Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
عبس
'Abasa
He Frowned · Meccan · 42 ayahs
80:1–2Page 585
عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ ١
He [i.e., the Prophet (ﷺ) ] frowned and turned away
أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ ٢
Because there came to him the blind man,1 [interrupting].
(p-107)سُورَةُ عَبَسَ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها اثْنانِ وأرْبَعُونَ
﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ رُوِيَ أنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ واسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ مالِكِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ الفِهْرِيُّ، وأُمُّ مَكْتُومٍ اسْمُ أمِّ أبِيهِ، "أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعِنْدَهُ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنا رَبِيعَةَ، وأبُو جَهْلِ بْنُ هُشامٍ، والعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ يَدْعُوهم إلى الإسْلامِ رَجاءَ أنْ يُسْلِمَ بِإسْلامِهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقالَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أقْرِئْنِي وعَلِّمْنِي مِمّا عَلَّمَكَ اللَّهُ تَعالى، وكَرَّرَ ذَلِكَ وهو لا يَعْلَمُ تَشاغُلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَوْمِ فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَطْعَهُ لِكَلامِهِ وعَبَسَ وأعْرَضَ عَنْهُ؛ فَنَزَلَتْ "، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْرِمُهُ، ويَقُولُ إذا رَآهُ: مَرْحَبًا بِمَن عاتَبَنِي فِيهِ رَبِّيَ، ويَقُولُ لَهُ: هَلْ لَكَ مِن حاجَةٍ؟ واسْتَخْلَفَهُ عَلى المَدِينَةِ مَرَّتَيْنِ، وقُرِئَ: (عَبَّسَ) بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ، و"أنْ جاءَهُ" عِلَّةٌ لِـ"تَوَلّى"، أوْ (عَبَسَ) عَلى اخْتِلافِ الرَّأْيَيْنِ، أيْ: لِأنْ جاءَهُ الأعْمى، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ عَماهُ إمّا لِتَمْهِيدِ عُذْرِهِ في الإقْدامِ عَلى قَطْعِ كَلامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالقَوْمِ والإيذانِ بِاسْتِحْقاقِهِ بِالرِّفْقِ والرَّأْفَةِ وإمّا لِزِيادَةِ الإنْكارِ، كَأنَّهُ قِيلَ: تَوَلّى لِكَوْنِهِ أعْمى، كَما أنَّ الألْتِفاتَ في قَوْلِهِ تَعالى:
80:3Page 585
وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ ٣
But what would make you perceive, [O Muḥammad], that perhaps he might be purified1
﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ لِذَلِكَ فَإنَّ المُشافَهَةَ أدْخَلُ في تَشْدِيدِ العِتابِ، أيْ: وأيُّ شَيْءٍ يَجْعَلُكَ دارِيًا بِحالِهِ حَتّى تُعْرِضَ عَنْهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ ما يُلَوِّحُ بِهِ ما قَبْلَهُ، فَإنَّهُ مَعَ إشْعارِهِ بِأنَّ لَهُ شَأْنًا مُنافِيًا لِلْإعْراضِ عَنْهُ خارِجًا عَنْ دِرايَةِ الغَيْرِ وإدْرائِهِ مُؤْذِنٌ بِأنَّهُ تَعالى يُدْرِيهِ ذَلِكَ، أيْ: لَعَلَّهُ يَتَطَهَّرُ بِما يَقْتَبِسُ مِنكَ مِن أوْضارِ الأوْزارِ بِالكُلِّيَّةِ، وكَلِمَةُ "لَعَلَّ" مَعَ تَحَقُّقِ التَّزَكِّي وارِدَةٌ عَلى سَنَنِ الكِبْرِياءِ، أوْ عَلى اعْتِبارِ مَعْنى التَّرَجِّي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الإعْراضَ عَنْهُ عِنْدَ كَوْنِهِ مَرْجُوَّ التَّزَكِّي مِمّا لا يَجُوزُ، فَكَيْفَ إذا كانَ مَقْطُوعًا بِالتَّزَكِّي كَما في قَوْلِكَ: لَعَلَّكَ سَتَنْدَمُ عَلى ما فَعَلْتَ؟، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن تَصَدّى لِتَزْكِيَتِهِمْ مِنَ الكَفَرَةِ لا يُرْجى مِنهُمُ التَّزَكِّي والتَّذَكُّرُ أصْلًا.
80:4Page 585
أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ ٤
Or be reminded and the remembrance would benefit him?
(p-108)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾
﴿أوْ يَذَّكَّرُ﴾ عَطْفٌ عَلى يَزَّكّى داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ التَّرَجِّي، وقَوْلُهُ تَعالى:
فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ "لَعَلَّ"، وقُرِئَ: بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى "يَذَّكَرُ"، أيْ: أوْ يَتَذَكَّرُ فَتَنْفَعُهُ مَوْعِظَتُكَ إنْ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ التَّزَكِّي التّامِّ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في "لَعَلَّهُ" لِلْكافِرِ، فالمَعْنى: أنَّكَ طَمِعْتَ في أنْ يَتَزَكّى، أوْ يَذَّكَرُ فَتُقَرِّبُهُ الذِّكْرى إلى قَبُولِ الحَقِّ، ولِذَلِكَ تَوَلَّيْتَ عَنِ الأعْمى، وما يُدْرِيكَ أنَّ ذَلِكَ مَرْجُوُّ الوُقُوعِ.
﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ أيْ: عَنِ الإيمانِ وعَمّا عِنْدَكَ مِنَ العُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي يَنْطَوِي عَلَيْها القرآن.
﴿فَأنْتَ لَهُ تَصَدّى﴾ أيْ: تَتَصَدّى وتَتَعَرَّضُ بِالإقْبالِ عَلَيْهِ والأهْتِمامِ بِإرْشادِهِ واسْتِصْلاحِهِ، وفِيهِ مَزِيدُ تَنْفِيرٍ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْ مُصاحَبَتِهِمْ، فَإنَّ الإقْبالَ عَلى المُدَبِّرِ لَيْسَ مِن شِيَمِ الكِبارِ، وقُرِئَ: (تَصَّدّى) بِإدْغامِ التّاءِ في الصّادِ، وقُرِئَ: (تُصْدى) بِضَمِّ التّاءِ، أيْ: تُعْرَضُ، ومَعْناهُ يَدْعُوكَ إلى التَّصَدِّي لَهُ داعٍ مِنَ الحِرْصِ والتَّهالُكِ عَلى إسْلامِهِ.
80:7Page 585
وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ ٧
And not upon you [is any blame] if he will not be purified.1
﴿وَما عَلَيْكَ ألا يَزَّكّى﴾ ولَيْسَ عَلَيْكَ بَأْسٌ في أنْ لا يَتَزَكّى بِالإسْلامِ حَتّى تَهْتَمَّ بِأمْرِهِ وتُعْرِضَ عَمَّنْ أسْلَمَ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن ضَمِيرِ "تَصَدّى"، وقِيلَ: "ما" اسْتِفْهامِيَّةٌ لِلْإنْكارِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ عَلَيْكَ في أنْ لا يَتَزَكّى؟ ومَآلُهُ النَّفْيُ أيْضًا.
﴿وَأمّا مَن جاءَكَ يَسْعى﴾ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُسْرِعًا طالِبًا لِما عِنْدَكَ مِن أحْكامِ الرُّشْدِ وخِصالِ الخَيْرِ.
﴿وَهُوَ يَخْشى﴾ أيِ: اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: يَخْشى أذِيَّةَ الكُفّارِ في إتْيانِكَ، وقِيلَ: يَخْشى الكَبْوَةَ إذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ قائِدٌ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ "يَسْعى" كَما أنَّهُ حالٌ مِن فاعِلِ "جاءَكَ".
﴿فَأنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ تَتَشاغَلُ، يُقالُ: لَهي عَنْهُ والتَهي وتَلَهّى، وقُرِئَ: (تَتَلَهّى) وتَلَهّى، أيْ: يُلْهِيكَ شَأْنُ الصَّنادِيدِ، في تَقْدِيمِ ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى الفِعْلَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَناطَ الإنْكارِ خُصُوصِيَّتُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، أيْ: مِثْلُكَ خُصُوصًا لا يَنْبَغِي أنْ يَتَصَدّى لِلْمُسْتَغْنِي ويَتَلَهي الفَقِيرَ الطّالِبَ لِلْخَيْرِ، وتَقْدِيمُ "لَهُ" و"عَنْهُ" لِلتَّعْرِيضِ بِاهْتِمامِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمَضْمُونِهِما.
رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿ما عَبَسَ بَعْدَ ذَلِكَ في وجْهِ فَقِيرٍ قَطُّ ولا تَصَدّى لِغَنِيٍّ﴾
﴿كَلا﴾ (p-109)رَدْعٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَمّا عُوتِبَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصَدِّي لِمَن اسْتَغْنى عَمّا دَعاهُ إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعَةِ وما يُوجِبُهُما مِنَ القرآن الكَرِيمِ مُبالِغًا في الأهْتِمامِ بِأمْرِهِ، مُتَهالِكًا عَلى إسْلامِهِ، مُعْرِضًا بِسَبَبِ ذَلِكَ عَنْ إرْشادِ مَن يَسْتَرْشِدُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ أيْ: مَوْعِظَةٌ يَجِبُ أنْ يَتَّعِظَ بِها ويَعْمَلَ بِمُوجِبِها، تَعْلِيلٌ لِلرَّدْعِ عَمّا ذُكِرَ بِبَيانِ عُلُوِّ رُتْبَةِ القرآن العَظِيمِ الَّذِي اسْتَغْنى عَنْهُ مَن تَصَدّى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَهُ، وتَحْقِيقِ أنَّ شَأْنَهُ أنْ يَكُونُ مَوْعِظَةً حَقِيقَةً بِالأتِّعاظِ بِها، فَمَن رَغِبَ فِيها اتَّعَظَ بِها، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى:
﴿فَمَن شاءَ ذَكَرَهُ﴾ أيْ: حَفِظَهُ واتَّعَظَ بِهِ، ومَن رَغِبَ عَنْها كَما فَعَلَ المُسْتَغْنِي فَلا حاجَةَ إلى الأهْتِمامِ بِأمْرِهِ، فالضَّمِيرانِ لِلْقُرْآنِ تَأْنِيثٌ الأوَّلُ لِتَأْنِيثِ خَبَرِهِ، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلسُّورَةِ، أوْ لِلْآياتِ السّابِقَةِ، والثّانِي لِلتَّذْكِرَةِ والتَّذْكِيرِ؛ لِأنَّها في مَعْنى الذِّكْرِ والوَعْظِ ولَيْسَ بِذاكَ، فَإنَّ السُّورَةَ والآياتِ وإنْ كانَتْ مُتَّصِفَةً بِما سَيَأْتِي مِنَ الصِّفاتِ الشَّرِيفَةِ، لَكِنَّها لَيْسَتْ مِمّا أُلْقِي عَلى مَن اسْتَغْنى عَنْهُ واسْتَحَقَّ بِسَبَبِ ذَلِكَ ما سَيَأْتِي مِنَ الدُّعاءِ عَلَيْهِ والتَّعَجُّبِ مِن كُفْرِهِ المُفْرِطِ لِنُزُولِها بَعْدَ الحادِثَةِ، وأمّا مَن جَوَّزَ رُجُوعَهُما إلى العِتابِ المَذْكُورِ فَقَدْ أخْطَأ وأساءَ الأدَبَ وخَبَطَ خَبْطًا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ، فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿فِي صُحُفٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لِـ"تَذْكِرَةٌ" وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ جِيءَ بِهِ لِلتَّرْغِيبِ فِيها والحَثِّ عَلى حِفْظِها، أيْ: كائِنَةٌ في صُحُفٍ مُنْتَسِخَةٍ مِنَ اللَّوْحِ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِـ"أنَّ" ﴿مُكَرَّمَةٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
﴿مَرْفُوعَةٍ﴾ أيْ: في السَّماءِ السّابِعَةِ، أوْ مَرْفُوعَةِ المِقْدارِ والذِّكْرِ.
﴿مُطَهَّرَةٍ﴾ مُنَزَّهَةٍ عَنْ مِساسِ أيْدِي الشَّياطِينِ.
﴿بِأيْدِي سَفَرَةٍ﴾ أيْ: كَتَبَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَنْتَسِخُونَ الكُتُبَ مِنَ اللَّوْحِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ (سافِرٍ) مِنَ السِّفْرِ وهو الكُتُبِ، وقِيلَ: بِأيْدِي رُسُلٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَسْفِرُونَ بِالوَحْيِ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الأنْبِياءِ، عَلى أنَّهُ جَمْعُ (سَفِيرٍ) مِنَ السِّفارَةِ وحَمْلُهم عَلى الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ بَعِيدٌ، فَإنَّ وظِيفَتَهُمُ التَّلَقِّي مِنَ الوَحْيِ لا الكُتُبُ مِنهُ، وإرْشادُ الأُمَّةِ بِالأمْرِ والنَّهْيِ، وتَعْلِيمُ الشَّرائِعِ والأحْكامِ لا مُجَرَّدُ السِّفارَةِ إلَيْهِمْ، وكَذا حَمْلُهم عَلى القُرّاءِ لِقِراءَتِهِمُ الأسْفارَ، أوْ عَلى أصْحابِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ قالُوا: هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالمَلائِكَةِ لا تَكادُ تُطْلَقُ عَلى غَيْرِهِمْ، وإنَّ جازَ الإطْلاقُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"مُطَهَّرَةٍ" قالَ القَفّالُ: لَمّا لَمْ يَمَسَّها إلّا المَلائِكَةُ المُطَهَّرُونَ أُضِيفَ التَّطْهِيرُ إلَيْها لِطَهارَةِ مَن يَمَسُّها. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّ المُرادَ بِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ هَؤُلاءِ السَّفَرَةُ الكِرامُ البَرَرَةُ.
(p-110)﴿كِرامٍ﴾ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ مُتَعَطِّفِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ يُكَلِّمُونَهم ويَسْتَغْفِرُونَ لَهم.
﴿بَرَرَةٍ﴾ أتْقِياءَ، وقِيلَ: مُطِيعِينَ لِلَّهِ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: (فُلانٌ يَبَرُّ خالِقَهُ)، أيْ: يُطِيعُهُ، وقِيلَ: صادِقِينَ مَن بَرَّ في يَمِينِهِ.
80:17Page 585
قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ ١٧
Destroyed [i.e., cursed] is man;1 how disbelieving is he.
﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِأشْنَعِ الدَّعَواتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ تَعَجُّبٌ مِن إفْراطِهِ في الكُفْرانِ وبَيانٌ لِاسْتِحْقاقِهِ لِلدُّعاءِ عَلَيْهِ، والمُرادُ بِهِ: إمّا مَن اسْتَغْنى عَنِ القرآن الكَرِيمِ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِلْإقْبالِ عَلَيْهِ والإيمانِ بِهِ، وإمّا الجِنْسُ بِاعْتِبارِ انْتِظامِهِ لَهُ ولِأمْثالِهِ مِن أفْرادِهِ، لا بِاعْتِبارِ جَمِيعِ أفْرادِهِ، وفِيهِ مَعَ قِصَرِ مَتْنِهِ وتَقارُبِ قُطْرَيْهِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ سُخْطٍ عَظِيمٍ ومَذَمَّةٍ بالِغَةٍ ما لا غايَةَ وراءَهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ إفْراطِهِ في الكُفْرانِ بِتَفْصِيلِ ما أفاضَ عَلَيْهِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى مُنْتَهي عُمْرِهِ مِن فُنُونِ النِّعَمِ المُوجَبَةِ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ مَعَ إخْلالِهِ بِذَلِكَ، وفي الاسْتِفْهامِ عَنْ مَبْدَأِ خَلْقِهِ، ثُمَّ بَيانِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى:
80:19Page 585
مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ ١٩
From a sperm-drop He created him and destined for him;1
﴿مِن نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ تَحْقِيرٌ لَهُ، أيْ شَيْءٍ حَقِيرٍ مَهِينٍ خَلَقَهُ مِن نُطْفَةٍ مَذِرَةٍ خَلَقَهُ ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ فَهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ ويَلِيقُ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ والأشْكالِ، أوْ فَقَدَّرَهُ أطْوارًا إلى أنْ تَمَّ خَلْقُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ الظّاهِرُ، أيْ: ثُمَّ سَهَّلَ مَخْرَجَهُ مِنَ البَطْنِ بِأنْ فَتَحَ فَمَ الرَّحِمِ وألْهَمَهُ أنْ يَنْتَكِسَ، أوْ يَسَّرَ لَهُ سَبِيلَ الخَيْرِ والشَّرِّ ومَكَّنَهُ مِنَ السُّلُوكِ، وتَعْرِيفُ السَّبِيلِ بِاللّامِ دُونَ الإضافَةِ لِلْإشْعارِ بِعُمُومِهِ.
80:21Page 585
ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ ٢١
Then He causes his death and provides a grave for him.1
﴿ثُمَّ أماتَهُ فَأقْبَرَهُ﴾ أيْ: جَعَلَهُ ذا قَبْرٍ يُوارى فِيهِ تَكْرِمَةً لَهُ، ولَمْ يَدَعْهُ مَطْرُوحًا عَلى وجْهِ الأرْضِ جُرُزًا لِلسِّباعِ والطَّيْرِ كَسائِرِ الحَيَوانِ، يُقالُ: قَبَرَ المَيِّتَ إذا دَفَنَهُ، وأقْبَرَهُ إذا أمَرَ بِدَفْنِهِ أوْ مُكِّنَ مِنهُ، وعَدُّ الإماتَةِ مِنَ النِّعَمِ؛ لِأنَّها وصْلَةٌ في الجُمْلَةِ إلى الحَياةِ الأبَدِيَّةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ.
﴿ثُمَّ إذا شاءَ أنْشَرَهُ﴾ أيْ: إذا شاءَ أنْشَرَهُ، وأنْشَرَ عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ في حَذْفِ مَفْعُولِ المَشِيئَةِ وفي تَعْلِيقِ الإنْشارِ بِمَشِيئَتِهِ تَعالى إيذانٌ بِأنَّ وقْتَهُ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ، بَلْ هو تابِعٌ لَها، وقُرِئَ: (نَشَرَهُ)
80:23Page 585
كـَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ ٢٣
No! He [i.e., man] has not yet accomplished what He commanded him.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِلْإنْسانِ (p-111)عَمّا هو عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمّا يَقْضِ ما أمَرَهُ﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ الرَّدْعِ، أيْ: لَمْ يَقْضِ بَعْدُ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى هَذِهِ الغايَةِ مَعَ طُولِ المَدى وامْتِدادِهِ ما أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِأسْرِهِ؛ إذْ لا يَخْلُو أحَدٌ عَنْ تَقْصِيرٍ ما، كَذا قالُوا وهَكَذا نُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. ولا رَيْبَ في أنَّ مَساقَ الآياتِ الكَرِيمَةِ لِبَيانِ غايَةِ عِظَمِ جِنايَةِ الإنْسانِ وتَحْقِيقِ كُفْرانِهِ المُفْرِطِ المُسْتَوْجِبِ لِلسُّخْطِ العَظِيمِ، وظاهِرٌ أنَّ ذَلِكَ لا يَتَحَقَّقُ بِهَذا القَدْرِ مِن نَوْعِ تَقْصِيرٍ يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِن أفْرادِهِ، كَيْفَ لا؟ وقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ لِما فِيها مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ فالوَجُهُ أنْ يُحْمَلَ عَدَمُ القَضاءِ عَلى عُمُومِ النَّفْيِ لا عَلى نَفْيِ العُمُومِ، إمّا عَلى أنَّ المَحْكُومَ عَلَيْهِ هو المُسْتَغْنِي، أوْ هو الجِنْسُ، لَكِنْ لا عَلى الإطْلاقِ، بَلْ عَلى أنَّ مِصْداقَ الحُكْمِ بِعَدَمِ القَضاءِ بَعْضُ أفْرادِهِ، وقَدْ أُسْنِدَ إلى الكُلِّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ لِلْإشْباعِ في اللَّوْمِ بِحُكْمِ المُجانَسَةِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمْ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فَلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، وإمّا عَلى أنَّ مِصْداقَهُ الكُلُّ مِن حَيْثُ هو كُلٌّ بِطْرِيقِ رَفْعِ الإيجابِ الكُلِّيِّ دُونَ السَّلْبِ الكُلِّيِّ، فالمَعْنى لَمّا يَقْضِ جَمِيعُ أفْرادِهِ ما أمَرَهُ، بَلْ أخَلَّ بِهِ بَعْضُها بِالكُفْرِ والعِصْيانِ مَعَ أنْ مُقْتَضى ما فُصِّلَ مِن فُنُونِ النَّعْماءِ الشّامِلَةِ لِلْكُلِّ أنْ لا يَتَخَلَّفَ عَنْهُ أحَدٌ أصْلًا، هَذا وقَدْ قِيلَ:كَلّا بِمَعْنى حَقًّا، فَيَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ، أيْ: حَقًّا لَمْ يَعْمَلْ بِما أمَرَهُ بِهِ.
فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ شُرُوعٌ في تَعْدادِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِبَقائِهِ بَعْدَ تَفْصِيلِ النِّعَمِ المُتَعَلِّقَةِ بِحُدُوثِهِ، أيْ: فَلْيَنْظُرْ إلى طَعامِهِ الَّذِي عَلَيْهِ يَدُورُ أمْرُ مَعاشِهِ كَيْفَ دَبَّرْناهُ؟ وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ أيِ: الغَيْثَ، بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "طَعامِهِ"؛ لِأنَّ الماءَ سَبَبٌ لِحُدُوثِ الطَّعامِ، فَهو مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: (إنّا) عَلى الأسْتِئْنافِ، وقُرِئَ: (أنّى) بِالإمالَةِ، أيْ: كَيْفَ صَبَبْنا إلى آخِرِهِ؟ أيْ: صَبَبْناهُ صَبًّا عَجَبًا.
80:26Page 585
ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦
Then We broke open the earth, splitting [it with sprouts],
﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ أيْ: بِالنَّباتِ.
﴿شَقًّا﴾ بَدِيعًا لائِقًا بِما يَشُقُّها مِنَ النَّباتِ صِغَرًا وكِبَرًا وشَكْلًا وهَيْئَةً، وحَمْلُ شَقِّها عَلى ما بِالكِرابِ بِجَعْلِ إسْنادِهِ إلى نُونِ العَظَمَةِ مِن قَبِيلِ إسْنادِ الفِعْلِ إلى سَبَبِهِ يَأْباهُ كَلِمَةُ "ثُمَّ" و"الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ فَإنَّ الشَّقَّ بِالمَعْنى المَذْكُورِ لا تَرَتُّبَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الأمْطارِ أصْلًا، ولا بَيْنَهُ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ، وإنَّما التَّرْتِيبُ بَيْنَ الأمْطارِ وبَيْنَ الشَّقِّ المَذْكُورِ وبَيْنَ إنْباتِ الحَبِّ بِلا مُهْلَةٍ، فَإنَّ المُرادَ بِالنَّباتِ ما نَبَتَ مِنَ الأرْضِ إلى أنْ يَتَكامَلَ النُّمُوُّ ويَنْقَعِدُ الحَبُّ، فَإنَّ انْشِقاقَ الأرْضِ بِالنَّباتِ لا يَزالُ يَتَزايَدُ ويَتَّسِعُ إلى تِلْكَ المَرْتَبَةِ عَلى أنَّ مَساقَ النَّظْمِ الكَرِيمِ لِبَيانِ النِّعَمِ الفائِضَةِ مِن جَنابِهِ تَعالى عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ خارِجٍ عَنِ العاداتِ المَعْهُودَةِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَأْكِيدُ الفِعْلَيْنِ بِالمَصْدَرَيْنِ، فَتَوْسِيطُ فِعْلِ المُنْعِمِ عَلَيْهِ في حُصُولِ تِلْكَ النِّعَمِ مُخِلٌّ بِالمَرامِ،
(p-112)﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنَبًا﴾ عَطْفٌ عَلى "حَبًّا" ولَيْسَ مِن لَوازِمَ العَطْفِ أنْ يُقَيَّدَ المَعْطُوفُ بِجَمِيعِ ما قُيِّدَ بِهِ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ، فَلا ضَيْرَ في خُلُوِّ إنْباتِ العِنَبِ عَنْ شَقِّ الأرْضِ.
﴿وَقَضْبًا﴾ أيْ: رَطْبَةٌ، سُمِّيَتْ بِمَصْدَرِ "قَضَبَهُ" أيْ: قَطَعَهُ مُبالَغَةً كَأنَّها لِتَكَرُّرِ قَطْعِها وتَكَثُّرِهِ نَفْسُ القَطْعِ.
﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلا﴾ الكَلامُ فِيهِما وفي أمْثالِهِما كَما في العِنَبِ.
﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ أيْ: عِظامًا، وُصِفَ بِهِ الحَدائِقُ لِتَكاثُفِها وكَثْرَةِ أشْجارِها، أوْ لِأنَّها ذاتُ أشْجارٍ غِلاظٍ، مُسْتَعارٌ مِن وصْفِ الرِّقابِ.
﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ أيْ: مَرْعى، مَن "أبَّهُ" إذا أمَّهُ، أيْ: قَصَدَهُ؛ لِأنَّهُ يُؤَمُّ ويُنْتَجَعُ، أوْ مِن أبَّ لِكَذا: إذا تَهَيَّأ؛ لِأنَّهُ مُتَهَيَّئٌ للرَّعْيِ، أوْ فاكِهَةً يابِسَةً تَؤُبُ لِلشِّتاءِ، وعَنِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الأبِّ فَقالَ: أيُّ سَماءٍ تُظِلُّنِي، وأيُّ أرْضٍ تُقِلُّنِي إذا قُلْتُ في كِتابِ اللَّهِ ما لا عِلْمَ لِي بِهِ؟! وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: كُلُّ هَذا قَدْ عَرَفْنا فَما الأبُّ؟ ثُمَّ رَفَضَ عَصًا كانَتْ بِيَدِهِ وقالَ: هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ التَّكَلُّفُ، وما عَلَيْكَ يا ابْنَ أُمِّ عُمَرَ أنْ لا تَدْرِيَ ما الأبُّ؟ ثُمَّ قالَ: اتَّبِعُوا ما تَبَيَّنَ لَكم مِن هَذا الكِتابِ وما لا فَدَعُوهُ.
80:32Page 585
مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢
[As] enjoyment [i.e., provision] for you and your grazing livestock.
﴿مَتاعًا لَكم ولأنْعامِكُمْ﴾ إمّا مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ تَمْتِيعًا لَكم ولِمَواشِيكُمْ، فَإنَّ بَعْضَ النِّعَمِ المَعْدُودَةِ طَعامٌ لَهم وبَعْضَها عَلَفٌ لِدَوابِّهِمْ، والألْتِفاتُ لِتَكْمِيلِ الأمْتِنانِ، وإمّا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ مَتاعًا، أوْ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلَيْهِ، أيْ: مَتَّعَكم بِذَلِكَ فَتَمَتَّعْتُمْ مَتاعًا، أيْ: تَمَتُّعًا كَما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، أوْ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ لَفْظِهِ فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ في مَعْنى التَّمْتِيعِ.
﴿فَإذا جاءَتِ الصّاخَّةُ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْوالِ مَعادِهِمْ إثْرَ بَيانِ مَبْدَأِ خَلْقِهِمْ ومَعاشِهِمْ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَها عَلى ما قَبْلَها مِن فُنُونِ النِّعَمِ عَنْ قَرِيبٍ كَما يُشْعِرُ لَفْظُ المَتاعِ بِسُرْعَةِ زَوالِها وقُرْبِ اضْمِحْلالِها، و"الصّاخَّةُ": هي الدّاهِيَةُ العَظِيمَةُ الَّتِي يَصُخُّ لَها الخَلائِقُ، أيْ: يَصِيخُونَ لَها مِن (صَخَّ لِحَدِيثِهِ) إذا أصاخَ لَهُ واسْتَمْتَعَ؛ وُصِفَتْ بِها النَّفْخَةُ الثّانِيَةُ؛ لِأنَّ النّاسَ يَصِيخُونَ لَها. وقِيلَ: هي الصَّيْحَةُ الَّتِي تَصُخُّ الآذانَ أيْ: تَصُمُّها لِشِدَّةِ وقْعِها. وقِيلَ: هي مَأْخُوذَةٌ مِن صَخَّهُ بِالحَجَرِ أيْ: صَكَّهُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن (p-113)أخِيهِ﴾
80:35–36Page 585
وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ ٣٥
And his mother and his father
وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ ٣٦
And his wife and his children,
﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾، ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ إمّا مَنصُوبٌ بِـ"أعْنِي" تَفْسِيرًا لِلصّاخَّةِ، أوْ بَدَلٌ مِنها مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ بِالإضافَةِ إلى الفِعْلِ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ. وقِيلَ: بَدَلٌ مِن "إذا جاءَتْ" كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ ...إلَخْ أيْ: يُعْرِضُ عَنْهم ولا يُصاحِبُهُمْ، ولا يَسْألُ عَنْ حالِهِمْ كَما في الدُّنْيا؛ لِاشْتِغالِهِ بِحالِ نَفْسِهِ، وأمّا تَعْلِيلُ ذَلِكَ بِعِلْمِهِ بِأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنْهُ شَيْئًا أوْ بِالحَذَرِ مِن مُطالَبَتِهِمْ بِالتَّبِعاتِ فَيَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: *
80:37Page 585
لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ ٣٧
For every man, that Day, will be a matter adequate for him.1
﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ وارِدٌ لِبَيانِ سَبَبِ الفِرارِ أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المَذْكُورِينَ شُغْلٌ شاغِلٌ وخَطْبٌ هائِلٌ يَكْفِيهِ في الأهْتِمامِ بِهِ، وأمّا الفِرارُ حَذارِ مِن مُطالَبَتِهِمْ أوْ بُغْضًا لَهم كَما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: أنَّهُ يَفِرُّ قابِيلُ مِن أخِيهِ هابِيلَ، ويَفِرُّ النَّبِيُّ ﷺ مِن أُمِّهِ، ويَفِرُّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن أبِيهِ، ونُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ ابْنِهِ، ولُوطٌ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنِ امْرَأتِهِ، فَلَيْسَ مِن قَبِيلِ هَذا الفِرارِ، وكَذا ما يُرْوى أنَّ الرَّجُلَ يَفِرُّ مِن أصْحابِهِ وأقْرِبائِهِ؛ لِئَلّا يَرَوْهُ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِن سُوءِ الحالِ، وقُرِئَ "يَعْنِيهِ" بِالياءِ المَفْتُوحَةِ والعَيْنِ المُهْمَلَةِ، أيْ: يَهَمَّهُ، مِن عَناهُ الأمْرُ إذا أهَمَّهُ أيْ: أوْقَعَهُ في الهَمِّ، ومِنهُ ﴿مِن حُسْنِ إسْلامِ المَرْءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ﴾، لا مَن عَناهُ إذا قَصَدَهُ كَما قِيلَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ﴾ بَيانٌ لِمَآلِ أمْرِ المَذْكُورِينَ وانْقِسامِهِمْ إلى السُّعَداءِ والأشْقِياءِ بَعْدَ ذِكْرِ وُقُوعِهِمْ في داهِيَةٍ دَهْياءَ، فَـ"وُجُوهٌ" مُبْتَدَأٌ وإنْ كانَتْ نَكِرَةً؛ لِكَوْنِها في حَيِّزِ التَّنْوِيعِ و"مُسْفِرَةٌ" خَبَرُهُ، و"يَوْمئِذٍ" مُتَعَلِّقٌ بِهِ أيْ: مُضِيئَةٌ مُتَهَلِّلَةٌ مِن أسْفَرَ الصُّبْحُ: إذا أضاءَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ ذَلِكَ مِن قِيامِ اللَّيْلِ، وفي الحَدِيثِ « "مَن كَثُرَ صَلاتُهُ بِاللَّيْلِ حَسُنَ وجْهُهُ بِالنَّهارِ"،» وعَنِ الضَّحّاكِ: مِن آثارِ الوُضُوءِ. وقِيلَ: مِن طُولِ ما اغْبَرَّتْ في سَبِيلِ اللَّهِ.
﴿ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ بِما تُشاهِدُ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ والبَهْجَةِ الدّائِمَةِ.
80:40Page 585
وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ ٤٠
And [other] faces, that Day, will have upon them dust.
﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ أيْ: غُبارٌ وكُدُورَةٌ.
﴿تَرْهَقُها﴾ أيْ: تَعْلُوها وتَغْشاها.
﴿قَتَرَةٌ﴾ أيْ: سَوادٌ وظُلْمَةٌ.
80:42Page 585
أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ ٤٢
Those are the disbelievers, the wicked ones.
(p-114)﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى أصْحابِ تِلْكَ الوُجُوهِ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ دَرَجَتِهِمْ في سُوءِ الحالِ أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وغَيْرِهِ.
﴿هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ الجامِعُونَ بَيْنَ الكُفْرِ والفُجُورِ؛ فَلِذَلِكَ جَمَعَ اللَّهُ تَعالى إلى سَوادِ وُجُوهِهِمُ الغَبَرَةَ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ عَبَسَ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وجْهُهُ ضاحِكٌ مُسْتَبْشِرٌ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences