Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الحشر
Al-Hashr
The Exile · Medinan · 24 ayahs
59:1Page 545
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
سُورَةُ الحَشْرِ
مَدَنِيَّةٌ وآياتُها أرْبَعٌ وعِشْرُونَ
﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ مَرَّ ما فِيهِ مِنَ الكَلامِ في صَدْرِ سُورَةِ الحَدِيدِ، وقَدْ كُرِّرَ المَوْصُولُ هَهُنا لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ والتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِقْلالِ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِالتَّسْبِيحِ، رُوِيَ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ صالَحَ بَنِي النَّضِيرِ وهم رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَزَلُوا المَدِينَةَ في فِتَنِ بَنِي إسْرائِيلَ انْتِظارًا لِبَعْثَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وعاهَدَهم أنْ لا يَكُونُوا لَهُ ولا عَلَيْهِ فَلَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ بَدْرٍ قالُوا: هو النَّبِيُّ الَّذِي (p-225)نَعْتُهُ في التَّوْراةِ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ فَلَمّا كانَ يَوْمَ أُحُدٍ ما كانَ ارْتابُوا ونَكَثُوا فَخَرَجَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ في أرْبَعِينَ راكِبًا إلى مَكَّةَ فَحالَفُوا قُرَيْشًا إلى الكَعْبَةِ عَلى قِتالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأمَرَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الأنْصارِيَّ فَقَتَلَ كَعْبًا غِيلَةً وكانَ أخاهُ مِنَ الرَّضاعَةِ ثُمَّ صَبَّحَهم بِالكِتابِ فَقالَ لَهُمُ: اخْرُجُوا مِنَ المَدِينَةِ فاسْتَمْهَلُوهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَشْرَةَ أيّامٍ لِيَتَجَهَّزُوا لِلْخُرُوجِ فَدَسَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ المُنافِقُ وأصْحابُهُ إلَيْهِمْ: لا تَخْرُجُوا مِنَ الحِصْنِ فَإنْ قاتَلُوكم فَنَحْنُ مَعَكم لا نَخْذُلُكم ولَئِنْ خَرَجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكم فَدَرَّبُوا عَلى الأزِقَّةِ وحَصَّنُوها فَحاصَرَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ إحْدى وعِشْرِينَ لَيْلَةً فَلَمّا قَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ وأيِسُوا مِن نَصْرِ المُنافِقِينَ طَلَبُوا الصُّلْحَ فَأبى عَلَيْهِمْ إلّا الجَلاءَ عَلى أنْ يَحْمِلَ كُلُّ ثَلاثَةِ أبْياتٍ عَلى بَعِيرٍ ما شاؤُوا مِن مَتاعِهِمْ فَجُلُوا إلى الشَّأْمِ إلى أرِيحا وأذْرِعاتٍ إلّا أهْلَ بَيْتَيْنِ مِنهم آلَ أبِي الحَقِيقِ وآلَ حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ فَإنَّهم لَحِقُوا بِخَيْبَرَ ولَحِقَتْ طائِفَةٌ مِنهم بِالحَيْرَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
59:2Page 545
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٢
It is He who expelled the ones who disbelieved among the People of the Scripture1 from their homes at the first gathering.2 You did not think they would leave, and they thought that their fortresses would protect them from Allāh; but [the decree of] Allāh came upon them from where they had not expected, and He cast terror into their hearts [so] they destroyed their houses by their [own] hands and the hands of the believers. So take warning, O people of vision.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ﴾ بَيانٌ لِبَعْضِ آثارِ عِزَّتْهُ تَعالى وأحْكامِ حِكْمَتِهِ إثْرَ وصْفِهِ تَعالى بِالعِزَّةِ القاهِرَةِ والحِكْمَةِ الباهِرَةِ عَلى الإطْلاقِ، والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى بِذَلِكَ العُنْوانِ إمّا بِناءً عَلى كَمالِ ظُهُورِ اتِّصافِهِ تَعالى بِهِما مَعَ مُساعَدَةٍ تامَّةٍ مِنَ المَقامِ أوْ عَلى جَعْلِهِ مُسْتَعارًا لِاسْمِ الإشارَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أخَذَ اللَّهُ سَمْعَكم وأبْصارَكم وخَتَمَ عَلى قُلُوبِكم مَن إلَهٌ غَيْرُ اللَّهُ يَأْتِيكم بِهِ﴾ أيْ: بِذَلِكَ، وعَلَيْهِ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ العَجّاجِ:
؎ [كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ]
كَما هو المَشْهُورُ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ المَنعُوتُ بِالعِزَّةِ والحِكْمَةِ الَّذِي أخْرَجَ ...إلَخْ. فَفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ في الإخْراجِ حِكْمَةً باهِرَةً. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأوَّلِ الحَشْرِ﴾ أيْ: في أوَّلِ حَشْرِهِمْ إلى الشّامِ وكانُوا مِن سِبْطٍ لَمْ يُصِبْهم جَلاءٌ قَطُّ وهم أوَّلُ مَن أُخْرِجَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ إلى الشّامِ أوْ هَذا أوَّلُ حَشْرِهِمْ، وآخِرُ حَشْرِهِمْ إجْلاءُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إيّاهم مِن خَيْبَرَ إلى الشّامِ، وقِيلَ: آخِرُ حَشْرِهِمْ حَشْرُ يَوْمِ القِيامَةِ لِأنَّ المَحْشَرَ يَكُونُ بِالشّامِ.
﴿ما ظَنَنْتُمْ﴾ أيُّها المُسْلِمُونَ.
﴿أنْ يَخْرُجُوا﴾ مِن دِيارِهِمْ بِهَذا الذُّلِّ والهَوانِ لِشِدَّةِ بَأْسِهِمْ وقُوَّةِ مَنعَتِهِمْ.
﴿وَظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: ظَنُّوا أنَّ حُصُونَهم تَمْنَعُهم أوْ مانِعَتُهم مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى، وتَغْيِيرُ النَّظْمِ بِتَقْدِيمِ الخَبَرِ وإسْنادُ الجُمْلَةِ إلى ضَمِيرِهِمْ لِلدَّلالَةِ عَلى كَمالِ وُثُوقِهِمْ بِحَصانَةِ حُصُونِهِمْ واعْتِقادِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أنَّهم في عِزَّةٍ ومَنعَةٍ لا يُبالى مَعَها بِأحَدٍ يَتَعَرَّضُ لَهم أوْ يَطْمَعُ في مُعازَّتِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مانِعَتُهم خَبَرًا لِأنَّ و"حُصُونُهُمْ" مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ.
﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أمْرُ اللَّهِ تَعالى وقَدَرُهُ المَقْدُورُ لَهم.
﴿مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ ولَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ وهو قَتْلُ رَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ فَإنَّهُ (p-226)مِمّا أضْعَفَ قُوَّتَهم وفَلَّ شَوْكَتَهم وسَلَبَ قُلُوبَهُمُ الأمْنَ والطُّمَأْنِينَةَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في "أتاهُمْ" و"لَمْ يَحْتَسِبُوا" لِلْمُؤْمِنِينَ أيْ: فَأتاهم نَصْرُ اللَّهِ، وقُرِئَ "فَآتاهُمْ" أيْ: فَآتاهُمُ اللَّهُ العَذابَ أوِ النَّصْرَ.
﴿وَقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ أيْ: أثْبَتَ فِيها الخَوْفَ الَّذِي يُرْعِبُها أيْ: يَمْلَؤُها.
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ﴾ لِيَسُدُّوا بِما نَقَضُوا مِنها مِنَ الخَشَبِ والحِجارَةِ أفْواهَ الأزِقَّةِ ولِئَلّا يَبْقى بَعْدَ جَلّائِهِمْ مَساكِنُ لِلْمُسْلِمِينَ ولِيَنْقُلُوا مَعَهم بَعْضَ آلاتِها المَرْغُوبِ فِيها مِمّا يَقْبَلُ النَّقْلَ.
﴿وَأيْدِي المُؤْمِنِينَ﴾ حَيْثُ كانُوا يُخَرِبُونَها إزالَةً لِمُتَحَصَّنِهِمْ ومُتَمَنَّعِهِمْ وتَوَسُّعًا لِمَجالِ القِتالِ ونِكايَةً لَهم، وإسْنادُ هَذا إلَيْهِمْ لِما أنَّهُمُ السَّبَبُ فِيهِ فَكَأنَّهم كَلَّفُوهم إيّاهُ وأمَرُوهم بِهِ، قِيلَ: الجُمْلَةُ حالٌ أوْ تَفْسِيرٌ لِلرُّعْبِ، وقُرِئَ "يُخَرِّبُونَ" بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّكْثِيرِ، وقِيلَ: الإخْرابُ: التَّعْطِيلُ أوْ تَرْكُ الشَّيْءِ خَرابًا والتَّخْرِيبُ: النَّقْضُ والهَدْمُ.
﴿فاعْتَبِرُوا يا أُولِي الأبْصارِ﴾ فاتَّعَظُوا بِما جَرى عَلَيْهِمْ مِنَ الأُمُورِ الهائِلَةِ عَلى وجْهٍ لا يَكادُ يَهْتَدِي إلَيْهِ الأفْكارُ واتَّقَوْا مُباشَرَةَ ما أدّاهم إلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي أوِ انْتَقَلُوا مِن حالِ الفَرِيقَيْنِ إلى حالِ أنْفُسِكم فَلا تُعَوِّلُوا عَلى تَعاضُدِ الأسْبابِ بَلْ تَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى حُجِّيَّةِ القِياسِ كَما فُصِّلَ في مَوْقِعِهِ.
59:3Page 545
وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ ٣
And if not that Allāh had decreed for them evacuation, He would have punished them in [this] world, and for them in the Hereafter is the punishment of the Fire.
﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ أيِ: الخُرُوجَ عَنْ أوْطانِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ الفَظِيعِ.
﴿لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا﴾ بِالقَتْلِ والسَّبْيِ كَما فُعِلَ بِبَنِي قُرَيْظَةَ.
﴿وَلَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ اسْتِئْنافٌ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِجَوابِ "لَوْلا" جِيءَ بِهِ لِبَيانِ أنَّهم إنْ نَجَوْا مِن عَذابِ الدُّنْيا بِكِتابَةِ الجَلاءِ لا نَجاةَ لَهم مِن عَذابِ الآخِرَةِ.
59:4Page 546
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤
That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما حاقَ بِهِمْ وما سَيَحِيقُ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ وفَعَلُوا ما فَعَلُوا مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِنَ القَبائِحِ.
﴿وَمَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ وقُرِئَ "يُشاقِقِ اللَّهَ" كَما في الأنْفالِ والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ مُشاقَّتِهِ تَعالى لِتَضَمُّنِها لِمُشاقَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِيُوافِقَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ وهو إمّا نَفْسُ الجَزاءِ قَدْ حُذِفَ مِنهُ العائِدُ إلى "مَن" عِنْدَ مَن يَلْتَزِمُهُ أيْ: شَدِيدُ العِقابِ لَهُ، أوْ تَعْلِيلٌ لِلْجَزاءِ المَحْذُوفِ أيْ: يُعاقِبْهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ. وأيًّا ما كانَ؛ فالشَّرْطِيَّةُ تَكْمِلَةٌ لِما قَبْلَها وتَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِهِ وتَحْقِيقٌ لِلسَّبَبِيَّةِ بِالطَّرِيقِ البُرْهانِيِّ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ الَّذِي حاقَ بِهِمْ مِنَ العِقابِ العاجِلِ والآجِلِ بِسَبَبِ مُشاقَّتِهِمْ لِلَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ وكُلُّ مَن يُشاقُّ اللَّهَ كائِنًا مَن كانَ فَلَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ عِقابٌ شَدِيدٌ فَإذَنْ لَهم عِقابٌ شَدِيدٌ.
59:5Page 546
مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥
Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.
﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ قَطَعْتُمْ مِن نَخْلَةٍ وهى "فِعْلَةٌ" مِنَ اللَّوْنِ وياؤُها مَقْلُوبَةٌ مِن واوٍ لِكَسْرَةِ ما قَبْلَها كَدِيمَةٍ، وتَجْمَعُ عَلى ألْوانٍ، وقِيلَ: مِنَ اللِّينِ وتُجْمَعُ عَلى لِيَنٍ وهي النَّخْلَةُ الكَرِيمَةُ.
﴿أوْ تَرَكْتُمُوها﴾ الضَّمِيرُ لِما وتَأْنِيثُهُ لِتَفْسِيرِهِ بِاللَّيِّنَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ .
﴿قائِمَةً عَلى أُصُولِها﴾ كَما كانَتْ مِن غَيْرِ أنْ تَتَعَرَّضُوا لَها بِشَيْءٍ ما، وقُرِئَ عَلى أُصُلِها (p-227)إمّا عَلى الِاكْتِفاءِ مِنَ الواوِ بِالضَّمِّ أوْ عَلى أنَّهُ جَمْعٌ كَرُهُنٍ، وقُرِئَ "قائِمًا" عَلى أُصُولِهِ ذَهابًا إلى لَفْظِ "ما".
﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ فَذاكَ أيْ: قَطْعُها وتَرْكُها بِأمْرِ اللَّهِ تَعالى.
﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: ولِيُذِلَّ اليَهُودَ ويَغِيظَهم إذَنْ في قَطْعِها وتَرْكِها لِأنَّهم إذا رَأوُا المُؤْمِنِينَ يَتَحَكَّمُونَ في أمْوالِهِمْ كَيْفَ أحَبُّوا ويَتَصَرَّفُونَ فِيها حَسَبَما شاؤُوا مِنَ القَطْعِ والتَّرْكِ يَزْدادُونَ غَيْظًا ويَتَضاعَفُونَ حَسْرَةً واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ هَدْمِ دِيارَ الكَفَرَةِ وقَطْعِ أشْجارِهِمْ وإحْراقِ زُرُوعِهِمْ زِيادَةً لِغَيْظِهِمْ وتَخْصِيصُ اللِّينَةِ بِالقَطْعِ إنْ كانَتْ مِنَ الألْوانِ لِاسْتِبْقاءِ العَجْوَةِ والبَرْنِيَّةِ اللَّتَيْنِ هُما كِرامُ النَّخِيلِ وإنْ كانَتْ هي الكِرامَ لِيَكُونَ غَيْظُهم أشَدَّ.
59:6Page 546
وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦
And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ ما أُخِذَ مِن أمْوالِهِمْ بَعْدَ بَيانِ ما حَلَّ بِأنْفُسِهِمْ مِنَ العَذابِ العاجِلِ والآجِلِ وما فُعِلَ بِدِيارِهِمْ ونَخِيلِهِمْ مِنَ التَّخْرِيبِ والقَطْعِ أيْ: ما أعادَهُ إلَيْهِ مِن مالِهِمْ، وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ كانَ حَقِيقًا بِأنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما وقَعَ في أيْدِيهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَجَعَهُ اللَّهُ تَعالى إلى مُسْتَحِقِّهِ لِأنَّهُ تَعالى خَلَقَ النّاسَ لِعِبادَتِهِ وخَلَقَ ما خَلَقَ لِيَتَوَسَّلُوا بِهِ إلى طاعَتِهِ فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ لِلْمُطِيعِينَ.
﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مَن بَنِي النَّضِيرِ.
﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أيْ: فَما أجْرَيْتُمْ عَلى تَحْصِيلِهِ وتَغَنُّمِهِ مِنَ الوَجِيفِ وهو سُرْعَةُ السَّيْرِ.
﴿مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ هي ما يُرْكَبُ مِنَ الإبِلِ خاصَّةً كَما أنَّ الرّاكِبَ عِنْدَهم راكِبُها لا غَيْرُ وأمّا راكِبُ الفَرَسِ فَإنَّما يُسَمُّونَهُ فارِسًا ولا واحِدَ لَها مِن لَفْظِها وإنَّما الواحِدَةُ مِنها راحِلَةٌ، والمَعْنى: ما قَطَعْتُمْ لَها شُقَّةً بَعِيدَةً ولا لَقِيتُمْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً ولا قِتالًا شَدِيدًا وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَتْ قُراهم عَلى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ فَمَشَوْا إلَيْها مَشْيًا وما كانَ فِيهِمْ راكِبٌ إلّا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ فَأفْتَحَها صُلْحًا مِن غَيْرِ أنْ يَجْرِيَ بَيْنَهم مُسابَقَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما حَصَّلْتُمُوهُ بِكَدِّ اليَمِينِ وعَرَقِ الجَبِينِ.
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ أيْ: سُنَّتُهُ تَعالى جارِيَةٌ عَلى أنْ يُسَلِّطَهم عَلى مَن يَشاءُ مِن أعْدائِهِمْ تَسْلِيطًا خاصًّا وقَدْ سَلَّطَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ عَلى هَؤُلاءِ تَسْلِيطًا غَيْرَ مُعْتادٍ مِن غَيْرِ أنْ تَقْتَحِمُوا مَضايِقَ الخُطُوبِ وتُقاسُوا شَدائِدَ الحُرُوبِ فَلا حَقَّ لَكم في أمْوالِهِمْ.
﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فَيَفْعَلُ ما يَشاءُ كَما يَشاءُ تارَةً عَلى الوُجُوهِ المَعْهُودَةِ وأُخْرى عَلى غَيْرِها.
59:7Page 546
مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٧
And what Allāh restored to His Messenger from the people of the towns - it is for Allāh and for the Messenger and for [his] near relatives1 and orphans and the needy and the [stranded] traveler2 - so that it will not be a perpetual distribution among the rich from among you. And whatever the Messenger has given you - take; and what he has forbidden you - refrain from. And fear Allāh; indeed, Allāh is severe in penalty.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ بَيانٌ لِمَصارِفِ الفَيْءِ بَعْدَ بَيانِ إفاءَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِلْمُقاتِلَةِ فِيهِ حَقٌّ وإعادَةُ عَيْنِ العِبارَةِ الأُولى لِزِيادَةِ التَّقْرِيرِ ووَضْعُ أهْلِ القُرى مَوْضِعَ ضَمِيرِهِمْ لِلْإشْعارِ بِشُمُولِ (p-228)ما لِعَقاراتِهِمْ أيْضًا.
﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ اخْتُلِفَ في قِسْمَةِ الفَيْءِ فَقِيلَ: يُسَدَّسُ لِظاهِرِ الآيَةِ ويُصْرَفُ سَهْمُ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ وسائِرِ المَساجِدِ، وقِيلَ: يُخَمَّسُ لِأنَّ ذِكْرَ اللَّهِ لِلتَّعْظِيمِ ويُصْرَفُ الآنَ سَهْمُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى الإمامِ عَلى قَوْلِ وإلى العَساكِرِ والثُّغُورِ عَلى قَوْلٍ وإلى مَصالِحِ المُسْلِمِينَ عَلى قَوْلٍ، وقِيلَ: يُخَمَّسُ خَمْسَةً كالغَنِيمَةِ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ كانَ يُقَسِّمُ الخُمُسَ كَذَلِكَ ويَصْرِفُ الأخْماسَ الأرْبَعَةَ كَما يَشاءُ والآنَ عَلى الخِلافِ المَذْكُورِ.
﴿كَيْ لا يَكُونَ﴾ أيِ: الفَيْءُ الَّذِي حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لِلْفُقَراءِ يَعِيشُونَ بِهِ.
﴿دُولَةً﴾ بِضَمِّ الدّالِ وقُرِئَ بِفَتْحِها وهي ما يَدُولُ لِلْإنْسانِ أيْ: يَدُورُ مِنَ الغِنى والجِدِّ والغَلَبَةِ، وقِيلَ: الدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ مِنَ المُلْكِ بِكَسْرِها، أوْ بِالضَّمِّ في المالِ وبِالفَتْحِ في النُّصْرَةِ أيْ: كَيْلا يَكُونَ جِدّا.
﴿بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنكُمْ﴾ يَتَكاثَرُونَ بِهِ أوْ كَيْلا يَكُونَ دُولَةً جاهِلِيَّةً بَيْنَكم فَإنَّ الرُّؤَساءَ مِنهم كانُوا يَسْتَأْثِرُونَ بِالغَنِيمَةِ ويَقُولُونَ: "مَن عَزَّ بَزَّ"، وقِيلَ: الدُّولَةُ بِالضَّمِّ ما يُتَداوَلُ كالغُرْفَةِ اسْمُ ما يُغْتَرَفُ فالمَعْنى: كَيْلا يَكُونَ الفَيْءُ شَيْئًا يَتَداوَلُهُ الأغْنِياءُ بَيْنَهم ويَتَعاوَرُونَهُ فَلا يُصِيبُ الفُقَراءَ والدَّوْلَةُ بِالفَتْحِ بِمَعْنى التَّداوُلِ فالمَعْنى: كَيْلا يَكُونَ ذا تَداوُلٍ بَيْنَهم أوْ كَيْلا يَكُونَ إمْساكُهُ تَداوُلًا بَيْنَهم لا يُخْرِجُونَهُ إلى الفُقَراءِ، وقُرِئَ "دُولَةٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ "كانَ" تامَّةٌ أيْ: كَيْلا يَقَعَ دُولَةٌ عَلى ما فُصِّلَ مِنَ المَعانِي.
﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ﴾ أيْ: ما أعْطاكُمُوهُ مِنَ الفَيْءِ أوْ مِنَ الأمْرِ.
﴿فَخُذُوهُ﴾ فَإنَّهُ حَقُّكم أوْ فَتُمْسِكُوا بِهِ فَإنَّهُ واجِبٌ عَلَيْكم.
﴿وَما نَهاكم عَنْهُ﴾ عَنْ أخْذِهِ أوْ عَنْ تَعاطِيهِ.
﴿فانْتَهُوا﴾ عَنْهُ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في مُخالَفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
﴿إنّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ فَيُعاقِبُ مَن يُخالِفُ أمْرَهُ ونَهْيَهُ.
59:8Page 546
لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨
For the poor emigrants who were expelled from their homes and their properties, seeking bounty from Allāh and [His] approval and supporting [the cause of] Allāh and His Messenger, [there is also a share]. Those are the truthful.
﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ﴾ بَدَلٌ مِن لَذِي القُرْبى وما عُطِفَ عَلَيْهِ فَإنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لا يُسَمّى فَقِيرًا ومَن أعْطى أغْنِياءَ ذَوِي القُرْبى خَصَّ الإبْدالَ بِما بَعْدَهُ، وأمّا تَخْصِيصُ اعْتِبارِ الفَقْرِ بِفَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ فَتَعَسُّفٌ ظاهِرٌ.
﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ﴾ حَيْثُ اضْطَرَّهم كُفّارُ مَكَّةَ وأحْوَجُوهم إلى الخُرُوجِ وكانُوا مِائَةَ رَجُلٍ فَخَرَجُوا مِنها.
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ أيْ: طالِبِينَ مِنهُ تَعالى رِزْقًا فى الدُّنْيا ومَرْضاةً في الآخِرَةِ وُصِفُوا أوَّلًا بِما يَدُلُّ عَلى اسْتِحْقاقِهِمْ لِلْفَيْءِ مِنَ الإخْراجِ مِنَ الدِّيارِ والأمْوالِ وقُيِّدَ ذَلِكَ ثانِيًا بِما يُوجِبُ تَفْخِيمَ شَأْنِهِمْ ويُؤَكِّدُهُ.
﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى "يَبْتَغُونَ" فَهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ أيْ: ناوِينَ لِنُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى ورَسُولِهِ أوْ مُقارِنَةٌ فَإنَّ خُرُوجَهم مِن بَيْنِ الكُفّارِ مُراغِمِينَ لَهم مُهاجِرِينَ إلى المَدِينَةِ نُصْرَةً وأيُّ نُصْرَةٍ؟
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما فُصِّلَ مِنَ الصِّفاتِ الحَمِيدَةِ.
﴿هُمُ الصّادِقُونَ﴾ الرّاسِخُونَ في الصِّدْقِ حَيْثُ ظَهَرَ ذَلِكَ بِما فَعَلُوا ظُهُورًا بَيِّنًا.
59:9Page 546
وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٩
And [also for] those who were settled in the Home [i.e.,al-Madīnah] and [adopted] the faith before them.1 They love those who emigrated to them and find not any want in their breasts of what they [i.e., the emigrants] were given but give [them] preference over themselves, even though they are in privation. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.
﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ (p-229)لِمَدْحِ الأنْصارِ بِخِصالٍ حَمِيدَةٍ مِن جُمْلَتِها مَحَبَّتُهم لِلْمُهاجِرِينَ ورِضاهم بِاخْتِصاصِ الفَيْءِ بِهِمْ أحْسَنَ رِضًا وأكْمَلَهُ، ومَعْنى تَبَوُّئِهِمُ الدّارَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوا المَدِينَةَ، والإيمانَ مَباءَةً وتَمَكَّنُوا فِيهِما أشَدَّ تَمَكُّنٍ عَلى تَنْزِيلِ الحالِ مَنزِلَةَ المَكانِ. وقِيلَ: ضُمِّنَ التَّبَوُّؤُ مَعْنى اللُّزُومِ. وقِيلَ: تَبَوَّءُوا الدّارَ وأخْلَصُوا الإيمانَ كَقَوْلِ مَن قالَ: [عَلَفْتُها تِبْنًا وماءً بارِدًا]. وقِيلَ: المَعْنى تَبَوَّءُوا دارَ الهِجْرَةِ ودارَ الإيمانِ فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ مِنَ الأوَّلِ وُعُوِّضَ مِنهُ اللّامُ. وقِيلَ: سَمّى المَدِينَةَ بِالإيمانِ لِكَوْنِها مَظْهَرَهُ ومَنشَأهُ.
﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ هِجْرَةِ المُهاجِرِينَ عَلى المَعانِي الأُوَلِ ومِن قَبْلِ تَبَوُّؤِ المُهاجِرِينَ عَلى الأخِيرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ اتِّخاذُ الإيمانِ مَباءَةً ولُزُومُهُ وإخْلاصُهُ عَلى المَعانِي الأُوَلِ عِبارَةٌ عَنْ إقامَةِ كافَّةِ حُقُوقِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إظْهارُ عامَّةِ شَعائِرِهِ وأحْكامِهِ، ولا رَيْبَ في تَقَدُّمِ الأنْصارِ في ذَلِكَ عَلى المُهاجِرِينَ لِظُهُورِ عَجْزِهِمْ عَنْ إظْهارِ بَعْضِها لا عَنْ إخْلاصِهِ قَلْبًا واعْتِقادًا إذْ لا يُتَصَوَّرُ تَقَدُّمِهِمْ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ خَبَرٌ لِلْمَوْصُولِ أيْ: يُحِبُّونَهم مِن حَيْثُ مُهاجَرَتُهم إلَيْهِمْ لِمَحَبَّتِهِمُ الإيمانَ.
﴿وَلا يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ﴾ أيْ: في نُفُوسِهِمْ.
﴿حاجَةً﴾ أيْ: شَيْئًا مُحْتاجًا إلَيْهِ، يُقالُ: خُذْ مِنهُ حاجَتَكَ أيْ: ما تَحْتاجُ إلَيْهِ. وقِيلَ: إثْرُ حاجَةٍ كالطَّلَبِ والحَرازَةِ والحَسَدِ والغَيْظِ.
﴿مِمّا أُوتُوا﴾ أيْ: مِمّا أوُتِيَ المُهاجِرُونَ مِنَ الفَيْءِ وغَيْرِهِ.
﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ أيْ: يُقَدِّمُونَ المُهاجِرِينَ.
﴿عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ في كُلِّ شَيْءٍ مِن أسْبابِ المَعاشِ حَتّى إنَّ مَن كانَ عِنْدَهُ امْرَأتانِ كانَ يَنْزِلُ عَنْ إحْداهُما ويُزَوِّجُها واحِدًا مِنهم.
﴿وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ أيْ: حاجَّةٌ وخَلَّةٌ وأصْلُها خَصاصُ البَيْتِ وهي فُرَجُهُ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الحالِ وقَدْ عَرَفْتَ وجْهَهُ مِرارًا، «وَكانَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قَسَّمَ أمْوالَ بَنِي النَّضِيرِ عَلى المُهاجِرِينَ ولَمْ يُعْطِ الأنْصارَ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ مُحْتاجِينَ: أبا دُجانَةَ سِماكَ بْنَ خَرَشَةَ وسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ والحارِثَ بْنَ الصِّمَّةِ وقالَ لَهُمْ: إنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُمْ لِلْمُهاجِرِينَ مِن أمْوالِكم ودِيارِكم وشارَكْتُمُوهم في هَذِهِ الغَنِيمَةِ وإنْ شِئْتُمْ كانَتْ لَكم دِيارُكم وأمْوالُكم ولَمْ يُقَسَّمْ لَكم شَيْءٌ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالَتِ الأنْصارُ: بَلْ نُقْسِمُ لَهم مِن أمْوالِنا ودِيارِنا ونُؤْثِرُهم بِالغَنِيمَةِ ولا نُشارِكُهم فِيها فَنَزَلَتْ،» وهَذا صَرِيحٌ في أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا﴾ ...إلَخْ مُسْتَأْنَفٌ غَيْرُ مَعْطُوفٍ عَلى الفُقَراءِ أوِ المُهاجِرِينَ، نَعَمْ يَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى "أُولَئِكَ"، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما يَسْتَدْعِي شَرِكَةَ الأنْصارِ لِلْمُهاجِرِينَ في الصِّدْقِ دُونَ الفَيْءِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحِبُّونَ﴾ وما عُطِفَ عَلَيْهِ اسْتِئْنافًا مُقَرِّرًا لِصِدْقِهِمْ أوْ حالًا مِن ضَمِيرِ "تَبَوَّءُوا".
﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ الشُّحُّ بِالضَّمِّ والكَسْرِ وقَدْ قُرِئَ بِهِ أيْضًا: اللُّؤْمُ وإضافَتُهُ إلى النَّفْسِ لِأنَّهُ غَرِيزَةٌ فِيها مُقْتَضِيَةٌ لِلْحِرْصِ عَلى المَنعِ الَّذِي هو البُخْلُ أيْ: ومَن يُوقَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعالى شُحَّها حَتّى يُخالِفَها فِيما يَغْلِبُ عَلَيْها مِن حُبِّ المالِ وبُغْضِ الإنْفاقِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى "مَن" بِاعْتِبارِ مَعْناها العامِّ المُنْتَظِمِ لِلْمَذْكُورِينَ انْتِظامًا أوَّلِيًّا.
﴿هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ الفائِزُونَ بِكُلِّ مَطْلُوبٍ النّاجُونَ عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ وارِدٌ لِمَدْحِ الأنْصارِ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وقُرِئَ "يُوَقَّ" بِالتَّشْدِيدِ.
59:10Page 547
وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ ١٠
And [there is a share for] those who come after them, saying, "Our Lord, forgive us and our brothers who preceded us in faith and put not in our hearts [any] resentment toward those who have believed. Our Lord, indeed You are Kind and Merciful."
﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾ هُمُ الَّذِينَ (p-230)هاجَرُوا بَعْدَ ما قَوِيَ الإسْلامُ أوِ التّابِعُونَ بِإحْسانٍ وهُمُ المُؤْمِنُونَ بَعْدَ الفَرِيقَيْنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ولِذَلِكَ قِيلَ: إنَّ الآيَةَ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وأيًّا ما كانَ؛ فالمَوْصُولُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿يَقُولُونَ﴾ ...إلَخْ والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ لِمَدْحِهِمْ بِمَحَبَّتِهِمْ لِمَن تَقَدَّمَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ ومُراعاتِهِمْ لِحُقُوقِ الأُخُوَّةِ في الدِّينِ والسَّبْقِ بِالإيمانِ كَما أنَّ "ما" عُطِفَتْ عَلَيْهِ مِنَ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ لِمَدْحِ الأنْصارِ أيْ: يَدْعُونَ لَهم.
﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا﴾ أيْ: في الدِّينِ الَّذِي هو أعَزُّ وأشْرَفُ عِنْدَهم مِنَ النَّسَبِ.
﴿الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ وصَفُوهم بِذَلِكَ اعْتِرافًا بِفَضْلِهِمْ.
﴿وَلا تَجْعَلْ في قُلُوبِنا غِلا﴾ وقُرِئَ "غِمْرًا" وهُما: الحِقْدُ.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ عَلى الإطْلاقِ.
﴿رَبَّنا إنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أيْ: مُبالِغٌ في الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ فَحَقِيقٌ بِأنْ تُجِيبَ دُعاءَنا.
59:11Page 547
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١١
Have you not considered those who practice hypocrisy, saying to their brothers [i.e., associates] who have disbelieved among the People of the Scripture, "If you are expelled, we will surely leave with you, and we will not obey, in regard to you, anyone - ever; and if you are fought, we will surely aid you." But Allāh testifies that they are liars.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نافَقُوا﴾ حِكايَةٌ لِما جَرى بَيْنَ الكَفَرَةِ والمُنافِقِينَ مِنَ الأقْوالِ الكاذِبَةِ والأحْوالِ الفاسِدَةِ وتَعْجِيبٌ مِنها بَعْدَ حِكايَةِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ وأقْوالِهِمْ عَلى اخْتِلافِ طَبَقاتِهِمْ، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ لَهُ حَظٌّ مِنَ الخِطابِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ ...إلَخْ. اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ المُتَعَجَّبِ مِنهُ وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِ قَوْلِهِمْ أوْ لِاسْتِحْضارِ صُورَتِهِ واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لإخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ لِلتَّبْلِيغِ والمُرادُ بِأُخُوَّتِهِمْ: إمّا تَوافُقُهم في الكُفْرِ أوْ صَداقَتُهم ومُوالاتُهُمْ، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ﴾ أيْ: مِن دِيارِكم قَسْرًا، مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ﴾ جَوابُ القَسَمِ، أيْ: واللَّهِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمُ البَتَّةَ ونَذْهَبَنَّ في صُحْبَتِكم أيْنَما ذَهَبْتُمْ.
﴿وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ﴾ أيْ: في شَأْنِكم.
﴿أحَدًا﴾ يَمْنَعُنا مِنَ الخُرُوجِ مَعَكم.
﴿أبَدًا﴾ وإنْ طالَ الزَّمانُ، وقِيلَ: لا نُطِيعُ في قِتالِكم أوْ خِذْلانِكم ولَيْسَ بِذاكَ لِأنَّ تَقْدِيرَ القِتالِ مُتَرَقَّبٌ بَعْدُ ولِأنَّ وعْدَهم لَهم عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَدَمِ طاعَتِهِمْ لِمَن يَدْعُوهم إلى قِتالِهِمْ بَلْ نُصْرَتِهِمْ عَلَيْهِ كَما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أيْ: لِنُعاوِنَنَّكم عَلى عَدُوِّكم عَلى أنَّ دَعْوَتَهم إلى خِذْلانِ اليَهُودِ مِمّا لا يُمْكِنُ صُدُورُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ حَتّى يَدَّعُوا عَدَمَ طاعَتِهِمْ فِيها ضَرُورَةَ أنَّها لَوْ كانَتْ لَكانَتْ عِنْدَ اسْتِعْدادِهِمْ لِنُصْرَتِهِمْ وإظْهارِ كُفْرِهِمْ، ولا رَيْبَ في أنَّ ما يَفْعَلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ ذَلِكَ قَتْلُهم لا دَعْوَتُهم إلى تَرْكِ نُصْرَتِهِمْ، وأمّا الخُرُوجُ مَعَهم فَلَيْسَ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ مِن إظْهارِ الكُفْرِ لِجَوازِ أنْ يَدَّعُوا أنَّ خُرُوجَهم مَعَهم لِما بَيْنَهم مِنَ الصَّداقَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لا لِلْمُوافَقَةِ في الدِّينِ.
﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ في مَواعِيدِهِمُ المُؤَكَّدَةِ بِالأيْمانِ الفاجِرَةِ.
59:12Page 547
لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١٢
If they are expelled, they will not leave with them, and if they are fought, they will not aid them. And [even] if they should aid them, they will surely turn their backs; then [thereafter] they will not be aided.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ﴾ ...إلَخْ تَكْذِيبٌ لَهم في كُلِّ واحِدٍ (p-231)مِن أقْوالِهِمْ عَلى التَّفْصِيلِ بَعْدَ تَكْذِيبِهِمْ في الكُلِّ عَلى الإجْمالِ.
﴿وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وكانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَإنَّ ابْنَ أُبَيِّ وأصْحابَهُ أرْسَلُوا إلى بَنِي النَّضِيرِ ذَلِكَ سِرًّا ثُمَّ أخْلَفُوهُمْ، وفِيهِ حُجَّةٌ بَيِّنَةٌ لِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ وإعْجازِ القرآن.
﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ﴾ عَلى الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ.
﴿لَيُوَلُّنَّ الأدْبارَ﴾ فِرارًا.
﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أيْ: يُهْلِكُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْفَعُهم نِفاقُهم لِظُهُورِ كُفْرِهِمْ أوْ لَيُهْزَمَنَّ اليَهُودُ ثُمَّ لا يَنْفَعُهم نُصْرَةُ المَنافِقِينَ.
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
﴿لأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً﴾ أيْ: أشُدُّ مَرْهُوبِيَّةً، عَلى أنَّها مَصْدَرٌ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ.
﴿فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: رَهْبَتُهم مِنكم في السِّرِّ أشَدُّ مِمّا يُظْهِرُونَهُ لَكم مِن رَهْبَةِ اللَّهِ فَإنَّهم كانُوا يَدَّعُونَ عِنْدَهم رَهْبَةً عَظِيمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى.
﴿ذَلِكَ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن كَوْنِ رَهْبَتِهِمْ مِنكم أشَدَّ مِن رَهْبَةِ اللَّهِ.
﴿بِأنَّهُمْ﴾ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أيْ: شَيْئًا حَتّى يَعْلَمُوا عَظَمَةَ اللَّهِ تَعالى فَيَخْشَوْهُ حَقَّ خَشْيَتِهِ.
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أيِ: اليَهُودُ والمُنافِقُونَ بِمَعْنى: لا يَقْدِرُونَ عَلى قِتالِكم.
﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ مُتَّفِقِينَ في مَوْطِنٍ مِنَ المَواطِنِ.
﴿إلا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ﴾ بِالدُّرُوبِ والخَنادِقِ.
﴿أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ دُونَ أنْ يُصْحِرُوا لَكم ويُبارِزُوكم لِفَرْطِ رَهْبَتِهِمْ، وقُرِئَ "جُدْرٍ" بِالتَّخْفِيفِ وقُرِئَ "جِدارٍ" وبِإمالَةِ فَتْحَةِ الدّالِ و"جَدْرٍ" و"جُدَرٍ" وهُما الجِدارُ.
﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ سِيقَ لِبَيانِ أنَّ ما ذُكِرَ مِن رَهْبَتِهِمْ لَيْسَ لِضَعْفِهِمْ وجُبْنِهِمْ في أنْفُسِهِمْ فَإنَّ بَأْسَهم بِالنِّسْبَةِ إلى أقْرانِهِمْ شَدِيدٌ وإنَّما ضَعْفُهم وجُبْنُهم بِالنِّسْبَةِ إلَيْكم بِما قَذَفَ اللَّهُ تَعالى في قُلُوبِهِمْ مِنَ الرُّعْبِ.
﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا﴾ مُجْتَمِعِينَ مُتَّفِقِينَ.
﴿وَقُلُوبُهم شَتّى﴾ مُتَفَرِّقَةٌ لا أُلْفَةَ بَيْنَها.
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ﴾ أيْ: ما ذُكِرَ مِن تَشَتُّتِ قُلُوبِهِمْ بِسَبَبِ أنَّهم.
﴿قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا حَتّى يَعْرِفُوا الحَقَّ ويُتْبِعُوهُ وتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُهم وتَتَّحِدَ كَلِمَتُهم ويَرْمُوا عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ فَيَقَعُونَ في تِيهِ الضَّلالِ وتَتَشَتَّتُ قُلُوبُهم حَسَبَ تَشَتُّتِ طُرُقِهِ وتَفَرُّقِ فُنُونِهِ، وأمّا ما قِيلَ مِن أنَّ المَعْنى: لا يَعْقِلُونَ أنَّ تَشَتُّتَ القُلُوبِ مِمّا يُوهِنُ قُواهم فَبِمَعْزِلٍ مِنَ السَّدادِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences