Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
المدثر
Al-Muddaththir
The Cloaked One · Meccan · 56 ayahs
(p-54)سُورَةُ المُدَّثِّرِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها سِتٌّ وخَمْسُونَ
﴿يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ أيِ: المُتَدَثِّرُ، وهو لابِسُ الدِّثارِ، وهو ما يُلْبَسُ فَوْقَ الشِّعارِ الَّذِي يَلِي الجَسَدَ، قِيلَ: هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ.
رُوِيَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿كُنْتُ عَلى جَبَلِ حِراءَ فَنُودِيتُ يا مُحَمَّدُ؛ إنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي ويَسارِي فَلَمْ أرَ شَيْئًا، فَنَظَرْتُ فَوْقِي فَإذا بِهِ قاعِدٌ عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ - يَعْنِيَ المَلِكَ الَّذِي ناداهُ - فَرَعَبْتُ ورَجَعْتُ إلى خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي دَثِّرُونِي، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وقالَ: يا أيُّها المُدَّثِّرُ﴾ . وعَنِ الزُّهْرِيِّ:" أنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ سُورَةُ "اقْرَأْ" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ فَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وجَعَلَ يَعْلُو شَواهِقَ الجِبالِ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقالَ: إنَّكَ نَبِيُ اللَّهِ فَرَجَعَ إلى خَدِيجَةَ، فَقالَ: دَثِّرُونِي وصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يَأيُّها المُدَّثِّرُ وقِيلَ سَمِعَ مِن قُرَيْشٍ ما كَرِهَهُ فاغْتَمَّ فَتَغَطّى بِثَوْبِهِ مُتَفَكِّرًا، كَما يَفْعَلُ المَغْمُومُ فَأمَرَ أنْ يَدَعَ إنْذارَهُمْ، وإنْ سَمِعُوهُ وآذَوْهُ"، وقِيلَ: كانَ نائِمًا مُتَدَثِرًا، وقِيلَ المُرادُ: المُتَدَثِّرُ بِلِباسِ النُّبُوَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، وقُرِئَ: (المُدَثَّرُ) عَلى صِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ مِن دَثَرَهُ، أيِ: الَّذِي دُثِّرَ هَذا الأمْرَ العَظِيمَ وعَصَبَ بِهِ وفي حَرْفِ أبِي المُنْذِرِ يَأيُّها المُتَدَثِّرُ عَلى الأصْلِ
﴿قُمِ﴾ أيْ: مِن مَضْجَعِكَ، أوْ قُمْ قِيامَ عَزْمٍ وتَصْمِيمٍ فَأنْذِرْ، أيْ: أفْعِلِ الإنْذارَ وأحْدِثْهُ، وقِيلَ: أنْذِرْ قَوْمَكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ أوْ جَمِيعَ النّاسِ حَسْبَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ واخْتَصَّ رَبَّكَ بِالتَّكْبِيرِ، وهو وصْفُهُ تَعالى بِالكِبْرِياءِ اعْتِقادًا وقَوْلًا. ويُرْوى «أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ: "اللَّهُ أكْبَرُ" فَكَبَّرَتْ خَدِيجَةُ وفَرِحَتْ وأيْقَنَتْ أنَّهُ الوَحْيُ،» وقَدْ يُحْمَلُ عَلى تَكْبِيرِ الصَّلاةِ، والفاءُ لِمَعْنى الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَدَثَ فَلا تَدَعْ تَكْبِيرَهُ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المَقْصُودَ الأوْلى مِنَ الأمْرِ بِالقِيامِ أنْ يُكَبِّرَ رَبَّهُ، ويُنَزِّهَهُ مِنَ الشِّرْكِ، فَإنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ مَعْرِفَةُ الصّانِعِ جَلَّ جَلالُهُ، ثُمَّ تَنْزِيهُهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِجَنابِهِ.
﴿وَثِيابَكَ (p-55)فَطَهِّرْ﴾ مِمّا لَيْسَ بِطاهِرٍ، فَإنَّهُ واجِبُ الصَّلاةِ الأوْلى وأوْلى وأحَبُّ في غَيْرِها، وذَلِكَ بِصِيانَتِها وحِفْظِها عَنِ النَّجاساتِ، وغَسْلِها بَعْدَ تَلَطُّخِها وبِتَقْصِيرِها أيْضًا، فَإنَّ طُولَها يُؤَدِّي إلى جَرِّ الذُّيُولِ عَلى القاذُوراتِ، وهو أوَّلُ ما أُمِرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن رَفْضِ العاداتِ المَذْمُومَةِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِتَطْهِيرِ النَّفْسِ مِمّا يُسْتَقْذَرُ مِنَ الأفْعالِ ويُسْتَهْجَنُ مِنَ الأحْوالِ، يُقالُ: فُلانٌ طاهِرُ الذَّيْلِ، والأرْدانِ إذا وصَفُوهُ بِالنَّقاءِ مَنَ المَعايِبِ ومَدانِسِ الأخْلاقَ.
﴿والرُّجْزَ فاهْجُرْ﴾ أيْ: واهْجُرِ العَذابَ بِالثَّباتِ عَلى هَجْرٍ يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ المَآثِمِ، وقُرِئَ: بِكَسْرِ الرّاءِ وهُما لُغَتانِ كالذُّكْرِ والذِّكْرِ.
﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ولا تُعْطِ مُسْتَكْثِرًا، أيْ: رائِيًا لِما تُعْطِيهِ كَثِيرًا، أوْ طالِبًا لِلْكَثِيرِ عَلى أنَّهُ أنْهي عَنِ الأسْتِغْزارِ، وهو أنْ يَهَبَ شَيْئًا وهو يَطْمَعُ أنْ يَتَعَوَّضَ مِنَ المَوْهُوبِ لَهُ أكْثَرَ مِمّا أعْطاهُ وهو جائِزٌ، ومِنهُ الحَدِيثُ المُسْتَغْرَرُ يُثابُ مِن هِبَتِهِ، فالنَّهْيُ إمّا لِلتَّحْرِيمِ، وهو خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى اخْتارَ لَهُ أشْرَفَ الأخْلاقِ وأحْسَنَ الآدابِ، أوْ لِلتَّنْزِيهِ لِلْكُلِّ، وقُرِئَ: (تَسْتَكْثِرْ) بِالسُّكُونِ اعْتِبارًا بِحالِ الوَقْفِ، أوْ إبْدالأ مِن "تَمْنُنْ"، كَأنَّهُ قِيلَ: ولا تَمْنُنْ ولا تَسْتَكْثِرْ، عَلى أنَّهُ مِنَ المَنِّ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنًّا ولا أذًى﴾ لِأنَّ مَن يُمَنُّ بِما يُعْطِي يَسْتَكْثِرُهُ ويَعْتَدُّ بِهِ، وقُرِئَ: بِالنَّصْبِ بِإضْمارِ أنْ مَعَ إبْقاءِ عَمَلِها، كَقَوْلِ مَن قالَ:
؎ ألا أيُّهَذا الزّاجِرِيُّ أحْضُرَ الوَغى
وَقَدْ قُرِئَ: بِإثْباتِها، ويَجُوزُ في قِراءَةِ الرَّفْعِ أنْ يَحْذِفَ "أنْ" ويَبْطُلَ عَمَلُها، كَما يُرْوى "أحْضُرُ الوَغى" بِالرَّفْعِ.
﴿وَلِرَبِّكَ﴾ أيْ: لِوَجْهِهِ تَعالى أوْ لِأمْرِهِ.
﴿فاصْبِرْ﴾ فاسْتُعْمِلَ الصَّبْرُ وقِيلَ: عَلى أذِيَّةِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: عَلى أداءِ الفَرائِضِ.
﴿فَإذا نُقِرَ في النّاقُورِ﴾ أيْ: نُفِخَ في الصُّورِ، وهو فاعِلٌ مِنَ النَّقْرِ بِمَعْنى التَّصْوِيتِ، وأصْله القَرْع الَّذِي هو سَبَبُ الصَّوْتِ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، كَأنَّهُ قِيلَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم فَبَيْنَ أيْدِيهِمْ يَوْمٌ هائِلٌ يَلْقَوْنَ فِيهِ عاقِبَةَ أذاهُمْ، وتَلْقى عاقِبَةَ صَبْرِكَ عَلَيْهِ، والعامِلُ في "إذا" ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى:
74:9–10Page 575
فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ ٩
That Day will be a difficult day
عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ ١٠
For the disbelievers - not easy.
﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾ عَلى الكافِرِينَ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى وقْتِ النَّقْرِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْد مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مُنْزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَظاعَةِ ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ، و"يَوْمَئِذٍ" (p-56)بَدَلٌ مِنهُ مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ لِإضافَتِهِ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ، والخَبَرُ "يَوْمٌ عَسِيرٌ"، وقِيلَ: "يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ لِلْخَبَرِ، إذِ التَّقْدِيرُ: وذَلِكَ الوَقْتُ وُقُوعُ يَوْمٍ عَسِيرٍ، و"عَلى" مُتَعَلِّقَةٌ بـ "عَسِيرٌ" وقِيلَ: بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لَـ"عَسِيرٌ"، أوْ حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ تَأْكِيدٌ لِعُسْرِهِ عَلَيْهِمْ مُشْعِرٌ بِيُسْرِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، واخْتُلِفَ في أنَّ المُرادَ بِهِ: يَوْمُ النَّفْخَةِ الأُولى، أوِ الثّانِيَةِ، والحَقُّ أنَّها الثّانِيَةُ؛ إذْ هي الَّتِي يَخْتَصُّ عُسْرُها بِالكافِرِينَ، وأمّا النَّفْخَةُ الأُولى فَحُكْمُها الَّذِي هو الإصْعاقُ يَعُمُّ البَرَّ والفاجِرَ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِمَن كانَ حَيًّا عِنْدَ وُقُوعِها، وقَدْ جاءَ في الأخْبارِ أنَّ في الصُّوَرِ ثُقْبًا بِعَدَدِ الأرْواحِ كُلِّها، وأنَّها تُجْمَعُ في تِلْكَ الثُّقُوبِ في النَّفْخَةِ الثّانِيَةِ، فَتَخْرُجُ عِنْدَ النَّفْخِ مِن كُلِّ ثُقْبَةٍ رُوحٌ إلى الجَسَدِ الِّذِي نُزِعَتْ مِنهُ فَيَعُودُ الجَسَدُ حَيًّا بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى.
﴿ذَرْنِي ومَن خَلَقْتُ وحِيدًا﴾ حالٌ إمّا مِنَ الياءِ، أيْ: ذَرْنِي وحْدِي مَعَهُ فَإنِّي أكْفِيكَهُ في الأنْتِقامِ مِنهُ، أوْ مِنَ التّاءِ أيْ: خَلَقْتُهُ وحْدِي لَمْ يُشْرِكْنِي في خَلْقِهِ أحَدٌ، أوْ مِنَ العائِدِ المَحْذُوفِ، أيْ: ومَن خَلَقْتُهُ وحِيدًا فَرِيدًا لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيِّ، وكانَ يُلَقَّبُ في قَوْمِهِ بِالوَحِيدِ، فَهو تَهَكُّمٌ بِهِ وبِلَقَبِهِ، وصَرْفٌ لَهُ عَنِ الغَرَضِ الَّذِي يَؤُمُّونَهُ مِن مَدْحِهِ إلى جِهَةِ ذَمِّهِ بِكَوْنِهِ وحِيدًا مِنَ المالِ والوَلَدِ، أوْ وحِيدًا مِن أبِيهِ؛ لِأنَّهُ كانَ زَنِيمًا كَما مَرَّ، أوْ وحِيدًا في الشَّرارَةِ.
﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالا مَمْدُودًا﴾ مَبْسُوطًا كَثِيرًا، أوْ مُمَدًّا بِالنَّماءِ، مِن مَدَّ النَّهْرِ، ومَدَّهُ نَهْرٌ آخَرُ، قِيلَ: كانَ لَهُ الضَّرْعُ والزَّرْعُ والتِّجارَةُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: هو ما كانَ لَهُ بَيْنَ مَكَّةَ والطّائِفِ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ، وقِيلَ: كانَ لَهُ بِالطّائِفِ بُسْتانٌ لا يَنْقَطِعُ ثِمارُهُ صَيْفًا وشِتاءً، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَ لَهُ ألْفُ دِينارٍ، وقالَ قَتادَةُ: سِتَّةُ آلافِ دِينارٍ، وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: أرْبَعَةُ آلافِ دِينارٍ، وقالَ الثَّوْرِيُّ: أيْضًا ألْفُ ألْفِ دِينارٍ.
﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ حُضُورًا مَعَهُ بِمَكَّةَ يَتَمَتَّعُ بِمُشاهَدَتِهِمْ لا يُفارِقُونَهُ لِلتَّصَرُّفِ في عَمَلٍ، أوْ تِجارَةٍ لِكَوْنِهِمْ مَكْفِيِّينَ لِوُفُورِ نِعَمِهِمْ وكَثْرَةِ خَدَمِهِمْ، أوْ حُضُورًا في الأنْدِيَةِ والمَحافِلِ لِوَجاهَتِهِمْ واعْتِبارِهِمْ، قِيلَ: كانَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ، وقِيلَ: ثَلاثَةَ عَشَرَ، وقِيلَ: سَبْعَةٌ كُلُّهم رِجالٌ الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ، وخالِدٌ، وعِمارَةٌ، وهِشامٌ، والعاصُ، والقَيْسُ، وعَبْدُ شَمْسٍ، أسْلَمَ مِنهم ثَلاثَةٌ خالِدٌ، وهُشامٌ، وعِمارَةُ.
﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ وبَسَطْتُ لَهُ الرِّياسَةَ والجاهَ العَرِيضُ حَتّى لُقِّبَ رَيْحانَةَ قُرَيْشٍ.
﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أنْ أزِيدَ﴾ عَلى ما أُوتِيهِ، وهو اسْتِبْعادٌ واسْتِنْكارٌ لِطَمَعِهِ وحِرْصِهِ، إمّا لِأنَّهُ لا مَزِيدَ (p-57)عَلى ما أُوتِيَ سِعَةً وكَثْرَةً، أوْ لِأنَّهُ مُنافٍ لِما هو عَلَيْهِ مِن كُفْرانِ النِّعَمِ ومُعانَدَةِ المُنَعَّمِ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ يَقُولُ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَما خُلِقَتِ الجَنَّةُ إلّا لِي.
74:16Page 575
كـَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا ١٦
No! Indeed, he has been toward Our verses obstinate.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ وزَجْرٌ لَهُ عَنْ طَمَعِهِ الفارِغِ، وقَطْعٌ لِرَجائِهِ الخائِبِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ لآياتِنا عَنِيدًا﴾ تَعْلِيلٌ لِذَلِكَ عَلى وجْهِ الأسْتِئْنافِ التَّحْقِيقِيِّ، فَإنَّ مُعانِدَةَ آياتِ المُنْعِمِ مَعَ وُضُوحِها وكُفْرانَ نِعْمَتِهِ مَعَ سُبُوغِها مِمّا يُوجِبُ حِرْمانَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وإنَّما أُوتِيَ ما أُوتِيَ اسْتِدْراجًا، قِيلَ: ما زالَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ في نُقْصانٍ مِن مالِهِ حَتّى هَلَكَ.
﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ سَأُغَشِّيهِ بَدَلَ ما يَطْمَعُهُ مِنَ الزِّيادَةِ، أوِ الجَنَّةِ عَقَبَةً شاقَّةَ المِصْعَدِ، وهو مَثَلٌ لِما يَلْقى مِنَ العَذابِ الصَّعْبِ الَّذِي لا يُطاقُ.
وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يُكَلَّفُ أنْ يَصْعَدَ عَقَبَةً في النّارِ كُلَّما وضَعَ يَدَهُ عَلْيَها ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ، وإذا وضَعَ رَجَلَهُ ذابَتْ، فَإذا رَفَعَها عادَتْ﴾، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿الصَّعُودُ جَبَلٌ مِن نارٍ يَصْعَدُ فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ثُمَّ يَهْوِي فِيهِ كَذَلِكَ أبَدًا﴾ .
﴿إنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْوَعِيدِ واسْتِحْقاقِهِ لَهُ، أوْ بَيانٌ لِعِنادِهِ لِآياتِهِ تَعالى، أيْ: فَكَّرَ ماذا يَقُولُ في شَأْنِ القرآن وقَدَّرَ في نَفْسِهِ ما يَقُولُهُ:
﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَعْجِيبٌ مِن تَقْدِيرِهِ وإصابَتِهِ فِيهِ، الغَرَضَ الَّذِي كانَ يَنْتَحِيهِ قُرَيْشٌ قاتَلَهُمُ اللَّهُ، أوْ ثَناءٌ عَلَيْهِ بِطَرِيقِ الأسْتِهْزاءِ بِهِ، أوْ حِكايَةٌ لِما كَرَّرُوهُ مِن قَوْلِهِمْ: قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ تَهَكُّمًا بِهِمْ وبِإعْجابِهِمْ بِتَقْدِيرِهِ واسْتِعْظامِهِمْ لِقَوْلِهِ، ومَعْنى قَوْلِهِمْ: قَتَلَهُ اللَّهُ ما أشْجَعَهُ، أوْ أخْزاهُ اللَّهُ ما أشْعَرَهُ، الإشْعارُ بِأنَّهُ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّجاعَةِ والشِّعْرِ مَبْلَغًا حَقِيقِيًّا، بِأنْ يَدْعُو عَلَيْهِ حاسِدُهُ بِذَلِكَ.
رُوِيَ أنَّ الوَلِيدَ قالَ لَبَنِي مَخْزُومٍ: "واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مِن مُحَمَّدٍ آنِفًا كَلامًا ما هو مِن كَلامِ الإنْسِ ولا مِن كَلامِ الجِنِّ، إنَّ لَهُ لَحَلاوَةً وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاوَةً، وإنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ، وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وإنَّهُ يَعْلُو، وما يُعْلى" فَقالَتْ قُرَيْشٌ، صَبَأ واللَّهِ الوَلِيدُ، واللَّهِ لَتَصْبَأنَّ قُرَيْشٌ كُلُّهُمْ، فَقالَ ابْنُ أخِيهِ أبُو جَهْلٍ: أنا أكْفِيكُمُوهُ، فَقَعَدَ عِنْدَهُ حَزِينًا وكَلَّمَهُ بِما أحْماهُ، فَقامَ فَأتاهُمْ، فَقالَ: تَزْعُمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَخْنُقُ؟ وتَقُولُونَ: إنَّهُ كاهِنٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَكَهَّنُ؟ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ شاعِرٌ، فَهَلْ رَأيْتُمُوهُ يَتَعاطى شِعْرًا قَطُّ؟ وتَزْعُمُونَ أنَّهُ كَذّابٌ، فَهَلْ جَرَّبْتُمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنَ الكَذِبِ؟ فَقالُوا في كُلِّ ذَلِكَ: اللَّهُمَّ لا، ثُمَّ قالُوا: فَما هُوَ؟ فَفَكَّرَ فَقالَ: ما هو إلّا ساحِرٌ، أما رَأيْتُمُوهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ ومُوالِيهِ، وما الَّذِي يَقُولُهُ إلّا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ عَنْ أهْلِ بابِلَ فارْتَجَّ النّادِي فَرَحًا، وتَفَرَّقُوا مُعْجَبِينَ بِقَوْلِهِ مُتَعَجِّبِينَ مِنهُ.
(p-58)﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ تَكْرِيرٌ لِلْمُبالِغَةِ، وثُمَّ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الثّانِيَةَ أبْلَغُ مِنَ الأُولى، وفِيما بَعْدُ عَلى أصْلِها مِنَ التَّراخِي الزَّمانِيِّ.
﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أيْ: في القرآن مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ.
﴿ثُمَّ عَبَسَ﴾ قَطَّبَ وجْهَهُ لَمّا لَمْ يَجِدْ فِيها مَطْعَنًا، ولَمْ يَدْرِ ماذا يَقُولُ؟ وقِيلَ: نَظَرَ في وُجُوهِ النّاسِ، ثُمَّ قَطَّبَ وجْهَهُ، وقِيلَ: نَظَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَطَّبَ في وجْهِهِ.
﴿وَبَسَرَ﴾ اتِّباعٌ لِـ"عَبَسَ".
﴿ثُمَّ أدْبَرَ﴾ عَنِ الحَقِّ، أوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
﴿واسْتَكْبَرَ﴾ عَنِ اتِّباعِهِ.
74:24Page 576
فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ ٢٤
And said, "This is not but magic imitated [from others].
﴿فَقالَ إنْ هَذا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أيْ: يُرْوى ويُتَعَلَّمُ، والفاءُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَمّا خَطَرَتْ بِبالِهِ تَفَوَّهَ بِها مِن غَيْرِ تَلَعْثُمٍ وتَلَبُّثٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى:
﴿إنْ هَذا إلا قَوْلُ البَشَرِ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ، ولِذَلِكَ أُخْلِيَ عَنِ العاطِفِ.
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ بَدَلٌ مِن "سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا".
﴿وَما أدْراكَ ما سَقَرُ﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أُعْلِمَكَ ما سَقَرُ؟ عَلى أنَّ "ما" الأُولى مُبْتَدَأٌ، و"أدْراكَ" خَبَرُهُ، و"ما" الثّانِيَةُ خَبَرٌ؛ لِأنَّها المُفِيدَةُ لِما قُصِدَ إفادَتُهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والتَّفْظِيعِ، و"سَقَرُ" مُبْتَدَأٌ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ هي في وصْفِها لِما مَرَّ مِرارًا مِن أنَّ "ما" قَدْ يُطْلَبُ بِها الوَصْفُ، وإنْ كانَ الغالِبُ أنْ يُطْلَبَ بِها الأسْمُ والحَقِيقَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا تُبْقِي ولا تَذَرُ﴾ بَيانٌ لِوَصْفِها وحالِها، وإنْجازٌ لِلْوَعْدِ الضِّمْنِيِّ الَّذِي يُلَوِّحُ بِهِ "وَما أدْراكَ ما سَقَرُ" وقِيلَ: حالٌ مِن "سَقَرُ" ولَيْسَ بِذاكَ، أيْ: لا تُبْقِي شَيْئًا يُلْقى فِيها إلّا أهْلَكَتْهُ، وإذا هَلَكَ لَمْ تَذَرْهُ هالِكًا حَتّى يُعادَ، أوْ لا تُبْقِي عَلى شَيْءٍ ولا تَدَعُهُ مِنَ الهَلاكِ، بَلْ كُلُّ ما يُطْرَحُ فِيها هالِكٌ لا مَحالَةَ.
﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ مُغَيِّرَةٌ لِأعالِي الجِلْدِ، مُسَوِّدَةٌ (p-59)لَها، قِيلَ: تَلْفَحُ الجِلْدَ لَفْحَةً فَتَدَعُهُ أشَدَّ سَوادًا مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: تَلُوحُ لِلنّاسِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ وقُرِئَ: (لَوّاحَةً) بِالنَّصْبِ عَلى الأخْتِصاصِ لِلتَّهْوِيلِ.
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ أيْ: مَلَكًا، أوْ صِنْفًا، أوْ صَفًّا، أوْ نَقِيبًا مِنَ المَلائِكَةِ يَلُونَ أمْرَها، ويَتَسَلَّطُونَ عَلى أهْلِها، وقُرِئَ: بِسُكُونِ عَيْنِ "عَشَرَ" حِذارًا مِن تَوالِي الحَرَكاتِ فِيما هو في حُكْمِ اسْمٍ واحِدٍ، وقُرِئَ: تِسْعَةُ أعْشُرٍ جَمْعُ عَشِيرٍ، مِثْلُ: يَمِينٍ وأيْمُنٍ.
74:31Page 576
وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ ٣١
And We have not made the keepers of the Fire except angels. And We have not made their number except as a trial for those who disbelieve - that those who were given the Scripture will be convinced and those who have believed will increase in faith and those who were given the Scripture and the believers will not doubt and that those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] and the disbelievers will say, "What does Allāh intend by this as an example?" Thus does Allāh send astray whom He wills and guide whom He wills. And none knows the soldiers of your Lord except Him. And it [i.e., mention of the Fire] is not but a reminder to humanity.
﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ﴾ أيِ: المُدَبِّرِينَ لِأمْرِها القائِمِينَ بِتَعْذِيبِ أهْلِها.
﴿إلا مَلائِكَةً﴾ لِيُخالِفُوا جِنْسَ المُعَذَّبِينَ؛ فَلا يَرِقُّوا لَهم ولا يَسْتَرْوِحُوا إلَيِهِمْ؛ لِأنَّهم أقْوى الخَلْقِ وأقْوَمُهم بِحَقِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ وبِالغَضَبِ لَهُ تَعالى، وأشَدُّهم بَأْسًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، لِأحَدِهِمْ مِثْلُ قُوَّةِ الثَّقَلَيْنِ، يَسُوقُ أحَدُهُمُ الأُمَّةَ وعَلى رَقَبَتِهِ جَبَلٌ فَيَرْمِي بِهِمْ في النّارِ، ويَرْمِي بِالجَبَلِ عَلَيْهِمْ. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾، قالَ أبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: "أيَعْجِزُ كُلُّ عَشْرَةٍ مِنكم أنْ يَبْطِشُوا بِرَجُلٍ مِنهم ؟ فَقالَ أبُو الأشَدِّ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ كِلْدَةَ الجُمَحِيُّ، وكانَ شَدِيدَ البَطْشِ: أنا أكْفِيكم سَبْعَةَ عَشَرَ، فاكْفُونِي أنْتُمُ اثْنَيْنِ، فَنَزَلَتْ " أيْ: ما جَعَلْناهم رِجالأ مِن جِنْسِكم ﴿وَما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ: ما جَعَلْنا عَدَدَهم إلّا العَدَدَ الَّذِي تَسَبَّبَ لِافْتِتانِهِمْ وهو التِّسْعَةَ عَشَرَ، فَعَبَّرَ بِالأثَرِ عَنِ المُؤَثِّرِ تَنْبِيهًا عَلى التَّلازُمِ بَيْنَهُما، ولَيْسَ المُرادُ: مُجَرَّدَ جَعْلِ عَدَدِهِمْ ذَلِكَ العَدَدَ المُعَيَّنَ في نَفْسِ الأمْرِ، بَلْ جَعْلَهُ في القرآن أيْضًا كَذَلِكَ، وهو الحُكْمُ بِأنَّ عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ؛ إذْ بِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ افْتِتانُهم بِاسْتِقْلالِهِمْ لَهُ، واسْتِبْعادِهِمْ لِتَوَلِّي هَذا العَدَدِ القَلِيلِ لِتَعْذِيبِ أكْثَرَ الثَّقَلَيْنِ، واسْتِهْزائِهِمْ بِهِ حَسْبَما ذُكِرَ، وعَلَيْهِ يَدُورُ ما سَيَأْتِي مِنَ اسْتِيقانِ أهْلِ الكِتابِ وازْدِيادِ المُؤْمِنِينَ إيمانًا، قالُوا: المُخَصَّصُ لِهَذا العَدَدِ أنَّ اخْتِلافَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ في النَّظَرِ والعَمَلِ؛ بِسَبَبِ القُوى الحَيَوانِيَّةِ الأثْنَتَيْ عَشْرَةَ والطَّبِيعِيَّةِ السَّبْعِ، أوْ أنْ جَهَنَّمَ سَبْعُ دَرَكاتٍ، سِتٌّ مِنها لِأصْنافِ الكَفَرَةِ، كُلُّ صِنْفٍ يُعَذَّبُ بِتَرْكِ الأعْتِقادِ، والإقْرارِ والعَمَلِ أنْواعًا مِنَ العَذابِ يُناسِبُها، وعَلى كُلِّ نَوْعٍ مَلَكٌ، أوْ صِنْفٌ، أوْ صَفٌّ يَتَوَلّاهُ، وواحِدَةٌ لِعُصاةِ الأُمَّةِ يُعَذَّبُونَ فِيها بِتَرْكِ العَمَلِ نَوْعًا يُناسِبُهُ ويَتَوَلّاهُ واحِدٌ، أوْ أنَّ السّاعاتِ أرْبَعٌ وعِشْرُونَ، خَمْسَةٌ مِنها مَصْرُوفَةٌ لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ فَيَبْقى تِسْعَةَ عَشَرَ، قَدْ تُصْرَفُ إلى ما يُؤاخَذُ بِهِ بِأنْواعِ العَذابِ يَتَوَلّاها الزَّبانِيَةُ.
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِالجَعْلِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ، أيْ: لِيَكْتَسِبُوا اليَقِينَ بِنُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وصِدْقِ القرآن لَمّا شاهَدُوا ما فِيهِ مُوُافِقًا لِما في كِتابِهِمْ.
﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا﴾ أيْ: يَزْدادُ إيمانُهم كَيْفِيَّةً بِما رَأوْا مِن تَسْلِيمِ أهْلِ الكِتابِ (p-60)وَتَصْدِيقِهِمْ أنَّهُ كَذَلِكَ، أوْ كَمِّيَّةً بِانْضِمامِ إيمانِهِمْ بِذَلِكَ إلى إيمانِهِمْ بِسائِرِ ما أُنْزِلَ.
﴿وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ﴾ تَأْكِيدٌ لِما قَبْلَهُ مِنَ الأسْتِيقانِ، وازْدِيادِ الإيمانِ، ونَفْيٌ لِما قَدْ يَعْتَرِي المُسْتَيْقِنَ مِن شُبْهَةٍ ما، وإنَّما لَمْ يُنَظَّمِ المُؤْمِنُونَ في سِلْكِ أهْلِ الكِتابِ في نَفْيِ الأرْتِيابِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: ولا يَرْتابُوا لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَبايُنِ النَّفْيَّيْنِ حالأ، فَإنَّ انْتِفاءَ الأرْتِيابِ مِن أهْلِ الكِتابِ مُقارِنٌ لِما يُنافِيهِ مِنَ الجُحُودِ، ومِنَ المُؤْمِنِينَ، مُقارِنٌ لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ الإيمانِ وكَمْ بَيْنَهُما، والتَّعْبِيرُ عَنْهم بِاسْمِ الفاعِلِ بَعْدَ ذِكْرِهِمْ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الفِعْلِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ الحُدُوثِ لِلْإيذانِ بِثَباتِهِمْ عَلى الإيمانِ بَعْدَ ازْدِيادِهِ ورُسُوخِهِمْ في ذَلِكَ.
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ شَكٌّ أوْ نِفاقٌ فَيَكُونُ إخْبارًا بَما سَيَكُونُ في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ.
﴿والكافِرُونَ﴾ المُصِرُّونَ عَلى التَّكْذِيبِ.
﴿ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلا﴾ أيْ: أيُّ شَيْءٍ أرادَ بِهَذا العَدَدِ المُسْتَغْرَبِ اسْتِغْرابَ المَثَلِ، وقِيلَ: لَمّا اسْتَبْعَدُوهُ حَسِبُوا أنَّهُ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، وإفْرادُ قَوْلِهِمْ هَذا بِالتَّعْلِيلِ مَعَ كَوْنِهِ مِن بابِ فِتْنَتِهِمْ لِلْإشْعارِ بِاسْتِقْلالِهِ في الشَّناعَةِ.
﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ﴾ ذَلِكَ: إشارَةٌ إلى ما قَبْلَهُ مِن مَعْنى الإضْلالِ والهِدايَةِ، ومَحَلُّ الكافِ في الأصْلِ النَّصْبُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وأصْلُ التَّقْدِيرِ: يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ.
﴿وَيَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إضْلالأ وهِدايَةً كائِنَيْنِ مِثْلَ ما ذُكِرَ مِنَ الإضْلالِ والهِدايَةِ فَحُذِفَ المَصْدَرُ، وأُقِيمَ وصْفُهُ مَقامَهُ، ثُمَّ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِإفادَةِ القَصْرِ، فَصارَ النَّظْمُ: مِثْلُ ذَلِكَ الإضْلالِ، وتِلْكَ الهِدايَةِ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ إضْلالَهُ لِصَرْفِ اخْتِيارِهِ إلى جانِبِ الضَّلالِ عِنْدَ مُشاهَدَتِهِ لِآياتٍ إلى جانِبِ الهُدى لا إضْلالأ وهِدايَةً أدْنى مِنهُما.
﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ﴾ أيْ: جُمُوعَ خَلْقِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المَلائِكَةُ المَذْكُورُونَ.
﴿إلا هُوَ﴾ إذْ لا سَبِيلَ لِأحَدٍ إلى حَصْرِ المُمَكَّناتِ، والوُقُوفِ عَلى حَقائِقِها وصِفاتِها، ولَوْ إجْمالأ فَضْلًا عَنِ الأطِّلاعِ عَلى تَفاصِيلِ أحْوالِها مِن كَمٍّ وكَيْفٍ ونِسْبَةٍ.
﴿وَما هِيَ﴾ أيْ: سَقَرُ، أوْ عِدَّةُ خَزَنَتِها، أوِ الآياتُ النّاطِقَةُ بِأحْوالِها.
﴿إلا ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ إلّا تَذْكِرَةً لَهم.
﴿كَلا﴾ رَدْعٌ لِمَن أنْكَرَها، أوْ إنْكارٌ ونَفْيٌ؛ لِأنْ يَكُونَ لَهم تَذَكُّرٌ.
﴿والقَمَرِ﴾ .
﴿واللَّيْلِ إذْ أدْبَرَ﴾ وقُرِئَ: (إذا دَبَرَ) بِمَعْنى: أدْبَرَ كَقَبَلَ بِمَعْنى: أقْبَلَ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: صارُوا كَأمْسِ الدّارِ، وقِيلَ: هو مِن دَبِرَ اللَّيْلُ النَّهارَ إذا خَلَّفَهُ.
﴿والصُّبْحِ إذا أسْفَرَ﴾ أيْ: أضاءَ وانْكَشَفَ.
74:35Page 576
إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ ٣٥
Indeed, it [i.e., the Fire] is of the greatest [afflictions]
﴿إنَّها لإحْدى الكُبَرِ﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ، أوْ تَعْلِيلٌ لِـ"كَلّا" والقَسَمُ مُعْتَرِضٌ لِلتَّوْكِيدِ، و"الكُبَرُ" جَمْعُ الكُبْرى، جُعِلَتْ ألِفُ التَّأْنِيثِ كَتائِها فَكَما جُمِعَتْ "فُعْلَةُ" عَلى "فُعَلٍ" جُمِعَتْ "فُعْلى" عَلَيْها، ونَظِيرُها "القَواصِعُ" في جَمْعِ "القاصِعاءِ" (p-61)كَأنَّها جَمْعُ قاصِعَةٍ، أيْ: لَإحْدى البَلايا، أوْ لَإحْدى الدَّواهِي الكُبَرَ عَلى مَعْنى أنَّ البَلايا الكُبَرَ، أوِ الدَّواهِيَ الكُبَرَ كَثِيرَةٌ، وهَذِهِ واحِدَةٌ في العِظَمِ لا نَظِيرَةَ لَها.
﴿نَذِيرًا لِلْبَشَرِ﴾ تَمْيِيزٌ، أيْ: لَإحْدى الكُبَرِ إنْذارًا، أوْ حالٌ مِمّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ، أيْ: كَبُرَتْ مُنْذِرَةً، وقُرِئَ: نَذِيرٌ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لِـ"إنَّ"، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
74:37Page 576
لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ ٣٧
To whoever wills among you to proceed1 or stay behind.
﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ﴾ بَدَلٌ مِن "لِلْبَشَرِ"، أيْ: نَذِيرًا لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْبِقَ إلى الخَيْرِ فَيَهْدِيَهُ اللَّهُ تَعالى، أولم يَشَأْ ذَلِكَ فَيُضِلَّهُ، وقِيلَ: "لِمَن شاءَ" خَبَرٌ و"أنْ يَتَقَدَّمَ أوْ يَتَأخَّرَ" مُبْتَدَأٌ فَيَكُونُ في مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences