Abu as-Su'udAn‑Naml · 27:1–17

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

النمل

An-Naml

The Ant · Meccan · 93 ayahs

27:1Page 377

طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ ١

Ṭā, Seen.1 These are the verses of the Qur’ān [i.e., recitation] and a clear Book

(سُورَةُ النَّمْلِ مَكِّيَّةٌ وهي ثَلاثٌ أوْ أرْبَعٌ وتِسْعُونَ آيَةً )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿طس﴾ بِالتَّفْخِيمِ، وقُرِئَ بِالإمالَةِ. والكَلامُ فِيهِ كالَّذِي مَرَّ في نَظائِرِهِ مِنَ الفَواتِحِ الشَّرِيفَةِ، ومَحَلُّهُ - عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ اسْمًا لِلسُّورَةِ وهو الأظْهَرُ الأشْهَرُ - الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: هَذا " طس" أيْ: مُسَمّى بِهِ، والإشارَةُ إلَيْهِ قَبْلَ ذِكْرِهِ قَدْ مَرَّ وجْهُها في فاتِحَةِ (سُورَةِ يُونُسَ ) وغَيْرِها، ورَفْعُهُ بِالِابْتِداءِ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ خَبَرُهُ ضَعِيفٌ لِما ذُكِرَ هُناكَ.

﴿تِلْكَ﴾ إشارَةٌ إلى نَفْسِ السُّورَةِ لِأنَّها الَّتِي نَوَّهَتْ بِذِكْرِ اسْمِها لا إلى آياتِها لِعَدَمِ ذِكْرِها صَرِيحًا لِأنَّ إضافَتَها إلَيْها تَأْبى إضافَتَها إلى القرآن كَما سَيَأْتِي. وما في اسْمِ الإشارَةِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ لِلْإيذانِ بِبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الِابْتِداءِ خَبَرُهُ ﴿آياتُ القرآن﴾ والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما أفادَهُ التَّسْمِيَةُ مِن نَباهَةِ شَأْنِ المُسَمّى. والقرآن عِبارَةٌ عَنِ الكُلِّ، أوْ عَنِ الجَمِيعِ المُنَزَّلِ عِنْدَ نُزُولِ السُّورَةِ حَسَبَما ذُكِرَ في فاتِحَةِ الكِتابِ، أيْ: تِلْكَ السُّورَةُ آياتُ القرآن المَعْرُوفِ بِعُلُوِّ الشَّأْنِ، أيْ: بَعْضٌ مِنهُ مُتَرْجَمٌ مُسْتَقِلٌّ بِاسْمٍ خاصٍّ.

﴿وَكِتابٍ﴾ أيْ: كِتابٌ عَظِيمُ الشَّأْنِ ﴿مُبِينٍ﴾ مُظْهِرٌ لِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ وأحْوالِ الآخِرَةِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الثَّوابُ والعِقابُ، أوْ لِسَبِيلِ الرُّشْدِ والغَيِّ، أوْ فارِقٍ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ والحَلالِ والحَرامِ، أوْ ظاهِرُ الإعْجازِ عَلى أنَّهُ مِن أبانَ بِمَعْنى بانَ، ولَقَدْ فَخَّمَ شَأنَهُ الجَلِيلَ بِما جَمَعَ فِيهِ مِن وصْفِ القرآنيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنْ كَوْنِهِ بَدِيعًا في بابِهِ مُمْتازًا عَنْ غَيْرِهِ بِالنَّظْمِ المُعْجِزِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، ووَصْفُ الكِتابِيَّةِ المُعْرِبَةِ عَنِ اشْتِمالِهِ عَلى صِفاتِ كَمالِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ فَكَأنَّهُ كُلُّها، وقَدَّمَ الوَصْفَ الأوَّلَ هَهُنا نَظَرًا إلى تَقَدُّمِ حالِ القرآنيَّةِ عَلى (p-272)حالِ الكِتابِيَّةِ، وعَكَسَ في (سُورَةِ الحِجْرِ ) نَظَرًا إلى ما ذُكِرَ هُناكَ مِنَ الوَجْهِ. وما قِيلَ مِن أنَّ الكِتابَ هو اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وإبانَتُهُ أنَّهُ خَطَّ فِيهِ ما هو كائِنٌ فَهو يُبَيِّنُهُ لِلنّاظِرِينَ فِيهِ لا يُساعِدُهُ إضافَةُ الآياتِ إلَيْهِ إذْ لا عَهْدَ بِاشْتِمالِهِ عَلى الآياتِ، ولا وصْفِهِ بِالهِدايَةِ والبِشارَةِ إذْ هُما بِاعْتِبارِ إبانَتِهِ فَلا بُدَّ مِنِ اعْتِبارِها بِالنِّسْبَةِ إلى النّاسِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ المُؤْمِنُونَ إلّا إلى النّاظِرِينَ فِيهِ. وقُرِئَ: "وَكِتابُ" بِالرَّفْعِ عَلى حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ، أيْ: وآياتُ كِتابٍ مُبِينٍ.

27:2Page 377

هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢

As guidance and good tidings for the believers

﴿هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ الآياتِ عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ أُقِيما مَقامَ الفاعِلِ لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّهُما نَفْسُ الهُدى والبِشارَةِ، والعامِلُ مَعْنى الإشارَةِ، أيْ: هادِيَةٌ ومُبَشِّرَةٌ، أوِ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُما بَدَلانِ مِنَ الآياتِ، أوْ خَبَرانِ آخَرانِ لِتِلْكَ، أوْ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ومَعْنى هِدايَتِها لَهم وهُمُ مُهْتَدُونَ أنَّها تَزِيدُهم هُدًى، قالَ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا وهم يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وأمّا مَعْنى تَبْشِيرِها إيّاهم فَظاهِرٌ لِأنَّها تُبَشِّرُهم بِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ.

27:3Page 377

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ ٣

Who establish prayer and give zakāh, and of the Hereafter they are certain [in faith].

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ صِفَةٌ مادِحَةٌ لَهم، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما قَرِينَتا الإيمانِ وقُطْرا العِباداتِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ مُسْتَتْبِعانِ لِسائِرِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهم بِالآخِرَةِ هم يُوقِنُونَ﴾ جُمْلَةٌ اعْتِراضِيَّةٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: وهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ هُمُ المُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ حَقَّ الإيقانِ لا مَن عَداهم، لِأنَّ تَحَمُّلَ مَشاقِّ العِباداتِ لِخَوْفِ العِقابِ ورَجاءِ الثَّوابِ، أوْ هو مِن تَتِمَّةِ الصِّلَةِ والواوُ حالِيَّةٌ، أوْ عاطِفَةٌ لَهُ عَلى الصِّلَةِ الأُولى، وتَغْيِيرُ نَظْمِهِ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ يَقِينِهِمْ وثَباتِهِ وأنَّهم أوْحَدِيُّونَ فِيهِ.

27:4Page 377

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ ٤

Indeed, for those who do not believe in the Hereafter, We have made pleasing to them their deeds, so they wander blindly.

﴿إنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ بَيانٌ لِأحْوالِ الكَفَرَةِ بَعْدَ بَيانِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ، أيْ: لا يُؤْمِنُونَ بِها وبِما فِيها مِنَ الثَّوابِ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ والعِقابِ عَلى السَّيِّئاتِ حَسَبَما يَنْطِقُ بِهِ القرآن.

﴿زَيَّنّا لَهم أعْمالَهُمْ﴾ القَبِيحَةَ حَيْثُ جَعَلْناها مُشْتَهاةً لِلطَّبْعِ مَحْبُوبَةً لِلنَّفْسِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ ﷺ: ﴿حُفَّتِ النّارُ بِالشَّهَواتِ﴾، أوِ الأعْمالَ الحَسَنَةَ بِبَيانِ حُسْنِها في أنْفُسِها حالًا واسْتِتْباعِها لِفُنُونِ المَنافِعِ مَآلًا وإضافَتُها إلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ أمْرِهِمْ بِها وإيجابِها عَلَيْهِمْ.

﴿فَهم يَعْمَهُونَ﴾ يَتَحَيَّرُونَ ويَتَرَدَّدُونَ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، فَمَعَ الِاشْتِغالِ بِها والِانْهِماكِ فِيها مِن غَيْرِ مُلاحَظَةٍ لِما يَتْبَعُها مِن نَفْعٍ وضَرٍّ أوْ في الضَّلالِ والإعْراضِ عَنْها، والفاءُ عَلى الأوَّلِ لِتَرْتِيبِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ، وعَلى الثّانِي لِتَرْتِيبٍ ضِدِّ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ كَما في قَوْلِكَ: وعَظْتُهُ فَلَمْ يَتَّعِظْ، وفِيهِ إيذانٌ بِكَمالِ عُتُوِّهِمْ ومُكابَرَتِهِمْ وتَعْكِيسِهِمْ في الأُمُورِ.

27:5Page 377

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥

Those are the ones for whom there will be the worst of punishment, and in the Hereafter they are the greatest losers.

﴿أُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَذْكُورِينَ، وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، أيْ: أُولَئِكَ المَوْصُوفُونَ بِالكُفْرِ والعَمَهِ ﴿الَّذِينَ لَهم (p-273)سُوءُ العَذابِ﴾ أيْ: في الدُّنْيا كالقَتْلِ والأسْرِ يَوْمَ بَدْرٍ.

﴿وَهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾ أيْ: أشَدُّ النّاسِ خُسْرانًا لِفَواتِ الثَّوابِ واسْتِحْقاقِ العِقابِ.

27:6Page 377

وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ ٦

And indeed, [O Muḥammad], you receive the Qur’ān from one Wise and Knowing.

﴿وَإنَّكَ لَتُلَقّى القرآن﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ قَدْ سِيقَ بَعْدَ بَيانِ بَعْضِ شُئُونِ القرآن الكَرِيمِ تَمْهِيدًا لِما يُعْقِبُهُ مِنَ الأقاصِيصِ، وتَصْدِيرُهُ بِحَرْفَيِ التَّأْكِيدِ لِإبْرازِ كَمالِ العِنايَةِ بِمَضْمُونِهِ، أيْ: لِتُؤْتاهُ بِطَرِيقِ التَّلْقِيَةِ والتَّلْقِينِ.

﴿مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ أيْ: أيُّ حَكِيمٍ وأيُّ عَلِيمٍ، وفي تَفْخِيمِهِما تَفْخِيمٌ لِشَأْنِ القرآن وتَنْصِيصٌ عَلى عُلُوِّ طَبَقَتِهِ ﷺ في مَعْرِفَتِهِ والإحاطَةِ بِما فِيهِ مَنِ الجَلائِلِ والدَّقائِقِ، فَإنَّ مَن تَلَقّى العُلُومَ والحِكَمَ مِن مِثْلِ ذَلِكَ الحَكِيمِ العَلِيمِ يَكُونُ عَلَمًا في رَصانَةِ العِلْمِ والحِكْمَةِ والجَمْعِ بَيْنَهُما مَعَ دُخُولِ العِلْمِ في الحِكْمَةِ لِعُمُومِ العِلْمِ ودَلالَةِ الحِكْمَةِ عَلى إتْقانِ الفِعْلِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّ ما في القرآن مِنَ العُلُومِ مِنها ما هو حِكْمَةٌ كالعَقائِدِ والشَّرائِعِ ومِنها ما لَيْسَ كَذَلِكَ كالقِصَصِ والأخْبارِ الغَيْبِيَّةِ.

27:7Page 377

إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧

[Mention] when Moses said to his family, "Indeed, I have perceived a fire. I will bring you from there information or will bring you a burning torch that you may warm yourselves."

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ مُوسى لأهْلِهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ بِمُضْمَرٍ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وأُمِرَ بِتِلاوَةِ بَعْضٍ مِنَ القرآن الَّذِي يَلْقاهُ ﷺ مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ تَقْرِيرًا لِما قَبْلَهُ وتَحْقِيقًا لَهُ، أيْ: أذْكُرُ لَهم وقْتَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأهْلِهِ في وادِي طُوى وقَدْ غَشِيتْهم ظُلْمَةُ اللَّيْلِ وقَدَحَ فَأصْلَدَ زَنْدُهُ فَبَدا لَهُ مِن جانِبٍ الطُّورِ نارٌ ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا سَآتِيكم مِنها بِخَبَرٍ﴾ أيْ: عَنْ حالِ الطَّرِيقِ وقَدْ كانُوا ضَلُّوهُ، والسِّينُ لِلدَّلالَةِ عَلى نَوْعِ بُعْدٍ في المَسافَةِ وتَأْكِيدِ الوَعْدِ، والجَمْعُ إنْ صَحَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلّا امْرَأتُهُ لَمّا كَنّى عَنْها بِالأهْلِ، أوْ لِلتَّعْظِيمِ مُبالَغَةً في التَّسْلِيَةِ.

﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ﴾ بِتَنْوِينِهِما عَلى أنَّ الثّانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ، أوْ صِفَةٌ لَهُ لِأنَّهُ بِمَعْنى مَقْبُوسٍ، أيْ: بِشُعْلَةِ نارٍ مَقْبُوسَةٍ، أيْ: مَأْخُوذَةٌ مِن أصْلِها، وقُرِئَ بِالإضافَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمُرادُ تَعْيِينُ المَقْصُودِ الَّذِي هو القَبَسُ الجامِعُ لِمَنفَعَتَيِ الضِّياءِ والِاصْطِلاءِ لِأنَّ مِنَ النّارِ ما لَيْسَ بِقَبَسٍ كالجَمْرِ، وكِلْتا العُدَّتَيْنِ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِطَرِيقِ الظَّنِّ كَما يُفْصِحُ عَنْ ذَلِكَ ما في (سُورَةِ طه ) مِن صِيغَةِ التَّرَجِّي، والتَّرْدِيدُ لِلْإيذانِ بِأنَّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرْ بِهِما لَمْ يَعْدِمْ أحَدَهُما بِناءً عَلى ظاهِرِ الأمْرِ وثِقَةً بِسُنَّةِ اللَّهِ تَعالى فَإنَّهُ تَعالى لا يَكادُ يَجْمَعُ عَلى عَبْدِهِ حَرْمانَيْنِ.

﴿لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ رَجاءَ أنْ تَسْتَدْفِئُوا بِها، والصِّلاءُ: النّارُ العَظِيمَةُ.

27:8Page 377

فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨

But when he came to it, he was called, "Blessed is whoever is at the fire and whoever is around it. And exalted is Allāh, Lord of the worlds.

﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ﴾ مِن جانِبِ الطُّورِ ﴿أنْ بُورِكَ﴾ مَعْناهُ: أيْ بُورِكَ عَلى أنَّ "أنْ" مُفَسِّرَةٌ لِما في النِّداءِ مِن مَعْنى القَوْلِ، أوْ بِأنَّ بُورِكَ عَلى أنَّها مَصْدَرِيَّةٌ حُذِفَ عَنْها الجارُّ جَرْيًا عَلى القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ. وقِيلَ: مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ولا ضَيْرَ في فُقْدانِ التَّعْوِيضِ بِلا أوْ قَدَ أوِ السِّينِ أوْ سَوْفَ لِما أنَّ الدُّعاءَ يُخالِفُ غَيْرَهُ في كَثِيرٍ مِنَ الأحْكامِ.

﴿مَن في النّارِ ومَن حَوْلَها﴾ أيْ: مَن في مَكانِ النّارِ، وهي البُقْعَةُ المُبارَكَةُ المَذْكُورَةُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿نُودِيَ مِن (p-274)شاطِئِ الوادِ الأيْمَنِ في البُقْعَةِ المُبارَكَةِ﴾ ومِن حَوْلِ مَكانِها. وقُرِئَ: "تَبارَكَتِ الأرْضُ ومَن حَوْلَها" . والظّاهِرُ عُمُومُهُ لِكُلِّ مَن في ذَلِكَ الوادِي وحَوالَيْهِ مِن أرْضِ الشّامِ المَوْسُومَةِ بِالبَرَكاتِ لِكَوْنِها مَبْعَثَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ وكِفاتَهم أحْياءً وأمْواتًا، ولا سِيَّما تِلْكَ البُقْعَةُ الَّتِي كَلَّمَ اللَّهُ تَعالى فِيها مُوسى، وقِيلَ: المُرادُ: مُوسى والمَلائِكَةُ الحاضِرُونَ. وتَصْدِيرُ الخِطابُ بِذَلِكَ بِشارَةٌ بِأنَّهُ قَدْ قَضى لَهُ أمْرٌ عَظِيمٌ دِينِيٌّ تَنْتَشِرُ بَرَكاتُهُ في أقْطارِ الشّامِ وهو تَكْلِيمُهُ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ واسْتِنْباؤُهُ لَهُ وإظْهارُ المُعْجِزاتِ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

﴿وَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العالَمِينَ﴾ تَعْجِيبٌ لِمُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن ذَلِكَ وإيذانٌ بِأنَّ ذَلِكَ مُرِيدُهُ ومُكَوِّنُهُ رَبُّ العالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الكائِنَ مِن جَلائِلِ الأُمُورِ وعَظائِمِ الشَّئُونِ ومِن أحْكامِ تَرْبِيَتِهِ تَعالى لِلْعالَمِينَ.

27:9Page 377

يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩

O Moses, indeed it is I - Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

﴿يا مُوسى إنَّهُ أنا اللَّهُ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ آثارِ البَرَكَةِ المَذْكُورَةِ، والضَّمِيرُ إمّا لِلشَّأْنِ و"أنا اللَّهُ" جُمْلَةٌ مُفَسِّرَةٌ لَهُ، وإمّا راجِعٌ إلى المُتَكَلِّمِ و"أنا" خَبَرُهُ و"اللَّهُ" بَيانٌ لَهُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ صِفَتانِ لِلَّهِ تَعالى مُمَهِّدَتانِ لِما أُرِيدَ إظْهارُهُ عَلى يَدِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ، أيْ: أنا القَوِيُّ القادِرُ عَلى ما لا تَنالُهُ الأوْهامُ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُ العَصا واليَدُ والفاعِلُ كُلُّ ما أفْعَلُهُ بِحِكْمَةٍ بالِغَةٍ وتَدْبِيرٍ رَصِينٍ.

27:10Page 377

وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠

And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it were a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, fear not. Indeed, in My presence the messengers do not fear.

﴿وَألْقِ﴾ عَطْفٌ عَلى بُورِكَ مُنْتَظِمٌ مَعَهُ في سِلْكَ تَفْسِيرِ النِّداءِ، أيْ: نُودِيَ أنْ بُورِكَ وأنْ ألْقِ ﴿عَصاكَ﴾ حَسَبَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ ألْقِ عَصاكَ﴾ بِتَكْرِيرِ حَرْفِ التَّفْسِيرِ كَما تَقُولُ: كَتَبْتُ إلَيْهِ أنْ حُجَّ وأنِ اعْتَمِرْ وإنْ شِئْتَ أنْ حُجَّ واعْتَمِرْ.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ﴾ فَصِيحَةٌ تُفْصِحُ عَنْ جُمْلَةٍ قَدْ حُذِفَتْ ثِقَةً بِظُهُورِها ودَلالَةً عَلى سُرْعَةِ وُقُوعِ مَضْمُونِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: فَألْقاها فانْقَلَبَ حَيَّةً تَسْعى فَأبْصَرَها فَلَمّا أبْصَرَها مُتَحَرِّكَةً بِسُرْعَةٍ واضْطِرابٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَأنَّها جانٌّ﴾ أيْ: حَيَّةٌ خَفِيفَةٌ سَرِيعَةُ الحَرَكَةِ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، إمّا مِن مَفْعُولِ رَأى مِثْلُ تَهْتَزُّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ، أوْ مِن ضَمِيرِ تَهْتَزُّ عَلى طَرِيقَةِ التَّداخُلِ. وقُرِئَ: "جَأْنٌ" عَلى لُغَةِ مَن جَدَّ في الهَرَبِ مِنَ التِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

﴿وَلّى مُدْبِرًا﴾ مِنَ الخَوْفِ ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أيْ: لَمْ يَرْجِعْ عَلى عَقِبِهِ مِن عَقَّبَ المُقاتِلُ: إذا كَرَّ بَعْدَ الفَرِّ، وإنَّما اعْتَراهُ الرُّعْبُ لِظَنِّهِ أنَّ ذَلِكَ لِأمْرٍ أُرِيدَ بِهِ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا مُوسى لا تَخَفْ﴾ أيْ: مِن غَيْرِي ثِقَةً بِي أوْ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الخَوْفِ عَنْهم مُطْلَقًا لَكِنْ لا في جَمِيعِ الأوْقاتِ بَلْ حِينَ يُوحى إلَيْهِمْ كَوَقْتِ الخِطابِ فَإنَّهم حِينَئِذٍ مُسْتَغْرِقُونَ في مُطالَعَةِ شُئُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا يَخْطُرُ بِبالِهِمْ خَوْفٌ مِن أحَدٍ أصْلًا، وأمّا في سائِرِ الأحْيانِ فَهم أخْوَفُ النّاسِ مِنهُ سُبْحانَهُ، أوْ لا يَكُونُ لَهم عِنْدِي سُوءُ عاقِبَةٍ لِيَخافُوا مِنهُ.

27:11Page 377

إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١

Otherwise, he who wrongs, then substitutes good after evil - indeed, I am Forgiving and Merciful.

(p-275)﴿إلا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ اسْتَدْرَكَ بِهِ ما عَسى يَخْتَلِجُ في الخُلْدِ مِن نَفْيِ الخَوْفِ عَنْ كُلِّهِمْ مَعَ أنَّ مِنهم مَن فَرَّطَتْ مِنهُ صَغِيرَةٌ ما مِمّا يَجُوزُ صُدُورُهُ عَنِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهم وإنْ صَدَرَ عَنْهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلُوا عَقِيبَهُ ما يُبْطِلُهُ ويَسْتَحِقُّونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى مَغْفِرَةً ورَحْمَةً، وقَدْ قَصَدَ بِهِ التَّعْرِيضَ بِما وقَعَ مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن وكْزِهِ القِبْطِيَّ والِاسْتِغْفارِ وتَسْمِيَتِها ظُلْمًا لِقَوْلِهِ ﷺ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ .

27:12Page 377

وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ١٢

And put your hand into the opening of your garment [at the breast]; it will come out white without disease. [These are] among the nine signs [you will take] to Pharaoh and his people. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."

﴿وَأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ لِأنَّهُ كانَ مُدَرَّعَةَ صُوفٍ لا كُمَّ لَها، وقِيلَ: الجَيْبُ: القَمِيصُ لِأنَّهُ يُجابُ، أيْ يُقْطَعُ.

﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ أيْ: آفَةٌ كَبَرَصٍ ونَحْوِهِ ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ﴾ في جُمْلَتِها أوْ مَعَها، عَلى أنَّ التِّسْعَ هي: الفَلْقُ، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقُمَّلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، والطَّمْسَةُ، والجَدْبُ في بَوادِيهِمْ، والنُّقْصانُ في مَزارِعِهِمْ، ولِمَن عَدَّ العَصا واليَدَ مِنَ التِّسْعِ أنْ يُعَدَّ الأخِيرَيْنِ واحِدًا ولا يُعَدُّ الفَلْقُ مِنها لِأنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، أوِ اذْهَبْ في تِسْعِ آياتٍ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ بِالإرْسالِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ ﴿إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ وعَلى الأوَّلَيْنِ يَتَعَلَّقُ بِنَحْوِ مَبْعُوثًا أوْ مُرْسَلًا.

﴿إنَّهم كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْإرْسالِ، أيْ: خارِجِينَ عَنِ الحُدُودِ في الكُفْرِ والعُدْوانِ.

27:13Page 377

فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١٣

But when there came to them Our visible signs, they said, "This is obvious magic."

﴿فَلَمّا جاءَتْهم آياتُنا﴾ وظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى ﴿مُبْصِرَةً﴾ بَيِّنَةً اسْمُ فاعِلٍ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ إشْعارًا بِأنَّها لِفَرْطِ وُضُوحِها وإنارَتِها كَأنَّها تُبْصِرُ نَفْسَها لَوْ كانَتْ مِمّا يُبْصِرُ، أوْ ذاتُ تَبَصُّرٍ مِن حَيْثُ أنَّها تَهْدِي والعُمْيَ لا تَهْتَدِي فَضْلًا عَنِ الهِدايَةِ، أوْ مُبْصِرَةٌ كُلَّ مَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَتَأمَّلُ فِيها. وقُرِئَ: "مَبْصَرَةً" أيْ: مَكانًا يَكْثُرُ فِيهِ التَّبَصُّرُ.

﴿قالُوا هَذا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ واضِحٌ سِحْرِيَّتُهُ.

27:14Page 378

وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤

And they rejected them, while their [inner] selves were convinced thereof, out of injustice and haughtiness. So see how was the end of the corrupters.

﴿وَجَحَدُوا بِها﴾ أيْ: كَذَّبُوا بِها ﴿واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ الواوُ لِلْحالِ، أيْ: وقَدِ اسْتَيْقَنَتْها، أيْ: عَلِمَتْها أنْفُسُهم عِلْمًا يَقِينِيًّا.

﴿ظُلْمًا﴾ أيْ: لِلْآياتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ ولَقَدْ ظَلَمُوا بِها أيَّ ظُلْمٍ حَيْثُ حَطُّوها عَنْ رُتْبَتِها العالِيَةِ وسَمَّوْها سِحْرًا. وقِيلَ: ظُلْمًا لِأنْفُسِهِمْ ولَيْسَ بِذاكَ.

﴿وَعُلُوًّا﴾ أيِ: اسْتِكْبارًا عَنِ الإيمانِ بِها كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ وانْتِصابُهُما إمّا عَلى العِلَّةِ مَن جَحَدُوا بِها، أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِهِ، أيْ: جَحَدُوا بِها ظالِمِينَ لَها مُسْتَكْبِرِينَ عَنْها.

﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾ مِنَ الإغْراقِ عَلى الوَجْهِ الهائِلِ الَّذِي هو عِبْرَةٌ لِلْعالَمِينَ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ عُرْضَةٌ لِكُلِّ ناظِرٍ مَشْهُورٍ فِيما بَيْنَ كُلِّ بادٍ وحاضِرٍ.

27:15Page 378

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥

And We had certainly given to David and Solomon knowledge, and they said, "Praise [is due] to Allāh, who has favored us over many of His believing servants."

(p-276)﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْمًا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ ما سَبَقَ مِن أنَّهُ ﷺ يُلَقّى القرآن مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ، فَإنَّ قِصَّتَهُما عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن جُمْلَةِ القرآن الكَرِيمِ لَقِيَهُ ﷺ مِن لَدُنْهُ تَعالى كَقِصَّةِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَصْدِيرُهُ بِالقَسَمِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِتَحْقِيقِ مَضْمُونِهِ، أيْ: آتَيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما طائِفَةً مِنَ العِلْمِ لائِقَةً بِهِ مِن عِلْمِ الشَّرّائِعِ والأحْكامِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَخْتَصُّ بِكُلِّ مِنهُما كَصَنْعَةِ لَبُوسٍ ومَنطِقِ الطَّيْرِ، أوْ عِلْمًا سَنِيًّا عَزِيزًا.

﴿وَقالا﴾ أيْ: قالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شُكْرًا لِما أُوتِيهِ مِنَ العِلْمِ ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنا﴾ بِما آتانا مِنَ العِلْمِ ﴿عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى أنَّ عِبارَةَ كُلٍّ مِنهُما فَضَّلَنِي إلّا أنَّهُ عَبَّرَ عَنْهُما عِنْدَ الحِكايَةِ بِصِيغَةِ المُتَكَلِّمِ مَعَ الغَيْرِ إيجازًا، فَإنَّ حِكايَةَ الأقْوالِ المُتَعَدِّدَةِ سَواءٌ كانَتْ صادِرَةً عَنِ المُتَكَلِّمِ أوْ عَنْ غَيْرِهِ بِعِبارَةٍ جامِعَةٍ لِلْكُلٍّ مِمّا لَيْسَ بِعَزِيزٍ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا﴾ وقَدْ مَرَّ في (سُورَةِ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ) وبِهَذا ظَهَرَ حُسْنُ مَوْقِعِ العَطْفِ بِالواوِ؛ إذِ المُتَبادَرُ مِنَ العَطْفِ بِالفاءِ تَرَتَّبَ حَمْدَ كُلٍّ مِنهُما عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ كُلٌّ مِنهُما لا عَلى إيتاءِ ما أُوتِيَ نَفْسُهُ فَقَطْ. وقِيلَ: في العَطْفِ بِالواوِ إشْعارٌ بِأنَّ ما قالاهُ بَعْضُ ما أحْدَثَ فِيهِما إيتاءُ العِلْمِ وشَيْءٌ مِن مُواجِبِهِ فَأضْمَرَ ذَلِكَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ التَّحْمِيدُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَقَدْ آتَيْناهُما عِلْمًا فَعَمِلا بِهِ وعَلِمْناهُ وعَرَفا حَقَّ النِّعْمَةِ فِيهِ ﴿ "وَقالا الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ .." الآيَةُ، فَتَأمَّلْ، والكَثِيرُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَن لَمْ يُؤْتَ مِثْلَ عِلْمِهِما، وقِيلَ مَن لَمْ يُؤْتَ عِلْمًا ويَأْباهُ تَبْيِينُ الكَثِيرِ بِالمُؤْمِنِينَ فَإنَّ خُلُوَّهم مِنَ العِلْمِ بِالمَرَّةِ مِمّا لا يُمْكِنُ، وفي تَخْصِيصِها الأكْثَرَ بِالذِّكْرِ رَمْزٌ إلى أنَّ البَعْضَ مُفَضَّلُونَ عَلَيْهِما، وفِيهِ أوْضَحِ دَلِيلٍ عَلى فَضْلِ العِلْمِ وشَرَفِ أهْلِهِ حَيْثُ شَكَرا عَلى العِلْمِ وجَعَلاهُ أساسَ الفَضْلِ ولَمْ يَعْتَبِرا دُونَهُ ما أُوتِيا مِنَ المُلْكِ الَّذِي لَمْ يُؤْتَهُ غَيْرُهُما، وتَحْرِيضٌ لِلْعُلَماءِ عَلى أنْ يَحْمَدُوا اللَّهَ تَعالى عَلى ما آتاهم مِن فَضْلِهِ ويَتَواضَعُوا ويَعْتَقِدُوا أنَّهم وإنْ فُضِّلُوا عَلى كَثِيرٍ فَقَدْ فُضِّلَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ونِعِمّا قالَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "كُلُّ النّاسِ أفْقَهُ مِن عُمْرَ" .

27:16Page 378

وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

And Solomon inherited David. He said, "O people, we have been taught the language of birds, and we have been given from all things. Indeed, this is evident bounty."

﴿وَوَرِثَ سُلَيْمانُ داوُدَ﴾ أيِ: النُّبُوَّةَ والعِلْمَ، أوِ المُلْكَ بِأنْ قامَ مَقامَهُ في ذَلِكَ دُونَ سائِرِ بَنِيهِ وكانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ.

﴿وَقالَ﴾ تَشْهِيرًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى وتَنْوِيهًا بِها ودُعاءً لِلنّاسِ إلى التَّصْدِيقِ بِذِكْرِ المُعْجِزاتِ الباهِرَةِ الَّتِي أُوتِيَها.

﴿يا أيُّها النّاسُ عُلِّمْنا مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِينا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ المَنطِقُ في المُتَعارَفِ كُلُّ لَفْظٍ يُعَبَّرُ بِهِ عَمّا في الضَّمِيرِ مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا، وقَدْ يُطْلِقُ عَلى كُلِّ ما يُصَوَّتُ بِهِ مِنَ المُفْرَدِ والمُؤَلَّفِ المُفِيدِ وغَيْرِ المُفِيدِ يُقالُ: نَطَقَتِ الحَمامَةُ وكُلُّ صِنْفٍ مِن أصْنافِ الطَّيْرِ يُتَفاهَمُ أصْواتُهُ، والَّذِي عُلِّمَهُ سُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن مَنطِقِ الطَّيْرِ هو ما يُفْهَمُ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ مِن مَعانِيهِ وأغْراضِهِ. ويُحْكى أنَّهُ مَرَّ عَلى بُلْبُلٍ في شَجَرَةٍ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ ويُمِيلُ ذَنَبَهُ فَقالَ لِأصْحابِهِ: أتُدْرُونَ ما يَقُولُ ؟ قالُوا: اللَّهُ ونَبِيُّهُ أعْلَمُ، قالَ: (p-277)يَقُولُ: إذا أكَلْتُ نِصْفَ تَمْرَةٍ فَعَلى الدُّنْيا العَفاءُ، وصاحَتْ فاخِتَةٌ فَأخْبَرَ أنَّها تَقُولُ لَيْتَ الخَلْقَ لَمْ يُخْلَقُوا، وصاحَ طاوُسٌ فَقالَ: يَقُولُ: كَما تَدِينُ تُدانُ، وصاحَ هُدْهُدٌ فَقالَ: يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ يا مُذْنِبِينَ، وصاحَ طَيْطَوى فَقالَ: يَقُولُ: كُلُّ حَيٍّ مَيِّتٌ وكُلُّ جَدِيدٍ بالٍ، وصاحَ خُطّافٌ فَقالَ: يَقُولُ: قَدِّمُوا خَيْرًا تَجِدُوهُ، وصاحَ قَمْرِيٌّ فَأخْبَرَ أنَّهُ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى، وصاحَتْ رَخْمَةٌ فَقالَ: تَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى مِلْءَ سَمائِهِ وأرْضِهِ، وقالَ: الحِدَأةُ تَقُولُ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا اللَّهُ، والقَطاةُ تَقُولُ: مَن سَكَتَ سَلِمَ، والبَبَّغاءُ تَقُولُ: ويْلٌ لِمَنِ الدُّنْيا هَمُّهُ، والدِّيكُ يَقُولُ: اذْكُرُوا اللَّهَ يا غافِلِينَ، والنَّسْرُ يَقُولُ: يا ابْنَ آدَمَ عِشْ ما شِئْتَ آخِرُكَ المَوْتُ، والعُقابُ تَقُولُ: في البُعْدِ عَنِ النّاسِ أُنْسٌ، والضِّفْدَعُ يَقُولُ: سُبْحانَ رَبِّي القُدُّوسِ. وأرادَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: "عُلِّمْنا" و "أُوتِينا" بِالنُّونِ الَّتِي يُقالُ لَها نُونُ الواحِدِ المُطاعِ بَيانُ حالِهِ وصِفَتِهِ مِن كَوْنِهِ مَلِكًا مُطاعًا، لَكِنْ لا تَجَبُّرًا وتَكَبُّرًا بَلْ تَمْهِيدًا لِما أرادَ مِنهم مِن حُسْنِ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ لَهُ في أوامِرِهِ ونَواهِيِهِ حَيْثُ كانَ عَلى عَزِيمَةِ المُسَيَّرِ. وبِقَوْلِهِ: مِن كُلِّ شَيْءٍ كَثْرَةَ ما أُوتِيَهُ كَما يُقالُ: فُلانٌ يَقْصِدُهُ كُلُّ أحَدٍ ويَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ، ويُرادُ بِهِ: كَثْرَةَ قُصّادِهِ وغَزارَةَ عِلْمِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: كُلُّ ما يُهِمُّهُ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي النُّبُوَّةَ والمُلْكَ وتَسْخِيرَ الجِنِّ والإنْسِ والشَّياطِينِ والرِّيحِ.

﴿إنَّ هَذا﴾ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّعْلِيمِ والإيتاءِ ﴿لَهُوَ الفَضْلُ﴾ والإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ﴿المُبِينُ﴾ الواضِحُ الَّذِي لا يَخْفى عَلى أحَدٍ، أوْ إنَّ هَذا الفَضْلَ الَّذِي أُوتِيَهُ لَهو الفَضْلُ المُبِينُ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَهُ عَلى سَبِيلِ الشُّكْرِ والمَحْمَدَةِ كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ﴾ أيْ: أقُولُ هَذا القَوْلَ شُكْرًا لا فَخْرًا، ولَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَتَّبَ عَلى كَلامِهِ ذَلِكَ دَعْوَةَ النّاسِ إلى الغَزْوِ، فَإنَّ إخْبارَهم بِإيتاءِ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها آلاتُ الحَرْبِ وأسْبابُ الغَزْوِ مِمّا يُنْبِئُ عَنْ ذَلِكَ.

27:17Page 378

وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ ١٧

And gathered for Solomon were his soldiers of the jinn and men and birds, and they were [marching] in rows

فَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمانَ جُنُودُهُ﴾ جُمِعَ لَهُ عَساكِرُهُ ﴿مِنَ الجِنِّ والإنْسِ والطَّيْرِ﴾ بِمُباشَرَةِ مُخاطِبِيهِ فَإنَّهم كانُوا رُؤَساءَ مَمْلَكَتِهِ وعُظَماءَ دَوْلَتِهِ مِنَ الثَّقَلَيْنِ وغَيْرِهِمْ بِتَعْمِيمِ النّاسِ لِلْكُلِّ تَغْلِيبًا، وتَقْدِيمُ الجِنِّ عَلى الإنْسِ في البَيانِ لِلْمُسارَعَةِ إلى الإيذانِ بِكَمالِ قُوَّةِ مُلْكِهِ وعِزَّةِ سُلْطانِهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ لِما أنَّ الجِنَّ طائِفَةٌ عانِيَةٌ وقَبِيلَةٌ طاغِيَةٌ مارِدَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ الحَشْرِ والتَّسْخِيرِ.

﴿فَهم يُوزَعُونَ﴾ أيْ: يُحْبَسُ أوائِلُهم عَلى أواخِرِهِمْ، أيْ: يُوقَفُ سُلافُ العَسْكَرِ حَتّى يَلْحَقَهُمُ التَّوالِي فَيَكُونُوا مُجْتَمِعِينَ لا يَتَخَلَّفُ مِنهم أحَدٌ وذَلِكَ لِلْكَثْرَةِ العَظِيمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَرْتِيبِ الصُّفُوفِ كَما هو المُعْتادُ في العَساكِرِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَمالِ مُسارَعَتِهِمْ إلى السَّيْرِ وتَخْصِيصِ حَبْسِ أوائِلِهِمْ بِالذِّكْرِ دُونَ سَوْقِ أواخِرِهِمْ مَعَ أنَّ التَّلاحُقَ يَحْصُلُ بِذَلِكَ أيْضًا لِما أنَّ أواخِرَهم غَيْرُ قادِرِينَ عَلى ما يَقْدِرُ عَلَيْهِ أوائِلُهم مِنَ السَّيْرِ السَّرِيعِ، وهَذا إذا لَمْ يَكُنْ سَيْرُهم بِتَسْيِيرِ الرِّيحِ في الجَوِّ. رُوِيَ أنَّ مُعَسْكَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ مِائَةَ فَرْسَخٍ، في مِائَةٍ خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلْجِنِّ، وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلْإنْسِ، وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلطَّيْرِ، وخَمْسَةٌ وعِشْرُونَ لِلْوَحْشِ، وكانَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ألْفُ بَيْتٍ مِن قَوارِيرَ عَلى الخَشَبِ فِيها ثَلَثُمِائَةٍ مَنكُوحَةٍ وسَبْعُمِائَةٍ سُرِّيَّةٍ، وقَدْ نَسَجَتْ لَهُ الجِنُّ بِساطًا مِن ذَهَبٍ وإبْرَيْسَمَ فَرْسَخًا في فَرْسَخٍ وكانَ يُوضَعُ مِنبَرُهُ في وسَطِهِ وهو مِن ذَهَبٍ، (p-278)فَيَقْعُدُ عَلَيْهِ وحَوْلَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفِ كُرْسِيٍّ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ فَيَقْعُدُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى كَراسِيِّ الذَّهَبِ والعُلَماءُ عَلى كَراسِيِّ الفِضَّةِ وحَوْلَهُمُ النّاسُ وحَوْلَ النّاسِ الجِنُّ والشَّياطِينُ وتُظِلُّهُ الطَّيْرُ بِأجْنِحَتِها حَتّى لا تَقَعَ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وتَرْفَعَ رِيحُ الصَّبّا البِساطَ فَتَسِيرُ بِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. ويُرْوى أنَّهُ كانَ يَأْمُرُ الرِّيحَ العاصِفَ تَحْمِلُهُ ويَأْمُرُ الرُّخاءَ تُسَيِّرُهُ فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ وهو يَسِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ إنِّي قَدْ زِدْتُ في مُلْكِكَ لا يَتَكَلَّمُ أحَدٌ بِشَيْءٍ إلّا ألْقَتْهُ الرِّيحُ في سَمْعِكَ، فَيُحْكى أنَّهُ مَرَّ بِحَرّاثٍ فَقالَ: لَقَدْ أُوتِيَ آلُ داوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا فَألْقَتْهُ الرِّيحُ في أُذُنِهِ، فَنَزَلَ ومَشى إلى الحَرّاثِ وقالَ: إنَّما مَشَيْتُ إلَيْكَ لِئَلّا تَتَمَنّى ما لا تَقْدِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: لَتَسْبِيحَةٌ واحِدَةٌ يَقْبَلُها اللَّهُ تَعالى خَيْرٌ مِمّا أُوتِيَ آلُ داوُدَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском