Abu as-Su'udAl‑Ghashiyah · 88:1–26

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

الغاشية

Al-Ghashiyah

The Overwhelming · Meccan · 26 ayahs

88:1Page 592

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ ١

Has there reached you the report of the Overwhelming [event]?

(p-148)سُورَةُ الغاشِيَةِ

مَكِّيَّةٌ وآيُها سِتٌّ وعِشْرُونَ

﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ قِيلَ:" هِلْ" بِمَعْنى (قَدْ) كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ﴾ الآيَةَ، قالَ قُطْرُبٌ: أيْ: قَدْ جاءَكَ يا مُحَمَّدُ حَدِيثُ الغاشِيَةِ ولَيْسَ بِذاكَ، بَلْ هو اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعْجِيبُ مِمّا في حَيِّزِهِ، والتَّشْوِيقُ إلى اسْتِماعِهِ، والإشْعارُ بِأنَّهُ مِنَ الأحادِيثِ البَدِيعَةِ الَّتِي حَقُّها أنْ يَتَناقَلَها الرُّواةُ ويَتَنافَسَ في تَلَقِّيها الوُعاةُ مِن كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ، و"الغاشِيَةُ": الدّاهِيَةُ الشَّدِيدَةُ الَّتِي تَغْشى النّاسَ بِشَدائِدِها وتَكْتَنِفُهم بِأهْوالِها وهي القِيامَةُ، مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ العَذابُ﴾ ...إلَخْ. وقِيلَ: هي النّارُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ والأوَّلُ هو الحَقُّ، فَإنَّ ما سَيُرْوى مِن حَدِيثِها لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالنّارِ وأهْلِها؛ بَلْ ناطِقٌ بِأحْوالِ أهْلِ الجَنَّةِ أيْضًا.

88:2Page 592

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ ٢

[Some] faces, that Day, will be humbled,

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ اسْتِئْنافٌ وقَعَ جَوابًا عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِنَ الاسْتِفْهامِ التَّشْوِيقِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: مِن جِهَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما أتانِي حَدِيثُها فَما هُوَ؟ فَقِيلَ: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ أيْ: يَوْمَ إذْ غَشِيَتْ ذَلِيلَةٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: لَمْ يَكُنْ أتاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ حَدِيثُها فَأخْبَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنْها فَقالَ: وُجُوهٌ ...إلَخْ، فَـ"وُجُوهٌ" مُبْتَدَأٌ ولا بَأْسَ بِتَنْكِيرِها؛ لِأنَّها في مَوْقِعِ التَّنْوِيعِ و"خاشِعَةٌ" خَبَرُهُ.

88:3Page 592

عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ ٣

Working [hard] and exhausted.1

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عامِلَةٌ ناصِبَةٌ﴾ خَبَرانِ آخَرانِ لِـ"وُجُوهٌ" إذِ المُرادُ بِها أصْحابُها أيْ: تَعْمَلُ أعْمالأ شاقَّةً تَتْعَبُ فِيها وهي جَرُّ السَّلاسِلِ والأغْلالِ والخَوْضُ في النّارِ خَوْضَ الإبِلِ في الوَحْلِ، والصُّعُودُ والهُبُوطُ في تِلالِ النّارِ ووِهادِها. وقِيلَ: عَمِلَتْ في الدُّنْيا أعْمالَ السُّوءِ والتَذَّتْ بِها فَهي يَوْمَئِذٍ في نَصْبٍ مِنها. وقِيلَ: عَمِلَتْ ونَصَبَتْ في أعْمالٍ لا تُجْدِي عَلَيْها في الآخِرَةِ.

88:4Page 592

تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ ٤

They will [enter to] burn in an intensely hot Fire.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَصْلى﴾ أيْ: تَدْخُلُ.

﴿نارًا حامِيَةً﴾ أيْ: مُتَناهِيَةً في الحَرِّ، خَبَرٌ آخَرُ لِـ"وُجُوهٌ". وقِيلَ: هو الخَبَرُ وما قَبْلَهُ صِفاتٌ لِـ"وُجُوهٌ" وقَدْ مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ الصِّفَةَ حَقُّها أنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً (p-149)

الأنْتِسابُ إلى المَوْصُوفِ عِنْدَ السّامِعِ قَبْلَ جَعْلِها صِفَةً لَهُ، ولا رَيْبَ في أنَّ صَلْيَ النّارِ وما قَبْلَهُ مِنَ الخُشُوعِ والعَمَلِ والنَّصَبِ، أُمُورٌ مُتَساوِيَةٌ في الأنْتِسابِ إلى الوُجُوهِ مَعْرِفَةً وجَهالَةً، فَجَعْلُ بَعْضِها عُنْوانًا لِلْمَوْضُوعِ قَيْدًا مَفْرُوغًا عَنْهُ غَيْرَ مَقْصُودِ الإفادَةِ وبَعْضِها مَناطًا لِلْإفادَةِ تَحَكُّمٌ بَحْتٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا وما بَعْدَهُ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِئْنافًا مُبَيِّنًا لِتَفاصِيلِ أحْوالِها.

88:5Page 592

تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ ٥

They will be given drink from a boiling spring.

﴿تُسْقى مِن عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أيْ: مُتَناهِيَةٍ في الحَرِّ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ .

88:6Page 592

لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ ٦

For them there will be no food except from a poisonous, thorny plant

﴿لَيْسَ لَهم طَعامٌ إلا مِن ضَرِيعٍ﴾ بَيانٌ لِطَعامِهِمْ إثْرَ بَيانِ شَرابِهِمْ، والضَّرِيعُ: يَبِيسُ الشِّبْرِقِ وهو شَوْكٌ تَرْعاهُ الإبِلُ ما دامَ رَطْبًا، وإذا يَبِسَ تَحامَتْهُ وهو سُمٌّ قاتِلٌ. وقِيلَ: هي شَجَرَةٌ نارِيَّةٌ تُشْبِهُ الضَّرِيعَ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هو طَعامٌ يَضْرَعُونَ عِنْدَهُ ويَذِلُّونَ ويَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ تَعالى طَلَبًا لِلْخَلاصِ مِنهُ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ، وهَذا طَعامٌ لِبَعْضِ أهْلِ النّارِ، والزَّقُّومُ والغِسْلِينُ لِآخَرِينَ.

88:7Page 592

لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ ٧

Which neither nourishes nor avails against hunger.

﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أيْ: لَيْسَ مِن شَأْنِهِ الإسْمانُ والإشْباعُ كَما هو شَأْنُ طَعامِ الدُّنْيا، وإنَّما هو شَيْءٌ يَضْطَرُّونَ إلى أكْلِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ دَفْعٌ لِضَرُورَتِهِمْ، لَكِنْ لا عَلى أنَّ لَهُمُ اسْتِعْدادًا لِلشِّبَعِ والسِّمَنِ إلّا أنَّهُ لا يُفِيدُهم شَيْئًا مِنهُما، بَلْ عَلى أنَّهُ لا اسْتِعْدادَ مِن جِهَتِهِمْ ولا إفادَةَ مِن جِهَةِ طَعامِهِمْ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ أنَّ جُوعَهم وعَطَشَهم لَيْسا مِن قَبِيلِ ما هو المَعْهُودُ مِنهُما في هَذِهِ النَّشْأةِ مِن حالَةٍ عارِضَةٍ لِلْإنْسانِ عِنْدَ اسْتِدْعاءِ الطَّبِيعَةِ لِبَدَلِ ما يَتَحَلَّلُ مِنَ البَدَنِ، مُشَوِّقَةً لَهُ إلى المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ بِحَيْثُ يَلْتَذُّ بِهِما عِنْدَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ويَسْتَغْنِي بِهِما عَنْ غَيْرِهِما عِنْدَ اسْتِقْرارِهِما في المَعِدَةِ ويَسْتَفِيدُ مِنهُما قُوَّةً وسِمَنًا عِنْدَ انْهِضامِهِما، بَلْ جُوعُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرامِ النّارِ في أحْشائِهِمْ إلى إدْخالِ شَيْءٍ كَثِيفٍ يَمْلَؤُها ويُخْرِجُ ما فِيها مِنَ اللَّهَبِ، وأمّا أنْ يَكُونَ لَهم شَوْقٌ إلى مَطْعُومٍ ما أوِ التِذاذٌ بِهِ عِنْدَ الأكْلِ واسْتِغْناءٌ بِهِ عَنِ الغَيْرِ أوِ اسْتِفادَةُ قُوَّةٍ فَهَيْهاتَ، وكَذا عَطَشُهم عِبارَةٌ عَنِ اضْطِرارِهِمْ عِنْدَ أكْلِ الضَّرِيعِ والتِهابِهِ في بُطُونِهِمْ إلى شَيْءٍ مائِعٍ بارِدٍ يُطْفِئُهُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُمُ التِذاذٌ بِشُرْبِهِ أوِ اسْتِفادَةُ قُوَّةٍ بِهِ في الجُمْلَةِ، وهو المَعْنِيُّ بِما رُوِيَ أنَّهُ تَعالى يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ الجُوعَ بِحَيْثُ يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الضَّرِيعِ فَإذا أكَلُوهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمُ العَطَشَ فَيَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ فَيَشْوِي وُجُوهَهم ويُقَطِّعُ أمْعاءَهُمْ، وتَنْكِيرُ الجُوعِ لِلتَّحْقِيرِ أيْ: لا يُغْنِي مِن جُوعٍ ما، وتَأْخِيرُ نَفْيِ الإغْناءِ مِنهُ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ، والتَّوَسُّلِ بِهِ إلى التَّصْرِيحِ بِنَفْيِ كِلا الأمْرَيْنِ؛ إذْ لَوْ قُدِّمَ لَما احْتِيجَ إلى ذِكْرِ نَفْيِ الأسْمانِ ضَرُورَةَ اسْتِلْزامِ نَفْيِ الإغْناءِ عَنِ الجُوعِ إيّاهُ، بِخِلافِ العَكْسِ ولِذَلِكَ كَرَّرَ "لا" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ.

88:8Page 592

وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨

[Other] faces, that Day, will show pleasure.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ﴾ شُرُوعٌ في رِوايَةِ حَدِيثِ أهْلِ الجَنَّةِ، وتَقْدِيمُ حِكايَةِ حالِ أهْلِ النّارِ؛ لِأنَّهُ أدْخَلُ (p-150)

فِي تَهْوِيلِ الغاشِيَةِ وتَفْخِيمِ حَدِيثِها، ولِأنَّ حِكايَةَ حُسْنِ حالِ أهْلِ الجَنَّةِ بَعْدَ حِكايَةِ سُوءِ حالِ أهْلِ النّارِ مِمّا يَزِيدُ المَحْكِيَّ حُسْنًا وبَهْجَةً، والكَلامُ في إعْرابِ الجُمْلَةِ كالَّذِي مَرَّ في نَظِيرَتِها، وإنَّما لَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها إيْذانًا بِكَمالِ تَبايُنِ مَضْمُونَيْهِما، ومَعْنى "ناعِمَةٌ": ذاتُ بَهْجَةٍ وحُسْنٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ أوْ مُتَنَعِّمَةٌ.

88:9Page 592

لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩

With their effort [they are] satisfied

﴿لِسَعْيِها راضِيَةٌ﴾ أيْ: لِعَمَلِها الَّذِي عَمِلَتْهُ في الدُّنْيا حَيْثُ شاهَدَتْ ثَمَرَتَهُ.

88:10Page 592

فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠

In an elevated garden,

﴿فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ﴾ مُرْتَفِعَةِ المَحِلِّ أوْ عَلِيَّةِ المِقْدارِ.

88:11Page 592

لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١

Wherein they will hear no unsuitable speech.1

﴿لا تَسْمَعُ﴾ أيْ: أنْتَ أوِ الوُجُوهُ.

﴿فِيها لاغِيَةً﴾ لَغْوًا أوْ كَلِمَةً ذاتَ لَغْوٍ أوْ نَفْسًا تَلْغُو، فَإنَّ كَلامَ أهْلِ الجَنَّةِ كُلَّهُ أذْكارٌ وحِكَمٌ، وقُرِئَ "لا تُسْمَعُ" عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ بِالياءِ والتّاءِ ورَفْعِ "لاغِيَةً".

88:12Page 592

فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢

Within it is a flowing spring.

﴿فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ﴾ أيْ: عُيُونٌ كَثِيرَةٌ تَجْرِي مِياهُها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ﴾ .

88:13Page 592

فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣

Within it are couches raised high

﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ رَفِيعَةُ السَّمْكِ أوِ المِقْدارِ.

88:14Page 592

وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ ١٤

And cups put in place

﴿وَأكْوابٌ﴾ جَمْعُ كُوبٍ وهو إناءٌ لا عُرْوَةَ لَهُ.

﴿مَوْضُوعَةٌ﴾ أيْ: بَيْنَ أيْدِيهِمْ.

88:15Page 592

وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥

And cushions lined up

﴿وَنَمارِقُ﴾ وسائِدُ جَمْعُ نَمْرَقَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ.

﴿مَصْفُوفَةٌ﴾ بَعْضُها إلى بَعْضٍ.

88:16Page 592

وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦

And carpets spread around.

﴿وَزَرابِيُّ﴾ أيْ: بُسُطٌ فاخِرَةٌ، جَمْعُ زِرْبِيَّةٍ.

﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ أيْ: مَبْسُوطَةٌ.

88:17Page 592

أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧

Then do they not look at the camels - how they are created?

﴿أفَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما فُصِّلَ مِن حَدِيثِ الغاشِيَةِ وما هو مَبْنِيٌّ عَلَيْهِ مِنَ البَعْثِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ بِالأسْتِشْهادِ عَلَيْهِ بِما لا يَسْتَطِيعُونَ إنْكارَهُ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ وكَلِمَةُ "كَيْفَ" مَنصُوبَةٌ بِما بَعْدَها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ مُعَلَّقَةٌ لِفِعْلِ النَّظَرِ، والجُمْلَةُ في حَيِّزِ الجَرِّ عَلى أنَّها بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الإبِلِ أيْ: أيُنْكِرُونَ ما ذُكِرَ مِنَ البَعْثِ وأحْكامِهِ ويَسْتَبْعِدُونَ وُقُوعَهُ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَلا يَنْظُرُونَ إلى الإبِلِ الَّتِي هي نُصْبَ أعْيُنِهِمْ يَسْتَعْمِلُونَها كُلَّ حِينٍ إلى أنَّها كَيْفَ (p-151)

خُلِقَتْ خَلْقًا بَدِيعًا مَعْدُولًا بِهِ عَنْ سُنَنِ خِلْقَةِ سائِرِ أنْواعِ الحَيَواناتِ في عِظَمِ جُثَّتِها وشَدَّةِ قُوَّتِها، وعَجِيبِ هَيْأتِها اللّائِقَةِ بِتَأتِّي ما يَصْدُرُ عَنْها مِنَ الأفاعِيلِ الشّاقَّةِ، كالنَّوْءِ بِالأوْقارِ الثَّقِيلَةِ، وجَرِّ الأثْقالِ الفادِحَةِ إلى الأقْطارِ النّازِحَةِ، وفي صَبْرِها عَلى الجُوعِ والعَطَشِ حَتّى إنَّ أظَماءَها لَتَبْلُغُ العشْرَ فَصاعِدًا، واكْتِفائِها بِاليَسِيرِ ورَعْيِها لِكُلِّ ما يَتَيَسَّرُ مِن شَوْكٍ وشَجَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَكادُ يَرْعاهُ سائِرُ البَهائِمِ، وفي انْقِيادِها مَعَ ذَلِكَ لِلْإنْسانِ في الحَرَكَةِ والسُّكُونِ والبُرُوكِ والنُّهُوضِ حَيْثُ يَسْتَعْمِلُها في ذَلِكَ كَيْفَما يَشاءُ ويَقْتادُها بِقِطارِها كُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ.

88:18Page 592

وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨

And at the sky - how it is raised?

﴿وَإلى السَّماءِ﴾ الَّتِي يُشاهِدُونَها كُلَّ لَحْظَةٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.

﴿كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ رَفْعًا سَحِيقَ المَدى بِلا عِمادٍ ولا مِساكٍ، بِحَيْثُ لا يَنالُهُ الفَهْمُ والإدْراكُ.

88:19Page 592

وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩

And at the mountains - how they are erected?

﴿وَإلى الجِبالِ﴾ الَّتِي يَنْزِلُونَ في أقْطارِها ويَنْتَفِعُونَ بِمِياهِها وأشْجارِها.

﴿كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ نَصْبًا رَصِينًا فَهي راسِخَةٌ لا تَمِيلُ ولا تَمِيدُ.

88:20Page 592

وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠

And at the earth - how it is spread out?

﴿وَإلى الأرْضِ﴾ الَّتِي يَضْرِبُونَ فِيها ويَتَقَلَّبُونَ عَلَيْها.

﴿كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ سَطْحًا بِتَوْطِئَةٍ وتَمْهِيدٍ وتَسْوِيَةٍ وتَوْطِيدٍ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ صَلاحُ أُمُورِ ما عَلَيْها مِنَ الخَلائِقِ، وقُرِئَ "سُطِّحَتْ" مُشَدَّدًا، وقُرِئَتِ الأفْعالُ الأرْبَعَةُ عَلى بِناءِ الفاعِلِ لِلْمُتَكَلِّمِ وحَذْفِ الرّاجِعِ المَنصُوبِ، والمَعْنى: أفَلا يَنْظُرُونَ نَظَرَ التَّدَبُّرِ والأعْتِبارِ إلى كَيْفِيَّةِ خَلْقِ هَذِهِ المَخْلُوقاتِ الشّاهِدَةِ بِحَقِّيَةِ البَعْثِ والنُّشُورِ لِيَرْجِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ مِنَ الإنْكارِ والنُّفُورِ ويَسْمَعُوا إنْذارَكَ ويَسْتَعِدُّوا لِلِقائِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

88:21Page 592

فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ ٢١

So remind, [O Muḥammad]; you are only a reminder.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ بِالتَّذْكِيرِ عَلى ما يُنْبِئُ عَنْهُ الإنْكارُ السّابِقُ مِن عَدَمِ النَّظَرِ، أيْ: فاقْتَصِرْ عَلى التَّذْكِيرِ ولا تُلِحَّ عَلَيْهِمْ ولا يُهِمَّنَّكَ أنَّهم لا يَنْظُرُونَ ولا يَتَذَكَّرُونَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ.

88:22Page 592

لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ ٢٢

You are not over them a controller.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ تَقْرِيرٌ لَهُ وتَحْقِيقٌ لِمَعْنى الإنْذارِ أيْ: لَسْتَ بِمُتَسَلِّطٍ عَلَيْهِمْ تَجْبُرُهم عَلى ما تُرِيدُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وقُرِئَ بِالسِّينِ عَلى الأصْلِ وبِالإشْمامِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الطّاءِ قِيلَ هي لُغَةُ بَنِي تَمْتَمَ فَإنَّ "سَيْطَرَ" عِنْدَهم مُتَعَدٍ ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تُسَيْطِرُ.

88:23Page 592

إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ ٢٣

However, he who turns away and disbelieves –

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن تَوَلّى وكَفَرَ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنْ مَن تَوَلّى مِنهم فَإنَّ لِلَّهِ تَعالى الوِلايَةَ والقَهْرَ.

88:24Page 592

فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ ٢٤

Then Allāh will punish him with the greatest punishment.

(p-152)﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذابَ الأكْبَرَ﴾ الَّذِي هو عَذابُ جَهَنَّمَ. وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ﴾ أيْ: فَذَكِّرْ إلّا مَن انْقَطَعَ طَمَعُكَ مِن إيمانِهِ وتَوَلّى فاسْتَحَقَّ العَذابَ الأكْبَرَ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ ويَعْضُدُ الأوَّلَ أنَّهُ قُرِئَ "ألا" عَلى التَّنْبِيهِ.

88:25Page 592

إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ ٢٥

Indeed, to Us is their return.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إلَيْنا إيابَهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَعْذِيبِهِ تَعالى بِالعَذابِ الأكْبَرِ، أيْ: إنَّ إلَيْنا رُجُوعَهم بِالمَوْتِ والبَعْثِ لا إلى أحَدٍ سِوانا، لا اسْتِقْلالأ ولا اشْتِراكًا، وجَمْعُ الضَّمِيرِ فِيهِ وفِيما بَعْدَهُ بِاعْتِبارِ مَعْنى "مَن" كَما أنَّ إفْرادَهُ فِيما سَبَقَ بِاعْتِبارِ لَفْظِها، وقُرِئَ "إيّابَهُمْ" عَلى أنَّهُ فِيْعالٌ مَصْدَرُ فَيْعَلٍ مِنَ الإيابِ، أوْ فِعالٌ مِن أوَبَ كَفِسارٍ مَن فَسَرَ، ثُمَّ قِيلَ: "إيْوابًا" كَدِيُوانٍ في دِوّانٍ ثُمَّ قُلِبَتِ الواوُ ياءً فَأُدْغِمَتِ الياءُ الأُولى في الثّانِيَةِ.

88:26Page 592

ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم ٢٦

Then indeed, upon Us is their account.

﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ في المَحْشَرِ لا عَلى غَيْرِنا و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي في الرُّتْبَةِ لا في الزَّمانِ، فَإنَّ التَّرَتُّبَ الزَّمانِيَّ بَيْنَ إيابِهِمْ وحِسابِهِمْ لا بَيْنَ كَوْنِ إيابِهِمْ إلَيْهِ تَعالى وحِسابِهِمْ عَلَيْهِ تَعالى، فَإنَّهُما أمْرانِ مُسْتَمِرّانِ، وفي تَصْدِيرِ الجُمْلَتَيْنِ بِأنَّ وتَقْدِيمِ خَبَرِها وعَطْفِ الثّانِيَةِ عَلى الأُولى بِكَلِمَةِ "ثُمَّ" المُفِيدَةِ لِبُعْدِ مَنزِلَةِ الحِسابِ في الشِّدَّةِ مِنَ الإنْباءِ عَنْ غايَةِ السُّخْطِ المُوجِبِ لِتَشْدِيدِ العَذابِ ما لا يَخْفى.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ « "مَن قَرَأ سُورَةَ الغاشِيَةِ يُحاسِبُهُ اللَّهُ تَعالى حِسابًا يَسِيرًا".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском