Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
النازعات
An-Nazi'at
Those who drag forth · Meccan · 46 ayahs
79:1–5Page 583
وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا ١
By those [angels] who extract with violence1
وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا ٢
And [by] those who remove with ease1
وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا ٣
And [by] those who glide [as if] swimming1
فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا ٤
And those who race each other in a race1
فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا ٥
And those who arrange [each] matter,1
سُورَةُ النّازِعاتِ مَكِّيَّةٌ آياتُها سِتٌّ وأرْبَعُونَ
﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا﴾ ﴿والنّاشِطاتِ نَشْطًا﴾ ﴿والسّابِحاتِ سَبْحًا﴾ ﴿فالسّابِقاتِ سَبْقًا﴾ ﴿فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ إقْسامٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِطَوائِفِ المَلائِكَةِ الَّذِينَ يَنْزِعُونَ الأرْواحَ مِنَ الأجْسادِ عَلى الإطْلاقِ، كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، ومُجاهِدٌ، أوْ أرْواحَ الكَفَرَةِ، كَما قالَهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومَسْرُوقٌ، ويَنْشِطُونَها، أيْ: يُخْرِجُونَها مِنَ الأجْسادِ مِن نَشَطَ الدَّلْوَ مِنَ البِئْرِ: إذا أخْرَجَها، ويَسْبَحُونَ في إخْراجِها سَبْحَ الغَوّاصِ الَّذِي يُخْرِجُ مِنَ البَحْرِ ما يَخْرُجُ، فَيَسْبِقُونَ بِأرْواحِ الكَفَرَةِ إلى النّارِ وبِأرْواحِ المُؤْمِنِينَ إلى الجَنَّةِ، فَيُدَبِّرُونَ أمْرَ عِقابِها وثَوابِها، بِأنْ يُهَيِّؤُها لِإدْراكِ ما أُعِدَّ لَها مِنَ الآلامِ واللَّذّاتِ، والعَطْفُ مَعَ اتِّحادِ الكُلِّ بِتَزَيُّلِيْ التَّغايُرِ الذّاتِيِّ، كَما في قَوْلِهِ:(p-96)
؎ إلى المَلِكِ القَرِمِ وابْنِ الهُمامِ... ولَيْثِ الكَتائِبِ في المُزْدَحَمْ
لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الأوْصافِ المَعْدُودَةِ مِن مُعَظَّماتِ الأُمُورِ حَقِيقٌ بِأنْ يَكُونَ عَلى حِيالِهِ مَناطًا لِاسْتِحْقاقِ مَوْصُوفِهِ لِلْإجْلالِ والإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ مِن غَيْرِ انْضِمامِ الأوْصافِ الأُخَرِ إلَيْهِ، والفاءُ في الأخِيرَيْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِهِما عَلى ما قَبْلَهُما بِغَيْرِ مُهْلَةٍ، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلَحارِثِ الصّا ∗∗∗ بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
وَ"غَرْقًا" مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ، أيْ: إغْراقًا في النَّزْعِ حَيْثُ تَنْزِعُها مِن أقاصِيِّ الأجْسادِ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: تَنْزِعُ رُوحَ الكافِرِ مِن جَسَدِهِ مِن تَحْتِ كُلِّ شَعْرَةٍ ومِن تَحْتِ الأظافِيرِ وأُصُولِ القَدَمَيْنِ، ثُمَّ تُغْرِقُها في جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنْزِعُها حَتّى إذا كادَتْ تَخْرُجُ تَرُدُّها في جَسَدِهِ، فَهَذا عَمَلُها بِالكُفّارِ، وقِيلَ: يَرى الكافِرُ نَفْسَهُ في وقْتِ النَّزْعِ، كَأنَّها تَغْرَقُ، وانْتِصابُ "نَشْطًا" و"سَبْحًا" و"سَبْقًا" أيْضًا عَلى المَصْدَرِيَّةِ، وأمّا "أمْرًا" فَمَفْعُولٌ لِـ"المُدَبِّراتِ" وتَنْكِيرُهُ ولِلتَّهْوِيلِ والتَّفْخِيمِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالسّابِحاتِ وما بَعْدَها طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْبَحُونَ في مُضِيِّهِمْ، أيْ: يُسْرِعُونَ فِيهِ فَيَسْبِقُونَ إلى ما أُمِرُوا بِهِ مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ والأُخْرَوِيَّةِ، والمُقْسَمُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ تَعْوِيلًا عَلى إشارَةِ ما قَبْلَهُ مِنَ المُقْسَمِ بِهِ إلَيْهِ، ودَلالَةِ ما بَعْدَهُ مِن أحْوالِ القِيامَةِ عَلَيْهِ وهو "لَتَبْعَثُنَّ"، فَإنَّ الإقْسامَ بِمَن يَتَوَلّى نَزْعَ الأرْواحِ ويَقُومُ بِتَدْبِيرِ أُمُورِها يُلَوِّحُ بِكَوْنِ المُقْسَمِ عَلَيْهِ مِن قَبِيلِ تِلْكَ الأُمُورِ لا مَحالَةَ، وفِيهِ مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ إقْسامًا بِالنُّجُومِ الَّتِي تَنْزِعُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ غَرْقًا في النَّزْعِ بِأنْ تَقْطَعَ الفَلَكَ حَتّى تَنْحَطَّ في أقْصى الغَرْبِ، وتَنْشَطَ مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ، أيْ: تَخْرُجُ مَن نَشَطِ الثَّوْرِ إذا خَرَجَ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وتَسْبَحُ في الفَلَكِ فَيَسْبِقُ بَعْضُها بَعْضًا فَتُدَبِّرُ أمْرًا نِيطَ بِها كاخْتِلافِ الفُصُولِ وتَقْدِيرِ الأزْمِنَةِ وتَبَيُّنِ مَواقِيتِ العِباداتِ، وحَيْثُ كانَتْ حَرَكاتُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ قَسْرِيَّةً، وحَرَكاتُها مِن بُرْجٍ إلى بُرْجٍ مُلائِمَةً، عَبَّرَ عَنِ الأُولى بِالنَّزْعِ، وعَنِ الثّانِي بِالنَّشِطِ، أوْ بِأنْفُسِ الغُزاةِ، أوْ أيْدِيهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ القِسِيَّ بِإغْراقِ السِّهامِ، ويَنْشَطُونَ بِالسَّهْمِ لِلرَّمْيِ ويَسْبَحُونَ في البَرِّ والبَحْرِ فَيَسْبِقُونَ إلى حَرْبِ العَدُوِّ فَيُدَبِّرُونَ أمْرَها، أوْ بِخَيْلِهِمُ الَّتِي تَنْزِعُ في أعِنَّتِها نَزْعًا تَغْرَقُ فِيهِ الأعِنَّةُ لِطُولِ أعْناقِها؛ لِأنَّها عِرابٌ، وتَخْرُجُ مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ وتَسْبَحُ في جَرْيِها لِتَسْبِقَ إلى الغابَةِ فَتُدَبِّرُ أمْرَ الظَّفَرِ والغَلَبَةِ، وإسْنادُ التَّدْبِيرِ إلَيْها؛ لِأنَّها مِن أسْبابِهِ هَذا، والَّذِي يَلِيقُ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ هو الأوَّلُ، قَوْلُهُ تَعالى:
79:6Page 583
يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ ٦
On the Day the blast [of the Horn] will convulse [creation],
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ﴾ مَنصُوبٌ بِالجَوابِ المُضْمَرِ، والمُرادُ بِالرّاجِفَةِ: الواقِعَةُ الَّتِي تَرْجُفُ عِنْدَها الأجْرامُ السّاكِنَةُ أيْ: تَتَحَرَّكُ حَرَكَةً شَدِيدَةً وتَتَزَلْزَلُ زَلْزَلَةً عَظِيمَةً كالأرْضِ والجِبالِ، وهي النَّفْخَةُ الأُولى، وقِيلَ: الرَّجْفَةُ الأرْضُ والجِبالُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿تَتْبَعُها الرّادِفَةُ﴾ أيِ: الواقِعَةُ الَّتِي تُرْدِفُ الأُولى وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ تابِعَةٌ لَها لا قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنَّهُ عِبارَةٌ عَنِ الزَّمانِ المُمْتَدِّ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ النَّفْخَتانِ وبَيْنَهُما أرْبَعُونَ سَنَةً، واعْتِبارُ امْتِدادِهِ مَعَ أنَّ البَعْثَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ لِتَهْوِيلِ اليَوْمِ بِبَيانِ كَوْنِهِ مَوْقِعًا (p-97)لِداهِيَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ لا يَبْقى عِنْدَ وُقُوعِ الأُولى حَيٌّ إلّا ماتَ، ولا عِنْدَ وُقُوعِ الثّانِيَةِ إلّا بُعِثَ وقامَ، ووَجْهُ إضافَتِهِ إلى الأُولى ظاهِرٌ، وقِيلَ: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ مَنصُوبٌ بِ"اذْكُرْ" فَتَكُونُ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِمَضْمُونِ الجَوابِ المُضْمَرِ، كَأنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اذْكُرْ لَهم يَوْمَ النَّفْخَتَيْنِ فَإنَّهُ وقْتُ بَعْثِهِمْ، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ أيْ: يَوْمَ تَرْجُفُ وجِفْتِ القُلُوبُ، قِيلَ: قُلُوبٌ مُبْتَدَأٌ و"يَوْمَئِذٍ" مُتَعَلِّقٌ بِـ"واجِفَةٌ"، وهي صِفَةٌ لِـ"قُلُوبٌ" مُسَوِّغَةٌ لِوُقُوعِهِ مُبْتَدَأً، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أبْصارُها﴾ أيْ: أبْصارُ أصْحابِها.
﴿خاشِعَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ وقَعَتْ خَبَرًا لِـ"قُلُوبٌ"، وقَدْ مَرَّ أنَّ حَقَّ الصِّفَةِ أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةَ الأنْتِسابِ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ، حَتّى قالُوا: إنَّ الصِّفاتِ قَبْلَ العِلْمِ بِها أخْبارٌ، والأخْبارُ بَعْدَ العِلْمِ بِها صِفاتٌ، فَحَيْثُ كانَ ثُبُوتُ الوَجِيفِ لِلْقُلُوبِ وثُبُوتُ الخُشُوعِ لِأبْصارِ أصْحابِها سَواءً في المَعْرِفَةِ والجَهالَةِ، كانَ جَعْلُ الأوَّلِ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ مُسَلَّمَ الثُّبُوتِ مَفْرُوغًا عَنْهُ، وجَعْلُ الثّانِي مُخْبَرًا بِهِ مَقْصُودَ الإفادَةِ تَحَكُّمًا بَحْتًا عَلى أنَّ الوَجِيفَ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ شِدَّةِ اضْطِرابِ القَلْبِ وقَلَقِهِ مِنَ الخَوْفِ والوَجَلِ أشَدُّ مِن خُشُوعِ البَصَرِ وأهْوَلُ، فَجَعَلَ أهْوَنَ الشَّرَّيْنِ عُمْدَةً وأشَدَّهُما فَضْلَةً مِمّا لا عَهْدَ لَهُ في الكَلامِ، وأيْضًا فَتَخْصِيصُ الخُشُوعِ بِقُلُوبٍ مَوْصُوفَةٍ بِصِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ غَيْرِ مُشْعِرَةٍ بِالعُمُومِ والشُّمُولِ تَهْوِينٌ لِلْخَطْبِ في مَوْقِعِ التَّهْوِيلِ، فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: تَنْكِيرُ "قُلُوبٌ" يَقُومُ مَقامَ الوَصْفِ المُخْتَصِّ سَواءٌ عَلى حَمْلِ التَّنْوِيعِ كَما قِيلَ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْ النَّوْعَ المُقابِلَ فَإنَّ المَعْنى مُنْسَحِبٌ عَلَيْهِ، أوْ عَلى التَّكْثِيرِ كَما في شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ، فَإنَّ التَّفْخِيمَ كَما يَكُونُ بِالكَيْفِيَّةِ يَكُونُ بِالكَمِّيَّةِ أيْضًا، كَأنَّهُ قِيلَ: قُلُوبٌ كَثِيرَةٌ يَوْمَ إذْ يَقَعُ النَّفْخَتانِ واجِفَةٌ، أيْ: شَدِيدَةُ الاضْطِرابِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خائِفَةٌ وجِلَةٌ، وقالَ السُّدِّيُ: زائِلَةٌ عَنْ أماكِنِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ﴾، وقَوْلُهُ تَعالى:
79:10Page 583
يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ ١٠
They are [presently] saying, "Will we indeed be returned to [our] former state [of life]?
﴿يَقُولُونَ أإنّا لَمَرْدُودُونَ في الحافِرَةِ﴾ حِكايَةٌ لِما يَقُولُهُ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ المُكَذِّبُونَ بِالآياتِ النّاطِقَةِ بِهِ إثْرَ بَيانِ وُقُوعِهِ بِطَرِيقِ التَّوْكِيدِ القَسَمِيِّ، وذِكْرِ مُقَدَّماتِهِ الهائِلَةِ وما يَعْرِضُ عِنْدَ وُقُوعِها لِلْقُلُوبِ والأبْصارِ، أيْ: يَقُولُونَ إذا قِيلَ لَهُمْ: إنَّكم تَبْعَثُونَ مُنْكِرِينَ لَهُ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ: أئِنّا لَمَرْدُودُونَ بَعْدَ مَوْتِنا في الحافِرَةِ، أيْ: في الحالَةِ الأُولى يَعْنُونَ الحَياةَ مِن قَوْلِهِمْ: رَجَعَ فُلانٌ في حافِرَتِهِ، أيْ: في طَرِيقَتِهِ الَّتِي جاءَ فِيها فَحَفَرَها، أيْ: أثَّرَ فِيها بِمَشْيِهِ، وتَسْمِيَتُها حافِرَةً مَعَ أنَّها مَحْفُورَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ: مَنسُوبَةٌ إلى الحَفْرِ والرِّضا، أوْ كَقَوْلِهِمْ: نَهارُهُ صائِمٌ عَلى تَشْبِيهِ القابِلِ بِالفاعِلِ، وقُرِئَ: (فِي الحُفْرَةِ) وهي بِمَعْنى المَحْفُورَةُ.
(p-98)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾
﴿أإذا كُنّا عِظامًا نَخِرَةً﴾ تَأْكِيدٌ لِإنْكارِ الرَّدِّ ونَفْيِهِ بِنِسْبَتِهِ إلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ، والعامِلُ في إذا مُضْمَرٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ "مَرْدُودُونَ"، أيْ: أئِذا كُنّا عِظامًا بالِيَةً نُرَدُّ ونُبْعَثُ مَعَ كَوْنِها أبْعَدَ شَيْءٍ مِنَ الحَياةِ، وقُرِئَ: إذا كُنّا عَلى الخَبَرِ، أوْ إسْقاطِ حَرْفِ الإنْكارِ، وناخِرَةٌ مِن نَخَرَ العَظْمُ فَهو نَخِرٌ وناخِرٌ، وهو البالِي الأجْوَفُ الَّذِي يَمُرُّ بِهِ الرِّيحُ فَيُسْمَعُ لَهُ نَخِيرٌ.
79:12Page 583
قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ ١٢
They say, "That, then, would be a losing return."1
﴿قالُوا﴾ حِكايَةً لِكُفْرِ آخِرِهِمْ مُتَفَرِّعٍ عَلى كُفْرِهِمُ السّابِقِ، ولَعَلَّ تَوْسِيطَ "قالُوا" بَيْنَهُما لِلْإيذانِ بِأنَّ صُدُورَ هَذا الكُفْرِ عَنْهم لَيْسَ بِطَرِيقِ الاطِّرادِ والاسْتِمْرارِ مِثْلَ كُفْرِهِمُ السّابِقِ المُسْتَمِرِّ صُدُورُهُ عَنْهم في كافَّةِ أوْقاتِهِمْ، حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ حِكايَتُهُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، أيْ: قالُوا بِطَرِيقِ الأسْتِهْزاءِ مُشِيرِينَ إلى ما أنْكَرُوهُ مِنَ الرِّدَّةِ في الحافِرَةِ مُشْعِرِينَ بِغايَةِ بُعْدِها مِنَ الوُقُوعِ ﴿تِلْكَ إذًا كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ أيْ: ذاتُ خُسْرانٍ، أوْ خاسِرَةٌ أصْحابُها، أيْ: إنْ صَحَّتْ فَنَحْنُ إذَنْ خاسِرُونَ لِتَكْذِيبِنا بِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِمُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ إنْكارُهم لِإحْياءِ العِظامِ النَّخِرَةِ الَّتِي عَبَّرُوا عَنْها بِالكَرَّةِ، فَإنَّ مَدارَهُ لَمّا كانَ اسْتِصْعابُهم إيّاها رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقِيلَ: لا تَسْتَصْعِبُوها، فَإنَّما هي صَيْحَةٌ واحِدَةٌ، أيْ: حاصِلَةٌ بِصَيْحَةٍ واحِدَةٍ، وهي النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ عَبَّرَ عَنْها بِها تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ اتِّصالِها بِها كَأنَّها عَيْنُها، وقِيلَ: "هِيَ" راجِعٌ إلى "الرّادِفَةُ"، فَقَوْلُهُ تَعالى:
79:14Page 583
فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ ١٤
And suddenly they will be [alert] upon the earth's surface.
﴿فَإذا هم بِالسّاهِرَةِ﴾ حِينَئِذٍ بَيانٌ لِتَرَتُّبِ الكَرَّةِ عَلى الزَّجْرَةِ مُفاجَأةً، أيْ: فَإذا هم أحْياءٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ بَعْدَ ما كانُوا أمْواتًا في جَوْفِها، وعَلى الأوَّلِ بَيانٌ لِحُضُورِهِمُ المَوْقِفَ عَقِيبَ الكَرَّةِ الَّتِي عَبَّرَ عَنْها بِالزَّجْرَةِ، والسّاهِرَةُ الأرْضُ البَيْضاءُ المُسْتَوِيَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ السَّرابَ يَجْرِي فِيها مِن قَوْلِهِمْ: "عَيْنٌ ساهِرَةٌ" جارِيَةُ الماءِ وفي ضِدِّها نائِمَةٌ، وقِيلَ: لِأنَّ سالِكَها لا يَنامُ خَوْفَ الهَلَكَةِ، وقِيلَ: اسْمٌ لِـ"جَهَنَّمَ"، وقالَ الرّاغِبُ: هي وجْهُ الأرْضِ، وقِيلَ: هي أرْضُ القِيامَةِ. ورَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ السّاهِرَةَ أرْضٌ مِن فِضَّةٍ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها قَطُّ خَلَقَها حِينَئِذٍ، وقِيلَ: هي أرْضٌ يُجَدِّدُها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ، وقِيلَ: هي اسْمُ الأرْضِ السّابِعَةِ يَأْتِي بِها اللَّهُ تَعالى فَيُحاسِبُ الخَلائِقَ عَلَيْها، وذَلِكَ حِينَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: السّاهِرَةُ أرْضُ الشّامِ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: جَبَلُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: السّاهِرَةُ بِمَعْنى الصَّحْراءِ عَلى شَفِيرِ جَهَنَّمَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ وارِدٌ لِتَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن تَكْذِيبِ قَوْمِهِ بِأنَّهُ يُصِيبُهم مِثْلَ ما أصابَ (p-99)مَن كانَ أقْوى مِنهم وأعْظَمَ، ومَعْنى "هَلْ أتاكَ": إنِ اعْتُبِرَ هَذا أوَّلَ ما أتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَدِيثِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ تَرْغِيبٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في اسْتِماعِ حَدِيثِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ أتاكَ حَدِيثُهُ؟ أنا أُخْبِرُكَ بِهِ وإنِ اعْتُبِرَ إتْيانُهُ قَبْلَ هَذا، وهو المُتَبادَرُ مِنَ الإيجازِ في الأقْتِصاصِ، حَمَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى أنْ يُقِرَّ بِأمْرٍ يَعْرِفُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ألَيْسَ قَدْ أتاكَ حَدِيثُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
79:16Page 584
إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى ١٦
When his Lord called to him in the sacred valley of Ṭuwā,
﴿إذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ ظَرْفٌ لِلْحَدِيثِ لا لِلْإتْيانِ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما.
﴿طُوًى﴾ بِضَمِّ الطّاءِ غَيْرُ مُنَوَّنٍ، وقُرِئَ: مُنَوَّنًا، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ مُنَوَّنًا وغَيْرَ مُنَوَّنٍ، فَمَن نَوَّنَّهُ أوَّلَهُ بِالمَكانِ دُونَ البُقْعَةِ، وقِيلَ: هو كَثَنى مَصْدَرٌ لَنادى، أوِ المُقَدَّسِ، أيْ: ناداهُ نِدائَيْنِ، أوِ المُقَدَّسِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى.
79:17Page 584
ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧
"Go to Pharaoh. Indeed, he has transgressed.
﴿اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ﴾ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، وقِيلَ: هو تَفْسِيرٌ لِلنِّداءِ، أيْ: ناداهُ اذْهَبْ، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ "أنِ" المُفَسِّرَةِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: (أنِ اذْهَبْ) لِأنَّ في النِّداءِ مَعْنى القَوْلِ.
﴿إنَّهُ طَغى﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ، أوْ لِوُجُوبِ الأمْتِثالِ بِهِ.
79:18Page 584
فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ ١٨
And say to him, 'Would you [be willing to] purify yourself
﴿فَقُلْ﴾ بَعْدَما أتَيْتَهُ.
﴿هَلْ لَكَ﴾ رَغْبَةٌ وتَوَجُّهٌ.
﴿إلى أنْ تَزَكّى﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ مَن تَتَزَكّى، أيْ: تَتَطَهَّرُ مِن دَنَسِ الكُفْرِ والطُّغْيانِ، وقُرِئَ: (تَزَّكّى) بِالتَّشْدِيدِ.
79:19Page 584
وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ ١٩
And let me guide you to your Lord so you would fear [Him]?'"
﴿وَأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ﴾ وأُرْشِدَكَ إلى مَعْرِفَتِهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِفَهُ.
﴿فَتَخْشى﴾ إذِ الخَشْيَةُ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ تَعالى، قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ وجَعْلُ الخَشْيَةِ غايَةً لِلْهِدايَةِ؛ لِأنَّها مَلاكُ الأمْرِ، مَن خَشِيَ اللَّهَ تَعالى أتى مِنهُ كُلُّ خَيْرٍ، ومَن أمِنَ اجْتَرَأ عَلى كُلِّ شَرٍّ، أُمِرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنْ يُخاطِبَهُ بِالاسْتِفْهامِ الَّذِي مَعْناهُ العَرْضُ؛ لِيَسْتَدْعِيَهُ بِالتَّلَطُّفِ في القَوْلِ، ويَسْتَنْزِلَهُ بِالمُداراةِ مِن عُتُوِّهِ، وهَذا ضَرْبُ تَفْصِيلٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى﴾ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَأراهُ الآيَةَ الكُبْرى﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمَلٍ قَدْ طُوِيَتْ تَعْوِيلًا عَلى تَفْصِيلِها في السُّوَرِ الأُخْرى، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أراهُ إيّاها عَيْبُ هَذا الأمْرِ، بَلْ بَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ما جَرى مِنَ الأسْتِدْعاءِ والإجابَةِ وغَيْرِهِما مِنَ المُراجَعاتِ، وبَعْدَ ما جَرى بَيْنَهُ وبَيْنَ فِرْعَوْنٍ ما جَرى مِنَ المُحاوَراتِ إلى أنْ قالَ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ والإراءَةُ إمّا بِمَعْنى التَّبْصِيرِ أوِ التَّعْرِيفِ، فَإنَّ اللَّعِينَ حِينَ أبْصَرَها عَرَفَها، وادِّعاءُ سِحْرِيَّتِها إنَّما كانَ إراءَةً مِنهُ وإظْهارًا لِلتَّجَلُّدِ، ونِسْبَتُها إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالنَّظَرِ إلى الظّاهِرِ، كَما أنَّ نِسْبَتَها إلى نُونِ العَظَمَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرَيْناهُ آياتِنا﴾ بِالنَّظَرِ (p-100)إلى الحَقِيقَةِ، والمُرادُ بِالآيَةِ الكُبْرى: قَلْبُ العَصا حَيَّةً، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، فَإنَّها كانَتِ المُقَدِّمَةَ والأصْلَ والأُخْرى كالتَّبَعِ لَها أوْ هُما جَمِيعًا، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، فَإنَّهُما كالآيَةِ الواحِدَةِ، وقَدْ عَبَّرَ عَنْهُما بِصِيغَةِ الجَمْعِ حَيْثُ قالَ: اذْهَبْ أنْتَ وأخُوكَ بِآياتِي بِاعْتِبارِ ما في تَضاعِيفِهِما مِن بَدائِعِ الأُمُورِ الَّتِي كُلٌّ مِنها آيَةٌ بَيِّنَةٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ كَما في سُورَةِ طَه، ولا مَساغَ لِحَمْلِها عَلى مَجْمُوعِ مُعْجِزاتِهِ، فَإنَّ ما عَدا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِنَ الآياتِ التِّسْعِ، إنَّما ظَهَرَتْ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ ما غَلَبَ السحرةَ عَلى مَهَلٍ في نَحْوٍ مِن عِشْرِينَ سَنَةً كَما مَرَّ في سُورَةِ الأعْرافِ، ولا رَيْبَ في أنَّ هَذا مَطْلَعُ القِصَّةِ وأمْرُ السحرةِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ.
﴿فَكَذَّبَ﴾ بِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسَمّى مُعْجِزاتِهِ سِحْرًا.
﴿وَعَصى﴾ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِالتَّمَرُّدِ بَعْدَ ما عَلِمَ صِحَّةَ الأمْرِ ووُجُوبَ الطّاعَةِ أشَدَّ عِصْيانٍ وأقْبَحَهُ، حَيْثُ اجْتَرَأ عَلى إنْكارِ وُجُودِ رَبِّ العالَمِينَ رَأْسًا، وكانَ اللَّعِينُ وقَوْمُهُ مَأْمُورِينَ بِعِبادَتِهِ عَزَّ وجَلَّ وتَرْكِ العَظِيمَةِ الَّتِي كانَ يَدَّعِيها الطّاغِيَةُ ويَقْبَلُها مِنهُ فِئَتُهُ الباغِيَةُ، لا بِإرْسالِ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ والقَسْرِ فَقَطْ.
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ أيْ: تَوَلّى عَنِ الطّاعَةِ، أوِ انْصَرَفَ عَنِ المَجْلِسِ.
﴿يَسْعى﴾ أيْ: يَجْتَهِدُ في مُعارَضَةِ الآيَةِ، أوْ أُرِيدَ ثُمَّ أقْبَلَ، أيْ: أنْشَأ يَسْعى، فَوَضَعَ مَوْضِعَهُ "أدْبَرَ" تَحاشِيًا عَنْ وصْفِهِ بِالإقْبالِ، وقِيلَ: أدْبَرَ هارِبًا مِنَ الثُّعْبانِ، فَإنَّهُ رَوِيَ "أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا ألْقى العَصا انْقَلَبَتْ ثُعْبانًا أشْعَرَ فاغِرًا فاهُ بَيْنَ لِحْيَيْهِ ثَمانُونَ ذِراعًا، وضَعَ لِحْيَهُ الأسْفَلَ عَلى الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ فِرْعَوْنَ فَهَرَبَ وأحْدَثَ، وانْهَزَمَ النّاسُ مُزْدَحِمُونَ، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا مِن قَوْمِهِ، وقِيلَ: إنَّها حِينَ انْقَلَبَتْ حَيَّةً ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ قَدْرَ مِيلٍ، ثُمَّ انْحَطَّتْ مُقْبِلَةً نَحْوَ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَتْ تَقُولُ: يا مُوسى؛ مُرْنِي بِما شِئْتَ، ويَقُولُ فِرْعَوْنُ: أنْشُدُكَ بِالَّذِي أرْسَلَكَ إلّا أخَذْتَهُ! فَأخَذَهُ فَعادَ عَصا ويَأْباهُ أنَّ ذَلِكَ كانَ قَبْلَ الإصْرارِ عَلى التَّكْذِيبِ والعِصْيانِ والتَّصَدِّي لِلْمُعارَضَةِ، كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَحَشَرَ﴾ أيْ: فَجَمَعَ السحرةَ لِقَوْلِهِ: فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أيْ: ما يُكادُ بِهِ مِنَ السحرةِ وآلاتِهِمْ، وقِيلَ: جُنُودُهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ جَمِيعُ النّاسِ.
﴿فَنادى﴾ في المَجْمَعِ بِنَفْسِهِ، أوْ بِواسِطَةِ المُنادِي.
﴿فَقالَ أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ قِيلَ: قامَ فِيهِمْ خَطِيبًا فَقالَ تِلْكَ العَظِيمَةَ.
79:25Page 584
فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ ٢٥
So Allāh seized him in exemplary punishment for the last and the first [transgression].1.
﴿فَأخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى﴾ النَّكالُ بِمَعْنى التَّنْكِيلِ، كالسَّلامِ بِمَعْنى التَّسْلِيمِ، وهو التَّعْذِيبُ الَّذِي يُنَكِّلُ مَن (p-101)رَآهُ، أوْ سَمِعَهُ ويَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُفْضِي إلَيْهِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ كَـ"وَعْدَ اللَّهِ" و"صِبْغَةَ اللَّهِ"، كَأنَّهُ قِيلَ: نَكَّلَ اللَّهُ بِهِ نَكالَ الآخِرَةِ والأُولى، وهو الإحْراقُ في الآخِرَةِ والإغْراقُ في الدُّنْيا، وقِيلَ: مَصْدَرٌ لِ"أخَذَ"، أيْ: أخَذَهُ اللَّهُ أخَذَ نَكالِ الآخِرَةِ... إلَخْ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ أخَذَهُ لِأجْلِ نَكالِ... إلَخْ. وقِيلَ: نُصِبَ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ: أخَذَهُ بِنَكالِ الآخِرَةِ والأوْلى، وإضافَتُهُ إلى الدّارَيْنِ بِاعْتِبارِ وُقُوعِ نَفْسِ الأخْذِ فِيهِما لا بِاعْتِبارِ أنَّ ما فِيهِ مِن مَعْنى المَنعِ يَكُونُ فِيهِما، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ في الآخِرَةِ، بَلْ في الدُّنْيا فَإنَّ العُقُوبَةَ الأُخْرَوِيَّةَ تُنَكِّلُ مَن سَمِعَها وتَمْنَعُهُ مِن تَعاطِي ما يُؤَدِّي إلَيْها لا مَحالَةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالآخِرَةِ والأُولى قَوْلُهُ: "أناْ رَبُّكُمُ الأعْلى"، وقَوْلُهُ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ قِيلَ: كانَ بَيْنَ الكَلِمَتَيْنِ أرْبَعُونَ سَنَةً فالإضافَةُ إضافَةُ المُسَبِّبِ إلى السَّبَبِ.
79:26Page 584
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ ٢٦
Indeed in that is a lesson [i.e., warning] for whoever would fear [Allāh].
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما ذُكِرَ مِن قِصَّةِ فِرْعَوْنَ وما فَعَلَ وما فُعِلَ بِهِ.
﴿لَعِبْرَةً﴾ عَظِيمَةً.
﴿لِمَن يَخْشى﴾ أيْ: لِمَن مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْشى، وهو مَن مِن شَأْنِهِ المَعْرِفَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
79:27Page 584
ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا ٢٧
Are you a more difficult creation or is the heaven? He [i.e., Allāh] constructed it.
﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا﴾ خِطابٌ لِأهْلِ مَكَّةَ المُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ بِناءً عَلى صُعُوبَتِهِ في زَعْمِهِمْ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّبْكِيتِ بَعْدَ ما بُيِّنَ كَمالُ سُهُولَتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ أيْ: أخَلْقُكم بَعْدَ مَوْتِكم أشَدُّ؟ أيْ: أشَقُّ وأصْعَبُ في تَقْدِيرِكم.
﴿أمِ السَّماءُ﴾ أيْ: أمْ خَلْقُ السَّماءِ عَلى عِظَمِها وانْطِوائِها عَلى تَعاجِيبِ البَدائِعِ الَّتِي تَحارُ العُقُولُ عَنْ مُلاحَظَةِ أدْناها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ *لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾*، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَناها﴾ ... إلَخْ. بَيانٌ وتَفْصِيلٌ لِكَيْفِيَّةِ خَلْقِها المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: "أمِ ﴿السَّماءُ"﴾ وفي عَدَمِ ذِكْرِ الفاعِلِ فِيهِ وفِيما عُطِفَ عَلَيْهِ مِنَ الأفْعالِ مِن التَّنْبِيهِ عَلى تَعَيُّنِهِ وتَفْخِيمِ شَأْنِهِ عَزَّ وجَلَّ ما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿رَفَعَ سَمْكَها﴾ بَيانٌ لِلْبِناءِ، أيْ: جَعَلَ مِقْدارَ ارْتِفاعِها مِنَ الأرْضِ وذَهابِها إلى سَمْتِ العُلُوِّ مَدِيدًا رَفِيعًا مَسِيرَةَ خَمْسِمائَةِ عامٍ.
﴿فَسَوّاها﴾ فَعَدَلَها مُسْتَوِيَةً مَلْساءَ لَيْسَ فِيها تَفاوُتٌ ولا فُطُورٌ، أوْ فَتَمَّمَها بِما عَلِمَ أنَّها تَتِمُّ بِهِ مِنَ الكَواكِبِ والتَّداوِيرِ وغَيْرِها مِمّا لا يَعْلَمُهُ إلّا الخَلاَّقُ العَلِيمُ مِن قَوْلِهِمْ سَوّى أمْرَ فُلانٍ إذا صَلَّحَهُ.
79:29Page 584
وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا ٢٩
And He darkened its night and extracted its brightness.1
﴿وَأغْطَشَ لَيْلَها﴾ أيْ: جَعْلَهُ مُظْلِمًا، يُقالُ: غَطَشَ اللَّيْلُ وأغْطَشَهُ اللَّهُ تَعالى، كَما يُقالُ: ظَلَمَ وأظْلَمَهُ. وقَدْ مَرَّ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى:* وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُواْ* ويُقالُ أيْضًا: أغْطَشَ اللَّيْلُ كَما يُقالُ: أظْلَمَ.
﴿وَأخْرَجَ ضُحاها﴾ أيْ: أبْرَزَ نَهارَها عَبَّرَ عَنْهُ بِالضُّحى؛ لِأنَّهُ أشْرَفُ أوْقاتِهِ وأطْيَبُها، فَكانَ أحَقَّ بِالذِّكْرِ في مَقامِ الأمْتِنانِ، وهو السِّرُّ في تَأْخِيرِ ذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ اللَّيْلِ وفي التَّعْبِيرِ عَنْ إحْداثِهِ بِالإخْراجِ، فَإنَّ إضافَةَ النُّورِ بَعْدَ الظُّلْمَةِ أتَمُّ في الإنْعامِ (p-102)وَأكْمَلُ في الإحْسانِ، وإضافَةُ اللَّيْلِ والضُّحى إلى السَّماءِ لِدَوَرانِ حُدُوثِهِما عَلى حَرَكَتِهِما، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةُ الضُّحى إلَيْها بِواسِطَةِ الشَّمْسِ، أيْ: أبْرَزَ ضَوْءَ شَمْسِها، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالضُّحى؛ لِأنَّهُ وقْتُ قِيامِ سُلْطانِها وكَمالِ إشْراقِها.
﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ: بَسَطَها ومَهَّدَها لِسُكْنى أهْلِها وتَقَلُّبِهِمْ في أقْطارِها، وانْتِصابُ "الأرْضَ" بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ "دَحاها".
79:31Page 584
أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا ٣١
He extracted from it its water and its pasture,
﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها﴾ بِأنْ فَجَّرَ مِنها عُيُونًا وأجْرى أنْهارًا.
﴿وَمَرْعاها﴾ أيْ: رَعْيَها، وهو في الأصْلِ مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى "مَفْعُولٌ" وتَجْرِيدُ الجُمْلَةِ عَنِ العاطِفِ، إمّا لِأنَّها بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِـ"دَحاها" وتَكْمِلَةٌ لَهُ، فَإنَّ السُّكْنى لا تَتَأتّى بِمُجَرَّدِ البَسْطِ والتَّمْهِيدِ، بَلْ لا بُدَّ مِن تَسْوِيَةِ أمْرِ المَعاشِ مِنَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ حَتْمًا، وإمّا لِأنَّها حالٌ مِن فاعِلِهِ بِإضْمارِ قَدْ عِنْدَ الجُمْهُورِ، أوْ بِدُونِهِعَنِ الكُوفِيِّينَ، والأخْفَشِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences