Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
الملك
Al-Mulk
The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs
67:1Page 562
تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -
(p-2)سُورَةُ المُلْكِ مَكِّيَّةٌ، وتُسَمّى الواقِيَةَ والمُنْجِيَةَ؛ لِأنَّها تَقِي وتُنْجِي قارِئَها مِن عَذابِ القَبْرِ، وآياتُها ثَلاثُونَ
﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ البَرَكَةُ والنَّماءُ والزِّيادَةُ حِسِّيَّةً كانَتْ، أوْ عَقْلِيَّةً، وكَثْرَةُ الخَيْرِ ودَوامُهُ أيْضًا، ونِسْبَتُها إلى اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - عَلى المَعْنى الأوَّلِ، وهو الألْيَقُ بِالمَقامِ بِاعْتِبارِ تَعالِيهِ عَمّا سِواهُ في ذاتِهِ وصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، وصِيغَةُ التَّفاعُلِ لِلْمُبالَغَةِ في ذَلِكَ، فَإنَّ ما لا يُتَصَوَّرُ نِسْبَتُهُ إلَيْهِ - تَعالى - مِنَ الصِّيَغِ كالتَّكَبُّرِ ونَحْوِهِ، إنَّما تُنْسَبُ إلَيْهِ - سُبْحانَهُ - بِاعْتِبارِ غاياتِها، وعَلى الثّانِي بِاعْتِبارِ كَثْرَةِ ما يَفِيضُ مِنهُ عَلى مَخْلُوقاتِهِ مِن فُنُونِ الخَيْراتِ، والصِّيغَةُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِإفادَةِ نَماءِ تِلْكَ الخَيْراتِ وازْدِيادِها شَيْئًا فَشَيْئًا، وآنًا فَآنًا، بِحَسَبِ حُدُوثِها، أوْ حُدُوثِ مُتَعَلَّقاتِها، ولِاسْتِقْلالِها بِالدَّلالَةِ عَلى غايَةِ الكَمالِ، وإنْبائِها عَنْ نِهايَةِ التَّعْظِيمِ لَمْ يَجُزِ اسْتِعْمالُها في حَقِّ غَيْرِهِ سُبْحانَهُ، ولا اسْتِعْمالُ غَيْرِها مِنَ الصِّيَغِ في حَقِّهِ - تَبارَكَ وتَعالى - وإسْنادُها إلى المَوْصُولِ لِلِاسْتِشْهادِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَّةِ عَلى تَحَقُّقِ مَضْمُونِها، واليَدُ مَجازٌ عَنِ القُدْرَةِ التّامَّةِ والاسْتِيلاءِ الكامِلِ، أيْ: تَعالى وتَعاظَمَ بِالذّاتِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ ذاتًا وصِفَةً وفِعْلًا، الَّذِي بِقَبْضَةِ قدرته التَّصَرُّفُ الكُلِّيُّ في كُلِّ الأُمُورِ.
﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ.
﴿قَدِيرٌ﴾ مُبالِغٌ في القُدْرَةِ عَلَيْهِ يَتَصَرَّفُ فِيهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الصِّلَةِ، مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِها، مُفِيدَةٌ لِجَرَيانِ أحْكامِ مُلْكِهِ - تَعالى - في جَلائِلِ الأُمُورِ ودَقائِقِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
67:2Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢
[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -
﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ شُرُوعٌ في تَفْصِيلِ بَعْضِ أحْكامِ المُلْكِ وآثارِ القُدْرَةِ، وبَيانِ ابْتِنائِهِما عَلى قَوانِينِ الحُكْمِ والمَصالِحِ، واسْتِتْباعِهِما لِغاياتٍ جَلِيلَةٍ، والمَوْصُولُ بَدَلٌ مِنَ المَوْصُولِ الأوَّلِ داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ الشَّهادَةِ بِتَعالِيهِ تَعالى، والمَوْتُ عِنْدَ أصْحابِنا صِفَةٌ وُجُودِيَّةٌ مُضادَّةٌ لِلْحَياةِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ المَوْتَ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ ولا يَجِدُ رائِحَتَهُ شَيْءٌ إلّا ماتَ، وخَلَقَ الحَياةَ في صُورَةِ فَرَسٍ بَلْقاءَ لا تَمُرُّ بِشَيْءٍ، ولا يَجِدُ رائِحَتَها شَيْءٌ إلّا حَيَّ، فَكَلامٌ وارِدٌ عَلى مِنهاجِ التَّمْثِيلِ والتَّصْوِيرِ، وقِيلَ: هو عَدَمُ الحَياةِ، فَمَعْنى خَلْقِهِ حِينَئِذٍ تَقْدِيرُهُ، أوْ إزالَةُ الحَياةِ، وأيًّا ما كانَ؛ فالأقْرَبُ أنَّ المُرادَ بِهِ: المَوْتُ الطّارِئُ، وبِالحَياةِ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ؛ لِظُهُورِ مُدارَيَتِهِما لِما يَنْطِقُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ فَإنَّ اسْتِدْعاءَ مُلاحَظَتِهِما لِإحْسانِ العَمَلِ مِمّا لا رَيْبَ فِيهِ، مَعَ أنَّ نَفْسَ العَمَلِ لا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ لِكَوْنِهِ (p-3)أدْعى إلى إحْسانِ العَمَلِ، واللّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ"خَلَقَ"، أيْ: خَلَقَ مَوْتَكم وحَياتَكم؛ عَلى أنَّ الألِفَ واللّامَ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، لِيُعامِلَكم مُعامَلَةَ مَن يَخْتَبِرُكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا؟ فَيُجازِيَكم عَلى مَراتِبَ مُتَفاوِتَةٍ حَسَبَ تَفاوُتِ طَبَقاتِ عُلُومِكم وأعْمالِكُمْ، فَإنَّ العَمَلَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِعَمَلِ الجَوارِحِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِقَوْلِهِ: " «أيُّكم أحْسَنُ عَقْلًا، وأوْرَعُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وأسْرَعُ في طاعَةِ اللَّهِ،» فَإنَّ لِكُلٍّ مِنَ القَلْبِ والقالَبِ عَمَلًا خاصًّا بِهِ، فَكَما أنَّ الأوَّلَ أشْرَفُ مِنَ الثّانِي، كَذَلِكَ الحالُ في عَمَلِهِ، كَيْفَ لا؟ ولا عَمَلَ بِدُونِ مَعْرِفَةِ اللَّهِ -عَزَّ وجَلَّ - الواجِبَةِ عَلى العِبادِ آثَرَ ذِي أثِيرٍ، وإنَّما طَرِيقُها النَّظَرِيُّ التَّفَكُّرُ في بَدائِعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى، والتَّدَبُّرُ في آياتِهِ المَنصُوبَةِ في الأنْفُسِ والآفاقِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ قالَ: ﴿لا تُفَضِّلُونِي عَلى يُونُسَ بْنِ مَتّى، فَإنَّهُ كانَ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلُ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ﴾، قالُوا: وإنَّما كانَ ذَلِكَ التَّفَكُّرَ في أمْرِ اللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - الَّذِي هو عَمَلُ القَلْبِ ضَرُورَةً؛لِأنَّ أحَدًا لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَعْمَلَ بِجَوارِحِهِ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ عَمَلِ أهْلِ الأرْضِ، وتَعْلِيقُ فِعْلِ البَلْوى، أيْ: تَعْقِيبُهُ بِحَرْفِ الاسْتِفْهامِ لا التَّعْلِيقُ المَشْهُورُ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ إيرادِ المَفْعُولِ أصْلًا مَعَ اخْتِصاصِهِ بِأفْعالِ القُلُوبِ، لِما فِيهِ مِن مَعْنى العِلْمِ بِاعْتِبارِ عاقِبَتِهِ كالنَّظَرِ ونَظائِرِهِ، ولِذَلِكَ أُجْرِيَ مَجْراهُ بِطَرِيقِ التَّمْثِيلِ، وقِيلَ: بِطَرِيقِ الأسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، وإيرادُ صِيغَةِ التَّفْضِيلِ مَعَ أنَّ الأبْتِلاءَ شامِلٌ لَهم بِاعْتِبارِ أعْمالِهِمُ المُنْقَسِمَةِ إلى الحَسَنِ والأحْسَنِ فَقَطْ، لِلْإيذانِ بِأنَّ المُرادَ بِالذّاتِ، والمَقْصِدِ الأصْلِيِّ مِنَ الأبْتِلاءِ هو ظُهُورُ كَمالِ إحْسانِ المُحْسِنِينَ، مَعَ تَحَقُّقِ أصْلِ الإيمانِ والطّاعَةِ في الباقِينَ أيْضًا، لِكَمالِ تَعاضُدِ المُوجِباتِ لَهُ، وأمّا الإعْراضُ عَنْ ذَلِكَ؛ فَبِمَعْزِلٍ مِنَ الأنْدِراجِ تَحْتَ الوُقُوعِ، فَضْلًا عَنِ الأنْتِظامِ في سِلْكِ الغايَةِ لِلْأفْعالِ الإلَهِيَّةِ، وإنَّما هو عَمَلٌ يَصْدُرُ عَنْ عامِلِهِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ مِن غَيْرِ مُصَحِّحٍ لَهُ ولا تَقْرِيبٍ، وفِيهِ مِنَ التَّرْغِيبِ في التَّرَقِّي إلى مَعارِجِ العُلُومِ ومَدارِجِ الطّاعاتِ، والزَّجْرِ عَنْ مُباشَرَةِ نَقائِضِها ما لا يَخْفى ﴿وَهُوَ العَزِيزُ﴾ الغالِبُ الَّذِي لا يَفُوتُهُ مَن أساءَ العَمَلَ ﴿الغَفُورُ﴾ لِمَن تابَ مِنهم.
67:3Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣
[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?
﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ قِيلَ: هو نَعْتٌ لِـ"العَزِيزُ الغَفُورُ"، أوْ بَيانٌ، أوْ بَدَلٌ، والأوْجَهُ أنَّهُ نُصِبَ، أوْ رُفِعَ عَلى المَدْحِ، مُتَعَلِّقٌ بِالمَوْصُولَيْنِ السّابِقَيْنِ مَعْنى، وإنْ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُما إعْرابًا، كَما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ مُنْتَظِمٌ مَعَهُما في سِلْكِ الشَّهادَةِ بِتَعالِيهِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، ومَعَ المَوْصُولِ الثّانِي في كَوْنِهِ مَدارًا لِلْبَلْوى، كَما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلا﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿طِباقًا﴾ صِفَةٌ لِـ" سَبْعَ سَمَواتٍ"، أيْ: مُطابَقَةً، عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ، طابَقْتَ النَّعْلَ إذا خَصَفْتَها، وُصِفَ بِهِ المَفْعُولُ أوْ مَصْدَرُهُ مُؤَكِّدٌ لِمَحْذُوفٍ هو صِفَتُها، أيْ: طُوبِقَتْ طِباقًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ صِفَةٌ أُخْرى لِـ"سَبْعَ سَمَواتٍ" وُضِعَ فِيها خَلْقُ الرَّحْمَنِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلتَّعْظِيمِ، والإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ، وبِأنَّهُ تَعالى خَلَقَها بِقدرته القاهِرَةِ رَحْمَةً وتَفَضُّلًا، وبِأنَّ في إبْداعِها نِعَمًا (p-4)جَلِيلَةً، أوِ اسْتِئْنافٌ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أوْ لِكُلِّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ، و"مِن" لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ: ما تَرى فِيهِ شَيْئًا مِن تَفاوُتٍ، أيِ: اخْتِلافٍ وعَدَمِ تَناسُبٍ مِنَ الفَوْتِ، فَإنَّ كُلًّا مِنَ المُتَفاوِتِينَ يَفُوتُ مِنهُ بَعْضُ ما في الآخَرِ، وقُرِئَ: (مِن تَفَوُّتٍ) ومَعْناهُما واحِدٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِهِ عَلى مَعْنى التَّسْبِيبِ؛ حَيْثُ أخْبَرَ أوَّلًا بِأنَّهُ لا تَفاوُتَ في خَلْقِهِنَّ، ثُمَّ قِيلَ: فارْجِعِ البَصَرَ حَتّى يَتَّضِحَ لَكَ ذَلِكَ بِالمُعايَنَةِ، ولا يَبْقى عِنْدَكَ شُبْهَةٌ ما، والفُطُورُ الشُّقُوقُ والصُّدُوعُ، جَمْعُ فِطْرٍ وهو الشِّقُّ، يُقالُ: فَطَرَهُ فانْفَطَرَ.
67:4Page 562
ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤
Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.
﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ أيْ: رَجْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ في ارْتِيادِ الخَلَلِ، والمُرادُ بِالتَّثْنِيَةِ التَّكْرِيرُ والتَّكْثِيرُ كَما في لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، أيْ: رَجْعَةً بَعْدَ رَجْعَةٍ وإنْ كَثُرَتْ ﴿يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا﴾ أيْ: بَعِيدًا مَحْرُومًا مِن إصابَةِ ما التَمَسَهُ مِنَ العَيْبِ والخَلَلِ، كَأنَّهُ يُطْرَدُ عَنْ ذَلِكَ طَرْدًا بِالصَّغارِ والقَماءَةِ ﴿وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ أيْ: كَلِيلٌ لِطُولِ المُعاوَدَةِ وكَثْرَةِ المُراجَعَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
67:5Page 562
وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥
And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.
﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ بَيانٌ لِكَوْنِ خَلْقِ السماوات في غايَةِ الحُسْنِ والبَهاءِ إثْرَ بَيانِ خُلُوِّها عَنْ شائِبَةِ القُصُورِ، وتَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِإبْرازِ كَمالِ الاعْتِناءِ بِمَضْمُونِها، أيْ: وبِاللَّهِ، لَقَدْ زَيَّنّا أقْرَبَ السماوات إلى الأرْضِ ﴿بِمَصابِيحَ﴾ أيْ: بِكَواكِبَ مُضِيئَةٍ بِاللَّيْلِ إضاءَةَ السُّرُجِ مِنَ السَّيّاراتِ والثَّوابِتِ، تَتَراءى كَأنَّ كُلَّها مَرْكُوزَةٌ فِيها، مَعَ أنَّ بَعْضَها في سائِرِ السماوات، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها مَخْلُوقَةٌ عَلى نَمَطٍ رائِقٍ تَحارُ في فَهْمِهِ الأفْكارُ، وطِرازٍ فائِقٍ تَهِيمُ في دَرْكِهِ الأنْظارُ ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ وجَعَلْنا لَها فائِدَةً أُخْرى، هي رَجْمُ أعْدائِكم بِانْقِضاضِ الشُّهُبِ المُقْتَبَسَةِ مِن نارِ الكَواكِبِ، وقِيلَ مَعْناهُ: وجَعَلْناها ظُنُونًا ورُجُومًا بِالغَيْبِ لِشَياطِينِ الإنْسِ، وهُمُ المُنَجِّمُونَ، ولا يُساعِدُهُ المَقامُ، والرُّجُومُ: جَمْعُ رَجْمٍ - بِالفَتْحِ - وهو ما يُرْجَمُ بِهِ ﴿وَأعْتَدْنا لَهُمْ﴾ في الآخِرَةِ ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾ بَعْدَ الأحْتِراقِ في الدُّنْيا بِالشُّهُبِ.
67:6Page 562
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦
And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.
﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ مِنَ الشَّياطِينِ وغَيْرِهِمْ ﴿عَذابُ جَهَنَّمَ﴾ وقُرِئَ: بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿عَذابَ السَّعِيرِ﴾، ولِلَّذِينَ عَلى "لَهُمْ" ﴿وَبِئْسَ المَصِيرُ﴾ أيْ: جَهَنَّمُ.
67:7Page 562
إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧
When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.
﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها﴾ أيْ: لِجَهَنَّمَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالأ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِيقًا﴾؛ لِأنَّهُ في الأصْلِ صِفَتُهُ، فَلَمّا قُدِّمَتْ صارَتْ حالأ، أيْ: سَمِعُوا كائِنًا لَها شَهِيقًا، أيْ: صَوْتًا كَصَوْتِ الحَمِيرِ، وهو حَسِيسُها المُنْكَرُ الفَظِيعُ، قالُوا: الشَّهِيقُ في الصَّدْرِ، والزَّفِيرُ في الحَلْقِ ﴿وَهِيَ تَفُورُ﴾ أيْ: والحالُ أنَّها تَغْلِي بِهِمْ غَلَيانَ المِرْجَلِ بِما فِيهِ، وجَعْلُ الشَّهِيقِ لِأهْلِها مِنهم ومِمَّنْ طُرِحَ فِيها قَبْلَهُمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى:
67:8Page 562
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨
It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"
(p-5)﴿تَكادُ تَمَيَّزُ﴾ أيْ: تَتَمَيَّزُ وتَتَفَرَّقُ ﴿مِنَ الغَيْظِ﴾ أيْ: مِن شِدَّةِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، فَإنَّهُ صَرِيحٌ في أنَّهُ مِن آثارِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ فَأيْنَ هو مِن شَهِيقِهِمُ النّاشِئِ مِن شِدَّةِ ما يُقاسُونَهُ مِنَ العَذابِ الألِيمِ، والجُمْلَةُ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "تَفُورُ"، أوْ خَبَرٌ آخَرُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حالِ أهْلِها بَعْدَ بَيانِ حالِ نَفْسِها، وقِيلَ: حالٌ مِن ضَمِيرِها، أيْ: كُلَّما أُلْقِيَ فِيها جَماعَةٌ مِنَ الكَفَرَةِ ﴿سَألَهم خَزَنَتُها﴾ بِطَرِيقِ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ لِيَزْدادُوا عَذابًا فَوْقَ عَذابٍ، وحَسْرَةً عَلى حَسْرَةٍ ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ يَتْلُو عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا، كَما وقَعَ في سُورَةِ الزُّمَرِ، ويُعْرِبُ عَنْهُ جَوابُهم أيْضًا.
67:9Page 562
قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩
They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"
﴿قالُوا﴾ اعْتِرافًا بِأنَّهُ تَعالى قَدْ أزاحَ عِلَلَهم بِالكُلِّيَّةِ ﴿بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ جامِعِينَ بَيْنَ حَرْفِ الجَوابِ ونَفْسِ الجُمْلَةِ المُجابِ بِها؛ مُبالَغَةً في الاعْتِرافِ بِمَجِيءِ النَّذِيرِ، وتَحَسُّرًا عَلى ما فاتَهم مِنَ السَّعادَةِ في تَصْدِيقِهِمْ، وتَمْهِيدًا لِبَيانِ ما وقَعَ مِنهم مِنَ التَّفْرِيطِ تَنَدُّمًا واغْتِمامًا عَلى ذَلِكَ، أيْ: قالَ كُلُّ فَوْجٍ مِن تِلْكَ الأفْواجِ: قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ، أيْ: واحِدٌ حَقِيقَةً، أوْ حُكْمًا كَأنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّهم حُكْمُ نَذِيرٍ واحِدٍ فَأنْذَرَنا وتَلا عَلَيْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِ من آياته ﴿فَكَذَّبْنا﴾ ذَلِكَ النَّذِيرَ في كَوْنِهِ نَذِيرًا مِن جِهَتِهِ تَعالى ﴿وَقُلْنا﴾ في حَقِّ ما تَلاهُ مِنَ الآياتِ إفْراطًا في التَّكْذِيبِ وتَمادِيًا في النَّكِيرِ ﴿ما نَزَّلَ اللَّهُ﴾ عَلى أحَدٍ ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ، فَضْلًا عَنْ تَنْزِيلِ الآياتِ عَلَيْكم ﴿إنْ أنْتُمْ﴾ أيْ: ما أنْتُمْ في ادِّعاءِ أنَّهُ تَعالى نَزَّلَ عَلَيْكم آياتٍ تُنْذِرُونَنا بِما فِيها ﴿إلا في ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ والصَّوابِ، وجَمْعُ ضَمِيرِ الخِطابِ مَعَ أنَّ مُخاطِبَ كُلِّ فَوْجٍ نَذِيرُهُ؛ لِتَغْلِيبِهِ عَلى أمْثالِهِ مُبالَغَةً في التَّكْذِيبِ، وتَمادِيًا في التَّضْلِيلِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَعْمِيمُ المُنَزَّلِ مَعَ تَرْكِ ذَكْرِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ مُلَوَّحٌ بِعُمُومِهِ حَتْمًا، وأمّا إقامَةُ تَكْذِيبِ الواحِدِ مَقامَ تَكْذِيبِ الكُلِّ، فَأمْرٌ تَحْقِيقِيٌّ يُصارُ إلَيْهِ؛ لِتَهْوِيلِ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ الجِناياتِ لا مَساغَ لِاعْتِبارِهِ مِن جِهَتِهِمْ، ولا لِإدْراجِهِ تَحْتَ عِبارَتِهِمْ، كَيْفَ لا؟ وهو مَنُوطٌ بِمُلاحَظَةِ إجْماعِ النُّذُرِ عَلى ما لا يَخْتَلِفُ مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ بِاخْتِلافِ العُصُورِ والأعْوامِ، وأيْنَ هم مِن ذَلِكَ؟ وقَدْ حالَ الجَرِيضُ دُونَ القَرِيضِ، هَذا إذا جُعِلَ ما ذُكِرَ حِكايَةً عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الأفْواجِ، وأمّا إذا جُعِلَ حِكايَةً عَنِ الكُلِّ؛ فالنَّذِيرُ إمّا بِمَعْنى الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ فَعِيلٌ، أوْ مَصْدَرٌ مُقَدَّرٌ بِمُضافٍ عامٍّ، أيْ: أهْلُ نَذِيرٍ، أوْ مَنعُوتٌ بِهِ فَيَتَّفِقُ كِلا طَرَفَيِ الخِطابِ في الجَمْعِيَّةِ، ومَن اعْتَبَرَ الجَمْعِيَّةَ بِأحَدِ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ عَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، ولَمْ يَخُصَّ اعْتِبارَها بِالتَّقْدِيرِ الأخِيرِ؛ فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشُّؤُونُ، واخْتَلَطَ بِهِ الظُّنُونُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ مِن كَلامِ الخَزَنَةِ لِلْكُفّارِ عَلى إرادَةِ القَوْلِ، عَلى أنَّ مُرادَهم بِالضَّلالِ ما كانُوا عَلَيْهِ في الدُّنْيا، أوْ هَلاكُهُمْ، أوْ عِقابُ ضَلالِهِمْ تَسْمِيَةً لَهُ بِاسْمِ سَبَبِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن كَلامِ الرُّسُلِ لِلْكَفَرَةِ، وقَدْ حَكَّمُوهُ لِلْخِزانَةِ، فَتَأمَّلْ وكُنْ عَلى الحَقِّ المُبِينِ.
67:10Page 562
وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠
And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."
﴿وَقالُوا﴾ أيْضًا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا (p-6)مِمَّنْ يَسْمَعُ، أوْ يَعْقِلُ ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ كَلامًا ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ شَيْئًا ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ أيْ: في عِدادِهِمْ ومِن أتْباعِهِمْ وهُمُ الشَّياطِينُ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ كَأنَّ الخَزَنَةَ قالُوا لَهم في تَضاعِيفِ التَّوْبِيخِ: ألَمْ تَسْمَعُوا آياتِ رَبِّكم ولَمْ تَعْقِلُوا مَعانِيَها حَتّى لا تُكَذِّبُوا بِها؟! فَأجابُوا بِذَلِكَ.
67:11Page 562
فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١
And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.
﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ﴾ الَّذِي هو كُفْرُهم وتَكْذِيبُهم بِآياتِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ﴿فَسُحْقًا﴾ بِسُكُونِ الحاءِ، وقُرِئَ: بِضَمِّها مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ، إمّا لِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ مِنَ المَزِيدِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَما في "قِعْدَكَ اللَّهَ" أيْ: فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ، أيْ: أبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ سُحْقًا، أيْ: إسْحاقًا، أوْ لِفِعْلٍ مُتَرَتِّبٍ عَلى ذَلِكَ الفِعْلِ، أيْ: فَأسْحَقَهُمُ اللَّهُ فَسُحِقُوا، أيْ: بُعِدُوا سُحْقًا، أيْ: بُعْدًا، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ وعَضَّةِ دَهْرٍ يا ابْنَ مَرْوانَ لَمْ تَدَعْ مِنَ المالِ إلّا مُسْحَتٌ أوْ مُجَلَّفُ
أيْ: لَمْ تَدَعْ فَلَمْ يُبْقَ إلّا مُسَحَّتٌ... إلَخْ. وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ واللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لِلْبَيانِ كَما في "هَيْتَ لَكَ" ونَحْوِهِ، والمُرادُ بِهِمُ: الشَّياطِينُ والدّاخِلُونَ في عِدادِهِمْ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ.
67:12Page 562
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢
Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.
﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ﴾ أيْ: يَخافُونَ عَذابَهُ غائِبًا عَنْهُمْ، أوْ غائِبِينَ عَنْهُ، أوْ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، أوْ بِما خَفِيَ مِنهم وهو قُلُوبُهم ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ﴾ عَظِيمَةٌ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ لا يُقادَرُ قَدْرُهُ.
67:13Page 563
وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣
And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.
﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ﴾ بَيانٌ لِتَساوِيِ السِّرِّ والجَهْرِ بِالنِّسْبَةِ إلى علمه تعالى، كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما-: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، كانُوا يَنالُونَ مِنَ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَيُوحى إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أسِرُّوا قَوْلَكُمْ؛ كَيْلا يَسْمَعَ رَبُّ مُحَمَّدٍ، فَقِيلَ لَهُمْ: أسِرُّوا ذَلِكَ أوِ اجْهَرُوا بِهِ؛ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، وتَقْدِيمُ السِّرِّ عَلى الجَهْرِ؛ لِلْإيذانِ بِافْتِضاحِهِمْ، ووُقُوعِ ما يَحْذَرُونَهُ مِن أوَّلِ الأمْرِ، والمُبالَغَةِ في بَيانِ شُمُولِ عِلْمِهِ المُحِيطِ لِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، كَأنَّ علمه تعالى بِما يُسِرُّونَهُ أقْدَرُ مِنهُ بِما يَجْهَرُونَ بِهِ مَعَ كَوْنِهِما في الحَقِيقَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، فَإنَّ علمه تعالى بِمَعْلُوماتِهِ لَيْسَ بِطَرِيقِ حُصُولِ صُوَرِها، بَلْ وُجُودُ كُلِّ شَيْءٍ في نَفْسِهِ عِلْمٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، أوْ لِأنَّ مَرْتَبَةَ السِّرِّ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الجَهْرِ؛ إذْ ما مِن شَيْءٍ يُجْهَرُ بِهِ إلّا وهو أوْ مَبادِيهِ مُضْمَرٌ في القَلْبِ يَتَعَلَّقُ بِهِ الإسْرارُ غالِبًا، فَتَعْلُّقُ علمه تعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرٌ لَهُ، وفي صِيغَةِ الفَعِيلِ وتَحْلِيَةِ الصُّدُورِ بِلامِ الأسْتِغْراقِ، ووَصْفِ الضَّمائِرِ بِصاحِبِيَّتِها مِنَ الجَزالَةِ ما لا غايَةَ وراءَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ مُبالِغٌ في الإحاطَةِ بِمُضْمَراتِ جَمِيعِ النّاسِ وأسْرارِهِمُ الخَفِيَّةِ المُسْتَكِنَّةِ في صُدُورِهِمْ، بِحَيْثُ لا تَكادُ تُفارِقُها أصْلًا، فَكَيْفَ يَخْفى عَلَيْهِ ما تُسِرُّونَهُ وتَجْهَرُونَ بِهِ؟! ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِـ"ذاتِ الصُّدُورِ" القُلُوبُ الَّتِي في الصَّدْرِ، والمَعْنى: أنَّهُ عَلِيمٌ بِالقُلُوبِ وأحْوالِها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ سِرٌّ مِن أسْرارِها، وقَوْلُهُ تَعالى:
67:14Page 563
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤
Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?
﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾ (p-7)إنْكارٌ ونَفْيٌ لِعَدَمِ إحاطَةِ علمه تعالى بِالمُضْمَرِ والمُظْهَرِ، أيْ: ألا يَعْلَمُ السِّرَّ والجَهْرَ مَن أوْجَدَ بِمُوجِبِ حِكْمَتِهِ جَمِيعَ الأشْياءِ الَّتِي هُما مِن جُمْلَتِها، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ "يَعْلَمُ" مُؤَكِّدَةٌ لِلْإنْكارِ والنَّفْيِ، أيْ: ألا يَعْلَمُ ذَلِكَ، والحالُ أنَّهُ المُتَوَصِّلُ عِلْمُهُ إلى ما ظَهَرَ مِن خَلْقِهِ وما بَطَنَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "مَن خَلَقَ" مَنصُوبًا، والمَعْنى: ألا يَعْلَمُ اللَّهُ مَن خَلَقَهُ، والحالُ أنَّهُ بِهَذِهِ المَثابَةِ مِن شُمُولِ العِلْمِ، ولا مَساغَ لِإخْلاءِ العِلْمِ عَنِ المَفْعُولِ، بِإجْرائِهِ مَجْرى "يُعْطِي ويَمْنَعُ" عَلى مَعْنى: ألا يَكُونُ عالِمًا مَن خَلَقَ؛ لِأنَّ الخَلْقَ لا يَتَأتّى بِدُونِ العِلْمِ لِخُلُوِّ الحالِ حِينَئِذٍ مِنَ الإفادَةِ؛ لِأنَّ نَظْمَ الكَلامِ حِينَئِذٍ: ألا يَكُونُ عالِمًا وهو مُبالِغٌ في العِلْمِ.
67:15Page 563
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ ١٥
It is He who made the earth tame1 for you - so walk among its slopes and eat of His provision - and to Him is the resurrection.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ لَيِّنَةً يَسْهُلُ عَلَيْكُمُ السُّلُوكُ فِيها، وتَقْدِيمُ "لَكُمْ" عَلى مَفْعُولَيِ الجَعْلِ مَعَ أنَّ حَقَّهُ التَّأخُّرُ عَنْهُما؛ لِلِاهْتِمامِ بِما قُدِّمَ والتَّشْوِيقِ إلى ما أُخِّرَ، فَإنَّ ما حَقُّهُ التَّقْدِيمُ إذا أُخِّرَ لا سِيَّما عِنْدَ كَوْنِ المُقَدَّمِ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَوْنِ المُؤَخَّرِ مِن مَنافِعَ المُخاطَبِينَ، تَبْقى النَّفْسُ مُتَرَقِّبَةً لِوُرُودِهِ فَيَتَمَكَّنُ لَدَيْها عِنْدَ ذِكْرِهِ فَضْلُ تَمَكُّنٍ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فامْشُوا في مَناكِبِها﴾ لِتَرْتِيبِ الأمْرِ عَلى الجَعْلِ المَذْكُورِ، أيْ: فاسْلُكُوا في جَوانِبِها، أوْ جِبالِها، وهو مَثَلٌ لِفَرْطِ التَّذْلِيلِ، فَإنَّ مَنكِبَ البَعِيرِ أرَقُّ أعْضائِهِ وأنْباها عَنْ أنْ يَطَأهُ الرّاكِبُ بِقَدَمِهِ، فَإذا جَعَلَ الأرْضَ في الذُّلِّ بِحَيْثُ يَتَأتّى المَشْيُ في مَناكِبِها، لَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ لَمْ يَتَذَلَّلْ ﴿وَكُلُوا مِن رِزْقِهِ﴾ والتَمِسُوا مِن نِعَمِ اللَّهِ تَعالى ﴿وَإلَيْهِ النُّشُورُ﴾ أيِ: المَرْجِعُ بَعْدَ البَعْثِ، لا إلى غَيْرِهِ فَبالِغُوا في شُكْرِ نِعَمِهِ وآلائِهِ.
67:16Page 563
ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ ١٦
Do you feel secure that He who is above1 would not cause the earth to swallow you and suddenly it would sway?2
﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ أيِ: المَلائِكَةَ المُوَكَّلِينَ بِتَدْبِيرِ هَذا العالَمِ، أوِ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى تَأْوِيلِ: مَن في السَّماءِ أمْرُهُ وقَضاؤُهُ، أوْ عَلى زَعْمِ العَرَبِ حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهُ – تَعالى - في السَّماءِ، أيْ: أأمِنتُمْ مَن تَزْعُمُونَ أنَّهُ في السَّماءِ، وهو مُتَعالٍ عَنِ المَكانِ ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ بَعْدَما جَعَلَها لَكم ذَلُولًا تَمْشُونَ في مَناكِبِها، وتَأْكُلُونَ مِن رِزْقِهِ؛ لِكُفْرانِكم تِلْكَ النِّعْمَةَ، أيْ: يَقْلِبَها مُلْتَبِسَةً بِكم فَيُغَيِّبَكم فِيها، كَما فَعَلَ بِـ"قارُونَ"، وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن "مَن"، وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ الجارِّ، أيْ: مِن أنْ يَخْسِفَ ﴿فَإذا هي تَمُورُ﴾ أيْ: تَضْطَرِبُ ذِهابًا ومَجِيئًا عَلى خِلافِ ما كانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الذُّلِّ والاطْمِئْنانِ.
67:17Page 563
أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ ١٧
Or do you feel secure that He who is above would not send against you a storm of stones? Then you would know how [severe] was My warning.
﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ إضْرابٌ عَنِ التَّهْدِيدِ بِما ذَكَرَ، وانْتِقالُ التَّهْدِيدِ بِوَجْهٍ آخَرَ، أيْ: بَلْ أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ ﴿أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ أيْ: حِجارَةً مِنَ السَّماءِ كَما أرْسَلَها عَلى قَوْمِ لُوطٍ وأصْحابِ الفِيلِ، وقِيلَ: رِيحًا فِيها حِجارَةٌ وحَصْباءُ، كَأنَّها تُقْلِعُ الحَصْباءَ لِشِدَّتِها وقُوَّتِها، وقِيلَ: هي سَحابٌ فِيها حِجارَةٌ ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ عَنْ قَرِيبٍ ألْبَتَّةَ ﴿كَيْفَ نَذِيرِ﴾ أيْ: إنْذارِي عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِلْمُنْذَرِ بِهِ، ولَكِنْ لا يَنْفَعُكُمُ العِلْمُ حِينَئِذٍ، وقُرِئَ: (فَسَيَعْلَمُونَ) بِالياءِ.
67:18Page 563
وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ١٨
And already had those before them denied, and how [terrible] was My reproach.
﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن قَبْلِ كُفّارِ مَكَّةَ مِن كُفّارِ الأُمَمِ السّالِفَةِ كَقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وأضْرابِهِمْ، والألْتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ لِإبْرازِ (p-8)الإعْراضِ عَنْهم ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ أيْ: إنْكارِي عَلَيْهِمْ بِإنْزالِ العَذابِ، أيْ: كانَ عَلى غايَةِ الهَوْلِ، والفَظاعَةِ، وهَذا هو مَوْرِدُ التَّأْكِيدِ القَسَمِيِّ، لا تَكْذِيبُهم فَقَطْ، وفِيهِ مِنَ المُبالَغَةِ في تَسْلِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَشْدِيدِ التَّهْدِيدِ لِقَوْمِهِ ما لا يَخْفى.
67:19Page 563
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ ١٩
Do they not see the birds above them with wings outspread and [sometimes] folded in? None holds them [aloft] except the Most Merciful. Indeed He is, of all things, Seeing.
﴿أوَلَمْ يَرَوْا﴾ أغْفَلُوا ولَمْ يَنْظُرُوا ﴿إلى الطَّيْرِ فَوْقَهم صافّاتٍ﴾ باسِطاتٍ أجْنِحَتَهُنَّ في الجَوِّ عِنْدَ طَيَرانِها، فَإنَّهُنَّ إذا بَسَطْنَها صَفَفْنَ قَوادِمَها صَفًّا ﴿وَيَقْبِضْنَ﴾ ويَضْمُمْنَها إذا ضَرَبْنَ بِها جُنُوبَهُنَّ حِينًا فَحِينًا لِلِاسْتِظْهارِ بِهِ عَلى التَّحَرُّكِ، وهو السِّرُّ في إيثارِ "يَقْبِضْنَ" الدّالِّ عَلى تَجَدُّدِ القَبْضِ تارَةً بَعْدَ تارَةٍ عَلى "قابِضاتٍ" ﴿ما يُمْسِكُهُنَّ﴾ في الجَوِّ عِنْدَ الصَّفِّ والقَبْضِ، عَلى خِلافِ مُقْتَضى الطَّبْعِ ﴿إلا الرَّحْمَنُ﴾ الواسِعُ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ بِأنْ بَرَأهُنَّ عَلى أشْكالٍ وخَصائِصَ، وهَيَّأهُنَّ لِلْجَرْيِ في الهَواءِ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقْبِضْنَ ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ يَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ إبْداعِ المُبْدَعاتِ وتَدْبِيرِ المَصْنُوعاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى:
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences