Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الطلاق
At-Talaq
The Divorce · Medinan · 12 ayahs
65:1Page 558
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا ١
O Prophet, when you [Muslims] divorce women, divorce them for [the commencement of] their waiting period and keep count of the waiting period,1 and fear Allāh, your Lord. Do not turn them out of their [husbands'] houses, nor should they [themselves] leave [during that period] unless they are committing a clear immorality. And those are the limits [set by] Allāh. And whoever transgresses the limits of Allāh has certainly wronged himself. You know not; perhaps Allāh will bring about after that a [different] matter.2
(p-260)سُورَةُ الطَّلاقِ 729 مَدَنِيَّةٌ وآياتُها اثْنَتا عَشْرَةَ آيَةً
﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ تَخْصِيصُ النِّداءِ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَعَ عُمُومِ الخِطابِ لِأُمَّتِهِ أيْضًا لِتَشْرِيفِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وإظْهارِ جَلالَةِ مَنصِبِهِ وتَحْقِيقِ أنَّهُ المُخاطَبُ حَقِيقَةً ودُخُولُهم في الخِطابِ بِطَرِيقِ اسْتِتْباعِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاهم وتَغْلِيبُهُ عَلَيْهِمْ لا لِأنَّ نِداءَهُ كَنِدائِهِمْ، فَإذْ ذَلِكَ الِاعْتِبارُ لَوْ كانَ في حَيِّزِ الرِّعايَةِ لَكانَ الخِطابُ هو الأحَقَّ بِهِ لِشُمُولِ حُكْمِهِ لِلْكُلِّ قَطْعًا، والمَعْنى: إذا أرَدْتُمْ تَطْلِيقَهُنَّ وعَزَمْتُمْ عَلَيْهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ .
﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أيْ: مُسْتَقْبِلاتٍ لَها كَقَوْلِكَ: "أتَيْتُهُ لِلَّيْلَةٍ خَلَتْ مِن شَهْرِ كَذا" فَإنَّ المَرْأةَ إذا طُلِّقَتْ في طُهْرٍ يَعْقُبُهُ القُرْءُ الأوَّلُ مِن إقْرائِها فَقَدْ طُلِّقَتْ مُسْتَقْبِلَةً لِعِدَّتِها، والمُرادُ: أنْ يُطَلَّقْنَ في طُهْرٍ لَمْ يَقَعْ فِيهِ جِماعٌ ثُمَّ يُخَلَّيْنَ حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ وهَذا أحْسَنُ الطَّلاقِ وأدْخَلُهُ في السُّنَّةِ.
﴿وَأحْصُوا العِدَّةَ﴾ واضْبِطُوها وأكْمِلُوها ثَلاثَةَ أقْراءٍ كَوامِلَ.
﴿واتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ في تَطْوِيلِ العِدَّةِ عَلَيْهِمْ والإضْرارِ بِهِنَّ، وفي وصْفِهِ تَعالى بِرِبَوِيَّتِهِ لَهم تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ ومُبالَغَةٌ في إيجابِ الِاتِّقاءِ.
﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ مِن مَساكِنِهِنَّ عِنْدَ الفِراقِ إلى أنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهُنَّ، وإضافَتُها إلَيْهِنَّ وهي لِأزْواجِهِنَّ لِتَأْكِيدِ النَّهْيِ بِبَيانِ كَمالِ اسْتِحْقاقِهِنَّ لِسُكْناها كَأنَّها أمْلاكُهُنَّ.
﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ ولَوْ بِإذْنٍ مِنكم فَإنَّ الإذْنَ بِالخُرُوجِ في حُكْمِ الإخْراجِ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يَخْرُجْنَ بِاسْتِبْدادٍ مِنهُنَّ أمّا إذا اتَّفَقا عَلى الخُرُوجِ جازَ إذِ الحَقُّ لا يَعْدُوهُما.
﴿إلا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مِنَ الأوَّلِ، قِيلَ: هي الزِّنا فَيَخْرُجْنَ لِإقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِنَّ، وقِيلَ: إلّا أنْ يَبْذُونَ عَلى الأزْواجِ فَيَحِلُّ حِينَئِذٍ إخْراجُهُنَّ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ "إلّا أنْ يُفْحِشْنَ عَلَيْكُمْ" أوْ مِنَ الثّانِي لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ عَنِ الخُرُوجِ بِبَيانِ أنَّ خُرُوجَها فاحِشَةٌ. " تِلْكَ " إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ، و"ما" في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِها وبُعْدِ مَنزِلَتِها.
﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ الَّتِي عَيَّنَها لِعِبادِهِ.
﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ أيْ: حُدُودَهُ المَذْكُورَةَ بِأنْ أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنها عَلى أنَّ الإظْهارَ في حَيِّزِ الإضْمارِ لِتَهْوِيلِ أمْرِ التَّعَدِّي، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أيْ: أضَرَّ بِها، وتَفْسِيرُ الظُّلْمِ بِتَعْرِيضِها لِلْعِقابِ يَأْباهُ (p-261)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أمْرًا﴾ فَإنَّهُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَعْلِيلٍ مَضْمُونِ الشَّرْطِيَّةِ وقَدْ قالُوا: إنَّ الأمْرَ الَّذِي يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يُقَلِّبَ قَلْبَهُ عَمّا فَعَلَهُ بِالتَّعَدِّي إلى خِلافِهِ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ الظُّلْمُ عِبارَةً عَنْ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ يَلْحَقُهُ بِسَبَبِ تَعَدِّيهِ ولا يُمْكِنُ تَدارُكُهُ أوْ عَنْ مُطْلَقِ الضَّرَرِ الشّامِلِ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، ويُخَصُّ التَّعْلِيلُ بِالدُّنْيَوِيِّ لِكَوْنِ احْتِرازِ النّاسِ مِنهُ أشَدَّ واهْتِمامِهِمْ بِدَفْعِهِ أوْقى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَدْرِي﴾ خِطابٌ لِلْمُتَعَدِّي بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ بِالزَّجْرِ عَنِ التَّعَدِّي لا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كَما تُوُهِّمَ، فالمَعْنى: ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ أضَرَّ بِنَفْسِهِ فَإنَّكَ لا تَدْرِي أيُّها المُتَعَدِّي عاقِبَةَ الأمْرِ لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ في قَلْبِكَ بَعْدَ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلْتَ مِنَ التَّعَدِّي أمْرًا يَقْتَضِي خِلافَ ما فَعَلْتَهُ فَيُبَدَّلُ بِبُغْضِها مَحَبَّةً وبِالإعْراضِ عَنْها إقْبالًا إلَيْها ويَتَسَنّى تَلافِيهِ رَجْعَةً أوِ اسْتِئْنافُ نِكاحٍ.
65:2Page 558
فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا ٢
And when they have [nearly] fulfilled their term, either retain them according to acceptable terms or part with them according to acceptable terms. And bring to witness two just men from among you and establish the testimony for [the acceptance of] Allāh. That is instructed to whoever should believe in Allāh and the Last Day. And whoever fears Allāh - He will make for him a way out1
﴿فَإذا بَلَغْنَ أجَلَهُنَّ﴾ شارَفْنَ آخِرَ عِدَّتِهِنَّ.
﴿فَأمْسِكُوهُنَّ﴾ فَراجِعُوهُنَّ.
﴿بِمَعْرُوفٍ﴾ بِحُسْنِ مُعاشَرَةٍ وإنْفاقٍ لائِقٍ.
﴿أوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ بِإيفاءِ الحَقِّ واتِّقاءِ الضِّرارِ بِأنْ يُراجِعَها ثُمَّ يُطَلِّقُها تَطْوِيلًا لِلْعِدَّةِ.
﴿وَأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ عِنْدَ الرَّجْعَةِ والفُرْقَةِ قَطْعًا لِلتَّنازُعِ وهَذا أمْرُ نَدْبٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ ويُرْوى عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ لِلْوُجُوبِ في الرَّجْعَةِ.
﴿وَأقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ﴾ أيُّها الشُّهُودُ عِنْدَ الحاجَةِ خالِصًا لِوَجْهِهِ تَعالى.
﴿ذَلِكُمْ﴾ إشارَةٌ إلى الحَثِّ عَلى الإشْهادِ والإقامَةِ أوْ عَلى جَمِيعِ ما في الآيَةِ.
﴿يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إذْ هو المُنْتَفِعُ بِهِ والمَقْصُودُ تَذْكِيرُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ ...إلَخْ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِما سَبَقَ مِن وُجُوبِ مُراعاةِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى بِالوَعْدِ عَلى الِاتِّقاءِ عَنْ تَعَدِّيها كَما أنَّ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ مُؤَكِّدٌ لَهُ بِالوَعِيدِ عَلى تَعَدِّيها، فالمَعْنى: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ فَطَلَّقَ لِلسُّنَّةِ ولَمْ يُضارَّ المُعْتَدَّةَ ولَمْ يُخْرِجْها مِن مَسْكَنِها واحْتاطَ في الإشْهادِ وغَيْرِهِ مِنَ الأُمُورِ.
﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ مِمّا عَسى يَقَعُ في شَأْنِ الأزْواجِ مِنَ الغُمُومِ والوُقُوعِ في المَضايِقِ ويُفْرَّجُ عَنْهُ ما يَعْتَرِيهِ مِنَ الكُرُوبِ.
65:3Page 558
وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ٣
And will provide for him from where he does not expect. And whoever relies upon Allāh - then He is sufficient for him. Indeed, Allāh will accomplish His purpose. Allāh has already set for everything a [decreed] extent.
﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ أيْ: مِن وجْهٍ لا يَخْطُرُ بِبالِهِ ولا يَحْتَسِبُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلامًا جِيءَ بِهِ عَلى نَهْجِ الِاسْتِطْرادِ عِنْدَ ذِكْرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكم يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِهِ، فالمَعْنى: ومَن يَتَّقِ اللَّهَ في كُلِّ ما يَأْتِي وما يَذْرُ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ومَخْلَصًا مِن غُمُومِ الدُّنْيا والآخِرَةِ فَيَنْدَرِجُ فِيهِ ما نَحْنُ فِيهِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.
«عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قَرَأها فَقالَ: "مَخْرَجًا مِن شُبَهاتِ الدُّنْيا ومِن غَمَراتِ المَوْتِ ومِن شَدائِدِ (p-262)يَوْمِ القِيامَةِ"» وقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿إنّى لَأعْلَمُ آيَةً لَوْ أخَذَ النّاسُ بِها لَكَفَتْهم ومَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ فَما زالَ يَقْرَؤُها ويُعِيدُها. ورُوِيَ «أنَّ عَوْفَ بْنَ الأشْجَعِيِّ أسَرَ المُشْرِكُونَ ابْنَهُ سالِمًا فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أُسِرَ ابْنِي وشَكا إلَيْهِ الفاقَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: "اتَّقِ اللَّهَ وأكْثِرْ قَوْلَ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ" فَفَعَلَ فَبَيْنا هو في بَيْتِهِ إذْ قَرَعَ ابْنُهُ البابَ ومَعَهُ مِائَةٌ مِنَ الإبِلِ غَفَلَ عَنْها العَدُوُّ فاسْتاقَها فَنَزَلَتْ.» ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ أيْ: كافِيهِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ.
﴿إنَّ اللَّهَ بالِغُ أمْرِهِ﴾ بِالإضافَةِ أيْ: مُنْفِذُ أمْرِهِ، وقُرِئَ بِتَنْوِينِ بالِغُ ونَصْبِ "أمْرِهِ" أيْ: يَبْلُغُ ما يُرِيدُهُ لا يَفُوتُهُ مُرادٌ ولا يُعَجِزُهُ مَطْلُوبٌ، وقُرِئَ بِرَفْعِ "أمْرِهِ" عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و"بالِغٌ" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ خَبَرُ إنَّ أوْ "بالِغٌ" خَبَرُ إنَّ و"أمْرُهُ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ أيْ: نافِذٌ أمْرُهُ، وقُرِئَ "بِالِغًا أمْرَهُ" عَلى أنَّهُ حالٌ وخَبَرُ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ أيْ: تَقْدِيرًا وتَوْقِيتًا أوْ مِقْدارًا وهو بَيانٌ لِوُجُوبِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ تَعالى وتَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الرِّزْقِ وغَيْرِهِ لا يَكُونُ إلّا بِتَقْدِيرِهِ تَعالى لا يَبْقى إلّا التَّسْلِيمُ لِلْقَدَرِ والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ تَعالى.
65:4Page 558
وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا ٤
And those who no longer expect menstruation among your women - if you doubt, then their period is three months, and [also for] those who have not menstruated. And for those who are pregnant, their term is until they give birth.1 And whoever fears Allāh - He will make for him of his matter ease.
﴿واللائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِنَ نِسائِكُمْ﴾ لِكِبَرِهِنَّ وقَدْ قَدَّرُوهُ بِسِتِّينَ سَنَةً وبِخَمْسٍ وخَمْسِينَ.
﴿إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: شَكَكْتُمْ وجَهِلْتُمْ كَيْفَ عِدَّتُهُنَّ.
﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أشْهُرٍ واللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ بَعْدُ لِصِغَرِهِنَّ أيْ: فَعِدَّتُهُنَّ أيْضًا كَذَلِكَ فَحُذِفَ ثِقَةً بِدِلالَةٍ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ.
﴿وَأُولاتُ الأحْمالِ أجَلُهُنَّ﴾ أيْ: مُنْتَهى عِدَّتِهِنَّ.
﴿أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ سَواءً كُنَّ مُطَلَّقاتٍ أوْ مُتَوَفًّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ، وقَدْ نُسِخَ بِهِ عُمُومُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ لَتَراخِي نُزُولِهِ عَنْ ذَلِكَ لِما هو المَشْهُورُ مِن قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّ سُورَةَ النِّساءِ القُصْرى نَزَلَتْ بَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ سُبَيْعَةَ بِنْتَ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةَ ولَدَتْ بَعْدَ وفاةِ زَوْجِها بِلَيالٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ لَها: قَدْ حَلَلْتِ فَتَزَوَّجِي.» ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في شَأْنِ أحْكامِهِ ومُراعاةِ حُقُوقِها.
﴿يَجْعَلْ لَهُ مِن أمْرِهِ يُسْرًا﴾ أيْ: يُسَهِّلْ عَلَيْهِ أمْرَهُ ويُوَفِّقْهُ لِلْخَيْرِ.
65:5Page 558
ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا ٥
That is the command of Allāh, which He has sent down to you; and whoever fears Allāh - He will remove for him his misdeeds and make great for him his reward.
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الأحْكامِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ وإفْرادُ الكافِ مَعَ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمْعِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْرُ اللَّهِ أنْزَلَهُ إلَيْكُمْ﴾ لِما أنَّها لِمُجَرَّدِ الفَرْقِ بَيْنَ الحاضِرِ والمُنْقَضِي لا لِتَعْيِينِ خُصُوصِيَّةِ المُخاطَبِينَ وقَدْ مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كانَ مِنكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ.
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلى أحْكامِهِ.
﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ﴾ فَإنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ.
﴿وَيُعْظِمْ لَهُ أجْرًا﴾ بِالمُضاعَفَةِ.
65:6Page 559
أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ ٦
Lodge them1 [in a section] of where you dwell out of your means and do not harm them in order to oppress them.2 And if they should be pregnant, then spend on them until they give birth. And if they breastfeed for you, then give them their payment and confer among yourselves in the acceptable way; but if you are in discord, then there may breastfeed for him [i.e., the father] another woman.3
(p-263)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِن وُجْدِكم ولا تُضارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وإنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإنْ أرْضَعْنَ لَكم فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ وإنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾
﴿أسْكِنُوهُنَّ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ مِنَ الحَثِّ عَلى التَّقْوى كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ نَعْمَلُ بِالتَّقْوى في شَأْنِ المُعْتَدّاتِ؟ فَقِيلَ: أسْكِنُوهُنَّ مَسْكَنًا مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ أيْ: بَعْضَ مَكانِ سُكْناكم. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن وُجْدِكُمْ﴾ أيْ: مِن وُسْعِكم أيْ: مِمّا تُطِيقُونَهُ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ مِن حَيْثُ سَكَنْتُمْ وتَفْسِيرٌ لَهُ.
﴿وَلا تُضارُّوهُنَّ﴾ أيْ: في السُّكْنى.
﴿لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وتَلْتَجِئُوهُنَّ إلى الخُرُوجِ.
﴿وَإنْ كُنَّ﴾ أيِ: المُطَلَّقاتُ.
﴿أُولاتِ حَمْلٍ فَأنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فَيَخْرُجْنَ مِنَ العِدَّةِ أمّا المُتَوَفّى عَنْهُنَّ أزْواجُهُنَّ فَلا نَفَقَةَ لَهُنَّ.
﴿فَإنْ أرْضَعْنَ لَكُمْ﴾ بَعْدَ ذَلِكَ.
﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ عَلى الإرْضاعِ.
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكم بِمَعْرُوفٍ﴾ أيْ: تَشاوَرُوا وحَقِيقَتُهُ لِيَأْمُرْ بَعْضُكم بَعْضًا بِجَمِيلٍ في الإرْضاعِ والأجْرِ ولا يَكُونُ مِنَ الأبِ مُماسَكَةٌ ولا مِنَ الأُمِّ مُعاسَرَةٌ.
﴿وَإنْ تَعاسَرْتُمْ﴾ أيْ: تَضايَقْتُمْ.
﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ أيْ: فَسَتُوجَدُ ولا تُعْوِزُ مُرْضِعَةٌ أُخْرى وفِيهِ مُعاتَبَةٌ لِلْأُمِّ عَلى المُعاسَرَةِ.
65:7Page 559
لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا ٧
Let a man of wealth spend from his wealth, and he whose provision is restricted - let him spend from what Allāh has given him. Allāh does not charge a soul except [according to] what He has given it. Allāh will bring about, after hardship, ease [i.e., relief].
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللَّهُ﴾ وإنْ قَلَّ أيْ: لِيُنْفِقْ كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُوسِرِ والمُعْسِرِ ما يَبْلُغُهُ وُسْعُهُ.
﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا ما آتاها﴾ جَلَّ أوْ قَلَّ فَإنَّهُ تَعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، وفِيهِ تَطْيِيبٌ لِقَلْبِ المُعْسِرِ وتَرْغِيبٌ لَهُ في بَذْلِ مَجْهُودٍ وقَدْ أُكِّدَ ذَلِكَ بِالوَعْدِ حَيْثُ قِيلَ: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ أيْ: عاجِلًا أوْ آجِلًا.
65:8Page 559
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا ٨
And how many a city was insolent toward the command of its Lord and His messengers, so We took it to severe account and punished it with a terrible punishment.
﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ أيْ: كَثِيرٌ مِن أهْلِ قَرْيَةٍ.
﴿عَتَتْ﴾ أيْ: أعْرَضَتْ.
﴿عَنْ أمْرِ رَبِّها ورُسُلِهِ﴾ بِالعُتُوِّ والتَّمَرُّدِ والعِنادِ.
﴿فَحاسَبْناها حِسابًا شَدِيدًا﴾ بِالِاسْتِقْصاءِ والتَّنْقِيرِ والمُناقَشَةِ في كُلِ نَقِيرٍ وقِطْمِيرٍ.
﴿وَعَذَّبْناها عَذابًا نُكْرًا﴾ أيْ: مُنْكَرًا عَظِيمًا، وقُرِئَ "نُكْرًا" والمُرادُ: حِسابُ الآخِرَةِ وعَذابُها والتَّعْبِيرُ عَنْهُما بِلَفْظِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ .
65:9Page 559
فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا ٩
And it tasted the bad consequence of its affair [i.e., rebellion], and the outcome of its affair was loss.
﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها وكانَ عاقِبَةُ أمْرِها خُسْرًا﴾ هائِلًا لا خُسَرَ وراءَهُ.(p-264)
65:10Page 559
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا ١٠
Allāh has prepared for them a severe punishment; so fear Allāh, O you of understanding who have believed. Allāh has sent down to you a message [i.e., the Qur’ān].1
﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم عَذابًا شَدِيدًا﴾ تَكْرِيرٌ لِلْوَعِيدِ وبَيانٌ لِكَوْنِهِ مُرْتَقَبًا كَأنَّهُ قِيلَ: أعَدَّ اللَّهُ لَهم هَذا العَذابَ.
﴿فاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الألباب﴾ ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالحِسابِ اسْتِقْصاءُ ذُنُوبِهِمْ وإثْباتُها في صَحائِفِ الحَفَظَةِ وبِالعَذابِ ما أصابَهم عاجِلًا، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ عَتَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ صِفَةً لِلْقَرْيَةِ، وأعَدَّ اللَّهُ لَهم جَوابًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ﴾ .
﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ أعْنِي بَيانًا لِلْمُنادى أوْ عَطْفُ بَيانٍ لَهُ أوْ نَعْتٌ وفي إبْدالِهِ مِنهُ ضَعْفٌ لِتَعَذُّرِ حُلُولِهِ مَحَلَّهُ.
﴿قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا﴾ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سُمِّيَ بِهِ لِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ أوْ لِنُزُولِهِ بِالذِّكْرِ الَّذِي هو القرآن كَما يُنْبِئُ عَنْهُ إبْدالُ قَوْلِهِ تَعالى:
65:11Page 559
رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا ١١
[He sent] a Messenger [i.e., Muḥammad (ﷺ)] reciting to you the distinct verses of Allāh that He may bring out those who believe and do righteous deeds from darknesses into the light. And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will admit him into gardens beneath which rivers flow to abide therein forever. Allāh will have perfected for him a provision.
﴿رَسُولا﴾ مِنهُ أوْ لِأنَّهُ مَذْكُورٌ في السَّمَواتِ وفي الأُمَمِ أوْ أُرِيدَ بِالذِّكْرِ الشَّرَفُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ كَأنَّهُ في نَفْسِهِ شَرَفٌ إمّا لِأنَّهُ شَرَفٌ لِلْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وإمّا لِأنَّهُ ذُو مَجْدٍ وشَرَفٍ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ أوْ هو النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والسَّلامُ - وعَلَيْهِ الأكْثَرُ- عَبَّرَ عَنْهُ بِالذِّكْرِ لِمُواظَبَتِهِ عَلى تِلاوَةِ القرآن أوْ تَبْلِيغِهِ والتَّذْكِيرِ بِهِ وعَبَّرَ عَنْ إرْسالِهِ بِالإنْزالِ بِطَرِيقِ التَّرْشِيحِ أوْ لِأنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ إنْزالِ الوَحْيِ إلَيْهِ وأُبْدِلَ مِنهُ رَسُولًا لِلْبَيانِ أوْ هو القرآن و"رَسُولًا" مَنصُوبٌ بِمُقَدَّرٍ مِثْلَ أرْسَلَ أوْ بِـ"ذِكْرًا" عَلى إعْمالِ المَصْدَرِ المُنَوَّنِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى الرِّسالَةِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ اللَّهِ مُبَيِّناتٍ﴾ نَعْتٌ لِـ"رَسُولًا" و"آياتِ اللَّهِ": القرآن و"بَيِّناتٍ" حالٌ مِنها أيْ: حالَ كَوْنِها مُبَيِّناتٍ لَكم ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ الأحْكامِ، وقُرِئَ "مُبَيَّناتٍ" أيْ: بَيَّنَها اللَّهُ تَعالى لِقَوْلِهِ تَعالى: " قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الآيات "، واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"يَتْلُو" أوْ بِـ"أنْزَلَ" وفاعِلُ "يَخْرُجُ" عَلى الأوَّلِ ضَمِيرُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ ضَمِيرُ الجَلالَةِ والمَوْصُولُ عِبارَةٌ عَنِ المُؤْمِنِينَ بَعْدَ إنْزالِهِ أيْ: لِيَحْصُلَ لَهُمُ الرَّسُولُ أوِ اللَّهُ عَزَّ وعَلا ما هم عَلَيْهِ الآنَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ أوْ لِيَخْرُجَ مَن عَلِمَ أوْ قَدَّرَ أنَّهُ سَيُؤْمِنُ.
﴿مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ حَسَبَما بُيِّنَ في تَضاعِيفِ ما أُنْزِلَ مِنَ الآياتِ المُبَيَّناتِ.
﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وقُرِئَ "نُدْخِلْهُ" بِالنُّونِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ حالٌ مِن مَفْعُولِ "يُدْخِلْهُ" والجَمْعُ بِاعْتِبارِ مَعْنى مَن كَما أنَّ الإفْرادَ في الضَّمائِرِ الثَّلاثَةِ بِاعْتِبارِ لَفْظِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ حالٌ أُخْرى مِنهُ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ في "خالِدِينَ" بِطَرِيقِ التَّداخُلِ وإفْرادُ ضَمِيرِ لَهُ قَدْ مَرَّ وجْهُهُ وفِيهِ مَعْنى التَّعَجُّبِ والتَّعْظِيمِ لِما رَزَقَهُ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِنَ الثَّوابِ.(p-265)
65:12Page 559
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا ١٢
It is Allāh who has created seven heavens and of the earth, the like of them.1 [His] command descends among them so you may know that Allāh is over all things competent and that Allāh has encompassed all things in knowledge.
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أيْ: خَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ في العَدَدِ، وقُرِئَ "مِثْلُهُنَّ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ و"مِنَ الأرْضِ" خَبَرُهُ، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ طَبَقاتِ الأرْضِ قالُوا: الجُمْهُورُ عَلى أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ طِباقًا بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ بَيْنَ كُلِّ أرْضٍ وأرْضٍ مَسافَةٌ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ وفي كُلِّ أرْضٍ سُكّانٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الضَّحّاكُ: مُطْبِقَةٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ مَن غَيْرِ فُتُوقٍ بِخِلافِ السَّمَواتِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ لِأنَّ الأخْبارَ دالَّةٌ عَلَيْهِ كَما رَوى البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن أنَّ كَعْبًا حَلَفَ بِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لِمُوسى أنَّ صُهَيْبًا حَدَّثَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَها إلّا قالَ حِينَ يَراها: « "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَواتِ السَّبْعِ وما أظْلَلْنَ ورَبَّ الأرَضِينَ السَّبْعِ وما أقْلَلْنَ ورَبَّ الشَّياطِينِ وما أضْلَلْنَ ورَبَّ الرِّياحِ وما أذْرَيْنَ نَسْألُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وخَيْرَ أهْلِها ونَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ أهْلِها وشَرِّ مَن فِيها".» وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ تَحْتِ الأرَضِينَ خَلْقٌ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: فَما الخَلْقُ؟ قالَ: إمّا مَلائِكَةٌ أوْ جِنٌّ. قالَ الماوَرْدِيُّ: وعَلى هَذا تَخْتَصُّ دَعْوَةُ الإسْلامِ بِأهْلِ الأرْضِ العُلْيا دُونَ مَن عَداهم وإنْ كانَ فِيهِنَّ مَن يَعْقِلُ مِن خَلْقٍ وفي مُشاهَدَتِهِمُ السَّماءَ واسْتِمْدادِهِمُ الضَّوْءَ مِنها قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّهم يُشاهِدُونَ السَّماءَ مِن كُلِّ جانِبٍ مِن أرْضِهِمْ ويَسْتَمِدُّونَ الضِّياءَ مِنها، والثّانِي: أنَّهم لا يُشاهِدُونَ السَّماءَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ لَهم ضِياءً يُشاهِدُونَهُ، وحَكى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّها سَبْعُ أرَضِينَ مُتَفَرِّقَةٌ بِالبِحارِ وتُظِلُّ الجَمِيعَ السَّماءُ.
﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ أيْ: يَجْرِي أمْرُهُ وقَضاؤُهُ بَيْنَهُنَّ ويَنْفُذُ مُلْكُهُ فِيهِنَّ. وعَنْ قَتادَةَ في كُلِّ سَماءٍ وفي كُلِّ أرْضٍ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ وأمْرٌ مِن أمْرِهِ وقَضاءٌ مِن قَضائِهِ، وقِيلَ: هو ما يُدَبَّرُ فِيهِنَّ مِن عَجائِبِ تَدْبِيرِهِ، وقُرِئَ "يَنْزِلُ الأمْرُ".
﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ"خَلَقَ" أوْ بِـ"يَتَنَزَّلُ" أوْ بِمُضْمَرٍ يَعُمُّهُما أيْ: فَعَلَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ مَن قَدَرَ عَلى ما ذُكِرَ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ.
﴿وَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ لِاسْتِحالَةِ صُدُورِ الأفاعِيلِ المَذْكُورَةِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ العامِلُ في اللّامِ بَيانَ ما ذُكِرَ مِنَ الخَلْقِ وتَنَزُّلِ الأمْرِ أيْ: أوْحى ذَلِكَ وبَيَّنَهُ لِتَعْلَمُوا بِما ذَكَرَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تُشاهِدُونَها والَّتِي تَتَلَقَّوْنَها مِنَ الوَحْيِ مِن عَجائِبِ المَصْنُوعاتِ أنَّهُ لا يَخْرُجُ عَنْ قدرته وعِلْمِهِ شَيْءٌ ما أصْلًا، وقُرِئَ "لِيَعْلَمُوا".
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الطَّلاقِ ماتَ عَلى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences