Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
العاديات
Al-'Adiyat
The Courser · Meccan · 11 ayahs
(p-190)سُورَةُ العادِياتِ
مَكِّيَّةٌ مُخْتَلَفٌ فِيها، وآياتُها إحْدى عَشْرَةَ
﴿والعادِياتِ﴾ أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِخَيْلِ الغُزاةِ الَّتِي تَعْدُو نَحْوَ العَدُوِّ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَبْحًا﴾ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ إمّا بِفِعْلِهِ المَحْذُوفِ الواقِعِ حالأ مِنها أيْ: تَضْبَحُ ضَبْحًا وهو صَوْتُ أنْفاسِها عِنْدَ عَدْوِها أوْ بِالعادِيّاتِ، فَإنَّ العَدْوَ مُسْتَلْزِمٌ لِلضَّبْحِ، كَأنَّهُ قِيلَ: والضّابِحاتِ، أوْ حالٌ عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى الفاعِلِ أيْ: ضابِحاتٌ.
﴿فالمُورِياتِ قَدْحًا﴾ الإيراءُ: إخْراجُ النّارِ والقَدَحُ: الصَّكُّ، يُقالَ: قَدَحَ فَأوْرى أيْ: تَوَرّى النّارَ مِن حَوافِرِها، وانْتِصابٌ "قَدْحًا" كانْتِصابِ "ضَبْحًا" عَلى الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ.
﴿فالمُغِيراتِ﴾ أسْنَدَ الإغارَةَ الَّتِي هي مُباغَتَةُ العَدُوِّ لِلنَّهْبِ أوْ لِلْقَتْلِ أوْ لِلْأسْرِ إلَيْها، وهي حالُ أهْلِها إيذانًا بِأنَّها العُمْدَةُ في إغارَتِهِمْ ﴿صُبْحًا﴾ أيْ: في وقْتِ الصُّبْحِ، وهو المُعْتادُ في الغاراتِ، يَعْدُونَ لَيْلًا؛ لِئَلّا يَشْعُرَ بِهِمُ العَدُوُّ ويَهْجُمُونَ عَلَيْهِمْ صَباحًا لِيَرَوْا ما يَأْتُونَ وما يَذَرُونَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأثَرْنَ بِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى الفِعْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اسْمُ الفاعِلِ؛ إذِ المَعْنى: واللّاتِي عَدَوْنَ فَأوْرَيْنَ فَأغَرْنَ فَأثَرْنَ بِهِ، أيْ: فَهَيَّجْنَ بِذَلِكَ الوَقْتِ ﴿نَقْعًا﴾ أيْ: غُبارًا، وتَخْصِيصُ إثارَتِهِ بِالصُّبْحِ؛ لِأنَّهُ لا يَثُورُ، أوْ لا يَظْهَرُ ثَوَرانُهُ بِاللَّيْلِ، وبِهَذا ظَهَرَ أنَّ الإيراءَ الَّذِي لا يَظْهَرُ في النَّهارِ واقِعٌ في اللَّيْلِ، ولِلَّهِ دَرُّ شَأْنِ التَّنْزِيلِ، وقِيلَ: النَّقْعُ: الصِّياحُ والجَلَبَةُ، وقُرِئَ "فَأثَّرْنَ" بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنى: فَأظْهَرْنَ بِهِ غُبارًا؛ لِأنَّ التَّأْثِيرَ فِيهِ مَعْنى الإظْهارِ.
﴿فَوَسَطْنَ بِهِ﴾ أيْ: تَوَسَّطْنَ بِذَلِكَ الوَقْتِ أوْ تَوَسَّطْنَ مُلْتَبِساتٍ بِالنَّقْعِ.
﴿جَمْعًا﴾ مِن جُمُوعِ الأعْداءِ، والفاءاتُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَرَتُّبِ ما بَعْدَ كُلٍّ مِنها عَلى ما قَبْلَها، كَما في قَوْلِهِ:
؎ يا لَهَفَ زَيّابَةَ لِلْحارِثِ الصّا بِحِ فالغانِمِ فالآيِبِ
فَإنَّ تَوَسُّطَ الجَمْعِ مُتَرَتِّبٌ عَلى الإثارَةِ المُتَرَتِّبَةِ (p-191)
عَلى الإيراءِ المُتَرَتِّبِ عَلى العَدْوِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الإنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ أيْ: لَكَفُورٌ، مِن كَنَدَ النِّعْمَةَ كُنُودًا، جَوابُ القَسَمِ والمُرادُ بِالإنْسانِ: بَعْضُ أفْرادِهِ، رُوِيَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلى أُناسٍ مِن بَنِي كِنانَةَ سَرِيَّةً، واسْتَعْمَلَ عَلْيَها المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍ الأنْصارِيَّ، كانَ أحَدَ النُّقَباءِ فَأبْطَأ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ خَبَرَها شَهْرًا، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنِّهم قُتِلُوا، فَنَزَلَتِ السُّورَةُ إخْبارًا لِلنَّبِيِّ ﷺ بِسَلامَتِها، وبِشارَةً لَهُ بِإغارَتِها عَلى القَوْمِ ونَعْيًا عَلى المُرْجِفِينَ في حَقِّهِمْ ما هم فِيهِ مِنَ الكُنُودِ، وفي تَخْصِيصِ خَيْلِ الغُزاةِ بِالإقْسامِ، بِها مِنَ البَراعَةِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وخَيْلِ الغُزاةِ الَّتِي فَعَلَتْ كَيْتَ وكَيْتَ، وقَدْ أرْجَفَ هَؤُلاءِ في حَقِّ أرْبابِها ما أرَجَفُوا أنَّهم مُبالِغُونَ في الكُفْرانِ.
﴿وَإنَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: وإنَّ الإنْسانَ عَلى كُنُودِهِ ﴿لَشَهِيدٌ﴾ يَشْهَدُ عَلى نَفْسِهِ بِالكُنُودِ لِظُهُورِ أثَرِهِ عَلَيْهِ.
﴿وَإنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ أيِ: المالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ .
﴿لَشَدِيدٌ﴾ أيْ: قَوِيٌّ مُطِيقٌ مُجِدٌّ في طَلَبِهِ وتَحْصِيلِهِ، مُتَهالِكٌ عَلَيْهِ، يُقالُ: هو شَدِيدٌ لِهَذا الأمْرِ وقَوِيٌّ لَهُ، إذا كانَ مُطِيقًا لَهُ ضابِطًا، وقِيلَ: الشَّدِيدُ: البَخِيلُ أيْ: إنَّهُ لِأجْلِ حُبِّ المالِ وثِقَلِ إنْفاقِهِ عَلَيْهِ لَبَخِيلٌ مُمْسِكٌ، ولَعَلَّ وصْفَهُ بِهَذا الوَصْفِ القَبِيحِ بَعْدَ وصْفِهِ بِالكَنُودِ؛ لِلْإيماءِ إلى أنَّ مِن جُمْلَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ لِلْمُنافِقِينَ إلى النِّفاقِ حُبُّ المالِ؛ لِأنَّهم بِما يُظْهِرُونَ مِنَ الإيمانِ يَعْصِمُونَ أمْوالَهم ويَحُوزُونَ مِنَ الغَنائِمِ نَصِيبًا.
100:9Page 599
۞ أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ ٩
But does he not know that when the contents of the graves are scattered
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ ما في القُبُورِ﴾ ...إلَخْ، تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ أيْ: أيَفْعَلُ ما يَفْعَلُ مِنَ القَبائِحِ أوْ ألا يُلاحِظُ فَلا يَعْلَمُ حالَهُ إذا بُعِثَ مَن في القُبُورِ مِنَ المَوْتى، وإيرادُ "ما" لِكَوْنِهِمْ إذْ ذاكَ بِمَعْزِلٍ مِن رُتْبَةِ العُقَلاءِ، بُحْثِرَ وبُحِثَ وبَحْثَرَ وبَحَثَ عَلى بِنائِهِمْ لِلْفاعِلِ.
﴿وَحُصِّلَ﴾ أيْ: جُمِعَ مُحَصَّلًا، أوْ مُيِّزَ خَيْرُهُ مِن شَرِّهِ، وقُرِئَ "وَحَصَّلَ" مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ "وَحَصَلَ" مُخَفَّفًا ﴿ما في الصُّدُورِ﴾ مِنَ الأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما يُخْفِيهِ المُنافِقُونَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي فَضْلًا عَنِ الأعْمالِ الجَلِيَّةِ.
100:11Page 600
إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّخَبِيرُۢ ١١
Indeed, their Lord with them, that Day, is [fully] Aware.1
﴿إنَّ رَبَّهُمْ﴾ أيِ: المَبْعُوثِينَ، كَنّى عَنْهم بَعْدَ الإحْياءِ الثّانِي بِضَمِيرِ العُقَلاءِ بَعْدَما عَبَّرَ عَنْهم قَبْلَ ذَلِكَ بَـ"ما" بِناءً عَلى تَفاوُتِهِمْ في الحالَيْنِ كَما فَعَلَ نَظِيرُهُ بَعْدَ الإحْياءِ الأوَّلِ (p-192)حَيْثُ التَفَتَ إلى الخِطابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ﴾ الآيَةَ.. بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ سَوّاهُ ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾ إيذانًا بِصَلاحِيَتِهِمْ لِلْخِطابِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ وبَعْدَما قَبْلَهُ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ هُناكَ.
﴿بِهِمْ﴾ بِذَواتِهِمْ وصِفاتِهِمْ وأحْوالِهِمْ بِتَفاصِيلِها.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يَوْمَ إذْ يَكُونُ ما ذُكِرَ مِن بَعْثِ ما في القُبُورِ وتَحْصِيلِ ما في الصُّدُورِ.
﴿لَخَبِيرٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِظَواهِرِ ما عَمِلُوا وبَواطِنِهِ عِلْمًا مُوجِبًا لِلْجَزاءِ مُتَّصِلًا بِهِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ، وإلّا فَمُطْلَقُ عِلْمِهِ سُبْحانَهُ مُحِيطٌ بِما كانَ وما سَيَكُونُ، وقَوْلُهُ تَعالى: "بِهِمْ" و"يَوْمَئِذٍ" مُتَعَلِّقانِ بِـ"خَبِيرٌ" قُدِّما عَلَيْهِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ واللّامُ غَيْرُ مانِعَةٍ مِن ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ السَّمّاكِ "أنَّ رَبَّهم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ خَبِيرٌ".
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ " «مَن قَرَأ سُورَةَ العادِياتِ أُعْطِيَ مِنَ الأجْرِ عَشْرُ حَسَناتٍ بِعَدَدِ مَن باتَ بِمُزْدَلِفَةَ وشَهِدَ جَمْعا".»
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences