Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الأحقاف
Al-Ahqaf
The Wind-Curved Sandhills · Meccan · 35 ayahs
46:1–2Page 502
حمٓ ١
Ḥā, Meem.1
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ٢
The revelation of the Book is from Allāh, the Exalted in Might, the Wise.
(p-77)سُورَةُ الأحْقافِ
مَكِّيَّةٌ وهي خَمْسٌ وثَلاثُونَ آيَةً
﴿حم﴾ ﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ الكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ السّابِقَةِ.
46:3Page 502
مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ ٣
We did not create the heavens and earth and what is between them except in truth and [for] a specified term. But those who disbelieve, from that of which they are warned, are turning away.
﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ﴾ بِما فِيهِما مِن حَيْثُ الجُزْئِيَّةُ مِنهُما ومِن حَيْثُ الِاسْتِقْرارُ فِيهِما.
﴿وَما بَيْنَهُما﴾ مِنَ المَخْلُوقاتِ.
﴿إلا بِالحَقِّ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ المَفاعِيلِ أيْ: إلّا خَلْقًا مُلْتَبِسًا بِالحَقِّ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ التَّكْوِينِيَّةُ والتَّشْرِيعِيَّةُ أوْ مِن أعَمِّ الأحْوالِ مِن فاعِلِ "خَلَقْنا" أوْ مَفْعُولِهِ أيْ: ما خَلَقْناها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ مُلابَسَتِنا بِالحَقِّ أوْ حالَ مُلابَسَتِها بِهِ، وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ تَعالى وصِفاتِ كَمالِهِ وابْتِناءِ أفْعالِهِ عَلى حِكَمٍ بالِغَةٍ وانْتِهائِها إلى غاياتٍ جَلِيلَةٍ ما لا يَخْفى.
﴿وَأجَلٍ مُسَمًّى﴾ عَطْفٌ عَلى الحَقِّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ: وبِتَقْدِيرِ أجَلٍ مُسَمًّى يَنْتَهِي إلَيْهِ أمْرُ الكُلِّ، وهو يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّمَواتُ وبَرَزُواْ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ. وقِيلَ: هو آخِرُ مُدَّةِ البَقاءِ المُقَدَّرِ لِكُلِّ واحِدٍ ويَأْباهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ فَإنَّ ما أُنْذِرُوهُ يَوْمَ القِيامَةِ وما فِيهِ مِنَ الطّامَّةِ التّامَّةِ والأهْوالِ العامَّةِ لا آخِرُ أعْمارِهِمْ وقَدْ جُوِّزَ كَوْنُ "ما" مَصْدَرِيَّةً والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أيْ: ما خَلَقْنا الخَلْقَ إلّا بِالحَقِّ وتَقْدِيرِ الأجْلِ الَّذِي يُجاوِزُونَ عِنْدَهُ والحالُ أنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ بِهِ مُعْرِضُونَ عَنْهُ وعَنِ الِاسْتِعْدادِ لَهُ.
46:4Page 502
قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤
Say, [O Muḥammad], "Have you considered that which you invoke besides Allāh? Show me what they have created of the earth; or did they have partnership in [creation of] the heavens? Bring me a scripture [revealed] before this or a [remaining] trace of knowledge, if you should be truthful."
﴿قُلْ﴾ تَوْبِيخًا لَهم وتَبْكِيتًا.
﴿أرَأيْتُمْ﴾ أخْبِرُونِي وقُرِئَ "أرَأيْتَكُمْ".
﴿ما تَدْعُونَ﴾ ما تَعْبُدُونَ.
﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مِنَ الأصْنامِ.
﴿أرُونِي﴾ تَأْكِيدٌ لَأرَأيْتُمْ.
﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ بَيانٌ لِلْإبْهامِ في ماذا.
﴿أمْ لَهم شِرْكٌ﴾ أيْ: شِرْكَةٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى.
﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ: في خَلْقِها أوْ مُلْكِها وتَدْبِيرِها حَتّى يُتَوَهَّمَ أنْ يَكُونَ لَهم شائِبَةُ اسْتِحْقاقٍ لِلْمَعْبُودِيَّةِ فَإنَّ ما لا مَدْخَلَ لَهُ في وُجُودِ (p-78)شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ فَهو بِمَعْزِلٍ مِن ذَلِكَ الِاسْتِحْقاقِ بِالمَرَّةِ وإنْ كانَ مِنَ الأحْياءِ العُقَلاءِ فَما ظَنُّكم بِالجَمادِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ﴾ ...إلَخْ تَبْكِيتٌ لَهم بِتَعْجِيزِهِمْ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ نَقْلِيٍّ بَعْدَ تَبْكِيتِهِمْ بِالتَّعْجِيزِ عَنِ الإتْيانِ بِسَنَدٍ عَقْلِيٍّ أيِ: ائْتُونِي بِكِتابٍ إلَهِيٍّ كائِنٍ.
﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ الكِتابِ أيِ: القرآن النّاطِقُ بِالتَّوْحِيدِ وإبْطالُ الشِّرْكِ دالٌّ عَلى صِحَّةِ دِينِكم.
﴿أوْ أثارَةٍ مِن عِلْمٍ﴾ أوْ بَقِيَّةٍ مِن عِلْمٍ بَقِيَتْ عَلَيْكم مِن عُلُومِ الأوَّلِينَ شاهِدَةٍ بِاسْتِحْقاقِهِمْ لِلْعِبادَةِ.
﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دَعْواكم فَإنَّها لا تَكادُ تَصِحُّ ما لَمْ يَقُمْ عَلَيْها بُرْهانٌ عَقْلِيٌّ أوْ سُلْطانٌ نَقْلِيٌّ وحَيْثُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْها شَيْءٌ مِنهُما وقَدْ قامَتْ عَلى خِلافِها أدِلَّةُ العَقْلِ والنَّقْلِ تَبَيَّنَ بُطْلانُها، وقُرِئَ "إثارَةٌ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ أيْ: مُناظَرَةٌ، فَإنَّها تُثِيرُ المَعانِيَ و"أثَرَةٍ" أيْ: شَيْءٌ أُوثِرْتُمْ بِهِ وخُصِصْتُمْ مِن عِلْمٍ مَطْوِيٍّ مِن غَيْرِكم و"إثْرَةٌ" بِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ سُكُونِ الثّاءِ؛ أمّا المَكْسُورَةُ فَبِمَعْنى الأثَرَةِ وأمّا المَفْتُوحَةُ فَهي المَرَّةُ مِن أثَرَ الحَدِيثَ أيْ: رَواهُ وأمّا المَضْمُومَةُ فاسْمُ ما يُؤْثَرُ كالخُطْبَةِ الَّتِي هي اسْمُ ما يُخْطَبُ بِهِ.
46:5Page 502
وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ ٥
And who is more astray than he who invokes besides Allāh those who will not respond to him until the Day of Resurrection [i.e., never], and they, of their invocation, are unaware.
﴿وَمَن أضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مِن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ﴾ إنْكارٌ ونَفْيٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ يُساوِي المُشْرِكِينَ في الضَّلالِ وإنْ كانَ سَبْكُ التَّرْكِيبِ لِنَفْيٍ الأضَلِّ مِنهم مَن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْيِ المُساوِي كَما مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أيْ: هم أضَلُّ مِن كُلِّ ضالٍّ حَيْثُ تَرَكُوا عِبادَةَ خالِقِهِمُ السَّمِيعِ القادِرِ المُجِيبِ الخَبِيرِ إلى عِبادَةِ مَصْنُوعِهِمُ العارِي عَنِ السَّمْعِ والقُدْرَةِ والِاسْتِجابَةِ.
﴿إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ غايَةٌ لِنَفْيِ الِاسْتِجابَةِ.
﴿وَهم عَنْ دُعائِهِمْ﴾ الضَّمِيرُ الأوَّلُ لِمَفْعُولِ "وَيَدْعُو" والثّانِي لِفاعِلِهِ والجَمْعُ فِيهِما بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ الإفْرادَ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها.
﴿غافِلُونَ﴾ لِكَوْنِهِمْ جَماداتٍ وضَمائِرُ العُقَلاءِ لِإجْرائِهِمْ إيّاها مُجْرى العُقَلاءِ ووَصْفِها بِما ذُكِرَ مِن تَرْكِ الِاسْتِجابَةِ والغَفْلَةِ مَعَ ظُهُورِ حالِها لِلتَّهَكُّمِ بَها وبِعَبَدَتِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَدْعُوهم لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ الآيَةُ.
46:6Page 503
وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ ٦
And when the people are gathered [that Day], they [who were invoked] will be enemies to them, and they will be deniers of their worship.
﴿وَإذا حُشِرَ النّاسُ﴾ عِنْدَ قِيامِ القِيامَةِ.
﴿كانُوا لَهم أعْداءً وكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ أيْ: مُكَذِّبِينَ بِلِسانِ الحالِ أوِ المَقالِ عَلى ما يُرْوى أنَّهُ تَعالى يُحْيِي الأصْنامَ فَتَتَبَرَّأُ عَنْ عِبادَتِهِمْ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِهِمْ كُلُّ ما يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ مِنَ المَلائِكَةِ والجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ ويُبْنى إرْجاعُ الضَّمائِرِ وإسْنادُ العَداوَةِ والكُفْرِ إلَيْهِمْ عَلى التَّغْلِيبِ ويُرادُ بِذَلِكَ تَبَرُّؤُهم عَنْهم وعَنْ عِبادَتِهِمْ. وقِيلَ: ضَمِيرُ "كانُوا" لِلْعَبَدَةِ وذَلِكَ قَوْلُهُمْ: واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ.
46:7Page 503
وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧
And when Our verses are recited to them as clear evidences, those who disbelieve say of the truth when it has come to them, "This is obvious magic."
﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ واضِحاتٍ أوْ مُبَيَّناتٍ.
﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ أيْ: لِأجْلِهِ وفي شَأْنِهِ، وهو عِبارَةٌ عَنِ الآياتِ المَتْلُوَّةِ وُضِعَ مَوْضِعَ ضَمِيرِها تَنْصِيصًا عَلى حَقِّيَّتِها ووُجُوبِ الإيمانِ بَها كَما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المَتْلُوِّ عَلَيْهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِكَمالِ الكُفْرِ والضَّلالَةِ.
﴿لَمّا جاءَهُمْ﴾ أيْ: في أوَّلِ ما جاءَهم مِن غَيْرِ تَدَبُّرٍ وتَأمُّلٍ.
﴿هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: ظاهِرٌ كَوْنُهُ.
46:8Page 503
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨
Or do they say, "He has invented it"? Say, "If I have invented it, you will not possess for me [the power of protection] from Allāh at all. He is most knowing of that in which you are involved.1 Sufficient is He as Witness between me and you, and He is the Forgiving, the Merciful."
(p-79)﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ إضْرابٌ وانْتِقالٌ مِن حِكايَةِ شَناعَتِهِمُ السّابِقَةِ إلى حِكايَةِ ما هو أشْنَعُ مِنها وما في "أمْ" مِنَ الهَمْزَةِ لِلْإنْكارِ التَّوْبِيخِيِّ المُتَضَمِّنِ لِلتَّعْجِيبِ أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى القرآن.
﴿قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ عَلى الفَرْضِ.
﴿فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إذْ لا رَيْبَ في أنَّهُ تَعالى يُعاجِلُنِي حِينَئِذٍ بِالعُقُوبَةِ فَكَيْفَ أجْتَرِئُ عَلى أنْ أفْتَرِيَ عَلَيْهِ تَعالى كَذِبًا فَأُعَرِّضَ نَفْسِي لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي لا مَناصَ عَنْها.
﴿هُوَ أعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ أيْ: تَنْدَفِعُونَ فِيهِ مِنَ القَدْحِ في وحْيِ اللَّهِ والطَّعْنِ في آياتِهِ وتَسْمِيَتِهِ سِحْرًا تارَةً وفِرْيَةً أُخْرى.
﴿كَفى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ﴾ حَيْثُ يَشْهَدُ لِي بِالصِّدْقِ والبَلاغِ وعَلَيْكم بِالكَذِبِ والجُحُودِ وهو وعِيدٌ بِجَزاءِ إفاضَتِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وعْدٌ بِالغُفْرانِ والرَّحْمَةِ لِمَن تابَ وآمَنَ وإشْعارٌ بِحِلْمِ اللَّهِ تَعالى عَنْهم مَعَ عِظَمِ جَرائِمِهِمْ.
46:9Page 503
قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩
Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."
﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ البِدْعُ: بِمَعْنى البَدِيعِ كالخِلِّ بِمَعْنى الخَلِيلِ وهو ما لا مِثْلَ لَهُ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الدّالِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كَقِيَمٍ وزِيَمٍ أوْ جَمْعٌ مُقَدَّرٌ مُضافٌ أيْ: ذا بِدَعٍ، وقَدْ جُوِّزَ ذَلِكَ في القِراءَةِ الأُولى أيْضًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ كانُوا يَقْتَرِحُونَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ آياتٍ عَجِيبَةً ويَسْألُونَهُ عَنِ المُغَيَّباتِ عِنادًا ومُكابَرَةً فَأُمِرَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما كُنْتُ بَدِيعًا مِنَ الرُّسُلِ قادِرًا عَلى ما لَمْ يَقْدِرُوا حَتّى آتِيَكم بِكُلِّ ما تَقْتَرِحُونَهُ وأُخْبِرَكم بِكُلِّ ما تَسَلُونَ عَنْهُ مِنَ الغُيُوبِ فَإنَّ مَن قَبْلِي مِنَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما كانُوا يَأْتُونَ إلّا بِما آتاهُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الآياتِ ولا يُخْبِرُونَهم إلّا بِما أُوحِيَ إلَيْهِمْ.
﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ: أيَّ شَيْءٍ يُصِيبُنا فِيما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الزَّمانِ مِن أفْعالِهِ تَعالى وماذا يُقَدَّرُ لَنا مِنَ القَضايا. وعَنِ الحَسَن ِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ما أدْرِي ما يَصِيرُ إلَيْهِ أمْرِي وأمْرُكم في الدُّنْيا. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الآخِرَةِ. وقالَ هي مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَنفِيُّ هي الدِّرايَةَ المُفَصَّلَةَ والأظْهَرُ الأوْفَقُ لِما ذُكِرَ مِن سَبَبِ النُّزُولِ أنَّ ما عِبارَةٌ عَمّا لَيْسَ عِلْمُهُ مِن وظائِفِ النُّبُوَّةِ مِنَ الحَوادِثِ والواقِعاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ دُونَ ما سَيَقَعُ في الآخِرَةِ فَإنَّ العِلْمَ بِذَلِكَ مِن وظائِفِ النُّبُوَّةِ، وقَدْ ورَدَ بِهِ الوَحْيُ النّاطِقُ بِتَفاصِيلِ ما يُفْعَلُ بِالجانِبَيْنِ، هَذا وقَدْ رُوِيَ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: وقَدْ ضَجِرُوا مِن أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ حَتّى مَتى نَكُونُ عَلى هَذا؟ فَقالَ: ﴿ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم أأُتْرَكُ بِمَكَّةَ أمْ أُومَرُ بِالخُرُوجِ إلى أرْضٍ ذاتِ نَخِيلٍ وشَجَرٍ قَدْ رُفِعَتْ لِي ورَأيْتُها﴾ يَعْنِي في مَنامِهِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ "ما" مَوْصُولَةً والِاسْتِفْهامِيَّةُ أقَضى لِحَقِّ مَقامِ التَّبَرُّؤِ عَنِ الدِّرايَةِ وتَكْرِيرُ "لا" لِتَذْكِيرِ النَّفِيِ المُنْسَحِبِ إلَيْهِ وتَأْكِيدِهِ، (p-80)وَقُرِئَ "ما يَفْعَلُ" عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى.
﴿إنْ أتَّبِعُ إلا ما يُوحى إلَيَّ﴾ أيْ: ما أفْعَلُ إلّا اتِّباعَ ما يُوحى إلَيَّ عَلى مَعْنى قَصْرِ أفْعالِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى اتِّباعِ الوَحْيِ لا قَصْرِ اتِّباعِهِ عَلى الوَحْيِ كَما هو المُتَسارِعُ إلى الأفْهامِ، وقَدْ مَرَّ تَحْقِيقُهُ في سُورَةِ الأنْعامِ وقُرِئَ "يُوحِي" عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ وهو جَوابٌ عَنِ اقْتِراحِهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَمْ يُوحَ إلَيْهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الغُيُوبِ. وقِيلَ: عَنِ اسْتِعْجالِ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَخَلَّصُوا عَنْ أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنا إلا نَذِيرٌ﴾ أُنْذِرُكم عِقابَ اللَّهِ تَعالى حَسَبَما يُوحى إلَيَّ.
﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّنُ الإنْذارِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ.
46:10Page 503
قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠
Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.
﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ﴾ أيْ: ما يُوحى إلَيَّ مِنَ القرآن.
﴿مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا سِحْرًا ولا مُفْتَرًى كَما تَزْعُمُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ مِنَ الضَّمِيرِ في الخَبَرِ وُسِّطَتْ بَيْنَ أجْزاءِ الشَّرْطِ مُسارَعَةً إلى التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِالكُفْرِ أوْ عَطْفٌ عَلى كانَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ لَكِنْ لا عَلى أنَّ نَظْمَهُ في سِلْكِ الشَّرْطِ المُتَرَدِّدِ بَيْنَ الوُقُوعِ وعَدَمِهِ عِنْدَهم بِاعْتِبارِ حالِهِ في نَفْسِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ حالِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، فَإنَّ كُفْرَهم بِهِ أمْرٌ مُحَقَّقٌ عِنْدَهم أيْضًا وإنَّما تَرَدُّدُهم في أنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ بَما مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى أمْ لا وكَذا الحالُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ وما بَعْدَهُ مِنَ الفِعْلَيْنِ، فَإنَّ الكُلَّ أُمُورٌ مُحَقَّقَةٌ عِنْدَهم وإنَّما تَرَدُّدُهم في أنَّها شَهادَةٌ وإيمانٌ بِما مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى واسْتِكْبارٌ عَنْهُ أوَّلًا والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ ذَلِكَ في الحَقِيقَةِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ وشَهِدَ شاهِدٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ الواقِفِينَ عَلى شُؤُونِ اللَّهِ تَعالى وأسْرارِ الوَحْيِ بِما أُوتُوا مِنَ التَّوْراةِ.
﴿عَلى مِثْلِهِ﴾ أيْ: مِثْلِ القرآن مِنَ المَعانِي المُنْطَوِيَةِ في التَّوْراةِ المُطابِقَةِ لِما في القرآن مِنَ التَّوْحِيدِ والوَعْدِ والوَعِيدِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَإنَّها عَيْنُ ما فِيهِ في الحَقِيقَةِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَفي زُبُرِ الأوَّلِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ والمِثْلِيَّةُ بِاعْتِبارِ تَأْدِيَتِها بِعِباراتٍ أُخَرَ أوْ عَلى مِثْلِ ما ذُكِرَ مِن كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى والمِثْلِيَّةُ لِما ذُكِرَ. وقِيلَ: المِثْلُ صِلَةٌ والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمَنَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ سارَعَ إلى الإيمان بالقرآن لَمّا عَلِمَ أنَّهُ مِن جِنْسٍ الوَحْيِ النّاطِقِ بِالحَقِّ وهو «عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ لَمّا سَمِعَ بِمَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ فَنَظَرَ إلى وجْهِهِ الكَرِيمِ فَعَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذّابٍ وتَأمَّلَهُ فَتَحَقَّقَ أنَّهُ النَّبِيُّ المُنْتَظَرُ فَقالَ لَهُ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ؛ ما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعامٍ أكَلَهُ أهْلُ الجَنَّةِ؟ والوَلَدُ يَنْزِعُ إلى أبِيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ: فَنارٌ تَحْشُرُهم مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأمّا طَعامُ أهْلِ الجَنَّةِ: فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وأمّا الوَلَدُ فَإنْ سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ نَزَعَهُ وإنْ سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ نَزَعَتْهُ"، فَقالَ أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا فَقامَ ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ اليَهُودَ قَوْمُ بُهْتٌ فَإنْ عَلِمُوا بِإسْلامِي قَبْلَ أنْ تَسْألَهم عَنِّي بَهَتُونِي عِنْدَكَ فَجاءَتِ اليَهُودُ فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ: أيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكم فَقالُوا: خَيْرُنا (p-81)وابْنُ خَيْرِنا وسَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا وأعْلَمُنا وابْنُ أعْلَمِنا، قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ قالُوا: أعاذَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ فَقالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقالُوا: شَرُّنا وابْنُ شَرِّنا وانْتَقَصُوهُ، قالَ: هَذا ما كُنْتُ أخافُ يا رَسُولَ اللَّهِ وأحْذَرُ» «قالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأحَدٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ إنَّهُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ إلّا لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلامٍ وفِيهِ نَزَلَ وشَهِدَ شاهِدٌ الآيَةُ.» وقِيلَ: الشّاهِدُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وشَهادَتُهُ بِما في التَّوْراةِ مِن بَعْثَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ. وقالَ مَسْرُوقٌ: واللَّهِ ما نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ فَإنَّ الـ "حم " نَزَلَتْ بِمَكَّةَ وإنَّما أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ. وأجابَ الكَلْبِيُّ بِأنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ وإنْ كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً.
﴿واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى شَهِدَ شاهِدٌ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى وشَهِدَ عَلى ذَلِكَ أعْلَمُ بَنِي إسْرائِيلَ فَآمَنَ بِهِ مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ واسْتَكْبَرْتُمْ عَنِ الإيمانِ بِهِ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ مَن أضَلُّ مِنكم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مِن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ فَإنَّ عَدَمَ الهِدايَةِ مِمّا يُنْبِئُ عَنِ الضَّلالِ قَطْعًا ووَصْفُهم بِالظُّلْمِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ فَإنْ تَرْكَهُ تَعالى لِهِدايَتِهِمْ لَظَلَمَهم.
46:11Page 503
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١
And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ حِكايَةٌ لِبَعْضٍ آخَرَ مِن أقاوِيلِهِمُ الباطِلَةِ في حَقِّ القرآن العَظِيمِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ أيْ: قالَ كُفّارُ مَكَّةَ.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: لِأجْلِهِمْ.
﴿لَوْ كانَ﴾ أيْ: ما جاءَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ القرآن والدِّينِ.
﴿خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ فَإنَّ مَعالِيَ الأُمُورِ لا يَنالُها أيْدِي الأراذِلِ وهم سُقّاطُ عامَّتِهِمْ فُقَراءُ ومَوالٍ ورُعاةٌ قالُوهُ زَعْمًا مِنهم أنَّ الرِّياسَةَ الدِّينِيَّةَ مِمّا يُنالُ بِأسْبابٍ دُنْيَوِيَّةٍ كَما قالُوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذا القرآن عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، وزَلَّ عَنْهم أنَّها مَنُوطَةٌ بِكِمالاتٍ نَفْسانِيَّةٍ ومَلَكاتٍ رُوحانِيَّةٍ مَبْناها الإعْراضُ عَنْ زَخارِفِ الدُّنْيا الدَّنِيئَةِ والإقْبالُ عَلى الآخِرَةِ بِالكُلِّيَّةِ وأنَّ مَن فازَ بِها فَقَدْ حازَها بِحَذافِيرِها ومَن حُرِمَها فَما لَهُ مِنها مِن خَلاقٍ. وقِيلَ: قالَهُ بَنُو عامِرٍ وغَطَفانُ وأسَدٌ وأشْجَعُ لَمّا أسْلَمَ جُهَيْنَةُ ومُزَيْنَةُ وأسْلَمُ وغِفارٌ. وقِيلَ: قالَتْهُ اليَهُودُ حِينَ أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ ويَأْباهُ أنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ ولا بُدَّ حِينَئِذٍ مِنَ الِالتِجاءِ إلى ادِّعاءِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ.
﴿وَإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ﴾ ظَرْفٌ لِمَحْذُوفٍ يَدُلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ ويَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ أيْ: وإذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِالقرآن قالُوا ما قالُوا.
﴿فَسَيَقُولُونَ﴾ غَيْرَ مُكْتَفِينَ بِنَفْيِ خَيْرِيَّتِهِ.
﴿هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ﴾ كَما قالُوا: أساطِيرُ الأوَّلِينَ. وقِيلَ: المَحْذُوفُ ظَهَرَ عِنادُهم ولَيْسَ بِذاكَ.
46:12Page 503
وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢
And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.
﴿وَمِن قَبْلِهِ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ القرآن وهو خَبَرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ قِيلَ: والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ وأيًّا (p-82)ما كانَ؛ فَهو لِرَدِّ قَوْلِهِمْ: هَذا إفْكٌ قَدِيمٌ، وإبْطالِهِ فَإنَّ كَوْنَهُ مُصَدِّقًا لِكِتابِ مُوسى مُقَرِّرٌ لِحَقِّيَّتِهِ قَطْعًا.
﴿إمامًا ورَحْمَةً﴾ حالانِ مِن كِتابِ مُوسى أيْ: إمامًا يُقْتَدى بِهِ في دِينِ اللَّهِ تَعالى وشَرائِعِهِ كَما يُقْتَدى بِالإمامِ ورَحْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِمَن آمَنَ بِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ.
﴿وَهَذا﴾ الَّذِي يَقُولُونَ في حَقِّهِ ما يَقُولُونَ.
﴿كِتابُ﴾ عَظِيمُ الشَّأْنِ.
﴿مُصَدِّقٌ﴾ أيْ: لِكِتابِ مُوسى الَّذِي هو إمامٌ ورَحْمَةٌ أوْ لِما مَن بَيْنَ يَدَيْهِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ.
﴿لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الكِتابِ في "مُصَدِّقٌ" أوْ مِن نَفْسِهِ لِتَخَصُّصِهِ بِالصِّفَةِ وعامِلُها مَعْنى الإشارَةِ وعَلى الأوَّلِ مُصَدِّقٌ. وقِيلَ: مَفْعُولٌ لِـ"مُصَدِّقٌ" أيْ: يُصَدِّقُ ذا لِسانٍ عَرِبِيٍّ.
﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"مُصَدِّقٌ" وفِيهِ ضَمِيرُ الكِتابِ أوِ اللَّهِ أوِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ويُؤَيِّدُ الأخِيرَ القِراءَةُ بِتاءِ الخِطابِ.
﴿وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَحَلِّ " ليُنْذِرَ".وَقِيلَ: في مَحْلِ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ أيْ: وبُشْرى. وقِيلَ: عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى "مُصَدِّقٌ".
46:13Page 503
إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣
Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا﴾ أيْ: جَمَعُوا بَيْنَ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو خُلاصَةُ العِلْمِ والِاسْتِقامَةِ في أُمُورِ الدِّينِ الَّتِي هي مُنْتَهى العَمَلِ و"ثُمَّ" لِلدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ العَمَلِ وتَوَقُّفِ الِاعْتِدادِ بِهِ عَلى التَّوْحِيدِ.
﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ مِن لُحُوقِ مَكْرُوهٍ.
﴿وَلا هم يَحْزَنُونَ﴾ مِن فَواتِ مَحْبُوبٍ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ الِاسْمِ مَعْنى الشَّرْطِ، والمُرادُ: بَيانُ دَوامِ نَفْيِ الحُزْنِ لا بَيانُ نَفْيِ دَوامِ الحُزْنِ كَما يُوهِمُهُ كَوْنُ الخَبَرِ مُضارِعًا وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا.
46:14Page 503
أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤
Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.
﴿أُولَئِكَ﴾ المَوْصُوفُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ الجَلِيلَيْنِ.
﴿أصْحابُ الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها﴾ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "أصْحابُ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَزاءً﴾ مَنصُوبٌ إمّا بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ أيْ: يُجْزَوْنَ جَزاءً أوْ بِمَعْنى ما تَقَدَّمَ فَإنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ في مَعْنى جازَيْناهم.
﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الحَسَناتِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ.
46:15Page 504
وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥
And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."
﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ﴾ بِأنْ يُحْسِنَ.
﴿بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ وقُرِئَ "حُسْنًا" أيْ: بِأنْ يَفْعَلَ بِهِما حُسْنًا أيْ: فِعْلًا ذا حُسْنٍ أوْ كَأنَّهُ في ذاتِهِ نَفْسُ الحُسْنِ لِفَرْطِ حُسْنِهِ، وقُرِئَ بِضَمِّ السِّينِ أيْضًا وبِفَتْحِهِما أيْ: بِأنْ يَفْعَلَ بِهِما فِعْلًا حَسَنًا أوْ وصَّيْناهْ إيصاءً حَسَنًا.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ أيْ: ذاتَ كُرْهٍ أوْ حَمْلًا ذا كُرْهٍ وهو المَشَقَّةُ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ وهُما لُغَتانِ كالفَقْرِ والفُقْرِ. وقِيلَ: المَضْمُومُ اسْمٌ والمَفْتُوحُ مَصْدَرٌ.
﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ﴾ أيْ: مُدَّةُ حَمْلِهِ وفِصالِهِ وهو الفِطامُ، وقُرِئَ "فَصْلُهُ" و"الفَصْلُ" و"الفِصالُ" كالفَطْمِ والفِطامِ بِناءً ومَعْنًى، والمُرادُ (p-83)بِهِ: الرَّضاعُ التّامُّ المُنْتَهِي بِهِ، كَما أرادَ بِالأمَدِ المُدَّةَ مَن قالَ: [كُلُّ حَيٍّ مُسْتَكْمِلٌ مُدَّةَ العُمْرِ ومُودٍ إذا انْتَهى أمَدُهُ] ﴿ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ تَمْضِي عَلْيَها بِمُعاناةِ المَشاقِّ ومُقاساةِ الشَّدائِدِ لِأجْلِهِ وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أقَلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ لِما أنَّهُ حُطَّ عَنْهُ لِلْفِصالِ حَوْلانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ﴾ يَبْقى لِلْحَمْلِ ذَلِكَ، قِيلَ: ولَعَلَّ تَعْيِينَ أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ وأكْثَرِ مُدَّةِ الرَّضاعِ لِانْضِباطِهِما وتَحَقُّقِ ارْتِباطِ النَّسَبِ والرَّضاعِ بِهِما.
﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ﴾ أيِ: اكْتَهَلَ واسْتَحْكَمَ قُوَّتَهُ وعَقْلَهُ.
﴿وَبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ قِيلَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَبْلَ أرْبَعِينَ، وقُرِئَ "حَتّى إذا اسْتَوى وبَلَغَ أشُدَّهُ".
﴿قالَ رَبِّ أوْزِعْنِي﴾ أيْ: ألْهِمْنِي وأصْلُهُ: أوْلِعْنِي مِن أوْزَعْتُهُ بِكَذا.
﴿أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ﴾ أيْ: نِعْمَةَ الدِّينِ أوْ ما يَعُمُّها وغَيْرَها.
﴿وَأنْ أعْمَلَ صالِحًا تَرْضاهُ﴾ التَّنْكِيرُ لِلتَّفْخِيمِ والتَّكْثِيرِ.
﴿وَأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي﴾ أيْ: واجْعَلِ الصَّلاحَ سارِيًا في ذُرِّيَّتِي راسِخًا فِيهِمْ كَما في قَوْلِهِ: [يَجْرَحُ في عَراقِيبِها نَصْلِي]. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أجابَ اللَّهُ تَعالى دُعاءَ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم فَأعْتَقَ تِسْعَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ مِنهم بِلالٌ وعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ولَمْ يُرِدْ شَيْئًا مِنَ الخَيْرِ إلّا أعانَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ ودَعا أيْضًا فَقالَ: وأصْلِحْ لِي في ذُرِّيَّتِي فَأجابَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ إلّا آمَنُوا جَمِيعًا فاجْتَمَعَ لَهُ إسْلامُ أبَوَيْهِ وأوْلادِهِ جَمِيعًا فَأدْرَكَ أبُوهُ أبُو قُحافَةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي بَكْرٍ وابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أبُو عَتِيقٍ كُلُّهم أدْرَكُوا النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِأحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
﴿إنِّي تُبْتُ إلَيْكَ﴾ عَمّا لا تَرْضاهُ أوْ عَمّا يَشْغَلُنِي عَنْ ذِكْرِكَ.
﴿وَإنِّي مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ الَّذِينَ أخْلَصُوا لَكَ أنْفُسَهم.
46:16Page 504
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦
Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.
﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الإنْسانِ والجَمْعُ لِأنَّ المُرادَ بِهِ الجِنْسُ المُتَّصِفُ بِالوَصْفِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ رُتْبَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ أيْ: أُولَئِكَ المَنعُوتُونَ بِما ذُكِرَ مِنَ النُّعُوتِ الجَلِيلَةِ.
﴿الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهم أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ مِنَ الطّاعاتِ فَإنَّ المُباحَ حَسَنٌ ولا يُثابُ عَلَيْهِ.
﴿وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ وقُرِئَ الفِعْلانِ بِالياءِ عَلى إسْنادِهِما إلى اللَّهِ تَعالى وعَلى بِنائِهِما لِلْمَفْعُولِ، ورَفْعُ "أحْسَنُ" عَلى أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ الفاعِلِ وكَذا الجارُّ والمَجْرُورُ.
﴿فِي أصْحابِ الجَنَّةِ﴾ أيْ: كائِنِينَ في عِدادِهِمْ مُنْتَظِمِينَ في سِلْكِهِمْ.
﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: "يَتَقَبَّلُ" و"نَتَجاوَزُ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لَهم بِالتَّقَبُّلِ والتَّجاوُزِ.
﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ.
46:17Page 504
وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٧
But one who says to his parents, "Uff1 to you; do you promise me that I will be brought forth [from the earth] when generations before me have already passed on [into oblivion]?" while they call to Allāh for help [and to their son], "Woe to you! Believe! Indeed, the promise of Allāh is truth." But he says, "This is not but legends of the former peoples" -
﴿والَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ﴾ عِنْدَ دَعْوَتِهِما لَهُ إلى الإيمانِ.
﴿أُفٍّ لَكُما﴾ هو صَوْتٌ يَصْدُرُ عَنِ المَرْءِ عِنْدَ تَضَجُّرِهِ، واللّامُ لِبَيانِ المُؤَفَّفِ لَهُ كَما في هَيْتَ لَكَ، وقُرِئَ "أُفِّ" بِالفَتْحِ والكَسْرِ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ وبِالحَرَكاتِ الثَّلاثِ مَعَ التَّنْوِينِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ الجِنْسِ القائِلِ ذَلِكَ القَوْلَ ولِذَلِكَ أُخْبِرَ عَنْهُ بِالمَجْمُوعِ كَما سَبَقَ، قِيلَ: هو (p-84)فِي الكافِرِ العاقِّ لِوالِدَيْهِ المُكَذِّبِ بِالبَعْثِ. وعَنْ قَتادَةَ هو نَعْتُ عَبْدِ سُوءٍ عاقٍّ لِوالِدَيْهِ فاجِرٍ لِرَبِّهِ. وما رُوِيَ مِن أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قَبْلَ إسْلامِهِ يَرُدُّهُ ما سَيَأْتِي مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ﴾ الآيَةُ فَإنَّهُ كانَ مِن أفاضِلِ المُسْلِمِينَ وسَرَواتِهِمْ وقَدْ كَذَّبَتِ الصِّدِّيقَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَن قالَ ذَلِكَ.
﴿أتَعِدانِنِي أنْ أُخْرَجَ﴾ أُبْعَثَ مِنَ القَبْرِ بَعْدَ المَوْتِ، وقُرِئَ "أخْرُجَ" مِنَ الخُرُوجِ.
﴿وَقَدْ خَلَتِ القُرُونُ مِن قَبْلِي﴾ ولَمْ يُبْعَثْ مِنهم أحَدٌ.
﴿وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ﴾ يَسْألانِهِ أنْ يُغِيثَهُ ويُوَفِّقَهُ لِلْإيمانِ.
﴿وَيْلَكَ﴾ أيْ: قائِلَيْنِ لَهُ ويْلَكَ، وهو في الأصْلِ دُعاءٌ عَلَيْهِ بِالثُّبُورِ أُرِيدَ بِهِ الحَثُّ والتَّحْرِيضُ عَلى الإيمانِ لا حَقِيقَةَ الهَلاكِ.
﴿آمِن إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ أيِ: البَعْثَ، أضافا إلَيْهِ تَعالى تَحْقِيقًا لِلْحَقِّ وتَنْبِيهًا عَلى خَطَئِهِ في إسْنادِ الوَعْدِ إلَيْهِما، وقُرِئَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ أيْ: آمِن بِأنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ.
﴿فَيَقُولُ﴾ مُكَذِّبًا لَهُما.
﴿ما هَذا﴾ الَّذِي تُسَمِّيانِهِ وعْدَ اللَّهِ.
﴿إلا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ أباطِيلُهُمُ الَّتِي سَطَّرُوها في الكُتُبِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَها حَقِيقَةٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences