةُ: قَتْلُ زَكَرِيّا ويَحْيى، وقَصْدُ قَتْلِ عِيسى عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ لَتَسْتَكْبِرُنَّ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، أوْ لَتَغْلِبُنَّ النّاسَ بِالظُّلْمِ والعُدْوانِ، وتُفَرِّطُنَّ في ذَلِكَ إفْراطًا مُجاوِزًا لِلْحُدُودِ.

17:5Page 282

فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥

So when the [time of] promise came for the first of them,1 We sent against you servants of Ours - those of great military might, and they probed [even] into the homes,2 and it was a promise fulfilled.

﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ أيْ: أُولى كَرَّتَيِ الإفْسادِ، أيْ: حانَ وقْتُ حُلُولِ العِقابِ المَوْعُودِ.

﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ﴾ لِمُؤاخَذَتِكم بِجِناياتِكم ﴿عِبادًا لَنا﴾ . وقُرِئَ: (عَبِيدًا لَنا) ﴿أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ ذَوِي قُوَّةٍ وبَطْشٍ في الحُرُوبِ، هم سَنْجارِيبُ مِن أهْلِ نِينَوى وجُنُودُهُ. وقِيلَ: بُخْتُ نَصَّرَ عامِلُ لَهْراسِبَ. وقِيلَ: جالُوتُ.

﴿فَجاسُوا﴾ أيْ: تَرَدَّدُوا لِطَلَبِكم بِالفَسادِ. وقُرِئَ: بِالحاءِ، والمَعْنى: واحِدٌ. وقُرِئَ: (وَجُوسُوا).

﴿خِلالَ الدِّيارِ﴾ في أوْساطِها لِلْقَتْلِ والغارَةِ. وقُرِئَ: خِلَلَ الدِّيارِ، فَقَتَلُوا عُلَماءَهم وكِبارَهُمْ، وأحْرَقُوا التَّوْراةَ، وخَرَّبُوا المَسْجِدَ، وسَبَوْا مِنهم سَبْعِينَ ألْفًا، وذَلِكَ مِن قَبِيلِ تَوْلِيَةِ بَعْضِ الظّالِمِينَ بَعْضًا مِمّا جَرَتْ بِهِ (p-157)السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ.

﴿وَكانَ﴾ ذَلِكَ ﴿وَعْدًا مَفْعُولا﴾ لا مَحالَةَ بِحَيْثُ لا صارِفَ عَنْهُ، ولا مُبَدِّلَ.

17:6Page 282

ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا ٦

Then We gave back to you a return victory over them. And We reinforced you with wealth and sons and made you more numerous in manpower.

﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ﴾ أيِ: الدَّوْلَةَ والغَلَبَةَ ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عَلى الَّذِينَ فَعَلُوا بِكم ما فَعَلُوا بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ حِينَ تُبْتُمْ، ورَجَعْتُمْ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الإفْسادِ والعُلُوِّ. قِيلَ: هي قَتْلُ بُخْتُ نَصَّرَ واسْتِنْقاذُ بَنِي إسْرائِيلَ أُساراهم وأمْوالَهُمْ، ورُجُوعُ المُلْكِ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا ورِثَ بَهْمَنُ بْنُ إسْفِنْدِيارَ المُلْكَ مِن جَدِّهِ كَشْتاسَفَ بْنِ لَهْراسَبَ ألْقى اللَّهُ تَعالى في قَلْبِهِ الشَّفَقَةَ عَلَيْهِمْ، فَرَدَّ أُساراهم إلى الشّامِ، ومَلَّكَ عَلَيْهِمْ دانْيالَ عَلَيْهِ السَّلامُ فاسْتَوْلَوْا عَلى مَن كانَ فِيها مِن أتْباعِ بُخْتُ نَصَّرَ. وقِيلَ: هي قَتْلُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِجالُوتَ.

﴿وَأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ﴾ كَثِيرَةٍ بَعْدَ ما نُهِبَتْ أمْوالُكُمْ، ﴿وَبَنِينَ﴾ بَعْدَما سُبِيَتْ أوْلادُكُمْ، ﴿وَجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ مِمّا كُنْتُمْ مِن قَبْلُ، أوْ مِن عَدُّوِكم. والنَّفِيرُ مَن يَنْفِرُ مَعَ الرَّجُلِ مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: جَمْعُ نَفَرٍ وهُمُ القَوْمُ المُجْتَمِعُونَ لِلذَّهابِ إلى العَدُوِّ كالعَبِيدِ والمُعِينِ.

17:7Page 282

إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا ٧

[And said], "If you do good, you do good for yourselves; and if you do evil, [you do it] to them [i.e., yourselves]." Then when the final [i.e., second] promise came, [We sent your enemies] to sadden your faces and to enter the masjid [i.e., the temple in Jerusalem], as they entered it the first time, and to destroy what they had taken over with [total] destruction.

﴿إنْ أحْسَنْتُمْ﴾ أعْمالَكم سَواءٌ كانَتْ لازِمَةً لِأنْفُسِكُمْ، أوْ مُتَعَدِّيَةً إلى الغَيْرِ، أيْ: عَمِلْتُمُوها لا عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، ولا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلّا بَعْدَ أنْ تَكُونَ الأعْمالُ حَسَنَةً في أنْفُسِها، أوْ إنْ فَعَلْتُمُ الإحْسانَ، ﴿أحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ﴾؛ لِأنَّ ثَوابَها لَها.

﴿وَإنْ أسَأْتُمْ﴾ أعْمالَكم بِأنْ عَمِلْتُمُوها لا عَلى الوَجْهِ اللّائِقِ، ويَلْزَمُهُ السُّوءُ الذّاتِيُّ، أوْ فَعَلْتُمُ الإساءَةَ ﴿فَلَها﴾ إذْ عَلَيْها وبالُها، وعَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ ما أحْسَنْتُ إلى أحَدٍ، ولا أسَأْتُ إلَيْهِ، وتَلاها ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ حانَ وقْتُ ما وعَدَ مِن عُقُوبَةِ المَرَّةِ الآخِرَةِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما سَبَقَ عَلَيْهِ، أيْ: بَعَثْناهم لِيَسُوءُوا، ومَعْنى لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ، لِيَجْعَلُوا آثارَ المَساءَةِ والكَآبَةِ بادِيَةً في وُجُوهِكم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقُرِئَ: (لِيَسُوءَ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْوَعْدِ، أوْ لِلْبَعْثِ. ولِنَسُوءَ بِنُونِ العَظَمَةِ، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنُسَوِّأنَّ عَلى أنَّهُ جَوابُ "إذا". وقُرِئَ: لِنُسَوِّأنْ بِالنُّونِ الخَفِيفَةِ ولِيُسَوِّأنَّ، واللّامُ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ﴾ عَطْفٌ عَلى لِيَسُوءُوا مُتَعَلِّقٌ بِما تَعَلَّقَ هو بِهِ ﴿كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أيْ: في أوَّلِ مَرَّةٍ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا﴾ أيْ: يُهْلِكُوا ﴿ما عَلَوْا﴾ ما غَلَبُوهُ، واسْتَوْلَوْا عَلَيْهِ، أوْ مُدَّةَ عُلُوِّهِمْ ﴿تَتْبِيرًا﴾ فَظِيعًا لا يُوصَفُ بِأنْ سَلَّطَ اللَّهُ عَزَّ سُلْطانُهُ عَلَيْهِمُ الفُرْسَ، فَغَزاهم مَلِكُ بابِلَ مِن مُلُوكِ الطَّوائِفِ اسْمُهُ جُودُرْدُو، قِيلَ: جُرْدُوسُ. وقِيلَ: دَخَلَ صاحِبُ الجَيْشِ مَذْبَحَ قَرابِينَهم فَوَجَدَ فِيهِ دَمًا يَغْلِي فَسَألَهم عَنْهُ، فَقالُوا: دَمُ قُرْبانٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنّا، فَقالَ: لَمْ تَصْدُقُونِي، فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ أُلُوفًا فَلَمْ يَهْدَأِ الدَّمُ، ثُمَّ قالَ: إنْ لَمْ تَصْدُقُونِي ما تَرَكْتُ مِنكم أحَدًا، فَقالُوا: إنَّهُ دَمُ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: لِمِثْلِ هَذا يَنْتَقِمُ مِنكم رَبُّكُمْ، ثُمَّ قالَ: يا يَحْيى قَدْ عَلِمَ رَبِّي ورَبُّكَ ما أصابَ قَوْمَكَ مِن أجْلِكَ، فاهْدَأْ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ لا أُبْقِيَ مِنهم أحَدًا فَهَدَأ.

17:8Page 283

عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا ٨

[Then Allāh said], "It is expected, [if you repent], that your Lord will have mercy upon you. But if you return [to sin], We will return [to punishment]. And We have made Hell, for the disbelievers, a prison-bed."

﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ بَعْدَ المَرَّةِ الآخِرَةِ إنْ تُبْتُمْ (p-158)تَوْبَةً أُخْرى، وانْزَجَرْتُمْ عَمّا كُنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ المَعاصِي.

﴿وَإنْ عُدْتُمْ﴾ إلى ما كُنْتُمْ فِيهِ مِنَ الفَسادِ مَرَّةً أُخْرى ﴿عُدْنا﴾ إلى عُقُوبَتِكُمْ، ولَقَدْ عادُوا، فَأعادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمُ النِّقْمَةَ بِأنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمُ الأكاسِرَةَ، فَفَعَلُوا بِهِمْ ما فَعَلُوا مِن ضَرْبِ الإتاوَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ. وعَنِ الحَسَنِ: عادُوا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ، وهم صاغِرُونَ. وعَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.

﴿وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ أيْ: مَحْبِسًا لا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنها أبَدَ الآبِدِينَ، وقِيلَ: بِساطًا كَما يُبْسَطُ الحَصِيرُ، وإنَّما عَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: وجَعَلَنا جَهَنَّمَ لَكم تَسْجِيلًا عَلى كُفْرِهِمْ بِالعَوْدِ، وذَمًّا لَهم بِذَلِكَ، وإشْعارًا بِعِلَّةِ الحُكْمِ.

17:9Page 283

إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا ٩

Indeed, this Qur’ān guides to that which is most suitable and gives good tidings to the believers who do righteous deeds that they will have a great reward

﴿إنَّ هَذا القرآن﴾ الَّذِي آتَيْناكَهُ ﴿يَهْدِي﴾ أيِ: النّاسَ كافَّةً لا فِرْقَةً مَخْصُوصَةً مِنهم كَدَأْبِ الكِتابِ الَّذِي آتَيْناهُ مُوسى.

﴿لِلَّتِي﴾ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي ﴿هِيَ أقْوَمُ﴾، أيْ: أقْوَمُ الطَّرائِقِ، وأسَدُّها. أعْنِي مِلَّةَ الإسْلامِ، والتَّوْحِيدِ، وتَرْكُ ذِكْرِها لَيْسَ لِقَصْدِ التَّعْمِيمِ لَها، ولِلْحالَةِ، ولِلْخَصْلَةِ، ونَحْوِها مِمّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ المَقْصِدِ المَذْكُورِ بَلْ لِلْإيذانِ بِالغِنى عَنِ التَّصْرِيحِ بِها لِغايَةِ ظُهُورِها، لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ الهِدايَةِ الَّتِي هي مِن رَوادِفِها، والمُرادُ بِهِدايَتِهِ لَها: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَهْتَدِي إلَيْها مَن يَتَمَسَّكُ بِهِ لا تَحْصِيلُ الِاهْتِداءِ بِالفِعْلِ، فَإنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ.

﴿وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ، والشَّرائِعِ. وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي شُرِحَتْ فِيهِ ﴿أنَّ لَهُمْ﴾ أيْ: بِأنَّ لَهم بِمُقابَلَةِ تِلْكَ الأعْمالِ ﴿أجْرًا كَبِيرًا﴾ بِحَسَبِ الذّاتِ، وبِحَسَبِ التَّضْعِيفِ عَشْرَ مَرّاتٍ فَصاعِدًا.

17:10Page 283

وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٠

And that those who do not believe in the Hereafter - We have prepared for them a painful punishment.

﴿وَأنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ وأحْكامِها المَشْرُوحَةِ فِيهِ مِنَ البَعْثِ والحِسابِ والجَزاءِ، وتَخْصِيصُها بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ سائِرِ ما كَفَرُوا بِهِ، لِكَوْنِها مُعْظَمَ ما أُمِرُوا بِالإيمانِ بِهِ، ولِمُراعاةِ التَّناسُبِ بَيْنَ أعْمالِهِمْ وجَزائِها الَّذِي أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ وهو عَذابُ جَهَنَّمَ، أيْ: أعْتَدْنا لَهم فِيما كَفَرُوا بِهِ، وأنْكَرُوا وُجُودَهُ مِنَ الآخِرَةِ عَذابًا ألِيمًا، وهو أبْلَغُ في الزَّجْرِ لِما أنَّ إتْيانَ العَذابِ مِن حَيْثُ لا يُحْتَسَبُ أفْظَعُ وأفْجَعُ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ "يُبَشِّرُ" بِإضْمارِ يُخْبِرُ، أوْ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: "أنَّ لَهُمْ" داخِلَةٌ مَعَهُ تَحْتَ التَّبْشِيرِ المُرادِ بِهِ مَجازًا مُطْلَقُ الإخْبارِ المُنْتَظِمِ لِلْإخْبارِ بِالخَبَرِ السّارِّ، وبِالنَّبَأِ الضّارِّ حَقِيقَةً، فَيَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِهِدايَةِ القرآن بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ويَجُوزُ كَوْنُ التَّبْشِيرِ بِمَعْناهُ، والمُرادُ: تَبْشِيرُ المُؤْمِنِينَ بِبِشارَتَيْنِ: ثَوابُهُمْ، وعِقابُ أعْدائِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى:

17:11Page 283

وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا ١١

And man supplicates for evil [when angry] as he supplicates for good, and man is ever hasty.1

﴿وَيَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ بَيانٌ لِحالِ المَهْدِيِّ إثْرَ بَيانِ حالِ الهادِي، وإظْهارٌ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، والمُرادُ بِالإنْسانِ الجِنْسُ. أُسْنِدَ إلَيْهِ حالُ بَعْضِ أفْرادِهِ، أوْ حُكِيَ عَنْهُ حالُهُ في بَعْضِ أحْيانِهِ. فالمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّ القرآن يَدْعُو الإنْسانَ إلى الخَيْرِ الَّذِي لا خَيْرَ فَوْقَهُ مِنَ الأجْرِ الكَبِيرِ، ويُحَذِّرُهُ مِنَ الشَّرِّ الَّذِي لا شَرَّ وراءَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ وهو أيْ (p-159)بَعْضٌ مِنهُ، وهو الكافِرُ يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِما هو الشَّرُّ مِنَ العَذابِ المَذْكُورِ إمّا بِلِسانِهِ حَقِيقَةً، كَدَأْبِ مَن قالَ مِنهُمْ: ﴿اللَّهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِن السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ . ومَن قالَ: " فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ " إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا حُكِيَ عَنْهُمْ، وإمّا بِأعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ المُفْضِيَةِ إلَيْهِ، المُوجِبَةِ لَهُ مَجازًا كَما هو دَيْدَنُ كُلِّهِمْ.

﴿دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ أيْ: مِثْلَ دُعائِهِ بِالخَيْرِ المَذْكُورِ فَرْضًا لا تَحْقِيقًا، فَإنَّهُ بِمَعْزِلٍ مِنَ الدُّعاءِ بِهِ، وفِيهِ رَمْزٌ إلى أنَّهُ اللّائِقُ بِحالِهِ، ﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ أيْ: مَن أُسْنِدَ إلَيْهِ الدُّعاءُ المَذْكُورُ مِن أفْرادِهِ ﴿عَجُولا﴾ يُسارِعُ إلى طَلَبِ ما يَخْطِرُ بِبالِهِ مُتَعامِيًا عَنْ ضَرَرِهِ، أوْ مُبالِغًا في العَجَلَةِ يَسْتَعْجِلُ العَذابَ، وهو آتِيهِ لا مَحالَةَ، فَفِيهِ نَوْعُ تَهَكُّمٍ بِهِ، وعَلى تَقْدِيرِ حَمْلِ الدُّعاءِ عَلى أعْمالِهِمْ تُحْمَلُ العَجُولِيَّةُ عَلى اللَّجِّ، والتَّمادِي في اسْتِيجابِ العَذابِ بِتِلْكَ الأعْمالِ. وعَلى الثّانِي: أنَّ القرآن يَدْعُو الإنْسانَ إلى ما هو خَيْرٌ. وهو في بَعْضِ أحْيانِهِ كَما عِنْدَ الغَضَبِ يَدَعُهُ، ويَدْعُو اللَّهَ تَعالى لِنَفْسِهِ وأهْلِهِ ومالِهِ بِما هو شَرٌّ، وكانَ الإنْسانُ بِحَسَبِ جِبِلَّتِهِ عَجُولًا ضَجِرًا لا يَتَأنّى إلى أنْ يَزُولَ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ. رُوِيَ «أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَفَعَ إلى سَوْدَةَ أسِيرًا، فَأرْخَتْ كِتافَهُ رَحْمَةً لِأنِينِهِ بِاللَّيْلِ مِن ألَمِ القَيْدِ، فَهَرَبَ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ اقْطَعْ يَدَيْها، فَرَفَعَتْ سَوْدَةُ يَدَيْها تَتَوَقَّعُ الإجابَةَ، فَقالَ ﷺ: إنِّي سَألْتُ اللَّهَ تَعالى أنْ يَجْعَلَ دُعائِي عَلى مَن لا يَسْتَحِقُّ مِن أهْلِي عَذابًا رَحْمَةً.» أوْ يَدْعُو بِما هو شَرٌّ وهو يَحْسَبُهُ خَيْرًا، وكانَ الإنْسانُ عَجُولًا غَيْرَ مُتَبَصِّرٍ لا يَتَدَبَّرُ في أُمُورِهِ حَقَ التَّدَبُّرِ لِيَتَحَقَّقَ ما هو خَيْرٌ حَقِيقٌ بِالدُّعاءِ بِهِ، وما هو شَرٌّ جَدِيرٌ بِالِاسْتِعاذَةِ مِنهُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском