Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الكافرون
Al-Kafirun
The Disbelievers · Meccan · 6 ayahs
سُورَةُ الكافِرُونَ
مَكِّيَّةٌ وآيُها سِتٌّ
﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ هم كَفَرَةٌ مَخْصُوصُونَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا يَتَأتّى مِنهُمُ الإيمانُ أبَدًا؛ رُوِيَ أنَّ رَهْصًا مِن عُتاةِ قُرَيْشٍ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلُمَّ فاتَّبِعْ دِينَنا ونَتَّبِعْ دِينَكَ، تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ أُشْرِكَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ، فَقالُوا: فاسْتَلِمْ بَعْضَ آلِهَتِنا نُصَدِّقْكَ ونَعْبُدْ إلَهَكَ فَنَزَلَتْ، فَغَدا إلى المَسْجِدِ الحَرامِ وفِيهِ المَلَأُ مِن قُرَيْشٍ، فَقامَ عَلى رُءوسِهِمْ فَقَرَأها عَلَيْهِمْ فَأيِسُوا.
﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ أيْ: فِيما يُسْتَقْبَلُ؛ لِأنَّ "لا" لا تَدْخُلُ غالِبًا إلّا عَلى مُضارِعٍ في الأسْتِقْبالِ، كَما أنَّ "ما" لا تَدَخُلُ إلّا عَلى مُضارِعٍ في مَعْنى الحالِ، والمَعْنى: لا أفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ ما تَطْلُبُونَهُ مِنِّي مِن عِبادَةِ آلِهَتِكم.
﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ: ولا أنْتُمْ فاعِلُونَ فِيهِ ما أطْلُبُ مِنكم مِن عِبادَةِ إلَهِي.
﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ: وما كُنْتُ قَطُّ عابِدًا فِيما سَلَفَ ما عَبَدْتُمْ فِيهِ أيْ: لَمْ يُعْهَدْ مِنِّي عِبادَةُ صَنَمٍ في الجاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ تُرْجى مِنِّي في الإسْلامِ؟!
109:5Page 603
وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ ٥
Nor will you be worshippers of what I worship.
﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ أيْ: وما عَبَدْتُمْ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ما أنا عَلى عِبادَتِهِ، وقِيلَ: هاتانِ الجُمْلَتانِ لِنَفْيِ العِبادَةِ حالأ، كَما أنَّ الأوَّلِينَ لِنَفْيها اسْتِقْبالأ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ ما عَبَدْتُ (p-207)
لِيُوافِقَ ما عَبَدْتُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا مَوْسُومِينَ قَبْلَ البَعْثَةِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مَوْسُومًا بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإيثارُ ما في "أعْبُدُ" عَلى "مَن" لِأنَّ المُرادَ هو الوَصْفُ كَأنَّهُ قِيلَ: ما أعْبُدُ مِنَ المَعْبُودِ العَظِيمِ الشَّأْنِ الَّذِي لا يُقادَرُ قَدْرُ عَظَمَتِهِ؛ وقِيلَ: إنَّ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: لا أعْبُدُ عِبادَتَكم ولا تَعْبُدُونَ عِبادَتِي، وقِيلَ: الأُولَيانِ بِمَعْنى الَّذِي، والأُخْرَيانِ مَصْدَرِيَّتانِ، وقِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ ثانِيًا تَأْكِيدٌ لِمِثْلِهِ المَذْكُورِ أوَّلًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكم دِينُكُمْ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ والمَعْنى: أنَّ دِينَكُمُ الَّذِي هو الإشْراكُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لَكُمْ، لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لِي أيْضًا كَما تَطْمَعُونَ فِيهِ، فَلا تُعَلِّقُوا بِهِ أمانِيَّكُمُ الفارِغَةَ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحالأتِ، وإنَّ دِينِيَ الَّذِي هو التَّوْحِيدُ مَقْصُورٌ عَلى الحُصُولِ لِي لا يَتَجاوَزُهُ إلى الحُصُولِ لَكم أيْضًا؛ لِأنَّكم عَلَّقْتُمُوهُ بِالمُحالِ الَّذِي هو عِبادَتِي لِآلِهَتِكُمْ، أوِ اسْتِلامِي إيّاها؛ ولِأنَّ ما وعَدْتُمُوهُ عَيْنُ الإشْراكِ، وحَيْثُ كانَ مَبْنى قَوْلِهِمْ: تَعْبُدُ آلِهَتَنا سَنَةً ونَعْبُدُ إلَهَكَ سَنَةً عَلى شَرِكَةِ الفَرِيقَيْنِ في كِلْتا العِبادَتَيْنِ، كانَ القَصْرُ المُسْتَفادُ مِن تَقْدِيمِ المُسْنَدِ قَصْرُ إفْرادٍ حَتْمًا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا تَقْرِيرًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا أنا عابِدٌ ما عَبَدْتُمْ﴾ أيْ: ولِيَ دِينِي لا دِينُكم كَما هو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكم ما كَسَبْتُمْ﴾ . وقِيلَ: المَعْنى: إنِّي نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ إلَيْكم لِأدْعُوَكم إلى الحَقِّ والنَّجاةِ، فَإذا لَمْ تَقْبَلُوا مِنِّي ولَمْ تَتْبَعُونِي؛ فَدَعُونِي كَفافًا ولا تَدْعُونِي إلى الشِّرْكِ فَتَأمَّلْ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ مِن سُورَةَ الكافِرُونَ فَكَأنَّما قَرَأ رُبْعَ القرآن، وتَباعَدَتْ عَنْهُ مَرَدَةُ الشَّياطِينِ، وبَرِئَ مِنَ الشِّرْكِ، وتَعافى مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences