Abu as-Su'udAl‑Qalam · 68:1–41

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

القلم

Al-Qalam

The Pen · Meccan · 52 ayahs

68:1Page 564

نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١

Nūn.1 By the pen and what they inscribe,

سُورَةُ القَلَمِ مَكِّيَّةٌ إلّا مِن آيَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ إلى آيَةِ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ، ومِن آيَةِ ثَمانٍ وأرْبَعِينَ إلى آيَةِ خَمْسِينَ فَمَدَنِيَّةٌ، وآياتُها اثْنَتانِ وخَمْسُونَ.

﴿ن﴾ بِالسُّكُونِ عَلى الوَقْفِ، وقُرِئَ: بِالكَسْرِ وبِالفَتْحِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفَتْحُ بِإضْمارِ حَرْفِ القَسَمِ في مَوْضِعِ الجَرِّ، كَقَوْلِهِمْ: اللَّهِ لِأفْعَلَنَّ – بِالجَرِّ -، وأنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَصْبًا أذْكُرْ لا فَتْحًا، كَما سَبَقَ في فاتِحَةِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وامْتِناعُ الصَّرْفِ لِلتَّعْرِيفِ والتَّأْنِيثِ عَلى أنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ، ثُمَّ إنْ جُعِلَ اسْمًا لِلْحَرْفِ مَسْرُودًا عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ لِلتَّحَدِّي، بِأحَدِ الطَّرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ في مَوْقِعِهِ، أوِ اسْمًا لِلسُّورَةِ مَنصُوبًا عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ، أوْ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فالواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والقَلَمِ﴾ لِلْقَسَمِ، وإنْ جُعِلَ مُقْسَمًا بِهِ؛ فَهي لِلْعَطْفِ عَلَيْهِ، وأيًّا ما كانَ؛ فَإنْ أُرِيدَ بِهِ قَلَمُ اللَّوْحِ والكِرامِ الكاتِبِينَ؛ فاسْتِحْقاقُهُ لِلْإعْظامِ بِالإقْسامِ بِهِ ظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ؛ فاسْتِحْقاقُ ما في أيْدِي النّاسِ لِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مَنافِعِهِ، ولَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَزِيَّةٌ سِوى كَوْنِهِ آلَةً لِتَحْرِيرِ كُتُبِ اللَّهِ عَزَّ قائِلًا؛ لَكَفى بِهِ فَضْلًا مُوجِبًا لِتَعْظِيمِهِ، وقُرِئَ: بِإدْغامِ النُّونِ في الواوِ.

﴿وَما يَسْطُرُونَ﴾ الضَّمِيرُ لِأصْحابِ القَلَمِ المَدْلُولِ عَلَيْهِمْ بِذِكْرِهِ، وقِيلَ: لِلْقَلَمِ عَلى أنَّ المُرادَ بِهِ أصْحابُهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: وأصْحابِ القَلَمِ ومَسْطُوراتِهِمْ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ، أوْ وسَطْرِهِمْ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ، وقِيلَ: لِلْقَلَمِ نَفْسِهِ بِإسْنادِ الفِعْلِ إلى الآلَةِ وإجْرائِهِ مَجْرى العُقَلاءِ لِإقامَتِهِ مَقامَهُمْ، وقِيلَ: المُرادُ بِالقَلَمِ: ما خَطَّ اللَّوْحَ خاصَّةً والجَمْعُ لِلتَّعْظِيمِ، وقَوْلُهُ تَعالى:

68:2Page 564

مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢

You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.

﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ جَوابُ القَسَمِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في خَبَرِها، والعامِلُ فِيها مَعْنى النَّفْيِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْتَ بَرِيءٌ مِنَ الجُنُونِ مُلْتَبِسًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي هي النُّبُوَّةُ، والرِّياسَةُ العامَّةُ، والتَّعَرُّضُ لِوَصْفِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى مَعارِجِ الكَمالِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ لِتَشْرِيفِهِ ﷺ، والإيذانِ بِأنَّهُ - تَعالى - يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، ويُبَلِّغُهُ مِنَ العُلُوِّ إلى غايَةٍ لا غايَةَ وراءَها، والمُرادُ تَنْزِيهُهُ ﷺ عَمّا كانُوا يَنْسُبُونَهُ ﷺ إلَيْهِ مِنَ الجُنُونِ حَسَدًا وعَداوَةً ومُكابَرَةً، مَعَ جَزْمِهِمْ بِأنَّهُ ﷺ في غايَةِ الغاياتِ القاصِيَّةِ، ونِهايَةِ (p-12)النِّهاياتِ النّائِيَةِ مِن حَصانَةِ العَقْلِ ورَزانَةِ الرَّأْيِ.

68:3Page 564

وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣

And indeed, for you is a reward uninterrupted.

﴿وَإنَّ لَكَ﴾ بِمُقابَلَةِ مَقاساتِكَ ألْوانَ الشَّدائِدِ مِن جِهَتِهِمْ، وتَحَمُّلِكَ لِأعْباءِ الرِّسالَةِ ﴿لأجْرًا﴾ لَثَوابًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ مَعَ عِظَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، أوْ غَيْرَ مَمْنُونٍ عَلَيْكَ مِن جِهَةِ النّاسِ، فَإنَّهُ عَطاؤُهُ تَعالى بِلا تَوَسُّطٍ.

68:4Page 564

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤

And indeed, you are of a great moral character.

﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ لا يُدْرِكُ شَأْوَهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ ولِذَلِكَ تَحْتَمِلُ مِن جِهَتِهِمْ ما لا يَكادُ يَحْتَمِلُهُ البَشَرُ، «وَسُئِلَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ خُلُقِهِ ﷺ، فَقالَتْ: كانَ خُلُقُهُ القرآن ألَسْتَ تَقْرَأُ القرآن؟ "قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ"» والجُمْلَتانِ مَعْطُوفَتانِ عَلى جَوابِ القَسَمِ.

68:5Page 564

فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥

So you will see and they will see

﴿فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: فَسَتَعْلَمُ ويَعْلَمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ حِينَ يَتَبَيَّنُ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، وقِيلَ: فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ في الدُّنْيا بِظُهُورِ عاقِبَةِ أمْرِكم بِغَلَبَةِ الإسْلامِ، واسْتِيلائِكَ عَلَيْهِمْ بِالقَتْلِ والنَّهْبِ، وصَيْرُورَتِكَ مَهِيبًا مُعَظَّمًا في قُلُوبِ العالَمِينَ، وكَوْنِهِمْ أذِلَّةً صاغِرِينَ، قالَ مُقاتِلٌ: هَذا وعِيدٌ بِعَذابِ يَوْمِ بَدْرٍ.

68:6Page 564

بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦

Which of you is the afflicted [by a devil].

﴿بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ﴾ أيْ: أيُّكُمُ الَّذِي فُتِنَ بِالجُنُونِ، والباءُ مَزِيدَةٌ، أوْ بِأيِّكُمُ الجُنُونُ، عَلى أنَّ "المَفْتُونُ" مَصْدَرٌ كالمَعْقُولِ والمَجْلُودِ، أوْ بِأيِّ الفَرِيقَيْنِ مِنكُمُ المَجْنُونُ أبِفَرِيقِ المُؤْمِنِينَ أمْ بِفَرِيقِ الكافِرِينَ؟ أيْ: في أيِّهِما يُوجَدُ مَن يَسْتَحِقُّ هَذا الأسْمَ، وهو تَعْرِيضٌ بِأبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، والوَلِيدِ ابْنِ المُغِيرَةِ وأضْرُبِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الكَذّابُ الأشِرُ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى:

68:7Page 564

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧

Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

﴿إنَّ رَبَّكَ هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن ظُهُورِ جُنُونِهِمْ بِحَيْثُ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، وتَأْكِيدًا لِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ: هو أعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ - تَعالى - المُؤَدِّي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ، وهامَ في تِيهِ الضَّلالِ مُتَوَجِّهًا إلى ما يَفِيضُهُ إلى الشَّقاوَةِ الأبَدِيَّةِ، وهَذا هو المَجْنُونُ الَّذِي لا يُفَرِّقُ بَيْنَ النَّفْعِ والضَّرَرِ، بَلْ يَحْسَبُ الضَّرَرَ نَفْعًا فَيُؤْثِرُهُ، والنَّفْعَ ضَرَرًا فَيَهْجُرُهُ ﴿وَهُوَ أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾ إلى سَبِيلِهِ، الفائِزِينَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، النّاجِينَ عَنْ كُلِّ مَحْذُورِهِمْ، العُقَلاءُ المَراجِيحُ، فَيَجْزِي كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَسْبَما يَسْتَحِقُّهُ مِنَ العِقابِ والثَّوابِ، وإعادَةُ "هُوَ أعْلَمُ" لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى:

68:8Page 564

فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨

Then do not obey the deniers.

﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ لِتَرْتِيبِ النَّهْيِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِنَ اهْتِدائِهِ ﷺ وضَلالِهِمْ، أوْ عَلى جَمِيعِ ما فُصِّلَ مِن أوَّلِ السُّورَةِ، وهَذا (p-13)تَهْيِيجٌ وإلْهابٌ لِلتَّصْمِيمِ عَلى مُعاصاتِهِمْ، أيْ: دُمْ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ مِن عَدَمِ طاعَتِهِمْ وتَصَلَّبْ في ذَلِكَ، أوْ نَهْيٌ عَنْ مُداهَنَتِهِمْ ومُداراتِهِمْ بِإظْهارِ خِلافِ ما في ضَمِيرِهِ ﷺ اسْتِجْلابًا لِقُلُوبِهِمْ، لا عَنْ طاعَتِهِمْ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

68:9Page 564

وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩

They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].

﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ فَإنَّهُ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ أوِ الأنْتِهاءِ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْها بِالطّاعَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الزَّجْرِ والتَّنْفِيرِ، أيْ: أحَبُّوا لَوْ تُلايِنُهم وتُسامِحُهم في بَعْضِ الأُمُورِ ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ أيْ: فَهم يُدْهِنُونَ حِينَئِذٍ، أوْ فَهُمُ الآنَ يُدْهِنُونَ طَمَعًا في إدْهانِكَ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى "تُدْهِنُ" داخِلٌ في حَيِّزِ "لَوْ"، والمَعْنى: ودُّوا لَوْ يُدْهِنُونَ عَقِيبَ إدْهانِكَ، ويَأْباهُ ما سَيَأْتِي مِن بَدْئِهِمْ بِالإدْهانِ عَلى إدْهانِهِمْ أمْرٌ مُحَقَّقٌ لا يُناسِبُ إدْخالَهُ تَحْتَ التَّمَنِّي، وأيًّا ما كانَ فالمُعْتَبَرُ في جانِبِهِمْ حَقِيقَةُ الإدْهانِ الَّذِي هو إظْهارُ المُلايَنَةِ، وإضْمارُ خِلافِها، وأمّا في جانِبِهِ ﷺ فالمُعْتَبَرُ بِالنِّسْبَةِ إلى وِدادَتِهِمْ هو إظْهارُ المُلايَنَةِ فَقَطْ، وأمّا إضْمارُ خِلافِها فَلَيْسَ في حَيِّزِ الأعْتِبارِ، بَلْ هم في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، وإنَّما اعْتِبارُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ وفي بَعْضِ المَصاحِفِ فَيُدْهِنُوا عَلى أنَّهُ جَوابُ التَّمَنِّي المَفْهُومِ مِن "وَدُّوا"، أوْ أنَّ ما بَعْدَهُ حِكايَةٌ لِوِدادَتِهِمْ، وقِيلَ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى "تُدْهِنُ" بِناءً عَلى أنَّ "لَوْ" بِمَنزِلَةِ أنْ النّاصِبَةِ، فَلا يَكُونُ لَها جَوابٌ، ويَنْسَبِكُ مِنها ومِمّا بَعْدَها مَصْدَرٌ يَقَعُ مَفْعُولًا لِـ"وَدُّوا"، كَأنَّهُ قِيلَ: ودُّوا أنْ تُدْهِنَ فَيَدْهُنُوا، وقِيلَ: "لَوْ" عَلى حَقِيقَتِها وجَوابُها مَحْذُوفٌ، وكَذا مَفْعُولُ "وَدُّوا"، أيْ: ودُّوا إدْهانَكَ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ لَسُرُّوا بِذَلِكَ.

68:10Page 564

وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠

And do not obey every worthless habitual swearer

﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ﴾ كَثِيرِ الحَلِفِ في الحَقِّ والباطِلِ، تَقْدِيمُ هَذا الوَصْفِ عَلى سائِرِ الأوْصافِ الزّاجِرَةِ عَنِ الطّاعَةِ لِكَوْنِهِ أُدْخِلَ في الزَّجْرِ ﴿مَهِينٍ﴾ حَقِيرِ الرَّأْيِ والتَّدْبِيرِ.

68:11Page 564

هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١

[And] scorner, going about with malicious gossip -

﴿هَمّازٍ﴾ عَيّابٍ طَعّانٍ ﴿مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ مُضْرِبٍ نَقّالٍ لِلْحَدِيثِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ عَلى وجْهِ السِّعايَةِ والإفْسادِ بَيْنَهُمْ، فَإنَّ النَّمِيمَ والنَّمِيمَةَ السِّعايَةُ.

68:12Page 564

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

A preventer of good, transgressing and sinful,

﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ﴾ أيْ: بَخِيلٍ، أوْ مَنّاعٍ لِلنّاسِ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي هو الإيمانُ والطّاعَةُ والإنْفاقُ ﴿مُعْتَدٍ﴾ مُتَجاوِزٍ في الظُّلْمِ ﴿أثِيمٍ﴾ كَثِيرِ الآثامِ.

68:13Page 564

عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣

Cruel, moreover, and an illegitimate pretender.1

﴿عُتُلٍّ﴾ جافٍ غَلِيظٍ، مِن عَتَلَهُ إذا قادَهُ بِعُنْفٍ وغِلْظَةٍ ﴿بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بَعْدَ ما عُدَّ مِن مَثالِبِهِ ﴿زَنِيمٍ﴾ دَعِيٍّ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّنَمَةِ، وهي الهَنَةُ مِن جِلْدِ الماعِزَةِ تُقْطَعُ فَتُخَلّى مُتَدَلِّيَةً في حَلْقِها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: "بَعْدَ ذَلِكَ" دَلالَةٌ عَلى أنَّ دَعْوَتَهُ أشَدُّ مَعايِبِهِ، وأقْبَحُ قَبائِحِهِ، قِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، فَإنَّهُ كانَ دَعِيًّا في قُرَيْشٍ، ولَيْسَ مِن سِنْخِهِمُ، ادَّعاهُ المُغِيرَةُ بَعْدَ ثَمانِي عَشْرَةَ مِن مَوْلِدِهِ، وقِيلَ: هو الأخْنَسُ بْنُ شَرِيْقٍ، أصْلُهُ مِن ثَقِيفٍ وعِدادُهُ في زُهْرَةَ.

68:14Page 564

أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤

Because he is a possessor of wealth and children,

(p-14)﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ﴾ أيْ: لا تُطِعْ مَن هَذِهِ مَثالِبُهُ؛ لِأنْ كانَ مُتَمَوِّلًا مُسْتَظْهِرًا بِالبَنِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى:

68:15Page 564

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥

When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."

﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِّ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ مِن مَعْنى الجُحُودِ، ذُو التَّكْذِيبِ لا بِجَوابِ الشَّرْطِ؛ لِأنَّ ما بَعْدَ الشَّرْطِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبِلَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: لِكَوْنِهِ مُسْتَظْهِرًا بِالمالِ والبَنِينَ كَذَّبَ بِآياتِنا، وفِيهِ أنَّهُ بَدَّلَ أنَّ مَدارَ تَكْذِيبِهِ كَوْنُهُ ذا مالٍ، وبَنِينَ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِسائِرِ قَبائِحِهِ دَخْلٌ في ذَلِكَ، وقُرِئَ: (أأنْ) كانَ، عَلى مَعْنى ألِأنْ كانَ ذا مالٍ كَذَّبَ بِها، أوْ أتُطِيعُهُ؛ لِأنْ كانَ ذا مالٍ، وقُرِئَ: إنْ كانَ بِالكَسْرِ، والشَّرْطُ لِلْمُخاطَبِ، أيْ: لا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ شارِطًا يَسارَهُ؛ لِأنَّ إطاعَةَ الكافِرِ لِغِناهُ بِمَنزِلَةِ اشْتِراطِ غِناهُ في الطّاعَةِ.

68:16Page 565

سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ١٦

We will brand him upon the snout.1

﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ بِالكَيِّ عَلى أكْرَمِ مَواضِعِهِ لِغايَةِ إهانَتِهِ وإذْلالِهِ، قِيلَ: أصابَ أنْفَ الوَلِيدِ جِراحَةٌ يَوْمَ بَدْرٍ فَبَقِيَتْ عَلامَتُها، وقِيلَ مَعْناهُ: سَنُعَلِّمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِعَلامَةٍ مُشَوِّهَةٍ يُعْلَمُ بِها عَنْ سائِرِ الكَفَرَةِ.

68:17Page 565

إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧

Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning

﴿إنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أيْ: أهْلَ مَكَّةَ بِالقَحْطِ بِدَعْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿كَما بَلَوْنا أصْحابَ الجَنَّةِ﴾ وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ الصَّلاةِ كانَتْ لِأبِيهِمْ هَذِهِ الجَنَّةُ دُونَ صَنْعاءَ بِفَرْسَخَيْنِ، فَكانَ يَأْخُذُ مِنها قُوتَ سَنَةٍ ويَتَصَدَّقُ بِالباقِي، وكانَ يُنادِي الفُقَراءَ وقْتَ الصِّرامِ ويَتْرُكُ لَهم ما أخْطَأهُ المِنجَلُ، وما في أسْفَلِ الأكْداسِ، وما أخْطَأهُ القِطافُ مِنَ العِنَبِ وما بَقِيَ عَلى البِساطِ الَّذِي يُبْسَطُ تَحْتَ النَّخْلَةِ إذا صُرِمَتْ، فَكانَ يَجْتَمِعُ لَهم شَيْءٌ كَثِيرٌ، فَلَمّا ماتَ أبُوهم قالَ بَنُوهُ: إنْ فَعَلْنا ما كانَ يَفْعَلُ أبُونا ضاقَ عَلَيْنا الأمْرُ؛ فَحَلَفُوا فِيما بَيْنَهُمْ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ أقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ لِيَقْطَعُنَّها داخِلِينَ في الصَّباحِ.

68:18Page 565

وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ ١٨

Without making exception.1

﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ أيْ: لا يَقُولُونَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، وتَسْمِيَتُهُ اسْتِثْناءٌ مَعَ أنَّهُ شَرْطٌ مِن حَيْثُ أنَّ مُؤَدّاهُ مُؤَدّى الأسْتِثْناءِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: لَأخْرُجَنَّ إنْ شاءَ اللَّهُ ولا أخْرُجُ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، أوْ ولا يَسْتَثْنُونَ حِصَّةَ المَساكِينِ، كَما كانَ يَفْعَلُهُ أبُوهُمْ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.

68:19Page 565

فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩

So there came upon it [i.e., the garden] an affliction from your Lord while they were asleep.

﴿فَطافَ عَلَيْها﴾ أيْ: عَلى الجَنَّةِ ﴿طائِفٌ﴾ بَلاءٌ طائِفٌ، وقُرِئَ: (طَيْفٌ) ﴿مِن رَبِّكَ﴾ مُبْتَدَأٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿وَهم نائِمُونَ﴾ غافِلُونَ عَمّا جَرَتْ بِهِ المَقادِيرُ.

68:20Page 565

فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ ٢٠

And it became as though reaped.

(p-15)﴿فَأصْبَحَتْ كالصَّرِيمِ﴾ كالبُسْتانِ الَّذِي صُرِمَتْ ثِمارُهُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، فَعِيْلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، وقِيلَ: كاللَّيْلِ أيِ: احْتَرَقَتْ فاسْوَدَّتْ، وقِيلَ: كالنَّهارِ، أيْ: يَبِسَتْ وابْيَضَّتْ سُمِّيا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَنْصَرِمُ عَنْ صاحِبِهِ، وقِيلَ: الصَّرِيمُ الرِّمالُ.

68:21Page 565

فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ ٢١

And they called one another at morning,

﴿فَتَنادَوْا﴾ أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ داخِلِينَ في الصَّباحِ.

68:22Page 565

أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢

[Saying], "Go early to your crop if you would cut the fruit."

﴿أنِ اغْدُوا﴾ أيِ: اغْدُوا عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، أوْ بِأنِ اغْدُوا عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ،أيِ: اخْرُجُوا غُدْوَةً ﴿عَلى حَرْثِكُمْ﴾ بُسْتانِكم وضَيْعَتِكُمْ، وتَعْدِيَةُ الغُدُوِّ بِـ"عَلى"؛ لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإقْبالِ، أوِ الاسْتِيلاءِ ﴿إنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ قاصِدِينَ لِلصَّرْمِ.

68:23Page 565

فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ ٢٣

So they set out, while lowering their voices,

﴿فانْطَلَقُوا وهم يَتَخافَتُونَ﴾ أيْ: يَتَشاوَرُونَ فِيما بَيْنَهم بِطَرِيقِ المُخافَتَةِ، وخَفِيَ وخَفَتَ وخَفَدَ ثَلاثَتُها في مَعْنى الكَتْمِ، ومِنهُ الخُفْدودُ لِلْخُفّاشِ.

68:24Page 565

أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤

[Saying], "There will surely not enter it today upon you [any] poor person."

﴿أنْ لا يَدْخُلَنَّها﴾ أيِ: الجَنَّةَ ﴿اليَوْمَ عَلَيْكم مِسْكِينٌ﴾ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِما في التَّخافُتِ مِن مَعْنى القَوْلِ، وقُرِئَ: بِطَرْحِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ، والمُرادُ بِنَهْيِ المِسْكِينِ عَنِ الدُّخُولِ، المُبالَغَةُ في النَّهْيِ عَنْ تَمْكِينِهِ مِنَ الدُّخُولِ كَقَوْلِهِمْ: لا أرَيَنَّكَ هَهُنا.

68:25Page 565

وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥

And they went early in determination, [assuming themselves] able.1

﴿وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ أيْ: عَلى نَكَدٍ لا غَيْرَ، مِن جارَدَتِ السَّنَةُ إذا لَمْ يَكُنْ فِيها مَطَرٌ، وحارَدَتِ الإبِلُ إذا مَنَعَتْ دَرَّها، والمَعْنى: أنَّهم أرادُوا أنْ يَتَنَكَّدُوا عَلى المَساكِينِ ويَحْرِمُوهم وهم قادِرُونَ عَلى نَفْعِهِمْ، فَغَدَوا بِحالٍ لا يَقْدِرُونَ فِيها إلّا عَلى النَّكَدِ والحِرْمانِ، وذَلِكَ أنَّهم طَلَبُوا حِرْمانَ المَساكِينِ فَتَعَجَّلُوا الحِرْمانَ والمَسْكَنَةَ، أوْ وغَدَوْا عَلى مُحارَدَةِ جَنَّتِهِمْ وذَهابِ خَيْرِها قادِرِينَ، بَدَلَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى إصابَةِ خَيْرِها ومَنافِعِها، أيْ: غَدَوْا حاصِلِينَ عَلى النَّكَدِ والحِرْمانِ مَكانَ كَوْنِهِمْ قادِرِينَ عَلى الأنْتِفاعِ، وقِيلَ: الحَرْدِ الحَرْدِ، وقَدْ قُرِئَ بِذَلِكَ، أيْ: لَمْ يَقْدِرُوا إلّا عَلى حَنَقِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَلاوَمُونَ﴾ وقِيلَ: الحَرْدُ القَصْدُ والسُّرْعَةُ، أيْ: غَدَوْا قاصِدِينَ إلى جَنَّتِهِمْ بِسُرْعَةٍ قادِرِينَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ عَلى صِرامِها، وقِيلَ: هو عَلَمٌ لِلْجَنَّةِ.

68:26Page 565

فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦

But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;

﴿فَلَمّا رَأوْها قالُوا﴾ في بَدِيهَةِ رُؤْيَتِهِمْ ﴿إنّا لَضالُّونَ﴾ أيْ: طَرِيقَ جَنَّتِنا وما هي بِها.

68:27Page 565

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٢٧

Rather, we have been deprived."

(p-16)﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ قالُوهُ بَعْدَ ما تَأمَّلُوا ووَقَفُوا عَلى حَقِيقَةِ الأمْرِ مُضْرِبِينَ عَنْ قَوْلِهِمُ الأوَّلِ، أيْ: لَسْنا ضالِّينَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُمُونَ حُرِمْنا خَيْرَها بِجِنايَتِنا عَلى أنْفُسِنا.

68:28Page 565

قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨

The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1

﴿قالَ أوْسَطُهُمْ﴾ أيْ: رَأْيًا، أوْ سِنًّا ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ لَوْلا تَذْكُرُونَ اللَّهَ - تَعالى -وَتَنُوبُونَ إلَيْهِ مِن خُبْثِ نِيَّتِكُمْ، وقَدْ كانَ قالَ لَهم حِينَ عَزَمُوا عَلى ذَلِكَ: اذْكُرُوا اللَّهَ وتُوبُوا إلَيْهِ عَنْ هَذِهِ العَزِيمَةِ الخَبِيثَةِ مِن فَوْرِكُمْ، وسارِعُوا إلى حَسْمِ شَرِّها قَبْلَ حُلُولِ النِّقْمَةِ، فَعَصَوْهُ فَعَيَّرَهم كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:

68:29Page 565

قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩

They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."

﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ وقِيلَ المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ: الأسْتِثْناءُ لِاشْتِراكِهِما في التَّعْظِيمِ، أوْ لِأنَّهُ تَنْزِيهٌ لَهُ - تَعالى - عَنْ أنْ يَجْرِيَ في مُلْكِهِ ما لا يَشاؤُهُ.

68:30Page 565

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠

Then they approached one another, blaming each other.

﴿فَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ أيْ: يَلُومُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَإنَّ مِنهم مَن أشارَ بِذَلِكَ، ومِنهم مَن اسْتَصْوَبَهُ، ومِنهم مَن سَكَتَ راضِيًا بِهِ، ومِنهم مَن أنْكَرَهُ.

68:31Page 565

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١

They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.

﴿قالُوا يا ويْلَنا إنّا كُنّا طاغِينَ﴾ مُتَجاوِزِينَ حُدُودَ اللَّهِ.

68:32Page 565

عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢

Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1

﴿عَسى رَبُّنا أنْ يُبْدِلَنا﴾ وقُرِئَ: بِالتَّشْدِيدِ، أيْ: يُعْطِينا بَدَلًا مِنها بِبَرَكَةِ التَّوْبَةِ والاعْتِرافِ بِالخَطِيئَةِ ﴿خَيْرًا مِنها إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ راجُونَ العَفْوَ، طالِبُونَ الخَيْرَ، و"إلى" لِانْتِهاءِ الرَّغْبَةِ، أوْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الرُّجُوعِ، عَنْ مُجاهِدٍ: تابُوا فَأُبْدِلُوا خَيْرًا مِنها، ورُوِيَ أنَّهم تَعاقَدُوا وقالُوا: إنْ أبْدَلَنا اللَّهُ خَيْرًا مِنها لَنَصْنَعَنَّ، كَما صَنَعَ أبُونا، فَدَعَوُا اللَّهَ - تَعالى - وتَضَرَّعُوا إلَيْهِ؛ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى مِن لَيْلَتِهِمْ ما هو خَيْرٌ مِنها، قالُوا: إنَّ اللَّهَ – تَعالى - أمْرَ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أنْ يَقْتَلِعَ تِلْكَ الجَنَّةَ المُحْتَرِقَةَ فَيَجْعَلَها بِزُغَرَ مِن أرْضِ الشّامِ، ويَأْخُذَ مِنَ الشّامِ جَنَّةً فَيَجْعَلَها مَكانَها، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: إنَّ القَوْمَ لَمّا أخْلَصُوا وعَرَفَ اللَّهُ مِنهُمُ الصِّدْقَ؛ أبَدَلَهم جَنَّةً يُقالُ لَها: الحَيَوانُ، فِيها عِنَبٌ يَحْمِلُ البَغْلُ مِنهُ عُنْقُودًا، وقالَ أبُو خالِدٍ اليَمانِيُّ: دَخَلْتُ تِلْكَ الجَنَّةَ فَرَأيْتُ كُلَّ عُنْقُودٍ مِنها كالرَّجُلِ الأسْوَدِ القائِمِ، وسُئِلَ قَتادَةُ عَنْ أصْحابِ الجَنَّةِ: أهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ أمْ مِن أهْلِ النّارِ؟ فَقالَ: لَقَدْ كَلَّفْتَنِي تَعَبًا، وعَنِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: قَوْلُ أصْحابِ الجَنَّةِ: ﴿إنّا إلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ لا أدْرِي إيمانًا كانَ ذَلِكَ مِنهُمْ، أوْ عَلى حَدِّ ما يَكُونُ مِنَ المُشْرِكِينَ إذا أصابَتْهُمُ الشِّدَّةُ؛ فَتَوَقَّفَ في أمْرِهِمْ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهم تابُوا وأخْلَصُوا، حَكاهُ القُشَيْرِيُّ.

68:33Page 565

كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣

Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.

(p-17)﴿كَذَلِكَ العَذابُ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مُقَدَّمٍ لِإفادَةِ القَصْرِ، والألِفُ واللّامُ لِلْعَهْدِ، أيْ: مِثْلُ الَّذِي بَلَوْنا بِهِ أهْلَ مَكَّةَ، وأصْحابَ الجَنَّةِ عَذابُ الدُّنْيا.

﴿وَلَعَذابُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ أعْظَمُ وأشَدُّ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ أكْبَرُ لاحْتَرَزُوا عَمّا يُؤَدِّيهِمْ إلَيْهِ.

68:34Page 565

إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤

Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.

﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيْ: مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: في الآخِرَةِ، أوْ في جِوارِ القُدْسِ ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ جَنّاتٍ لَيْسَ فِيها إلّا التَّنَعُّمُ الخالِصُ عَنْ شائِبَةِ ما يُنَغِّصُهُ مِنَ الكُدُوراتِ وخَوْفِ الزَّوالِ كَما عَلَيْهِ نَعِيمُ الدُّنْيا، وقَوْلُهُ تَعالى:

68:35Page 565

أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥

Then will We treat the Muslims like the criminals?

﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلَهُ مِن فَوْزِ المُتَّقِينَ بِجَنّاتٍ النَّعِيمِ، ورَدٌّ لِما يَقُولُهُ الكَفَرَةُ عِنْدَ سَماعِهِمْ بِحَدِيثِ الآخِرَةِ، وما وعَدَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ فِيها فَإنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: إنْ صَحَّ أنّا نُبْعَثُ، كَما يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ ومَن مَعَهُ؛ لَمْ يَكُنْ حالُنا وحالُهم إلّا مِثْلَ ما هي في الدُّنْيا، وإلّا لَمْ يَزِيدُوا عَلَيْنا ولَمْ يَفْضُلُونا، وأقْصى أمْرِهِمْ أنْ يُساوُونا، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، أيْ: أنَحِيفُ في الحُكْمِ فَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالكافِرِينَ، ثُمَّ قِيلَ لَهم بِطَرِيقِ الألْتِفاتِ لِتَأْكِيدِ الرَّدِّ وتَشْدِيدِهِ.

68:36Page 565

مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦

What is [the matter] with you? How do you judge?

﴿ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ تَعَجِيبًا مِن حُكْمِهِمْ واسْتِبْعادًا لَهُ، وإيذانًا بِأنَّهُ لا يَصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ.

68:37Page 565

أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧

Or do you have a scripture in which you learn

﴿أمْ لَكم كِتابٌ﴾ نازِلٌ مِنَ السَّماءِ ﴿فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ أيْ: تَقْرَؤُنَّ.

68:38Page 565

إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨

That indeed for you is whatever you choose?

﴿إنَّ لَكم فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ أيْ: ما تَتَخَيَّرُونَهُ وتَشْتَهُونَهُ، وأصْلُهُ أنَّ لَكم بِالفَتْحِ؛ لِأنَّهُ مَدْرُوسٌ، فَلَمّا جِيءَ بِاللّامِ كُسِرَتْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِلْمَدْرُوسِ، كَما هو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ﴾ ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ وتَخَيُّرُ الشَّيْءِ واخْتِيارُهُ: أخْذُ خَيْرِهِ.

68:39Page 565

أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ ٣٩

Or do you have oaths [binding] upon Us, extending until the Day of Resurrection, that indeed for you is whatever you judge?

﴿أمْ لَكم أيْمانٌ عَلَيْنا﴾ أيْ: عُهُودٌ مُؤَكَّدَةٌ بِالأيْمانِ ﴿بالِغَةٌ﴾ مُتَناهِيَةٌ في التَّوْكِيدِ، وقُرِئَتْ: بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها أحَدُ الظَّرْفَيْنِ ﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالمُقَدَّرِ في لَكُمْ، أيْ: ثابِتَةٌ لَكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا نَخْرُجُ عَنْ عُهْدَتِها حَتّى نَحْكُمَكم يَوْمَئِذٍ ونُعْطِيَكم ما تَحْكُمُونَ، أوْ بِبالِغَةٍ، أيْ: أيْمانٌ تَبْلُغُ ذَلِكَ اليَوْمَ وتَنْتَهِي إلَيْهِ وافِرَةً لَمْ تَبْطُلْ مِنها يَمِينٌ ﴿إنَّ لَكم لَما تَحْكُمُونَ﴾ جَوابُ القَسَمِ؛ لِأنَّ مَعْنى أمْ لَكم عَلَيْنا أيْمانٌ: (p-18)أمْ أقْسَمْنا لَكم.

68:40Page 565

سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ ٤٠

Ask them which of them, for that [claim], is responsible.

﴿سَلْهُمْ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ، وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِإسْقاطِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِطابِ، أيْ: سَلْهم مُبَكِّتًا لَهم ﴿أيُّهم بِذَلِكَ﴾ الحُكْمِ الخارِجِ عَنِ العُقُولِ ﴿زَعِيمٌ﴾ أيْ: قائِمٌ يَتَصَدّى لِتَصْحِيحِهِ.

68:41Page 565

أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ ٤١

Or do they have partners?1 Then let them bring their partners, if they should be truthful.

﴿أمْ لَهم شُرَكاءُ﴾ يُشارِكُونَهم في هَذا القَوْلِ ويَذْهَبُونَ مَذْهَبَهم.

﴿فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ في دَعْواهُمْ؛ إذْ لا أقَلَّ مِنَ التَّقْلِيدِ، وقَدْ نَبَّهَ في هَذِهِ الآياتِ الكَرِيمَةِ عَلى أنْ لَيْسَ لَهم شَيْءٌ يُتَوَهَّمُ أنْ يَتَشَبَّثُوا بِهِ حَتّى التَّقْلِيدُ الَّذِي لا يُفْلِحُ مَن تَشَبَّثَ بِذَيْلِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أمْ لَهم شُرَكاءُ يَجْعَلُونَهم مِثْلَ المُسْلِمِينَ في الآخِرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском