Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الشمس
Ash-Shams
The Sun · Meccan · 15 ayahs
سُورَةُ الشَّمْسِ
مَكِّيَّةٌ وآيُها خَمْسَ عَشْرَةَ
﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ أيْ: ضَوْئِها إذا أشْرَقَتْ وقامَ سُلْطانُها، وقِيلَ: الضَّحْوَةُ: ارْتِفاعُ النَّهارِ والضُّحى فَوْقَ ذَلِكَ، والضَّحاءُ بِالفَتْحِ والمَدِّ إذا امْتَدَّ النَّهارُ وكادَ يَنْتَصِفُ.
﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ بِأنْ طَلَعَ بَعْدَ غُرُوبِها، وقِيلَ: إذا تَلا طُلُوعُهُ طُلُوعَها، وقِيلَ: إذا تَلاها في الأسْتِدارَةِ وكَمالِ النُّورِ.
﴿والنَّهارِ إذا جَلاها﴾ أيْ: جَلّى الشَّمْسَ فَإنَّها تَتَجَلّى عِنْدَ انْبِساطِ النَّهارِ فَكَأنَّهُ جَلّاها مَعَ أنَّها الَّتِي تَبْسُطُهُ، أوْ جَلّى الظُّلْمَةَ، أوِ الدُّنْيا، أوِ الأرْضَ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَها ذِكْرٌ لِلْعِلْمِ بِها.
﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ أيِ: الشَّمْسَ فَيُغَطِّي ضَوْءَها، أوِ الآفاقَ، أوِ الأرْضَ، وحَيْثُ كانَتِ الواواتُ العاطِفَةُ نَوائِبَ لِلْواوِ الأُولى القَسَمِيَّةِ القائِمَةِ مَقامَ الفِعْلِ، والباءُ سادَّةٌ مَسَدَّهُما مَعًا في قَوْلِكَ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ حَقَقْنَ أنْ يَعْمَلْنَ عَمَلَ الفِعْلِ والجارِّ جَمِيعًا كَما تَقُولُ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا، وبَكْرٌ وخالِدًا.
﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ أيْ: ومَن بَناها، وإيثارُ "ما" عَلى "مَن"؛ لِإرادَةِ الوَصْفِيَّةِ تَفْخِيمًا، كَأنَّهُ قِيلَ: والقادِرِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي بَناها، وجَعْلُها مَصْدَرِيَّةً مُخِلٌّ بِالنَّظْمِ الكَرِيمِ.
وَكَذا الكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ أيْ: بَسَطَها مِن كُلِّ جانِبٍ كَـ"دَحاها".
(p-164)﴿وَنَفْسٍ وما سَوّاها﴾ أيْ: أنْشَأها وأبْدَعَها مُسْتَعِدَّةً لِكَمالأتِها، والتَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ عَلى أنَّ المُرادَ: نَفْسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أوْ لِلتَّكْثِيرِ وهو الأنْسَبُ لِلْجَوابِ.
91:8Page 595
فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨
And inspired it [with discernment of] its wickedness and its righteousness,
﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ أيْ: أفْهَمَها إيّاهُما، وعَرَّفَها حالَهُما مِنَ الحُسْنِ والقُبْحِ وما يُؤَدِّي إلَيْهِ كُلٌّ مِنهُما، ومَكَّنَها مِنَ اخْتِيارِ أيِّهِما شاءَتْ، وتَقْدِيمُ الفُجُورِ؛ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ.
﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ أيْ: فازَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ، ونَجا مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ مِن أنْماها وأعْلاها بِالتَّقْوى، وهو جَوابُ القَسَمِ، وحَذْفُ اللّامِ لِطُولِ الكَلامِ.
وَتَكْرِيرُ "قَدْ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾؛ لِإبْرازِ كَمالِ الاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ والإيذانِ بِتَعَلُّقِ القَسَمِ بِهِ أيْضًا أصالَةً، أيْ: خَسِرَ مَن نَقَصَها وأخْفاها بِالفُجُورِ، وأصْلُ دَسّى دَسَّسَ كَتَقَضّى وتَقَضَّضَ، وقِيلَ: هو كَلامٌ تابِعٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ بِطَرِيقِ الأسْتِطْرادِ، وإنَّما الجَوابُ ما حُذِفَ تَعْوِيلًا عَلى دَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: *
91:11Page 595
كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِطَغۡوَىٰهَآ ١١
Thamūd denied [their prophet] by reason of their transgression,
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: لَيُدَمْدِمَنَّ اللَّهُ تَعالى عَلى كُفّارِ مَكَّةَ لِتَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَما دَمْدَمَ عَلى ثَمُودَ لِتَكْذِيبِهِمْ صالِحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو عَلى الأوَّلِ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ والطَّغْوى بِالفَتْحِ الطُّغْيانُ، والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ: فَعَلَتِ التَّكْذِيبَ بِسَبَبِ طُغْيانِها، كَما تَقُولُ: ظَلَمَنِي بِجَراءَتِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، أوْ صِلَةٌ لِلتَّكْذِيبِ أيْ: كَذَّبَتْ بِما أُوْعِدَتْ بِهِ مِنَ العَذابِ ذِي الطَّغْوى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ وقُرِئَ "بِطُغْواها" بِضَمِّ الطّاءِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ كالرُّجْعى.
﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ مَنصُوبٌ بِـ"كَذَّبَتْ" أوْ بِـ"الطَّغْوى" أيْ: حِينَ قامَ أشْقى ثَمُودَ، وهو قِدارُ بْنُ سَلَفٍ، أوْ هو ومَن تَصَدّى مَعَهُ لِعَقْرِ النّاقَةِ مِنَ الأشْقِياءِ، فَإنَّ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ يَصْلُحُ لِلْواحِدِ والمُتَعَدِّدِ، والمُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، وفَضْلُ شَقاوَتِهِمْ عَلى مَن عَداهم لِمُباشَرَتِهِمُ العَقْرَ مَعَ اشْتِراكِ الكُلِّ في الرِّضا بِهِ.
91:13Page 595
فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣
And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."
﴿فَقالَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِثَمُودَ ﴿رَسُولُ اللَّهِ﴾ أيْ: صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَبَّرَ عَنْهُ بِعُنْوانِ الرِّسالَةِ؛ إيذانًا بِوُجُوبِ طاعَتِهِ، وبَيانًا لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الطُّغْيانِ، وهو السِّرُّ في إضافَةِ النّاقَةِ إلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾ (p-165)
أيْ: ذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ، ﴿وَسُقْياها﴾ ولا تَذُودُوها عَنْها في نَوْبَتِها.
91:14Page 595
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤
But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].
﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أيْ: في وعِيدِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرٌ لَهم لِلْأشَقَّيْنِ، ولا يُلائِمُهُ ذِكْرُ "سُقْياها"، ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيِ: الأشْقى، والجَمْعُ عَلى تَقْدِيرِ وِحْدَتِهِ لِرِضا الكُلِّ بِفِعْلِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَعْقِرْها حَتّى تابَعَهُ صَغِيرُهم وكَبِيرُهُمْ، وذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، وقالَ الفَرّاءُ: عَقَرَها اثْنانِ، والعَرَبُ تَقُولُ: هَذانَ أفْضَلُ النّاسِ.
﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ العَذابَ، وهو مِن تَكْرِيرِ قَوْلِهِمْ: ناقَةٌ مُدَمْدَمَةٌ؛ إذا ألْبَسَها الشَّحْمُ.
﴿بِذَنْبِهِمْ﴾ بِسَبَبِ ذَنْبِهِمُ المَحْكِيِّ، والتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مَعَ دَلالَةِ الفاءِ عَلَيْهِ؛ لِلْإنْذارِ بِعاقِبَةِ الذَّنْبِ؛ لِيَعْتَبِرَ بِهِ كُلُّ مُذْنِبٍ.
﴿فَسَوّاها﴾ أيِ: الدَّمْدَمَةَ بَيْنَهُمْ، لَمْ يَفْلِتْ مِنهم أحَدٌ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، أوْ فَسَوّى ثَمُودَ بِالأرْضِ، أوْ سَوّاها في الهَلاكِ.
﴿وَلا يَخافُ عُقْباها﴾ أيْ: عاقِبَتَها وتَبِعَتَها كَما يَخافُ سائِرُ المُعاقِبِينَ مِنَ المُلُوكِ فَيُبْقِي بَعْضَ الإبْقاءِ، وذَلِكَ أنَّهُ تَعالى لا يَفْعَلُ فِعْلًا إلّا بِحَقٍّ، وكُلُّ مَن فَعَلَ بِحَقٍّ فَإنَّهُ لا يَخافُ عاقِبَةَ فِعْلِهِ وإنْ كانَ مِن شَأْنِهِ الخَوْفُ، والواوُ لِلْحالِ أوْ لِلِاسْتِئْنافِ، وقُرِئَ "فَلا يَخافُ" وقُرِئَ "لَمْ يَخَفْ".
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الشَّمْسِ فَكَأنَّما تَصَدَّقَ بِكُلِّ شَيْءٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ والقَمَرُ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences