Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
التكوير
At-Takwir
The Overthrowing · Meccan · 29 ayahs
سُورَةُ التَّكْوِيرِ مَكِّيَّةٌ وآياتُها تِسْعٌ وعِشْرُونَ
﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أيْ: لُفَّتْ، مِن كَوَّرْتُ العِمامَةَ إذا لَفَفْتُها، عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ إمّا رَفْعُها وإزالَتُها مِن مَقَرِّها، فَإنَّ الثَّوْبَ إذا أُرِيدَ رَفْعُهُ يُلَفُّ لَفًّا ويُطْوى ونَحْوُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ﴾ وإمّا لَفَّ ضَوْئِها المُنْبَسِطِ في الآفاقِ المُنْتَشِرِ في الأقْطارِ عَلى أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ إزالَتِها والذَّهابِ بِها بِحُكْمِ اسْتِلْزامِ زَوالِ اللّازِمِ لِزَوالِ المَلْزُومِ، أوْ أُلْقِيَتْ عَنْ فَلَكِها كَما وُصِفَتِ النُّجُومُ بِالأنْكِدارِ، مِن طَعَنَهُ فَكَوَّرَهُ إذا ألْقاهُ عَلى الأرْضِ، وعَنْ أبِي صالِحٍ كُوِّرَتْ: نُكِّسَتْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما تَكْوِيرُها: إدْخالُها في العَرْشِ ومَدارُ التَّرْكِيبِ عَلى الإدارَةِ والجَمْعِ، وارْتِفاعُ الشَّمْسِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، وعِنْدَ البَعْضِ عَلى الأبْتِداءِ.
﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ أيِ: انْقَضَّتْ. وقِيلَ: تَناثَرَتْ وتَساقَطَتْ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ لا يَبْقى يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ إلّا سَقَطَ في الأرْضِ. وعَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ النُّجُومَ قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ بِسَلاسِلَ مِن نُورٍ بِأيْدِي مَلائِكَةٍ مِن نُورٍ، فَإذا ماتَ مَن في السماوات ومَن في الأرْضِ تَساقَطَتْ مِن أيْدِيهِمْ. وقِيلَ: انْكِدارُها انْطِماسُ نُورِها. ويُرْوى أنَّ الشَّمْسَ والنُّجُومَ تُطْرَحُ في جَهْنَمَ لِيَراها مَن عَبَدَها كَما قالَ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ .
﴿وَإذا الجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ أيْ: عَنْ أماكِنِها بِالرَّجْفَةِ الحاصِلَةِ، لا في الجَوِّ فَإنَّ ذَلِكَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
(p-115)﴿وَإذا العِشارُ﴾ جَمْعُ عُشَراءَ، وهي النّاقَةُ الَّتِي أتى عَلى حَمْلِها عَشَرَةُ أشْهُرٍ وهو اسْمُها إلى أنْ تَضَعَ لِتَمامِ السَّنَةِ وهي أنْفَسُ ما يَكُونُ عِنْدَ أهْلِها وأعَزُّها عَلَيْهِمْ.
﴿عُطِّلَتْ﴾ تُرِكَتْ مُهْمَلَةً لِاشْتِغالِ أهْلِها بِأنْفُسِهِمْ، وقِيلَ: العِشارُ: السَّحائِبُ، فَإنَّ العَرَبَ تُشَبِّهُها بِالحامِلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالحامِلاتِ وِقْرًا﴾ وتَعْطِيلُها: عَدَمُ إمْطارِها، وقُرِئَ "عُطِلَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَإذا الوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أيْ: جُمِعَتْ مِن كُلِّ جانِبٍ، وقِيلَ: بُعِثَتْ لِلْقَصاصِ، قالَ قَتادَةُ: يُحْشَرُ كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الذُّبابُ لِلْقَصّاصِ فَإذا قُضِيَ بَيْنَها رُدَّتْ تُرابًا فَلا يَبْقى مِنها إلّا ما فِيهِ سُرُورٌ لِبَنِي آدَمَ وإعْجابٌ بِصُورَتِهِ كالطّاوُسِ ونَحْوِهِ: وقُرِئَ "حُشِّرَتْ" بِالتَّشْدِيدِ.
﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ أيْ: أُحْمِيَتْ أوْ مُلِئَتْ بِتَفْجِيرِ بَعْضِها إلى بَعْضٍ حَتّى تَعُودَ بَحْرًا واحِدًا مِن سَجَرَ التَّنُّورَ إذا مَلَأهُ بِالحَطَبِ لِيَحْمِيَهُ، وقِيلَ: مُلِئَتْ نِيرانًا تَضْطَرِمُ لِتَعْذِيبِ أهْلِ النّارِ، وعَنِ الحَسَنِ يَذْهَبُ ماؤُها حَتّى لا يَبْقى فِيها قَطْرَةٌ، وقُرِئَ "سُجِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَإذا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أيْ: قُرِنَتْ بِأجْسادِها أوْ قُرِنَتْ كُلُّ نَفْسٍ بِشَكْلِها أوْ بِكِتابِها، أوْ بِعَمَلِها أوْ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ بِالحُورِ، ونُفُوسُ الكافِرِينَ بِالشَّياطِينِ.
﴿وَإذا المَوْءُودَةُ﴾ أيِ: المَدْفُونَةُ حَيَّةً، وكانَتِ العَرَبُ تَئِدُ البَناتَ مَخافَةَ الإمْلاقِ أوْ لُحُوقِ العارِ بِهِمْ مِن أجْلِهِنَّ، قِيلَ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا وُلِدَتْ لَهُ بِنْتٌ ألْبَسَها جُبَّةً مِن صُوفٍ أوْ شَعْرٍ حَتّى إذا بَلَغَتْ سِتَّ سِنِينَ ذَهَبَ بِها إلى الصَّحْراءِ وقَدْ حَفَرَ لَها حُفْرَةً فَيُلْقِيها فِيها ويُهِيلُ عَلَيْها التُّرابَ. وقِيلَ: كانَتِ الحامِلُ إذا قَرُبَتْ حَفَرَتْ حُفْرَةً فَتَمَخَّضَتْ عَلى رَأْسِ الحُفْرَةِ فَإذا ولَدَتْ بِنْتًا رَمَتْ بِها وإنْ ولَدَتِ ابْنًا حَبَسَتْهُ.
﴿سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ تَوْجِيهُ السُّؤالِ إلَيْها لِتَسْلِيَتِها وإظْهارِ كَمالِ الغَيْظِ والسَّخَطِ لِوائِدِها وإسْقاطِهِ عَنْ دَرَجَةِ الخِطابِ والمُبالَغَةِ في تَبْكِيتِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ وقُرِئَ "سَألَتْ" أيْ: خاصَمَتْ أوْ "سَألَتِ" اللَّهَ تَعالى أوْ قاتِلَها وإنَّما قِيلَ: "قُتِلَتْ" لِما أنَّ الكَلامَ إخْبارٌ عَنْها، لا حِكايَةٌ لِما خُوطِبَتْ بِهِ حِينَ سُئِلَتْ لِيُقالَ: قُتِلْتِ عَلى الخِطابِ ولا حِكايَةٌ لِكَلامِها حِينَ سَألَتْ لِيُقالَ: قُتِلْتُ عَلى الحِكايَةِ عَنْ نَفْسِها، وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ بِالتَّشْدِيدِ أيْضًا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ سُئِلَ عَنْ أطْفالِ المُشْرِكِينَ فَقالَ لا يُعَذَّبُونَ (p-116)واحْتَجَّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
﴿وَإذا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ أيْ: صُحُفُ الأعْمالِ فَإنَّها تُطْوى عِنْدَ المَوْتِ وتُنْشَرُ عِنْدَ الحِسابِ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "يُحْشَرُ النّاسُ عُراةً حُفاةً" فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ بِالنِّساءِ؟ فَقالَ: شُغِلَ النّاسُ يا أُمَّ سَلَمَةَ، قالَتْ: وما شَغَلَهُمْ؟ قالَ: نَشْرُ الصُّحُفِ فِيها مَثاقِيلُ الذَّرِّ ومَثاقِيلُ الخَرْدَلِ.» وقِيلَ: نُشِرَتْ أيْ: فُرِّقَتْ بَيْنَ أصْحابِها، وعَنْ مَرْثَدِ بْنِ وداعَةَ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ تَطايَرَتِ الصُّحُفُ مِن تَحْتِ العَرْشِ فَتَقَعُ صَحِيفَةُ المُؤْمِنِ في يَدِهِ في جَنَّةٍ عالِيَةٍ، وتَقَعُ صَحِيفَةُ الكافِرِ في يَدِهِ في سَمُومٍ وحَمِيمٍ، أيْ: مَكْتُوبٌ فِيها ذَلِكَ وهي صُحُفٌ غَيْرُ صُحُفِ الأعْمالِ.
﴿وَإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ قُطِعَتْ وأُزِيلَتْ كَما يُكْشَطُ الإهابُ عَنِ الذَّبِيحَةِ والغِطاءُ عَنِ الشَّيْءِ المَسْتُورِ بِهِ، وقُرِئَ "قَشَطَتْ" واعْتِقابُ الكافِ والقافِ غَيْرُ عَزِيزٍ كالكافُورِ والقافُورِ.
﴿وَإذا الجحيم سُعِّرَتْ﴾ أيْ: أُوقِدَتْ إيقادًا شَدِيدًا، قِيلَ سَعَّرَها غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وخَطايا بَنِي آدَمَ، وقُرِئَ "سُعِرَتْ" بِالتَّخْفِيفِ.
﴿وَإذا الجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ أيْ: قُرِّبَتْ مِنَ المُتَّقِينَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ قِيلَ: هَذِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ خَصْلَةً سِتٌّ مِنها في الدُّنْيا أيْ: فِيما بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ وهُنَّ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ عَلى أنَّ المُرادَ بِحَشْرِ الوُحُوشِ جَمْعُها مِن كُلِّ ناحِيَةٍ لِأبْعَثَها لِلْقَصاصِ وسِتٌّ في الآخِرَةِ أيْ: بَعْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ.
81:14Page 586
عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ ١٤
A soul will [then] know what it has brought [with it].1
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ جَوابُ "إذا" عَلى أنَّ المُرادَ بِها: زَمانٌ واحِدٌ مُمْتَدٌّ يَسَعُ ما في سِباقِها وسِباقِ ما عُطِفَ عَلَيْها مِنَ الخِصالِ مَبْدَؤُهُ النَّفْخَةُ الأُولى، ومُنْتَهاهُ فَصْلُ القَضاءِ بَيْنَ الخَلائِقِ، لَكِنْ لا بِمَعْنى أنَّها تَعْلَمُ ما تَعْلَمُ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الوَقْتِ المَدِيدِ، أوْ عِنْدَ وُقُوعِ داهِيَةٍ مِن تِلْكَ الدَّواهِي، بَلْ عِنْدَ نَشْرِ الصُّحُفِ إلّا أنَّهُ لَمّا كانَ بَعْضُ تِلْكَ الدَّواهِي مِن مُبادِيهِ، وبَعْضُها مِن رَوادِفِهِ نُسِبَ عِلْمُها بِذَلِكَ إلى زَمانِ وقْعِ كُلِّها تَهْوِيلًا لِلْخَطْبِ وتَفْظِيعًا لِلْحالِ، والمُرادُ بِما أحْضَرَتْ: أعْمالَها مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، وبِحُضُورِها إمّا حُضُورُ صَحائِفِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ نَشْرُها، وإمّا حُضُورُ أنْفُسِها عَلى ما قالُوا مِن أنَّ الأعْمالَ الظّاهِرَةَ في هَذِهِ النَّشْأةِ بِصُورَةٍ عَرَضِيَّةٍ تَبْرُزُ في النَّشْأةِ الآخِرَةِ بِصُوَرٍ جَوْهَرِيَّةٍ مُناسِبَةٍ لَهُ في الحُسْنِ والقُبْحِ عَلى كَيْفِيّاتٍ مَخْصُوصَةٍ وهَيْآتٍ مُعَيَّنَةٍ حَتّى إنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَتَجَسَّمُ هُناكَ وتَتَصَوَّرُ بِصُورَةِ النّارِ، وعَلى ذَلِكَ حُمِلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وكَذا قَوْلُهُ (p-117)عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَقِّ مَن يَشْرَبُ مِن آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ "إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ" ولا بُعْدَ في ذَلِكَ ألا يُرى أنَّ العِلْمَ يَظْهَرُ في عالَمِ المِثالِ عَلى صُورَةِ اللَّبَنِ كَما لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ خِبْرَةٌ بِأحْوالِ الحَضَراتِ الخَمْسِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ يُؤْتى بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ عَلى صُورَةٍ حَسَنَةٍ وبِالأعْمالِ السَّيِّئَةِ عَلى صُورَةٍ قَبِيحَةٍ فَتُوضَعُ في المِيزانِ وأيًّا ما كانَ؛ فَإسْنادُ إحْضارِها إلى النَّفْسِ مَعَ أنَّها تَحْضُرُ بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ الآيَةَ، لِأنَّها لَمّا عَمِلَتْها في الدُّنْيا فَكَأنَّها أحْضَرَتْها في المَوْقِفِ، ومَعْنى عِلْمُها بِها حِينَئِذٍ أنَّها تُشاهِدُها عَلى ما هي عَلَيْهِ في الحَقِيقَةِ، فَإنْ كانَتْ صالِحَةً تُشاهِدُها عَلى صُوَرٍ أحْسَنَ مِمّا كانَتْ تُشاهِدُها عَلَيْهِ في الدُّنْيا؛ لِأنَّ الطّاعاتِ لا تَخْلُو فِيها نَوْعُ مَشَقَّةٍ وإنْ كانَتْ سَيِّئَةً تُشاهِدُها عَلى خِلافِ ما كانَتْ تُشاهِدُها عَلَيْهِ هَهُنا؛ لِأنَّها كانَتْ مُزَيِّنَةً لَها مُوافِقَةً لِهَواها، وتَنْكِيرُ النَّفْسِ المُفِيدُ لِثُبُوتِ العِلْمِ المَذْكُورِ لِفَرْدٍ مِنَ النُّفُوسِ أوْ لِبَعْضٍ مِنها؛ لِلْإيذانِ بِأنَّ ثُبُوتَهُ لِجَمِيعِ أفْرادِها قاطِبَةً مِنَ الظُّهُورِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَحُومُ حَوْلَهُ شائِبَةُ اشْتِباهٍ قَطْعًا يَعْرِفُهُ كُلُّ أحَدٍ ولَوْ جِئْ بِعِبارَةٍ تَدُلُّ عَلى خِلافِهِ، ولِلرَّمْزِ إلى أنَّ تِلْكَ النُّفُوسَ العالِمَةَ بِما ذُكِرَ مَعَ تَوَفُّرِ أفْرادِها، وتَكْثُرُ أعْدادُها مِمّا يُسْتَقَلُّ بِالنِّسْبَةِ إلى جَنابِ الكِبْرِياءِ الَّذِي أُشِيرَ إلى بَعْضِ بَدائِعِ شُؤُنِهِ المُنْبِئَةِ عَنْ عِظَمِ سُلْطانِهِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ هَذا مِن قَبِيلِ عَكْسِ كَلامِهِمُ الَّذِي يَقْصِدُونَ بِهِ الإفْراطَ فِيما يُعْكَسُ عَنْهُ، وتَمْثِيلُهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ وبِقَوْلِ مَن قالَ:
؎ قَدْ أتْرُكُ القِرْنَ مُصْفَرًّا أنامِلُهُ
، وبُقُولِ مَن قالَ حِينَ سُئِلَ عَنْ عَدَدِ فُرْسانِهِ:
؎ رُبَّ فارِسٍ عِنْدِي وعِنْدُهُ المَقانِبُ
، قاصِدًا بِذَلِكَ التَّمادِي في تَكْثِيرِ فُرْسانِهِ وإظْهارِ بَراءَتِهِ مِنَ التَّزَيُّدِ وأنَّهُ مِمَّنْ يُقَلِّلُ كَثِيرَ ما عِنْدَهُ فَضْلًا أنْ يَتَزَيَّدَ، فَمِن لَوائِحِ النَّظَرِ الجَلِيلِ إلّا أنَّ الكَلامَ المَعْكُوسَ عَنْهُ فِيما ذُكِرَ مِنَ الأمْثِلَةِ مِمّا يَقْبَلُ الإفْراطَ والتَّمادِيَ فِيهِ فَإنَّهُ في الأوَّلِ كَثِيرًا ما يَوَدُّ وفي الثّانِي كَثِيرًا ما أتْرُكُ، وفي الثّالِثِ كَثِيرٌ مِنَ الفُرْسانِ وكُلُّ واحِدٍ مِن ذَلِكَ قابِلٌ لِلْإفْراطِ، والمُبالَغَةِ فِيهِ لِعَدَمِ انْحِصارِ مَراتِبِ الكَثْرَةِ وقَدْ قُصِدَ بِعَكْسِهِ ما ذُكِرَ مِنَ التَّمادِي في التَّكْثِيرِ حَسْبَما فَضِلَ أمّا فِيما نَحْنُ فِيهِ فالكَلامُ الَّذِي عَكَسَ عَنْهُ عَلِمَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما أحْضَرَتْ كَما صَرَّحَ بِهِ القائِلُ ولَيْسَ فِيهِ إمْكانُ التَّكْثِيرِ حَتّى يُقْصَدَ بِعَكْسِهِ المُبالَغَةُ والتَّمادِي فِيهِ وإنَّما الَّذِي يُمْكِنُ فِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ ما ذَكَرْناهُ فَتَأمَّلْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْإشْعارِ بِأنَّهُ إذا عَلِمَتْ حِينَئِذٍ نَفْسٌ مِنَ النُّفُوسِ ما أحْضَرَتْ وجَبَ عَلى كُلِّ نَفْسٍ إصْلاحُ عَمَلِها مَخافَةَ أنْ تَكُونَ هي تِلْكَ الَّتِي عَلِمَتْ ما أحْضَرَتْ فَكَيْفَ وكُلُّ نَفْسٍ تَعْلَمُهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِكَ لِمَن تَنْصَحُهُ: "لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ" ورُبَّما نَدِمَ الإنْسانُ عَلى ما فَعَلَ فَإنَّكَ لا تُقْصَدُ بِذَلِكَ أنَّ نَدَمَهُ مَرْجُوُّ الوُجُودِ لا مُتَيَقَّنٍ بِهِ أوْ نادِرُ الوُقُوعِ بَلْ تُرِيدُ أنَّ العاقِلَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَجْتَنِبَ أمْرًا يُرْجى فِيهِ النَّدَمُ أوْ قَلَّمًا يَقَعُ فِيهِ، فَكَيْفَ بِهِ إذا كانَ قَطْعِيَّ الوُجُودِ كَثِيرَ الوُجُودِ.
﴿فَلا أُقْسِمُ بِالخُنَّسِ﴾ أيِ: الكَواكِبِ الرَّواجِعِ، مِن خَنَسَ إذا تَأخَّرَ، وهي ما عَدّا النَّيَّرِينَ مِنَ الدَّرارِيِّ الخَمْسَةِ وهي بُهْرامُ وزُحَلُ وعُطارِدُ والزُّهْرَةُ والمُشْتَرِي، وُصِفَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: *
(p-118)﴿الجَوارِ الكُنَّسِ﴾ لِأنَّها تَجْرِي مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وتَرْجِعُ حَتّى تَخْفى تَحْتَ ضَوْءِ الشَّمْسِ، فَخُنُوسُها: رُجُوعُها وكُنُوسُها: اخْتِفاؤُها تَحْتَ ضَوْئِها، مِن كَنَسَ الوَحُشِيُّ إذا دَخَلَ كِناسَهُ وهو البَيْتُ الَّذِي يَتَّخِذُهُ مِن أغْصانِ الشَّجَرِ. وقِيلَ: هي جَمِيعُ الكَواكِبِ تَخْنِسُ بِالنَّهارِ فَتَغِيبُ عَنِ العُيُونِ، وتَكْنِسُ بِاللَّيْلِ أيْ: تَطْلُعُ في أماكِنِها كالوَحْشِ في كُنُسِها.
﴿واللَّيْلِ إذا عَسْعَسَ﴾ أيْ: أدْبَرَ ظَلامُهُ أوْ أقْبَلَ، فَإنَّهُ مِنَ الأضْدادِ وكَذَلِكَ "عَسَعَسَ"، قالَ الفَرّاءُ: أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ مَعْنى عَسْعَسَ أدْبَرَ عَلَيْهِ قَوْلُ العَجّاجِ:
؎ حَتّى إذا الصُّبْحُ لَها تَنَفَّسا ∗∗∗ وانْجابَ عَنْها لَيْلُها وعَسْعَسا
وَقِيلَ: هي لُغَةُ قُرَيْشٍ خاصَّةً، وقِيلَ: مَعْنى إقْبالِ ظَلامِهِ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: *
﴿والصُّبْحِ إذا تَنَفَّسَ﴾ لِأنَّهُ أوَّلُ النَّهارِ، وقِيلَ: إدْبارُهُ أقْرَبُ مِن تَنَفُّسِ الصُّبْحِ ومَعْناهُ: أنَّ الصُّبْحَ إذا أقْبَلَ يُقْبِلُ بِإقْبالِهِ رَوْحٌ ونَسِيمٌ، فَجَعَلَ ذَلِكَ نَفَسًا لَهُ مَجازًا، فَقِيلَ "تَنَفَّسَ الصُّبْحُ".
81:19Page 586
إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ ١٩
[That] indeed, it [i.e., the Qur’ān] is a word [conveyed by] a noble messenger [i.e., Gabriel]
﴿إنَّهُ﴾ أيِ: القرآن الكَرِيمَ النّاطِقَ بِما ذُكِرَ مِنَ الدَّواهِي الهائِلَةِ.
﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ وهو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
81:20Page 586
ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ ٢٠
[Who is] possessed of power and with the Owner of the Throne, secure [in position],
﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ شَدِيدَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ . وقِيلَ: المُرادُ: القُوَّةُ في أداءِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وتَرْكِ الإخْلالِ بَها مِن أوَّلِ الخَلْقِ إلى آخِرِ زَمانِ التَّكْلِيفِ.
﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ ذِي مَكانَةٍ رَفِيعَةٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، عِنْدِيَّةُ إكْرامٍ وتَشْرِيفٍ، لا عِنْدِيَّةُ مَكانٍ.
﴿مُطاعٍ﴾ فِيما بَيْنَ مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ يُصْدِرُونَ عَنْ أمْرِهِ ويَرْجِعُونَ إلى رَأْيِهِ.
﴿ثَمَّ أمِينٍ﴾ عَلى الوَحْيِ و"ثُمَّ" ظَرْفٌ لِما قَبْلَهُ، وقِيلَ: لِما بَعْدَهُ، وقُرِئَ "ثُمَّ" تَعْظِيمًا لِوَصْفِ الأمانَةِ وتَفْضِيلًا لَها عَلى سائِرِ الأوْصافِ.
81:22Page 586
وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ ٢٢
And your companion [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ) ] is not [at all] mad.1
﴿وَما صاحِبُكُمْ﴾ هو رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
﴿بِمَجْنُونٍ﴾ كَما تَبْهَتُهُ الكَفَرَةُ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ المُصاحَبَةِ؛ لِلتَّلْوِيحِ بِإحاطَتِهِمْ بِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَبَرًا، وعِلْمُهم بِنَزاهَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ بِالكُلِّيَّةِ، وقَدْ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى فَضْلِ جِبْرِيلَ عَلْيِهِ - عَلَيْهِما السَّلامُ - لِلتَّبايُنِ البَيِّنِ بَيْنَ وصْفَيْهِما وهو ضَعِيفٌ؛ إذِ المَقْصُودُ رَدُّ قَوْلِ الكَفَرَةِ في حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إنَّما يَعْلِّمُهُ بَشَرٌ أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ؟ لا تَعْدادُ فَضائِلِهِما والمُوازَنَةُ.
81:23Page 586
وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ ٢٣
And he has already seen him [i.e., Gabriel] in the clear horizon.1
(p-119)﴿وَلَقَدْ رَآهُ﴾ أيْ: وبِاللَّهِ لَقَدْ رَأى رَسُولُ اللَّهِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿بِالأُفُقِ المُبِينِ﴾ بِمَطْلَعِ الشَّمْسِ الأعْلى.
81:24Page 586
وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ ٢٤
And he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] is not a withholder of [knowledge of] the unseen.1
﴿وَما هُوَ﴾ أيْ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
﴿عَلى الغَيْبِ﴾ عَلى ما يُخْبِرُهُ مِنَ الوَحْيِ إلَيْهِ وغَيْرِهِ مِنَ الغُيُوبِ.
﴿بِضَنِينٍ﴾ أيْ: بِبَخِيلٍ لا يَبْخَلُ بِالوَحْيِ، ولا يُقَصِّرُ في التَّبْلِيغِ والتَّعْلِيمِ، وقُرِئَ "بِظَنِينٍ" أيْ: بِمُتَّهَمٍ، مِنَ الظِّنَّةِ وهي التُّهْمَةُ.
81:25Page 586
وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ ٢٥
And it [i.e., the Qur’ān] is not the word of a devil, expelled [from the heavens].
﴿وَما هو بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ أيْ: قَوْلِ بَعْضِ المُسْتَرِقَةِ لِلسَّمْعِ وهو نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ كِهانَةٌ وسِحْرٌ.
﴿فَأيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ اسْتِضْلالٌ لَهم فِيما يَسْلُكُونَهُ في أمْرِ القرآن، والفاءُ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن ظُهُورِ أنَّهُ وحْيٌ مُبِينٌ، ولَيْسَ مِمّا يَقُولُونَ في شَيْءٍ، كَما تَقُولُ لِمَن تَرَكَ الجادَّةَ بَعْدَ ظُهُورِها: "هَذا الطَّرِيقُ الواضِحُ فَأيْنَ تَذْهَبُ".
﴿إنْ هُوَ﴾ ما هو.
﴿إلا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ مَوْعِظَةٌ وتَذْكِيرٌ لَهم.
81:28Page 586
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ ٢٨
For whoever wills among you to take a right course.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكُمْ﴾ بَدَلٌ مِنَ "العالَمِينَ" بِإعادَةِ الجارِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ يَسْتَقِيمَ﴾ مَفْعُولُ "شاءَ" أيْ: لِمَن شاءَ مِنكُمُ الأسْتِقامَةَ بِتَحَرِّي الحَقِّ ومُلازِمَةِ الصَّوابِ، وإبْدالُهُ مِنَ "العالَمِينَ" لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِالتَّذْكِيرِ.
81:29Page 586
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩
And you do not will except that Allāh wills - Lord of the worlds.
﴿وَما تَشاءُونَ﴾ أيِ: الأسْتِقامَةَ مَشِيئَةً مُسْتَتْبَعَةً لَها في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ.
﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ أيْ: إلّا وقْتَ أنْ يَشاءَ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ المَشِيئَةَ أيِ: المُسْتَتْبِعَةُ لِلِاسْتِقامَةِ، فَإنَّ مَشِيئَتَكم لا تَسْتَتْبِعُها بِدُونِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى لَها.
﴿رَبُّ العالَمِينَ﴾ مالِكُ الخَلْقِ ومُرَبِّيهم أجْمَعِينَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ التَّكْوِيرِ أعاذَهُ اللَّهُ أنْ يَفْضَحَهُ حِينَ تُنْشَرُ صَحِيفَتُهُ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences