Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
السجدة
As-Sajdah
The Prostration · Meccan · 30 ayahs
(p-79)سُورَةُ السَّجْدَةِ
(مَكِّيَّةٌ، وهى ثَلاثُونَ آيَةً، وقِيلَ: تِسْعٌ وعِشْرُونَ)
﴿الم﴾ إمّا اسْمٌ لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا مُسَمًّى بِ "الم"، والإشارَةُ إلَيْها قَبْلَ جَرَيانِ ذِكْرِها قَدْ عَرَفْتَ سِرَّها، وإمّا مَسْرُودٌ عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ فَلا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الإعْرابِ.
32:2Page 415
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
[This is] the revelation of the Book about which there is no doubt from the Lord of the worlds.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ﴾ عَلى الأوَّلِ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، وعَلى الثّانِي خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ: المُؤَلَّفُ مِن جِنْسِ ما ذُكِرَ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقِيلَ: خَبَرُ "الم" أيِ: المُسَمّى بِهِ تَنْزِيلُ الكِتابِ، وقَدْ مَرَّ مِرارًا أنَّ ما يُجْعَلُ عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ حَقُّهُ أنْ يَكُونَ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومَ الِانْتِسابِ إلَيْهِ، وإذْ لا عَهْدَ بِالتَّسْمِيَةِ قَبْلُ فَحَقُّها الإخْبارُ بِها، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ خَبَرٌ ثالِثٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وثانٍ عَلى الأخِيرَيْنِ. وقِيلَ: خَبَرٌ لِ «تَنْزِيلُ الكِتابِ» فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمُضْمَرٍ هو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أيْ: كائِنًا مِنهُ تَعالى لا بِ «تَنْزِيلُ»؛ لِأنَّ المَصْدَرَ لا يَعْمَلُ فِيما بَعْدَ الخَبَرِ. والأوْجُهُ حِينَئِذٍ أنَّهُ الخَبَرُ، و "لا رَيْبَ فِيهِ" حالٌ مِنَ الكِتابِ أوِ اعْتِراضٌ، والضَّمِيرُ في "فِيهِ" راجِعٌ إلى مَضْمُونِ الجُمْلَةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَيْبَ في ذَلِكَ، أيْ: في كَوْنِهِ مُنَزَّلًا مِن رَبِّ العالَمِينَ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى:
32:3Page 415
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Or do they say, "He invented it"? Rather, it is the truth from your Lord, [O Muḥammad], that you may warn a people to whom no warner has come before you [so] perhaps they will be guided.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ فَإنَّ قَوْلَهم هَذا إنْكارٌ مِنهم لِكَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ مَوْرِدُهُ حُكْمًا مَقْصُودَ الإفادَةِ لا قَيْدًا لِلْحُكْمِ بِنَفْيِ الرَّيْبِ عَنْهُ، وقَدْ رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وأُبْطِلَ حَيْثُ جِيءَ بِأمْ المُنْقَطِعَةِ إنْكارًا لَهُ، وتَعْجِيبًا مِنهُ لِغايَةِ ظُهُورِ بُطْلانِهِ، واسْتِحالَةِ كَوْنِهِ مُفْتَرًى، ثُمَّ أُضْرِبَ عَنْهُ إلى بَيانِ حَقِّيَّةِ ما أنْكَرُوهُ حَيْثُ قِيلَ: ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ بِإضافَةِ اسْمِ الرَّبِّ إلى ضَمِيرِهِ ﷺ بَعْدَ إضافَتِهِ فِيما سَبَقَ إلى العالَمِينَ تَشْرِيفًا لَهُ ﷺ، ثُمَّ أُيِّدَ ذَلِكَ بِبَيانِ غايَتِهِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَإنَّ بَيانَ غايَةِ الشَّيْءِ وحِكْمَتِهِ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِها غايَةً حَمِيدَةً مُسْتَتْبَعَةً لِمَنافِعَ جَلِيلَةٍ في وقْتِ شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْها مِمّا يُقَرِّرُ وُجُودَ الشَّيْءِ، ويُؤَكِّدُهُ لا مَحالَةَ، ولَقَدْ كانَتْ قُرَيْشٌ أضَلَّ النّاسِ وأحْوَجَهم إلى الهِدايَةِ؛ بِإرْسالِ الرَّسُولِ، وتَنْزِيلِ الكِتابِ حَيْثُ لَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِمْ (p-80)مِن رَسُولٍ قَبْلَهُ ﷺ، أيْ: ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِ إنْذارِكَ، أوْ مِن قَبْلِ زَمانِكَ. والتَّرَجِّي مُعْتَبَرٌ مِن جِهَتِهِ ﷺ، أيْ: لِتُنْذِرَهم راجِيًا لِاهْتِدائِهِمْ، أوْ لِرَجاءِ اهْتِدائِهِمْ. واعْلَمْ أنَّ ما ذُكِرَ مِنَ التَّأْيِيدِ إنَّما يَتَسَنّى عَلى ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ تَنْزِيلِ الكِتابِ مُبْتَدَأً، وأمّا عَلى سائِرِ الوُجُوهِ فَلا تَأْيِيدَ أصْلًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ خَبَرٌ رابِعٌ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، وخَبَرٌ ثالِثٌ عَلى الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ، وأيًّا ما كانَ فَكَوْنُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ حُكْمٌ مَقْصُودُ الإفادَةِ لا قَيْدَ لِحُكْمٍ آخَرَ فَتَدَبَّرْ.
32:4Page 415
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
It is Allāh who created the heavens and the earth and whatever is between them in six days; then He established Himself above the Throne.1 You have not besides Him any protector or any intercessor; so will you not be reminded?
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ مَرَّ بَيانُهُ فِيما سَلَفَ.
﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ أيْ: ما لَكَمَ إذا جاوَزْتُمْ رِضاهُ تَعالى أحَدٌ يَنْصُرُكُمْ، ويَشْفَعُ لَكُمْ، ويُجِيرُكم مِن بَأْسِهِ، أيْ: ما لَكَمَ سِواهُ "وَلِيٌّ ولا شَفِيعٌ" بَلْ هو الَّذِي يَتَوَلّى مَصالِحَكُمْ، ويَنْصُرُكم في مُواطِنِ النَّصْرِ. عَلى أنَّ الشَّفِيعَ عِبارَةٌ عَنِ النّاصِرِ مَجازًا فَإذا خَذَلَكم لَمْ يَبْقَ لَكم ولِيٌّ ولا نَصِيرٌ.
﴿أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ألا تَسْمَعُونَ هَذِهِ المَواعِظَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها، أوْ أتَسْمَعُونَها فَلا تَتَذَكَّرُونَ بِها. فالإنْكارُ عَلى الأوَّلِ: مُتَوَجِّهٌ إلى عَدَمِ السَّماعِ وعَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعًا، وعَلى الثّانِي: عَلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ مَعَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ السَّماعِ.
32:5Page 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
He arranges [each] matter from the heaven to the earth; then it will ascend to Him in a Day, the extent of which is a thousand years of those which you count.
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ قِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا بِأسْبابٍ سَماوِيَّةٍ مِنَ المَلائِكَةِ وغَيْرِها نازِلَةٍ آثارُها وأحْكامُها إلى الأرْضِ.
﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ أيْ: يُثْبِتُ في عِلْمِهِ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ أيْ: في بُرْهَةٍ مِنَ الزَّمانِ مُتَطاوِلَةٍ، والمُرادُ: بَيانُ طُولِ امْتِدادِ ما بَيْنَ تَدْبِيرِ الحَوادِثِ وحُدُوثِها مِنَ الزَّمانِ. وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الحَوادِثِ اليَوْمِيَّةِ بِإثْباتِها في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَيُنَزِّلُ بِها المَلائِكَةَ. ثُمَّ تَعْرُجُ إلَيْهِ في زَمانٍ هو كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ، فَإنَّ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عامٍ. وقِيلَ: يَقْضِي قَضاءَ ألْفِ سَنَةٍ فَيَنْزِلُ بِهِ المَلَكُ، ثُمَّ يَعْرُجُ بَعْدَ الألْفِ لِألْفٍ آخَرَ، وقِيلَ: يُدَبِّرُ أمْرَ الدُّنْيا جَمِيعًا إلى قِيامِ السّاعَةِ، ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ الأمْرُ كُلُّهُ عِنْدَ قِيامِها. وقِيلَ: يُدَبِّرُ المَأْمُورَ بِهِ مِنَ الطّاعاتِ مُنَزَّلًا مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ بِالوَحْيِ، ثُمَّ لا يَعْرُجُ إلَيْهِ خالِصًا إلّا في مُدَّةٍ مُتَطاوِلَةٍ لِقِلَّةِ المُخْلِصِينَ والأعْمالِ الخُلَّصِ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ قِلَّةَ الأعْمالِ الخالِصَةِ لا تَقْتَضِي بُطْءَ عُرُوجِها إلى السَّماءِ بَلْ قِلَّتَهُ، وقُرِئَ: (يَعُدُّونَ) بِالياءِ.
32:6Page 415
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
That is the Knower of the unseen and the witnessed, the Exalted in Might, the Merciful,
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِاعْتِبارِ اتِّصافِهِ بِما ذُكِرَ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ، والِاسْتِواءِ عَلى العَرْشِ، وانْحِصارِ الوِلايَةِ، والنُّصْرَةِ فِيهِ، وتَدْبِيرِ أمْرِ الكائِناتِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ الوَجْهِ البَدِيعِ. وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: ذَلِكَ العَظِيمُ الشَّأْنِ.
﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ فَيُدَبِّرُ أمْرَهُما حَسْبَما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ.
﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ عَلى أمْرِهِ.
(p-81)﴿الرَّحِيمُ﴾ عَلى عِبادِهِ. وهُما خَبَرانِ آخَرانِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ تَعالى مُتَفَضِّلٌ في جَمِيعِ ما ذُكِرَ فاعِلٌ بِالإحْسانِ.
32:7Page 415
ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧
Who perfected everything which He created and began the creation of man from clay.
﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ خَبَرٌ آخَرُ، أوْ نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أيْ: حَسَّنَ كُلَّ مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ إذْ ما مِن مَخْلُوقٍ خَلَقَهُ إلّا وهو مُرَتَّبٌ عَلى ما تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وأوْجَبَتْهُ المَصْلَحَةُ، فَجَمِيعُ المَخْلُوقاتِ حَسَنَةٌ، وإنْ تَفاوَتَتْ إلى حَسَنٍ وأحْسَنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ . وقِيلَ: عُلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُهُ مِن قَوْلِهِ: قِيمَةُ المَرْءِ ما يُحْسِنُ، أيْ: يُحْسِنُ مَعْرِفَتَهُ. أيْ: يَعْرِفُهُ مَعْرِفَةً حَسَنَةً بِتَحْقِيقٍ وإيقانٍ. وقُرِئَ: (خَلَقَهُ) عَلى أنَّهُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن «كُلَّ شَيْءٍ». والضَّمِيرُ لِلْمُبْدَلِ مِنهُ، أيْ: حَسَّنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: بَدَلُ الكُلِّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ تَعالى. والخَلْقُ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ: حَسَّنَ كُلَّ مَخْلُوقاتِهِ. وقِيلَ: هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِ "أحْسَنَ" عَلى تَضْمِينِهِ مَعْنى أعْطى، أيْ: أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ اللّائِقَ بِهِ بِطَرِيقِ الإحْسانِ والتَّفَضُّلِ، وقِيلَ: هو مَفْعُولُهُ الأوَّلُ و "كُلَّ شَيْءٍ" مَفْعُولُهُ الثّانِي، و "الخَلْقُ" بِمَعْنى المَخْلُوقِ، وضَمِيرُهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ عَلى تَضْمِينِ الإحْسانِ مَعْنى الإلْهامِ والتَّعْرِيفِ. والمَعْنى: ألْهَمَ خَلْقَهُ كُلَّ شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ. وقالَ أبُو البَقاءِ: عَرَّفَ مَخْلُوقاتِهِ كُلَّ شَيْءٍ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ فَيَؤُولُ إلى مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ﴾ مِن بَيْنِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ ﴿مِن طِينٍ﴾ . عَلى وجْهٍ بَدِيعٍ تَحارُ العُقُولُ في فَهْمِهِ حَيْثُ بَرَأ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فِطْرَةٍ عَجِيبَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلى فِطْرَةِ سائِرِ أفْرادِ الجِنْسِ انْطِواءً إجْمالِيًّا، مُسْتَتْبِعًا لِخُرُوجِ كُلِّ فَرْدٍ مِنها مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِحَسَبِ اسْتِعْداداتِها المُتَفاوِتَةِ قُرْبًا وبُعْدًا، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى:
32:8Page 415
ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨
Then He made his posterity out of the extract of a liquid disdained.
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾ ... إلَخْ. أيْ: ذُرِّيَّتَهُ. سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْسِلُ وتَنْفَصِلُ مِنهُ.
﴿مِن سُلالَةٍ مِن ماءٍ مَهِينٍ﴾ هو المَنِيُّ المُمْتَهَنُ.
32:9Page 415
ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩
Then He proportioned him and breathed into him from His [created] soul1 and made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect]; little are you grateful.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ أيْ: عَدَلَهُ بِتَكْمِيلِ أعْضائِهِ في الرَّحِمِ، وتَصْوِيرِها عَلى ما يَنْبَغِي.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ أضافَهُ إلَيْهِ تَعالى تَشْرِيفًا لَهُ، وإيذانًا بِأنَّهُ خَلْقٌ عَجِيبٌ، وصُنْعٌ بَدِيعٌ، وأنَّ لَهُ شَأْنًا، لَهُ مُناسِبَةً إلى حَضْرَةِ الربوبية، وإنَّ أقْصى ما تَنْتَهِي إلَيْهِ العُقُولُ البَشَرِيَّةُ مِن مَعْرِفَتِهِ هَذا القَدَرُ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ تارَةً بِالإضافَةِ إلَيْهِ تَعالى، وأُخْرى بِالنِّسْبَةِ إلى أمْرِهِ تَعالى، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾ .
﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ﴾ الجَعْلُ إبْداعِيٌّ. و "اللّامُ" مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ، والتَّقْدِيمُ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِما مَرَّ مَرّاتٍ مِنَ الِاهْتِمامِ بِالمُقَدَّمِ، والتَّشْوِيقِ إلى المُؤَخَّرِ مَعَ ما فِيهِ مِن نَوْعِ طُولٍ يُخِلُّ تَقْدِيمُهُ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الكَرِيمِ، أيْ: خَلَقَ لِمَنفَعَتِكم تِلْكَ المَشاعِرَ لِتَعْرِفُوا أنَّها مَعَ كَوْنِها في أنْفُسِها نِعَمًا جَلِيلَةً لا يُقادَرُ قَدْرُها، وسائِلُ إلى التَّمَتُّعِ بِسائِرِ النِّعَمِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ الفائِضَةِ عَلَيْكُمْ، وتَشْكُرُوها بِأنْ تَصْرِفُوا كُلًّا مِنها إلى ما خُلِقَ هو لَهُ فَتُدْرِكُوا بِسَمْعِكُمُ الآياتِ التَّنْزِيلِيَّةَ النّاطِقَةَ بِالتَّوْحِيدِ والبَعْثِ، وبِأبْصارِكُمُ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةَ الشّاهِدَةَ بِهِما، وتَسْتَدِلُّوا بِأفْئِدَتِكم عَلى حَقِيقَتِهِما. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَلِيلا ما تَشْكُرُونَ﴾ بَيانٌ لِكُفْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ التَّذْيِيلِيِّ عَلى أنَّ القِلَّةَ بِمَعْنى (p-82)النَّفْيِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: شُكْرًا قَلِيلًا، أوْ زَمانًا قَلِيلًا تَشْكُرُونَ، وفي حِكايَةِ أحْوالِ الإنْسانِ مِن مَبْدَأِ فِطْرَتِهِ إلى نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ بِطَرِيقِ الغَيْبَةِ، وحِكايَةِ أحْوالِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الخِطابِ المُنْبِئِ عَنِ اسْتِعْدادِهِ لِلْفَهْمِ، وصَلاحِيَتِهِ لَهُ مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ.
32:10Page 415
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠
And they say, "When we are lost [i.e., disintegrated] within the earth, will we indeed be [recreated] in a new creation?" Rather, they are, in the meeting with their Lord, disbelievers.
﴿وَقالُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ أباطِيلِهِمْ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ إيذانًا بِأنَّ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ شُكْرِهِمْ بِتِلْكَ النِّعَمِ مُوجِبٌ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، وتَعْدِيدِ جِناياتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ بِطَرِيقِ المُباثَّةِ.
﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ أيْ: صِرْنا تُرابًا مَخْلُوطًا بِتُرابِها بِحَيْثُ لا نَتَمَيَّزُ مِنهُ، أوْ غِبْنا فِيها بِالدَّفْنِ. وقُرِئَ: (ضَلِلْنا) بِكَسْرِ اللّامِ مِن بابِ عَلِمَ، و (صَلَلْنا) بِالصّادِ المُهْمَلَةِ مِن صَلَّ اللَّحْمُ إذا أنْتَنَ، وقِيلَ: مِنَ الصِّلَةِ وهي الأرْضُ، أيْ: صِرْنا مِن جِنْسِ الصَّلَّةِ. قِيلَ: القائِلُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ولِرِضاهم بِقَوْلِهِ أُسْنِدَ القَوْلُ إلى الكُلِّ. والعامِلُ في "إذا" ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ وهو نُبْعَثُ، أوْ يُجَدَّدُ خَلْقُنا. و "الهَمْزَةُ" لِتَذْكِيرِ الإنْكارِ السّابِقِ وتَأْكِيدِهِ، وقُرِئَ: (إنّا) عَلى الخَبَرِ، وأيًّا ما كانَ فالمَعْنى عَلى تَأْكِيدِ الإنْكارِ لا إنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما هو المُتَبادِرُ مِن تَقَدُّمِ "الهَمْزَةِ" عَلى "إنَّ" فَإنَّها مُؤَخَّرَةٌ عَنْها في الِاعْتِبارِ، وإنَّما تَقْدِيمُها عَلَيْها لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ.
﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن بَيانِ كُفْرِهِمْ بِالبَعْثِ إلى بَيانِ ما هو أبْلَغُ وأشْنَعُ مِنهُ وهو كُفْرُهم بِالوُصُولِ إلى العاقِبَةِ، وما يَلْقَوْنَهُ فِيها مِنَ الأحْوالِ والأهْوالِ جَمِيعًا.
32:11Page 415
۞ قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ ١١
Say, "The angel of death who has been entrusted with you will take you. Then to your Lord you will be returned."
﴿قُلْ﴾ بَيانًا لِلْحَقِّ ورَدًّا عَلى زَعْمِهِمُ الباطِلِ ﴿يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ﴾ لا كَما تَزْعُمُونَ أنَّ المَوْتَ مِنَ الأحْوالِ الطَّبِيعِيَّةِ العارِضَةِ لِلْحَيَوانِ بِمُوجِبِ الجِبِلَّةِ، أيْ: يَقْبِضُ أرْواحَكم بِحَيْثُ يَدَعُ فِيكم شَيْئًا، أوْ لا يَتْرُكُ مِنكم أحَدًا عَلى أشَدِّ ما يَكُونُ مِنَ الوُجُوهِ وأفْظَعِها مِن ضَرْبِ وُجُوهِكم وأدْبارِكم.
﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ أيْ: بِقَبْضِ أرْواحِكُمْ، وإحْصاءِ آجالِكم.
﴿ثُمَّ إلى رَبِّكم تُرْجَعُونَ﴾ بِالبَعْثِ لِلْحِسابِ والجَزاءِ.
32:12Page 416
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ١٢
If you could but see when the criminals are hanging their heads before their Lord, [saying], "Our Lord, we have seen and heard, so return us [to the world]; we will work righteousness. Indeed, we are [now] certain."
﴿وَلَوْ تَرى إذِ المُجْرِمُونَ﴾ وهُمُ القائِلُونَ: ﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ﴾ ... الآيَةَ. أوْ جِنْسُ المُجْرِمِينَ، وهم مِن جُمْلَتِهِمْ.
﴿ناكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ مِنَ الحَياءِ والخِزْيِ عِنْدَ ظُهُورِ قَبائِحِهِمُ الَّتِي اقْتَرَفُوها في الدُّنْيا.
﴿رَبَّنا﴾ أيْ: يَقُولُونَ: رَبَّنا.
﴿أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ أيْ: صِرْنا مِمَّنْ يُبْصِرُ ويَسْمَعُ، وحَصَلَ لَنا الِاسْتِعْدادُ لِإدْراكِ الآياتِ المُبْصَرَةِ والآياتِ المَسْمُوعَةِ، وكُنّا مِن قَبْلُ عُمْيًا وصُمًّا لا نُدْرِكُ شَيْئًا.
﴿فارْجِعْنا﴾ إلى الدُّنْيا ﴿نَعْمَلْ﴾ عَمَلًا ﴿صالِحًا﴾ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ تِلْكَ الآياتُ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا مُوقِنُونَ﴾ ادِّعاءٌ مِنهم لِصِحَّةِ الأفْئِدَةِ، والِاقْتِدارِ عَلى فَهْمِ مَعانِي الآياتِ، والعَمَلِ بِمُوجِبِها. كَما أنَّ ما قَبْلَهُ ادِّعاءٌ لِصِحَّةِ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ، كَأنَّهم قالُوا: وأيْقَنّا وكُنّا مِن قَبْلُ لا نَعْقِلُ شَيْئًا أصْلًا، وإنَّما عَدَلُوا إلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ إظْهارًا لِثَباتِهِمْ عَلى الإيقانِ، وكَمالِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِلْجِدِّ في الِاسْتِدْعاءِ طَمَعًا في الإجابَةِ إلى ما سَألُوهُ (p-83)مِنَ الرَّجْعَةِ، وأنّى لَهم ذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ لِكُلٍّ مِنَ الفِعْلَيْنِ مَفْعُولٌ مُناسِبٌ لَهُ مِمّا يُبْصِرُونَهُ ويَسْمَعُونَهُ، فَإنَّهم حِينَئِذٍ يُشاهِدُونَ الكُفْرَ والمَعاصِيَ عَلى صُوَرٍ مُنْكَرَةٍ هائِلَةٍ، ويُخْبِرُهُمُ المَلائِكَةُ بِأنَّ مَصِيرَهم إلى النّارِ لا مَحالَةَ، فالمَعْنى: أبْصَرْنا قُبْحَ أعْمالِنا، وكُنّا نَراها في الدُّنْيا حَسَنَةً، وسَمِعْنا أنَّ مَرَدَّنا إلى النّارِ، وهو الأنْسَبُ لِما بَعْدَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ. هَذا وقَدْ قِيلَ: المَعْنى وسَمِعْنا مِنكَ تَصْدِيقَ رُسُلِكَ. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ تَصْدِيقَهُ تَعالى لَهم حِينَئِذٍ يَكُونُ بِإظْهارِ مَدْلُولِ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، لا بِالإخْبارِ بِأنَّهم صادِقُونَ حَتّى يَسْمَعُوهُ، وقِيلَ: وسَمِعْنا قَوْلَ الرُّسُلِ، أيْ: سَمِعْناهُ سَمْعَ طاعَةٍ وإذْعانٍ. ولا يُقَدَّرُ لِ "تَرى" مَفْعُولٌ؛ إذِ المَعْنى: لَوْ تَكُونُ مِنكَ رُؤْيَةٌ في ذَلِكَ الوَقْتِ. أوْ يُقَدَّرُ ما يُنْبِئُ عَنْهُ صِلَةً، إذْ والمُضِيُّ فِيها. وفي "لَوْ" بِاعْتِبارِ أنَّ الثّابِتَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِمَنزِلَةِ الواقِعِ، وجَوابُ "لَوْ" مَحْذُوفٌ، أيْ: لَرَأيْتَ أمْرًا فَظِيعًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. والخِطابُ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لَهُ كائِنًا مَن كانَ، إذِ المُرادُ بَيانُ كَمالِ سُوءِ حالِهِمْ، وبُلُوغِها مِنَ الفَظاعَةِ إلى حَيْثُ لا يَخْتَصُّ اسْتِغْرابُها واسْتِفْظاعُها بِراءٍ دُونَ راءٍ، مِمَّنِ اعْتادَ مُشاهَدَةَ الأُمُورِ البَدِيعَةِ والدَّواهِي الفَظِيعَةِ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ يَتَعَجَّبُ مِن هَوْلِها وفَظاعَتِها، هَذا ومِن عِلَلِ عُمُومِ الخِطابِ بِالقَصْدِ إلى بَيانِ أنَّ حالَهم قَدْ بَلَغَتْ مِنَ الظُّهُورِ إلى حَيْثُ يَمْتَنِعُ خَفاؤُها البَتَّةَ فَلا تَخْتَصُّ رُؤْيَةُ راءٍ دُونَ راءٍ، بَلْ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ فَلَهُ مَدْخَلٌ في هَذا الخِطابِ، فَقَدْ نَأى عَنْ تَحْقِيقِ الحَقِّ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ كَمالِ فَظاعَةِ حالِهِمْ، كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الجَوابُ المَحْذُوفُ، لا بَيانُ كَمالِ ظُهُورِها فَإنَّهُ مَسُوقٌ مَساقَ المُسَلَّماتِ؛ فَتَدَبَّرْ.
32:13Page 416
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٣
And if We had willed, We could have given every soul its guidance, but the word1 from Me will come into effect [that] "I will surely fill Hell with jinn and people all together.
﴿وَلَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ مُقَدَّرٌ بِقَوْلٍ مَعْطُوفٍ عَلى ما قُدِّرَ قَبْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "رَبَّنا أبْصَرْنا"...﴾ إلَخْ. أيْ: ونَقُولُ لَوْ شِئْنا، أيْ: لَوْ تَعَلَّقَتْ مَشِيئَتُنا تَعَلُّقًا فِعْلِيًّا بِأنْ نُعْطِيَ كُلَّ نَفْسٍ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ والفاجِرَةِ ما تَهْتَدِي بِهِ إلى الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ، لَأعْطَيْناها إيّاهُ في الدُّنْيا الَّتِي هي دارُ الكَسْبِ، وما أخَّرْناهُ إلى دارِ الجَزاءِ.
﴿وَلَكِنْ حَقَّ القَوْلُ مِنِّي﴾ أيْ: سَبَقَتْ كَلِمَتِي حَيْثُ قُلْتُ لِإبْلِيسَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ ﴿قالَ فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ وهو المَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ كَما يَلُوحُ بِهِ تَقْدِيمُ الجَنَّةِ عَلى النّاسِ فَبِمُوجِبِ ذَلِكَ القَوْلِ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَ الهُدى عَلى العُمُومِ بَلْ مَنَعْناهُ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ الَّذِينَ أنْتُمْ مِن جُمْلَتِهِمْ حَيْثُ صَرَفْتُمُ اخْتِيارَكم إلى الغَيِّ بِإغْوائِهِ، ومَشِيئَتُنا لِأفْعالِ العِبادِ مَنُوطَةٌ بِاخْتِيارِهِمْ إيّاها، فَلَمّا لَمْ تَخْتارُوا الهُدى واخْتَرْتُمُ الضَّلالَةَ لَمْ نَشَأْ إعْطاءَهُ لَكُمْ، وإنَّما أعْطَيْناهُ الَّذِينَ اخْتارُوهُ مِنَ النُّفُوسِ البَرَّةِ وهُمُ المَعْنِيُّونَ بِما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ ... الآيَةَ. فَيَكُونُ مَناطُ عَدَمِ مَشِيئَةِ إعْطاءِ الهُدى في الحَقِيقَةِ سُوءَ اخْتِيارِهِمْ لا تَحَقُّقَ القَوْلِ، وإنَّما قَيَّدْنا المَشِيئَةَ بِما مَرَّ مِنَ التَّعْلِيقِ الفِعْلِيِّ بِأفْعالِ العِبادِ عِنْدَ حُدُوثِها؛ لِأنَّ المَشِيئَةَ الأزَلِيَّةَ مِن حَيْثُ تَعَلُّقُها بِما سَيَكُونُ مِن أفْعالِهِمْ إجْمالًا مُتَقَدِّمَةٌ عَلى تَحَقُّقِ كَلِمَةِ العَذابِ فَلا يَكُونُ عَدَمُها مَنُوطًا بِتَحَقُّقِها، وإنَّما مَناطُهُ علمه تعالى أزَلًا بِصَرْفِ (p-84)اخْتِيارِهِمْ فِيما سَيَأْتِي إلى الغَيِّ، وإيثارِهِمْ لَهُ عَلى الهُدى فَلَوْ أُرِيدَتْ هي مِن تِلْكَ الحَيْثِيَّةِ لاسْتُدْرِكَ بِعَدَمِها، ونِيطَ ذَلِكَ بِما ذُكِرَ مِنَ المَناطِ عَلى مِنهاجِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ فَمَن تَوَهَّمَ أنَّ المَعْنى: ولَوْ شِئْنا لَأعْطَيْنا كُلَّ نَفْسِ ما عِنْدَنا مِنَ اللُّطْفِ الَّذِي لَوْ كانَ مِنهُمُ اخْتِيارُهُ لاهْتَدَوْا، ولَكِنْ لَمْ نُعْطِهِمْ لَمّا عَلِمْنا مِنهُمُ اخْتِيارَ الكُفْرِ وإيثارَهُ، فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشُّؤُونُ. و "الفاءُ" في قَوْلِهِ تَعالى:
32:14Page 416
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
﴿فَذُوقُوا﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالذَّوْقِ عَلى ما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلَهُ مِن نَفْيِ الرَّجْعِ إلى الدُّنْيا، أوْ عَلى الوَعِيدِ المَحْكِيِّ. و "الباءُ" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ لِلْإيذانِ بِأنَّ تَعْذِيبَهم لَيْسَ لِمُجَرَّدِ سَبْقِ الوَعِيدِ بِهِ فَقَطْ، بَلْ هو وسَبْقُ الوَعِيدِ أيْضًا بِسَبَبِ مُوجِبٍ لَهُ مِن قِبَلِهِمْ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا رَجْعَ لَكم إلى الدُّنْيا، أوْ حَتّى وعِيدِي فَذُوقُوا بِسَبَبِ نِسْيانِكم لِقاءَ هَذا اليَوْمِ الهائِلِ، وتَرْكِكُمُ التَّفَكُّرَ فِيهِ، والِاسْتِعْدادَ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ.
﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾ أيْ: تَرَكْناكم في العَذابِ تَرْكَ المَنسِيِّ بِالمَرَّةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلتَّأْكِيدِ والتَّشْدِيدِ. وتَعْيِينُ المَفْعُولِ المَطْوِيِّ لِلذَّوْقِ، والإشْعارِ بِأنَّ سَبَبَهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ما ذُكِرَ مِنَ النِّسْيانِ بَلْ لَهُ أسْبابٌ أُخَرُ مِن فُنُونِ الكُفْرِ والمَعاصِي الَّتِي كانُوا مُسْتَمِرِّينَ عَلَيْها في الدُّنْيا، وعَدَمُ نَظْمِ الكُلِّ في سِلْكٍ واحِدٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنها في اسْتِيجابِ العَذابِ، وفي إبْهامِ المَذُوقِ أوَّلًا، وبَيانِهِ ثانِيًا؛ بِتَكْرِيرِ الأمْرِ، وتَوْسِيطِ الِاسْتِئْنافِ المُنْبِئِ عَنْ كَمالِ السُّخْطِ بَيْنَهُما مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غايَةِ التَّشْدِيدِ في الِانْتِقامِ مِنهم ما لا يَخْفى. وقَوْلُهُ تَعالى:
32:15Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ عَدَمِ اسْتِحْقاقِهِمْ لِإيتاءِ الهُدى، والإشْعارِ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ لَوْ أُوتُوهُ بِتَعْيِينِ مَن يَسْتَحِقُّهُ بِطَرِيقِ القَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكم لا تُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، ولا تَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها عَمَلًا صالِحًا، ولَوْ رَجَعْناكم إلى الدُّنْيا كَما تَدَّعُونَ حَسْبَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾، وإنَّما يُؤْمِنُ بِها ﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ أيْ: وُعِظُوا.
﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ آثِرَ ذِي أثِيرٍ مِن غَيْرِ تَرَدُّدٍ، ولا تَلَعْثُمٍ فَضْلًا عَنِ التَّسْوِيفِ إلى مُعايَنَةِ ما نَطَقَتْ بِهِ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، أيْ: سَقَطُوا عَلى وُجُوهِهِمْ.
﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: ونَزَّهُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَجْزُ عَنِ البَعْثِ مُلْتَبِسِينَ بِحَمْدِهِ تَعالى عَلى نَعْمائِهِ الَّتِي أجَلُّها الهِدايَةُ بِإيتاءِ الآياتِ، والتَّوْفِيقِ لِلِاهْتِداءِ بِها، والتَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الربوبية بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ التَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ، وبِأنَّهم يَفْعَلُونَهُما بِمُلاحَظَةِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لَهم.
﴿وَهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّهم خاضِعُونَ لَهُ تَعالى لا يَسْتَكْبِرُونَ عَمّا فَعَلُوا مِنَ الخُرُورِ والتَّسْبِيحِ والتَّحْمِيدِ.
32:16Page 416
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ أيْ: تَنْبُو وتَتَنَحّى.
﴿عَنِ المَضاجِعِ﴾ أيِ: الفُرُشِ، ومَواضِعِ المَنامِ. والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيانِ بَقِيَّةِ مَحاسِنِهِمْ، وهُمُ المُتَهَجِّدُونَ بِاللَّيْلِ. «قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: نَزَلَتْ فِينا مَعاشِرَ الأنْصارِ؛ كُنّا نُصَلِّي المَغْرِبَ فَلا نَرْجِعُ إلى رِحالِنا حَتّى نُصَلِّيَ (p-85)العَشاءَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ،» وعَنْ أنَسٍ أيْضًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يُصَلُّونَ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ إلى صَلاةِ العِشاءِ، وهي صَلاةُ الأوّابِينَ. وهو قَوْلُ أبِي حازِمٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ. وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما. وقالَ عَطاءُ: هُمُ الَّذِينَ لا يَنامُونَ حَتّى يُصَلُّوا العِشاءَ الآخِرَةَ والفَجْرَ في جَماعَةٍ. والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ مِنهُ صَلاةُ اللَّيْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، ومالِكٍ، والأوْزاعِيِّ، وجَماعَةٍ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: ««أفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضانَ شَهْرُ اللَّهِ المُحَرَّمُ، وأفْضَلُ الصَّلاةِ بَعْدَ الفَرِيضَةِ صَلاةُ اللَّيْلِ».» وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَفْسِيرِها: ««قِيامُ العَبْدِ مِنَ اللَّيْلِ».» وعَنْهُ ﷺ: ««إذا جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، جاءَ مُنادٍ يُنادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الخَلائِقَ كُلَّهُمْ: سَيُعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُنادِي: لِيَقُمِ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيُسَرَّحُونَ جَمِيعًا إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُحاسَبُ سائِرُ النّاسِ».» وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ «جُنُوبُهُمْ»، أيْ: داعِينَ لَهُ تَعالى عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ ﴿خَوْفًا﴾ مِن سُخْطِهِ وعَذابِهِ وعَدَمِ قَبُولِ عِبادَتِهِ، ﴿وَطَمَعًا﴾ في رَحْمَتِهِ.
﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ مِنَ المالِ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في وُجُوهِ البِرِّ والحَسَناتِ.
32:17Page 416
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾ مِنَ النُّفُوسِ، لا مَلِكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَضْلًا عَمَّنْ عَداهم.
﴿ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أيْ: لِأُولَئِكَ الَّذِينَ عُدِّدَتْ نُعُوتُهُمُ الجَلِيلَةُ.
﴿مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ مِمّا تَقَرُّ بِهِ أعْيُنُهُمْ، وعَنْهُ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ««أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ».» بَلْهَ ما اطَّلَعْتُمْ عَلَيْهِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ وقُرِئَ: (ما أُخْفِيَ لَهُمْ) و (ما نُخْفِي لَهُمْ)، و (ما أخْفَيْتُ لَهُمْ) عَلى صِيغَةِ المُتَكَلِّمِ، و (ما أخْفى لَهُمْ) عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ. وقُرِئَ: (قُرّاتِ أعْيُنٍ) لِاخْتِلافِ أنْواعِها، والعِلْمُ بِمَعْنى المَعْرِفَةِ، و "ما" مَوْصُولَةٌ، أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ، عُلِّقَ عَنْها الفِعْلُ.
﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: جُزُوا جَزاءً، أوْ أُخْفِيَ لَهم لِلْجَزاءِ بِما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. قِيلَ: هَؤُلاءِ القَوْمُ أخْفَوْا أعْمالَهُمْ، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى ثَوابَهم.
32:18Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا﴾ أيْ: أبَعْدَ ظُهُورِ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ البَيِّنِ يُتَوَهَّمُ كَوْنُ المُؤْمِنِ الَّذِي حُكِيَتْ أوْصافُهُ الفاضِلَةُ، كالفاسِقِ الَّذِي ذُكِرَتْ أحْوالُهُ.
﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ التَّصْرِيحُ بِهِ مَعَ إفادَةِ الإنْكارِ لِنَفْيِ المُشابَهَةِ بِالمَرَّةِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ لِبِناءِ التَّفْصِيلِ الآتِي عَلَيْهِ. والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى"مِن" كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences