Abu as-Su'udAl‑Buruj · 85:1–22

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

البروج

Al-Buruj

The Mansions of the Stars · Meccan · 22 ayahs

85:1Page 590

وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ ١

By the sky containing great stars

(p-135)سُورَةُ البُرُوجِ

مَكِّيَّةٌ وآيُها اثْنَتانِ وعِشْرُونَ

﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ هي البُرُوجُ الأثْنا عَشَرَ شُبِّهَتْ بِالقُصُورِ؛ لِأنَّها تَنْزِلُها السَّيّاراتُ ويَكُونُ فِيها الثَّوابِتُ أوْ مَنازِلُ القَمَرِ أوْ عِظامُ الكَواكِبِ، سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِظُهُورِها، أوْ أبْوابَ السَّماءِ فَإنَّ النَّوازِلَ تَخْرُجُ مِنها، وأصْلُ التَّرْكِيبِ لِلظُّهُورِ.

85:2Page 590

وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ ٢

And [by] the promised Day

﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ أيْ: يَوْمُ القِيامَةِ.

85:3Page 590

وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ ٣

And [by] the witness and what is witnessed,

﴿وَشاهِدٍ ومَشْهُودٍ﴾ أيْ: ومَن يَشْهَدُ في ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الخَلائِقِ، وما يَحْضُرُ فِيهِ مِنَ العَجائِبِ، وتَنْكِيرُهُما لِلْإبْهامِ في الوَصْفِ، أيْ: وشاهِدٍ ومَشْهُودٍ لا يُكْتَنَهُ وصْفُهُما، أوْ لِلْمُبالَغَةِ في الكَثْرَةِ. وقِيلَ: الشّاهِدُ مُحَمَّدٌ ﷺ، والمَشْهُودُ يَوْمُ القِيامَةِ. وقِيلَ: عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ وأُمَّتُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ ...إلَخْ، وقِيلَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ وسائِرُ الأُمَمِ. وقِيلَ: يَوْمُ التَّرْوِيَةِ ويَوْمُ عَرْفَةَ. وقِيلَ: يَوْمُ عَرَفَةَ ويَوْمُ الجُمْعَةِ. وقِيلَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ والحَجِيجُ. وقِيلَ: الأيّامُ واللَّيالِي وبَنُو آدَمَ. وعَنِ الحَسَنِ: ما مِن يَوْمٍ إلّا ويُنادِي: "إنِّي يَوْمٌ جَدِيدٌ، وإنِّي عَلى ما يُعْمَلُ فِيَّ شَهِيدٌ، فاغْتَنِمْنِي، فَلَوْ غابَتْ شَمْسِي لَمْ تُدْرِكْنِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ". وقِيلَ: الحَفَظَةُ وبَنُو آدَمَ. وقِيلَ: الأنْبِياءُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

85:4Page 590

قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ ٤

Destroyed [i.e., cursed] were the companions of the trench1

﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ قِيلَ: هو جَوابُ القَسَمِ عَلى حَذْفِ اللّامِ مِنهُ لِلطُّولِ، والأصْلُ "لَقُتِلَ" كَما في قَوْلِ مَن قالَ:

؎ حَلَفْتُ لَها بِاللَّهِ حِلْفَةَ فاجِرٍ ∗∗∗ لَنامُوا فَما إنْ مِن حَدِيثٍ ولا صالِ

وَقِيلَ: تَقْدِيرُهُ: لَقَدْ قُتِلَ، وأيًّا ما كانَ؛ فالجُمْلَةُ خَبَرِيَّةٌ والأظْهَرُ أنَّها دُعائِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى الجَوابِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ بِهَذِهِ الأشْياءِ أنَّهم - أيْ: كُفّارَ مَكَّةَ - مَلْعُونُونَ كَما لُعِنَ أصْحابُ الأُخْدُودِ؛ لِما أنَّ السُّورَةَ ورَدَتْ لِتَثْبِيتِ المُؤْمِنَيْنِ عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ وصَبْرِهِمْ عَلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، وتَصْبِيرِهِمْ عَلى أذِيَّةِ الكَفَرَةِ وتَذْكِيرِهِمْ بِما جَرى عَلى مَن تَقَدَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ عَلى الإيمانِ، وصَبْرِهِمْ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَأْتَسُوا بِهِمْ ويَصْبِرُوا عَلى ما كانُوا يَلْقَوْنَ مِن قَوْمِهِمْ، ويَعْلَمُوا أنَّ هَؤُلاءِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ (p-136)بِمَنزِلَةِ أُولَئِكَ المُعَذَّبِينَ مَلْعُونُونَ مِثْلُهُمْ، أحِقّاءٌ بِأنْ يُقالَ فِيهِمْ ما قَدْ قِيلَ فِيهِمْ، وقُرِئَ "قُتِّلَ" بِالتَّشْدِيدِ و"الأُخْدُودُ": الخَدُّ في الأرْضِ وهو الشِّقُّ ونَحْوُهُما بِناءً، ومَعْنى الخَقِّ والأُخْقُوقِ. ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ لِبَعْضِ المُلُوكِ ساحِرٌ، فَلَمّا كَبُرَ ضَمَّ إلَيْهِ غُلامٌ لِيُعَلِّمَهُ السحر، وكانَ في طَرِيقِ الغُلامِ راهِبٌ فَسَمِعَ مِنهُ، فَرَأى في طَرِيقِهِ ذاتَ يَوْمٍ دابَّةً قَدْ حَبَسَتِ النّاسَ قِيلَ: كانَتِ الدّابَّةُ أسَدًا فَأخَذَ حَجَرًا فَقالَ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ الرّاهِبُ أحَبَّ إلَيْكَ مِنَ السّاحِرِ فاقْتُلْها، فَقَتَلَها فَكانَ الغُلامُ بَعْدَ ذَلِكَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويَشْفِيَ مِنَ الأدْواءِ، وعَمِيَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَأبْرَأهُ، فَأبْصَرَهُ المَلِكُ فَسَألَهُ: مَن رَدَّ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: رَبِّي، فَغَضِبَ فَعَذَّبَهُ، فَدَلَّ عَلى الغُلامِ فَعَذَّبَهُ فَدَلَّ عَلى الرّاهِبِ، فَلَمْ يَرْجِعِ الرّاهِبُ عَنْ دِينِهِ، فَقُدَّ بِالمِنشارِ وأبى الغُلامُ، فَذُهِبَ بِهِ إلى جَبَلٍ لِيُطْرَحَ مِن ذُرْوَتِهِ، فَدَعا فَرُجِفَ بِالقَوْمِ فَطاحُوا ونَجا، فَذُهِبَ بِهِ إلى قُرْقُورٍ فَلَجَّجُوا بِهِ لِيُغْرِقُوهُ فَدَعا فانْكَفَأتْ بِهِمُ السَّفِينَةُ فَغَرِقُوا ونَجا، وقالَ لِلْمَلِكِ: لَسْتَ بِقاتِلِي حَتّى تَجْمَعَ النّاسَ في صَعِيدٍ وتَصْلُبَنِي عَلى جِذْعٍ وتَأْخُذَ سَهْمًا مِن كِنانَتِي وتَقُولَ: بِاسْمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلامِ، ثُمَّ تَرْمِيَنِي بِهِ، فَرَماهُ فَوَقَعَ في صُدْغِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وماتَ، فَقالَ النّاسُ: آمَنّا بِرَبِّ الغُلامِ، فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: نَزَلَ بِكَ ما كُنْتَ تَحْذَرُ، فَأمَرَ بِأخادِيدَ في أفْواهِ السِّكَكِ وأُوقِدَتْ فِيها النِّيرانُ، فَمَن لَمْ يَرْجِعْ مِنهم طَرْحَهُ فِيها، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ مَعَها صَبِيٌّ فَتَقاسَمَتْ، فَقالَ الصَّبِيُّ: يا أُمّاهُ اصْبِرِي فَإنَّكِ عَلى الحَقِّ فاقْتَحَمَتْ. وقِيلَ: قالَ لَها: قَعِي ولا تُنافِقِي، ما هي إلّا غَمْضَةٌ فَصَبَرَتْ. قِيلَ: أُخْرِجَ الغُلامُ مِن قَبْرِهِ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وأُصْبُعُهُ عَلى صُدْغِهِ كَما وضَعَها حِينَ قُتِلَ. وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ بَعْضَ مُلُوكِ المَجُوسِ وقْعَ عَلىَ أُخْتِهِ وهو سَكْرانٌ، فَلَمّا صَحا نَدِمَ وطَلَبَ المَخْرَجَ، فَقالَتْ لَهُ: المَخْرَجُ أنْ تَخْطُبَ بِالنّاسِ فَتَقُولَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّ نِكاحَ الأخَواتِ ثُمَّ تَخْطُبُهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَهُ، فَخَطَبَ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنهُ، فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّوْطَ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَقالَتْ لَهُ: ابْسُطْ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَفَعَلَ فَلَمْ يَقْبَلُوا، فَأمَرَ بِالأخادِيدِ وإيقادِ النّارِ وطَرَحَ مَن أبى فِيها، فَهُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ . وقِيلَ: وقَعَ إلى نَجْرانَ رَجُلٌ مِمّا كانَ عَلى دِينِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَدَعاهم فَأجابُوهُ، فَسارَ إلَيْهِمْ ذُو نُواسٍ اليَهُودِيُّ بِجُنُودٍ مِن حِمْيَرٍ، فَخَيَّرَهم بَيْنَ النّارِ واليَهُودِيَّةِ فَأبَوْا، فَأحْرَقَ مِنهُمُ اثْنِي عَشَرَ ألْفًا في الأخادِيدِ. وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وذَكَرَ أنَّ طُولَ الأُخْدُودِ أرْبَعُونَ ذِراعًا، وعَرْضَهُ اثْنا عَشَرَ ذِراعًا.

85:5Page 590

ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ ٥

[Containing] the fire full of fuel,

﴿النّارِ﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِنَ الأُخْدُودِ.

﴿ذاتِ الوَقُودِ﴾ وصْفٌ لَها بِغايَةِ العِظَمِ وارْتِفاعِ اللَّهَبِ وكَثْرَةِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الحَطَبِ وأبْدانِ النّاسِ، وقُرِئَ "الوَقُودُ" بِالضَّمِّ.

85:6Page 590

إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ ٦

When they were sitting near it.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ هم عَلَيْها قُعُودٌ﴾ ظَرْفٌ لِـ"قُتِلَ" أيْ: لُعِنُوا حِينَ أحْدَقُوا بِالنّارِ قاعِدِينَ حَوْلَها في مَكانٍ مُشْرِفٍ عَلَيْها، مِن حافاتِ الأُخْدُودِ كَما في قَوْلِهِ:

؎ وباتَ عَلى النّارِ النَّدى والمُحَلَّقُ

85:7Page 590

وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ ٧

And they, to what they were doing against the believers, were witnesses. 1

(p-137)﴿وَهم عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ أيْ: يَشْهَدُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ عِنْدَ المَلِكِ بِأنَّ أحَدًا لَمْ يُقَصِّرْ فِيما أُمِرَ بِهِ، أوْ أنَّهم شُهُودٌ يَشْهَدُونَ بِما فَعَلُوا بِالمُؤْمِنِينَ يَوْمَ القِيامَةِ ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ألْسِنَتُهم وأيْدِيهِمْ﴾ . وقِيلَ: "عَلى" بِمَعْنى مَعَ، والمَعْنى: وهم مَعَ ما يَفْعَلُونَ بِالمُؤْمِنِينَ مِنَ العَذابِ حُضُورٌ لا يَرِقُّونَ لَهم لِغايَةِ قَسْوَةِ قُلُوبِهِمْ، هَذا هو الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ وتَنْطِقُ بِهِ الرِّواياتُ المَشْهُورَةُ، وقَدْ رُوِيَ أنَّ الجَبابِرَةَ لَمّا ألْقَوِا المُؤْمِنِينَ في النّارِ وهم قُعُودٌ حَوْلَها، عَلِقَتْ بِهِمُ النّارُ فَأحْرَقَتْهُمْ، ونَجّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ مِنها سالِمِينَ، وإلى هَذا القَوْلِ ذَهَبَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والواحِدِيُّ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ .

85:8Page 590

وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ ٨

And they resented them not except because they believed in Allāh, the Exalted in Might, the Praiseworthy,

﴿وَما نَقَمُوا مِنهُمْ﴾ أيْ: ما أنْكَرُوا مِنهم وما عابُوا.

﴿إلا أنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُفْصِحٌ عَنْ بَراءَتِهِمْ عَمّا يُعابُ ويُنْكَرُ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنهاجِ قَوْلُهُ: ولا

؎ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ ضُيُوفَهم ∗∗∗ تُلامُ بِنِسْيانِ الأحِبَّةِ والوَطَنِ

وَوَصْفُهُ تَعالى بِكَوْنِهِ عَزِيزًا غالِبًا يُخْشى عِقابُهُ وحَمِيدًا مُنْعِمًا يُرْجى ثَوابُهُ، وتَأْكِيدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى:

85:9Page 590

ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٩

To whom belongs the dominion of the heavens and the earth. And Allāh, over all things, is Witness.1

﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِلْإشْعارِ بِمَناطِ إيمانِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وعْدٌ لَهم ووَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمُعَذِّبِيهِمْ فَإنَّ علمه تعالى بِجَمِيعِ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُ الفَرِيقَيْنِ يَسْتَدْعِي تَوْفِيرَ جَزاءِ كُلٍّ مِنهُما حَتْمًا.

85:10Page 590

إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ ١٠

Indeed, those who have tortured1 the believing men and believing women and then have not repented will have the punishment of Hell, and they will have the punishment of the Burning Fire.

﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ أيْ: مَحَنُوهم في دِينِهِمْ لِيَرْجِعُوا عَنْهُ، والمُرادُ بِهِمْ: إمّا أصْحابُ الأُخْدُودِ خاصَّةً وبِالمَفْتُونِينَ المُطْرَحُونَ في الأُخْدُودِ، وإمّا الَّذِينَ بَلَوْهم في ذَلِكَ بِالأذِيَّةِ والتَّعْذِيبِ عَلى الإطْلاقِ وهم داخِلُونَ في جُمْلَتِهِمْ دُخُولًا أوَّلِيًّا.

﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ أيْ: عَنْ كُفْرِهِمْ وفِتْنَتِهِمْ، فَإنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الفِتْنَةِ في الدِّينِ لا يُتَصَوَّرُ مِن غَيْرِ الكافِرِ قَطْعًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَهم عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ جُمْلَةٌ وقَعَتْ خَبَرًا لِـ"أنَّ" أوِ الخَبَرُ "لَهُمْ" و"عَذابٌ" مُرْتَفِعٌ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ وهو الأحْسَنُ، والفاءُ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، ولا ضَيْرَ في نَسْخِهِ بِـ"أنَّ" وإنْ خالَفَ الأخْفَشُ، والمَعْنى: لَهم في الآخِرَةِ عَذابُ جَهَنَّمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ.

﴿وَلَهم عَذابُ الحَرِيقِ﴾ وهي نارٌ أُخْرى عَظِيمَةٌ بِسَبَبِ فِتْنَتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ.

85:11Page 590

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ ١١

Indeed, those who have believed and done righteous deeds will have gardens beneath which rivers flow. That is the great attainment.

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا (p-138)الصّالِحاتِ﴾ عَلى الإطْلاقِ مِنَ المَفْتُونِينَ وغَيْرِهِمْ. "لَهُمْ" بِسَبَبِ ما ذُكِرَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ.

﴿جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إنْ أُرِيدَ بِالجَنّاتِ الأشْجارُ لِجَرَيانِ الأنْهارِ مِن تَحْتِها ظاهِرٌ وإنْ أُرِيدَ بِها الأرْضُ المُشْتَعِلَةُ عَلَيْها، فالتَّحِيَّةُ بِاعْتِبارِ جُزْئِها الظّاهِرِ، فَإنَّ أشْجارَها ساتِرَةٌ لِساحَتِها كَما يُعْرِبُ عَنْهُ اسْمُ الجَنَّةِ وقَدْ مَرَّ بَيانُهُ مِرارًا. "ذَلِكَ" إشارَةٌ إمّا إلى الجَنّاتِ المَوْصُوفَةِ والتَّذْكِيرُ لِتَأْوِيلِها بِما ذُكِرَ؛ لِلْإشْعارِ بِأنَّ مَدارَ الحُكْمِ عُنْوانُها الَّذِي يَتَنافَسُ فِيها المُتَنافِسُونَ، فَإنَّ اسْمَ الإشارَةِ مُتَعَرِّضٌ لِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ مِن حَيْثُ اتِّصافُهُ بِأوْصافِهِ المَذْكُورَةِ، لا لِذاتِهِ فَقَطْ كَما هو شَأْنُ الضَّمِيرِ، فَإذا أُشِيرَ إلى الجَنّاتِ مِن حَيْثُ ذِكْرُها، فَقَدْ اعْتُبِرَ مِنها عُنْوانُها المَذْكُورُ حَتْمًا وإمّا إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾ ...إلَخْ، مِن حِيازَتِهِمْ لَها، فَإنَّ حُصُولَها لَهم مُسْتَلِزِمٌ لِحِيازَتِهِمْ لَها قَطْعًا وأيًّا ما كانَ؛ فَما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الفَضْلِ والشَّرَفِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: ذَلِكَ المَذْكُورُ العَظِيمُ الشَّأْنِ.

﴿الفَوْزُ الكَبِيرُ﴾ الَّذِي تَصْغُرُ عِنْدَهُ الدُّنْيا وما فِيْها مِن فُنُونِ الرَّغائِبِ بِحَذافِيرِها، والفَوْزُ: النَّجاةُ منَ الشَّرِّ والظَّفَرِ بِالخَيْرِ، فَعَلى الأوَّلِ هو مَصْدَرٌ أُطْلِقَ عَلى المَفْعُولِ مُبالَغَةً، وعَلى الثّانِي مَصْدَرٌ عَلى حالِهِ.

85:12Page 590

إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ١٢

Indeed, the assault [i.e., vengeance] of your Lord is severe.

﴿إنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ إيذانًا بِأنَّ لِكُفّارِ قَوْمِهِ نَصِيبًا مَوْفُورًا مِن مَضْمُونِهِ كَما يُنْبِيء عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والبَطْشُ: الأخْذُ بِعُنْفٍ وحَيْثُ وُصِفَ بِالشِّدَّةِ فَقَدْ تَضاعَفَ وتَفاقَمَ، وهو بَطْشُهُ بِالجَبابِرَةِ والظَّلَمَةَ، وأخْذُهُ إيّاهم بِالعَذابِ والأنْتِقامِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخْذُ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ .

85:13Page 590

إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ ١٣

Indeed, it is He who originates [creation] and repeats.

﴿إنَّهُ هو يُبْدِئُ ويُعِيدُ﴾ أيْ: هو يُبْدِيء الخَلْقَ وهو يُعِيدُهُ مِن غَيْرِ دَخْلٍ لِأحَدٍ في شَيْءٍ مِنهُما، فَفِيهِ مَزِيدُ تَقْرِيرٍ لِشِدَّتِهِ بَطْشِهِ، أوْ هو يُبْدِيء البَطْشَ بِالكَفَرَةِ في الدُّنْيا ويُعِيدُهُ في الآخِرَةِ.

85:14Page 590

وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ ١٤

And He is the Forgiving, the Affectionate,

﴿وَهُوَ الغَفُورُ﴾ لِمَن تابَ وآمَنَ.

﴿الوَدُودُ﴾ المُحِبُّ لِمَن أطاعَ.

85:15Page 590

ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ ١٥

Honorable Owner of the Throne,

﴿ذُو العَرْشِ﴾ خالِقُهُ وقِيلَ: المُرادُ بِالعَرْشِ: المَلِكُ أيْ: ذُو السَّلْطَنَةِ القاهِرَةِ، وقُرِئَ "ذِي العَرْشِ" عَلى أنَّهُ صِفَةُ "رَبِّكَ".

﴿المَجِيدُ﴾ العَظِيمُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ فَإنَّهُ واجِبُ الوُجُودِ تامُّ القُدْرَةِ كامِلُ الحِكْمَةِ، وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِـ"رَبِّكَ" أوْ "لِلْعَرْشِ" ومَجْدُهُ عُلُوُّهُ وعَظَمَتُهُ.

85:16Page 590

فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٦

Effecter of what He intends.

﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ بِحَيْثُ لا يَتَخَلَّفُ عَنْ إرادَتِهِ مُرادٌ مِن أفْعالِهِ تَعالى وأفْعالِ غَيْرِهِ، وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

85:17Page 590

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ ١٧

Has there reached you the story of the soldiers -

(p-139)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الجُنُودِ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِشِدَّةِ بَطْشِهِ تَعالى بِالظَّلَمَةِ العُصاةِ، والكَفَرَةِ، والعُتاةِ، وكَوْنُهُ فَعّالأ لِما يُرِيدُ مُتَضَمِّنٌ لِتَسْلِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالإشْعارِ بِأنَّهُ سَيُصِيبُ قَوْمَهُ ما أصابَ الجُنُودَ.

85:18Page 590

فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ ١٨

[Those of] Pharaoh and Thamūd?

﴿فِرْعَوْنَ وثَمُودَ﴾ بَدَلٌ مِنَ الجُنُودِ؛ لِأنَّ المُرادَ بِفِرْعَوْنَ هو وقَوْمُهُ والمُرادُ بِحَدِيثِهِمْ ما صَدَرَ عَنْهم مِنَ التَّمادِي في الكُفْرِ والضَّلالِ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ والنَّكالِ، والمَعْنى: قَدْ أتاكَ حَدِيثُهم وعَرَفْتَ ما فَعَلُوا وما فُعِلَ بِهِمْ، فَذَكِّرْ قَوْمَكَ بِشُئُونِ اللَّهِ تَعالى وأنْذِرْهم أنْ يُصِيبَهم مِثْلَ ما أصابَ أمْثالَهم.

85:19Page 590

بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ ١٩

But they who disbelieve are in [persistent] denial,

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في تَكْذِيبٍ﴾ إضْرابٌ عَنْ مُماثَلَتِهِمْ لَهُمْ، وبَيانٌ لِكَوْنِهِمْ أشَدَّ مِنهم في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسُوا مِثْلَهم في ذَلِكَ، بَلْ هم أشَدُّ مِنهُمُ في اسْتِحْقاقِ العَذابِ واسْتِيجابِ العِقابِ، فَإنَّهم مُسْتَقِرُّونَ في تَكْذِيبٍ شَدِيدٍ لِلْقُرْآنِ الكَرِيمِ، أوْ قِيلَ لَيْسَتْ جِنايَتُهم مُجَرَّدَ عَدَمِ التَّذَكُّرِ والأتِّعاظِ بِما سَمِعُوا مِن حَدِيثِهِمْ، بَلْ هم مَعَ ذَلِكَ في تَكْذِيبٍ شَدِيدٍ لِلْقُرْآنِ النّاطِقِ بِذَلِكَ لَكِنْ لا أنَّهم يُكَذِّبُونَ بِوُقُوعِ الحادِثَةِ، بَلْ بِكَوْنِ ما نَطَقَ بِهِ قُرْآنًا مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى مَعَ وُضُوحِ أمْرِهِ وظُهُورِ حالِهِ بِالبَياناتِ الباهِرَةِ.

85:20Page 590

وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ ٢٠

While Allāh encompasses them from behind.1

﴿واللَّهُ مِن ورائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ تَمْثِيلٌ لِعَدَمِ نَجاتِهِمْ مِن بَأْسِ اللَّهِ تَعالى بِعَدَمِ فَوْتِ المُحاطِ المُحِيطَ.

85:21Page 590

بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٢١

But this is an honored Qur’ān

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ هو قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ رَدٌّ لِكُفْرِهِمْ وإبْطالٌ لِتَكْذِيبِهِمْ وتَحْقِيقٌ لِلْحَقِّ أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما قالُوا، بَلْ هو كِتابٌ شَرِيفٌ عالِي الطَّبَقَةِ فِيما بَيْنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ في النَّظْمِ والمَعْنى، وقُرِئَ "قُرْآنُ مَجِيدٍ" بِالإضافَةِ أيْ: قُرْآنُ رَبٍّ مَجِيدٍ.

85:22Page 590

فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ ٢٢

[Inscribed] in a Preserved Slate.

﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ أيْ: مِنَ التَّحْرِيفِ ووُصُولِ الشَّياطِينِ إلَيْهِ، وقُرِئَ "مَحْفُوظٌ" بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ صِفَةُ "قُرْآنٍ"، وقُرِئَ "فِي لَوْحٍ" وهو الهَواءُ أيْ: ما فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ الَّذِي فِيهِ اللَّوْحُ.

عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: « "مَن قَرَأ سُورَةَ البُرُوجِ أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى بِعَدَدِ كُلِّ جُمْعَةٍ وعَرَفَةَ تَكُونُ في الدُّنْيا عَشْرَ حَسَناتٍ".»

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском