Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
Al-Isra 17:12–22
17:12Page 283
وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا ١٢
And We have made the night and day two signs, and We erased the sign of the night and made the sign of the day visible1 that you may seek bounty from your Lord and may know the number of years and the account [of time]. And everything We have set out in detail.
﴿وَجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضِ وُجُوهِ ما ذُكِرَ مِنَ الهِدايَةِ بِالإرْشادِ إلى مَسْلَكِ الِاسْتِدْلالِ بِالآياتِ، والدَّلائِلِ الآفاقِيَّةِ الَّتِي كُلُّ واحِدَةٍ مِنها بُرْهانٌ نَيِّرٌ لا رَيْبَ فِيهِ، ومِنهاجٌ بَيِّنٌ لا يُضِلُّ مَن لا يَنْتَحِيهِ، فَإنَّ الجَعْلَ المَذْكُورُ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن مَحْوِ آيَةِ اللَّيْلِ، وجَعْلِ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً، وإنْ كانَتْ مِنَ الهِداياتِ التَّكْوِينِيَّةِ لَكِنَّ الإخْبارَ بِذَلِكَ مِنَ الهِداياتِ القرآنيَّةِ المُنَبِّهَةِ عَلى تِلْكَ الهِداياتِ، وتَقْدِيمُ اللَّيْلِ لِمُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ إذْ مِنهُ يَنْسَلِخُ النَّهارُ، وفِيهِ تَظْهَرُ غُرَرُ الشُّهُورِ، ولَوْ أنَّ اللَّيْلَةَ أُضِيفَتْ إلى ما قَبْلَها مِنَ النَّهارِ لَكانَتْ مِن شَهْرٍ، وصاحِبُها مِن شَهْرٍ آخَرَ، ولِتَرْتِيبِ غايَةِ آيَةِ النَّهارِ عَلَيْها بِلا واسِطَةٍ، أيْ: جَعَلْنا المَلَوَيْنِ بِهْيَآتِهِما وتَعاقُبِهِما واخْتِلافِهِما في الطُّولِ والقِصَرِ عَلى وتِيرَةٍ عَجِيبَةٍ يَحارُ في فَهْمِها العُقُولُ، آيَتَيْنِ تَدُلّانِ عَلى أنَّ لَهُما صانِعًا حَكِيمًا قادِرًا عَلِيمًا، وتَهْدِيانِ إلى ما هَدى إلَيْهِ القرآن الكَرِيمُ مِن مِلَّةِ الإسْلامِ والتَّوْحِيدِ.
﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الإضافَةُ إمّا بَيانِيَّةٌ كَما في إضافَةِ العَدَدِ إلى المَعْدُودِ، أيْ: مَحَوْنا الآيَةَ الَّتِي هي اللَّيْلُ، وفائِدَتُها تَحْقِيقُ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ، ومَحْوُها جَعْلُها مَمْحُوَّةَ الضَّوْءِ مَطْمُوسَتَهُ لَكِنْ لا بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بَلْ إبْداعُها عَلى ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِمْ: سُبْحانَ مَن صَغَّرَ البَعُوضَ، وكَبَّرَ الفِيلَ، أيْ: أنْشَأهُما كَذَلِكَ. والفاءُ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لِأنَّ المَحْوَ المَذْكُورَ وما عُطِفَ عَلَيْهِ لَيْسَ مِمّا يَحْصُلُ عَقِيبَ جَعْلِ الجَدِيدَيْنِ آيَتَيْنِ بَلْ هُما مِن جُمْلَةِ ذَلِكَ الجَعْلِ ومُتَمِّماتِهِ.
﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ أيِ: الآيَةَ الَّتِي هي النَّهارُ عَلى نَحْوِ ما مَرَّ ﴿مُبْصِرَةً﴾ (p-160)أيْ: مُضِيئَةً يُبْصَرُ فِيها الأشْياءُ وصْفًا لَها بِحالِ أهْلِها، أوْ مُبْصِرَةً لِلنّاسِ مِن أبْصَرَهُ فَبَصُرَهُ، وإمّا حَقِيقِيَّةً، وآيَةُ اللَّيْلِ والنَّهارِ نَيِّراهُما. ومَحْوُ القَمَرِ إمّا خَلْقُهُ مَطْمُوسَ النُّورِ في نَفْسِهِ، فالفاءُ كَما ذُكِرَ. وإمّا نَقْصُ ما اسْتَفادَهُ مِنَ الشَّمْسِ شَيْئًا فَشَيْئًا إلى المِحاقِ عَلى ما هو مَعْنى المَحْوِ، و "الفاءُ" لِلتَّعْقِيبِ، وجَعْلُ الشَّمْسِ مُبْصِرَةً إبْداعُها، مُضِيئَةً بِالذّاتِ ذاتَ أشِعَّةٍ تَظْهَرُ بِها الأشْياءُ المُظْلِمَةُ، ﴿لِتَبْتَغُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ﴾ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ أيْ: وجَعَلْناها مُضِيئَةً لِتَطْلُبُوا لِأنْفُسِكم في بَياضِ النَّهارِ، ﴿فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ أيْ: رِزْقًا إذْ لا يَتَسَنّى ذَلِكَ في اللَّيْلِ، وفي التَّعْبِيرِ عَنِ الرِّزْقِ بِالفَضْلِ، وعَنِ الكَسْبِ بِالِابْتِغاءِ. والتَّعَرُّضِ لِصِفَةِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ شَيْئًا فَشَيْئًا دَلالَةٌ عَلى أنْ لَيْسَ لِلْعَبْدِ في تَحْصِيلِ الرِّزْقِ تَأْثِيرٌ سِوى الطَّلَبِ، وإنَّما الإعْطاءُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لا بِطْرِيقِ الوُجُوبِ عَلَيْهِ بَلْ تَفَضُّلًا بِحُكْمِ الربوبية.
﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الفِعْلَيْنِ، أعْنِي مَحْوَ آيَةِ اللَّيْلِ، وجَعْلَ آيَةِ النَّهارِ مُبْصِرَةً لا بِأحَدِهِما فَقَطْ، إذْ لا يَكُونُ ذَلِكَ بِانْفِرادِهِ مَدارًا لِلْعِلْمِ المَذْكُورِ، أيْ: لِتَعْلَمُوا بِتَفاوُتِ الجَدِيدَيْنِ، أوْ نَيِّرَيْهِما ذاتًا مِن حَيْثُ الإظْلامُ، والإضاءَةُ مَعَ تَعاقُبِهِما، أوْ حَرَكَتِهِما وأوْضاعِهِما، وسائِرِ أحْوالِهِما.
﴿عَدَدَ السِّنِينَ﴾ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها غَرَضٌ عِلْمِيٌّ لِإقامَةِ مَصالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ.
﴿والحِسابَ﴾ أيِ: الحِسابَ المُتَعَلِّقَ بِما في ضِمْنِها مِنَ الأوْقاتِ، أيِ: الأشْهُرِ واللَّيالِي والأيّامِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا نِيطَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ المَصالِحِ المَذْكُورَةِ، ونَفْسُ السَّنَةِ مِن حَيْثُ تُحَقُّقُها مِمّا يَنْتَظِمُهُ الحِسابُ، وإنَّما الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ العَدُّ طائِفَةٌ مِنها، وتَعَلُّقُهُ في ضِمْنِ ذَلِكَ بِكُلِّ واحِدَةٍ مِنها لَيْسَ مِنَ الحَيْثِيَّةِ المَذْكُورَةِ. أعْنِي حَيْثِيَّةَ تَحَقُّقِها، وتَحَصُّلُها مِن عِدَّةِ أشْهُرٍ قَدْ تَحَصَّلَ كُلُّ واحِدٍ مِنها مِن عِدَّةِ أيّامٍ، قَدْ حَصَّلَ كُلٌّ مِنها بِطائِفَةٍ مِنَ السّاعاتِ، مَثَلًا، فَإنَّ ذَلِكَ وظِيفَةُ الحِسابِ بَلْ مِن حَيْثُ إنَّها فَرْدٌ مِن تِلْكَ الطّائِفَةِ المَعْدُودَةِ يُعِدُّها، أيْ: يُفْنِيها مِن غَيْرِ أنْ يُعْتَبَرَ في ذَلِكَ تَحَصُّلُ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وتَحْقِيقُهُ ما مَرَّ في سُورَةِ يُونُسَ مِن أنَّ الحِسابَ إحْصاءُ ما لَهُ كَمِّيَّةٌ مُنْفَصِلَةٌ بِتَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن حَيْثُ يَتَحَصَّلُ بِطائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنها حَدٌّ مُعَيَّنٌ مِنهُ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ، وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ كَما أُشِيرَ إلَيْهِ آنِفًا. والعَدُّ إحْصاؤُهُ بِمُجَرَّدِ تَكْرِيرِ أمْثالِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَتَحَصَّلَ مِنهُ شَيْءٌ كَذَلِكَ، ولِما أنَّ السِّنِينَ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيها حَدٌّ مُعَيَّنٌ لَهُ اسْمٌ خاصٌّ، وحُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ أُضِيفَ إلَيْها العَدَدُ، وعَلَّقَ الحِسابَ بِما عاداها مِمّا اعْتُبِرَ فِيهِ تَحَصُّلُ مَراتِبَ مُعَيَّنَةٍ لَها أسامٍ خاصَّةٌ، وأحْكامٌ مُسْتَقِلَّةٌ. وتَحَصُّلُ مَراتِبِ الأعْدادِ مِنَ العَشَراتِ والمِئاتِ والأُلُوفِ اعْتِبارِيٌّ لا يُجْدِي في تَحَصُّلِ المَعْدُوداتِ، وتَقْدِيمُ العَدَدِ عَلى الحِسابِ مَعَ أنَّ التَّرْتِيبَ بَيْنَ مُتَعَلِّقَيْهِما وُجُودًا وعِلْمًا عَلى العَكْسِ لِلتَّنْبِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ عَلى أنَّ مُتَعَلِّقَ الحِسابِ ما في تَضاعِيفِ السِّنِينَ مِنَ الأوْقاتِ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِعَدَدِ السِّنِينَ عِلْمٌ إجْمالِيٌّ بِما تَعَلَّقَ بِهِ الحِسابُ تَفْصِيلًا، أوْ لِأنَّ العَدَدَ مِن حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ تَحَصُّلُ شَيْءٍ آخَرَ مِنهُ حَسْبَما ذُكِرَ نازِلٌ مِنَ الحِسابِ المُعْتَبَرِ فِيهِ ذَلِكَ مَنزِلَةَ البَسِيطِ مِنَ المُرَكَّبِ، أوْ لِأنَّ العِلْمَ المُتَعَلِّقَ بِالأوَّلِ أقْصى المَراتِبِ فَكانَ جَدِيرًا بِالتَّقْدِيمِ في مَقامِ الِامْتِنانِ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ تَفْتَقِرُونَ إلَيْهِ في المَعاشِ والمَعادِ سِوى ما ذُكِرَ مِن جَعْلِ اللَّيْلِ والنَّهارِ آيَتَيْنِ، وما يَتْبَعُهُ مِنَ المَنافِعِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ. وهو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ يُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَّلْناهُ تَفْصِيلا﴾ أيْ: بَيَّناهُ في القرآن الكَرِيمِ بَيانًا بَلِيغًا لا التِباسَ مَعَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ فَظَهَرَ كَوْنُهُ هادِيًا لِلَّتِي هي أقْوَمُ ظُهُورًا بَيِّنًا.
17:13Page 283
وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا ١٣
And [for] every person We have imposed his fate upon his neck,1 and We will produce for him on the Day of Resurrection a record which he will encounter spread open.
(p-161)﴿وَكُلَّ إنْسانٍ﴾ مُكَلِّفٍ ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ أيْ: عَمَلَهُ الصّادِرَ عَنْهُ بِاخْتِيارِهِ حَسْبَما قُدِّرَ لَهُ كَأنَّهُ طارَ إلَيْهِ مِن عُشِّ الغَيْبِ ووَكْرِ القَدَرِ، أوْ ما وقَعَ لَهُ في القِسْمَةِ الأزَلِيَّةِ الواقِعَةِ حَسَبَ اسْتِحْقاقِهِ في العِلْمِ الأزَلِيِّ مِن قَوْلِهِمْ: طارَ لَهُ سَهْمُ كَذا.
﴿فِي عُنُقِهِ﴾ تَصْوِيرٌ لِشِدَّةِ اللُّزُومِ، وكَمالِ الِارْتِباطِ، أيْ: ألْزَمْناهُ عَمَلَهُ بِحَيْثُ لا يُفارِقُهُ أبَدًا. بَلْ يَلْزَمُهُ لُزُومَ القِلادَةِ أوِ الغُلِّ لِلْعُنُقِ لا يَنْفَكُّ عَنْهُ بِحالٍ. وقُرِئَ: بِسُكُونِ النُّونِ.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ﴾ بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَدْ قُرِئَ: بِالياءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولِلْمَفْعُولِ، والضَّمِيرُ لِلطّائِرِ كَما في قِراءَةِ يُخْرَجُ مِنَ الخُرُوجِ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ والبَعْثِ لِلْحِسابِ ﴿كِتابًا﴾ مَسْطُورًا فِيهِ ما ذُكِرَ مِن عَمَلِهِ نَقِيرًا وقِطْمِيرًا، وهو مَفْعُولٌ لِنُخْرِجُ عَلى القِراءَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ، أوْ حالٌ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ الرّاجِعِ إلى الطّائِرِ، وعَلى الأُخْرَيَيْنِ حالٌ مِنَ المُسْتَتِرِ في الفِعْلِ مِن ضَمِيرِ الطّائِرِ.
﴿يَلْقاهُ﴾ أيْ: يَلْقى الإنْسانَ، أوْ يَلْقاهُ الإنْسانُ.
﴿مَنشُورًا﴾ وهُما صِفَتانِ لِلْكِتابِ، أوِ الأُولى صِفَةٌ. والثّانِي حالٌ مِنها. وقُرِئَ: (يَلْقاهُ) مِن لَقِيتُهُ كَذا، أيْ: يَلْقى الإنْسانُ إيّاهُ. قالَ الحَسَنُ: بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ فَهُما عَنْ يَمِينِكَ وعَنْ شِمالِكَ، فَأمّا الَّذِي عَنْ يَمِينِكَ فَيَحْفَظُ حَسَناتِكَ، وأمّا الَّذِي عَنْ شِمالِكَ فَيَحْفَظُ سَيِّئاتِكَ، حَتّى إذا مُتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، وجُعِلَتْ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ لَكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
17:14Page 283
ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا ١٤
[It will be said], "Read your record. Sufficient is yourself against you this Day as accountant."
﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ أيْ: قائِلِينَ لَكَ ذَلِكَ. عَنْ قَتادَةَ: يَقْرَأُ ذَلِكَ اليَوْمَ مَن لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا قارِئًا. وقِيلَ المُرادُ بِالكِتابِ: نَفْسُهُ المُنْتَقَشَةُ بِآثارِ أعْمالِهِ، فَإنَّ كُلَّ عَمَلٍ يَصْدُرُ مِنَ الإنْسانِ خَيْرًا أوْ شَرًّا يَحْدُثُ مِنهُ في جَوْهَرِ رُوحِهِ أمْرٌ مَخْصُوصٌ إلّا أنَّهُ يَخْفى ما دامَ الرُّوحُ مُتَعَلِّقًا بِالبَدَنِ مُشْتَغِلًا بِوارِداتِ الحَواسِّ، والقُوى، فَإذا انْقَطَعَتْ عَلاقَتُهُ عَنِ البَدَنِ قامَتْ قِيامَتُهُ؛ لِأنَّ النَّفْسَ كانَتْ ساكِنَةً مُسْتَقِرَّةً في الجَسَدِ، وعِنْدَ ذَلِكَ قامَتْ وتَوَجَّهَتْ نَحْوَ الصُّعُودِ إلى العالَمِ العُلْوِيِّ، فَيَزُولُ الغِطاءُ، وتَنْكَشِفُ الأحْوالُ، ويَظْهَرُ عَلى لَوْحِ النَّفْسِ نَقْشُ كُلِّ شَيْءٍ عَمِلَهُ في مُدَّةِ عُمُرِهِ، وهَذا مَعْنى الكِتابَةِ والقِراءَةِ.
﴿كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ أيْ: كَفى نَفْسُكَ و "الباءُ" زائِدَةٌ، و "اليَوْمَ" ظَرْفٌ لِـ "كَفى" و "حَسِيبًا" تَمْيِيزٌ و "عَلى" صِلَتُهُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الحاسِبِ كالصَّرِيمِ بِمَعْنى الصّارِمِ مِن حَسَبَ عَلَيْهِ كَذا. أوْ بِمَعْنى الكافِي، ووُضِعَ مَوْضِعَ الشَّهِيدِ؛ لِأنَّهُ يَكْفِي المُدَّعِي ما أهَمَّهُ. وتَذْكِيرُهُ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الحِسابِ والكِفايَةِ مِمّا يَتَوَلّاهُ الرِّجالُ، أوْ لِأنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى تَأْوِيلِ النَّفْسِ بِالشَّخْصِ عَلى أنَّها عِبارَةٌ عَنِ النَّفْسِ المُذَكَّرِ كَقَوْلِ جَبَلَةَ بْنِ حُرَيْثٍ:
؎ يا نَفْسُ إنَّكِ بِاللَّذّاتِ مَسْرُورٌ فاذْكُرْ فَهَلْ يَنْفَعَنَّكَ اليَوْمَ تَذْكِيرُ
17:15Page 283
مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا ١٥
Whoever is guided is only guided for [the benefit of] his soul. And whoever errs only errs against it. And no bearer of burdens will bear the burden of another. And never would We punish until We sent a messenger.
﴿مَنِ اهْتَدى فَإنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ مِن بَيانِ كَوْنِ القرآن هادِيًا لِأقُومِ الطَّرائِقِ، ولُزُومِ الأعْمالِ لِأصْحابِها، أيْ مَنِ اهْتَدى بِهِدايَتِهِ، وعَلِمَ بِما في تَضاعِيفِهِ مِنَ الأحْكامِ، وانْتَهى عَمّا نَهاهُ عَنْهُ، فَإنَّما تَعُودُ (p-162)مَنفَعَةُ اهْتِدائِهِ إلى نَفْسِهِ لا تَتَخَطّاهُ إلى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَهْتَدِ.
﴿وَمَن ضَلَّ﴾ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَهْدِيهِ إلَيْها، ﴿فَإنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ أيْ: فَإنَّما وبالُ ضَلالِهِ عَلَيْها لا عَلى مَن عَداهُ مِمَّنْ لَمْ يُباشِرْهُ حَتّى يُمْكِنَ مُفارَقَةُ العَمَلِ صاحِبَهُ.
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ تَأْكِيدٌ لِلْجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، أيْ: لا تَحْمِلُ نَفْسٌ حامِلَةٌ لِلْوِزْرِ وِزْرَ نَفْسٍ أُخْرى، حَتّى يُمْكِنَ تَخَلُّصُ النَّفْسِ الثّانِيَةِ عَنْ وِزْرِها، ويَخْتَلُّ ما بَيْنَ العامِلِ وعِلْمِهِ مِنَ التَّلازُمِ بَلْ إنَّما تَحْمِلُ كُلٌّ مِنها وِزْرَها، وهَذا تَحْقِيقٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وأمّا ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أوْزارَهم كامِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ ومِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مِن حَمْلِ الغَيْرِ وِزْرَ الغَيْرِ، وانْتِفاعِهِ بِحَسَنَتِهِ، وتَضَرُّرِهِ بِسَيِّئَتِهِ فَهو في الحَقِيقَةِ انْتِفاعٌ بِحَسَنَةِ نَفْسِهِ، وتَضَرُّرٌ بِسَيِّئَتِهِ، فَإنَّ جَزاءَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ اللَّتَيْنِ يَعْمَلُهُما العامِلُ لازِمٌ لَهُ، وإنَّما الَّذِينَ يَصِلُ إلى مَن يَشْفَعُ جَزاءُ شَفاعَتِهِ لا جَزاءَ أصْلِ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، وكَذَلِكَ جَزاءُ الضَّلالِ مَقْصُورٌ عَلى الضّالِّينَ. وما يَحْمِلُهُ المُضِلُّونَ إنَّما هو جَزاءُ الإضْلالِ لا جَزاءُ الضَّلالِ، وإنَّما خُصَّ التَّأْكِيدُ بِالجُمْلَةِ الثّانِيَةِ قَطْعًا لِلْأطْماعِ الفارِغَةِ، حَيْثُ كانُوا يَزْعُمُونَ أنَّهم إنْ لَمْ يَكُونُوا عَلى الحَقِّ فالتَّبِعَةُ عَلى أسْلافِهِمُ الَّذِينَ قَلَّدُوهم.
﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ﴾ بَيانٌ لِلْعِنايَةِ الرَّبّانِيَّةِ إثْرَ بَيانِ اخْتِصاصِ آثارِ الهِدايَةِ، والضَّلالِ بِأصْحابِها، وعَدَمِ حِرْمانِ المُهْتَدِي مِن ثَمَراتِ هِدايَتِهِ، وعَدَمِ مُؤاخَذَةِ النَّفْسِ بِجِنايَةِ غَيْرِها، أيْ: وما صَحَّ، وما اسْتَقامَ مِنّا بَلِ اسْتَحالَ في سُنَّتِنا المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ. أوْ ما كانَ في حُكْمِنا الماضِي، وقَضائِنا السّابِقِ أنْ نُعَذِّبَ أحَدًا مِن أهْلِ الضَّلالِ، والأوْزارِ اكْتِفاءً بِقَضِيَّةِ العَقْلِ.
﴿حَتّى نَبْعَثَ﴾ إلَيْهِمْ ﴿رَسُولا﴾ يَهْدِيهِمْ إلى الحَقِّ، ويَرْدَعُهم عَنِ الضَّلالِ، ويُقِيمُ الحُجَجَ، ويُمَهِّدُ الشَّرائِعَ حَسْبَما في تَضاعِيفِ الكِتابِ المُنَزَّلِ عَلَيْهِ. والمُرادُ بِالعَذابِ المَنفِيِّ: إمّا عَذابُ الِاسْتِئْصالِ، كَما قالَهُ الشَّيْخُ أبُو مَنصُورٍ الماتُرِيدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ. وهو المُناسِبُ لِما بَعْدَهُ. أوِ الجِنْسُ الشّامِلُ لِلدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ، وهو مِن أفْرادِهِ، وأيًّا ما كانَ فالبَعْثُ غايَةٌ لِعَدَمِ صِحَّةِ وُقُوعِهِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ لا لِعَدَمِ وُقُوعِهِ مُطْلَقًا. كَيْفَ لا والأُخْرَوِيُّ لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عَقِيبَ البَعْثِ، والدُّنْيَوِيُّ أيْضًا لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُهُ مِنَ الفِسْقِ والعِصْيانِ؟! ألا يُرى إلى قَوْمِ نُوحٍ كَيْفَ تَأخَّرَ عَنْهم ما حَلَّ بِهِمْ زُهاءَ ألْفِ سَنَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
17:16Page 283
وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا ١٦
And when We intend to destroy a city, We command its affluent1 but they defiantly disobey therein; so the word [i.e., deserved decree] comes into effect upon it, and We destroy it with [complete] destruction.
﴿وَإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِ التَّعْذِيبِ بَعْدَ البَعْثَةِ الَّتِي جُعِلَتْ غايَةً لِعَدَمِ صِحَّتِهِ، ولَيْسَ المُرادُ بِالإرادَةِ تَحَقُّقَها بِالفِعْلِ إذْ لا يَتَخَلَّفُ عَنْها المُرادُ، ولا الإرادَةُ الأزَلِيَّةُ المُتَعَلِّقَةُ بِوُقُوعِ المُرادِ في وقْتِهِ المُقَدَّرِ لَهُ، إذْ لا يُقارِنُهُ الجَزاءُ الآتِي بَلْ دُنُوُّ وقْتِها، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ أيْ: وإذا دَنا وقْتُ تَعَلُّقِ إرادَتِنا بِإهْلاكِ قَرْيَةٍ بِأنْ نُعَذِّبَ أهْلَها بِما ذَكَرْنا مِن عَذابِ الِاسْتِئْصالِ الَّذِي بَيَّنّا أنَّهُ لا يَصِحُّ مِنّا قَبْلَ البَعْثَةِ، أوْ بِنَوْعٍ مِمّا ذَكَرْنا شَأْنَهُ مِن مُطْلَقِ العَذابِ، أعْنِي عَذابَ الِاسْتِئْصالِ، لِما لَهم مِنَ الظُّلْمِ والمَعاصِي دُنُوًّا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ حَدٌّ مُعَيَّنٌ.
﴿أمَرْنا﴾ بِواسِطَةِ الرَّسُولِ المَبْعُوثِ إلى أهْلِها، ﴿مُتْرَفِيها﴾ مُتَنَعَّمِيها، وجَبّارِيها، ومُلُوكَها، خَصَّهم بِالذِّكْرِ مَعَ تَوَجُّهِ الأمْرِ (p-163)إلى الكُلِّ؛ لِأنَّهُمُ الأُصُولُ في الخِطابِ، والباقِي أتْباعٌ لَهم. ولِأنَّ تَوَجُّهَ الأمْرِ إلَيْهِمْ آكَدُ، وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ إمّا لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ بِهِ الحَقُّ والخَيْرُ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالفَحْشاءِ لا سِيَّما بَعْدَ ذِكْرِ هِدايَةِ القرآن لِما يَهْدِي إلَيْهِ، وإمّا لِأنَّ المُرادَ وُجِدَ مِنّا الأمْرُ، كَما يُقالُ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ.
﴿فَفَسَقُوا فِيها﴾ أيْ: خَرَجُوا عَنِ الطّاعَةِ، وتَمَرَّدُوا.
﴿فَحَقَّ عَلَيْها القَوْلُ﴾ أيْ: ثَبَتَ وتَحَقَّقَ مُوجِبُهُ بِحُلُولِ العَذابِ، إثْرَ ما ظَهَرَ مِنهم مِنَ الفِسْقِ والطُّغْيانِ.
﴿فَدَمَّرْناها﴾ بِتَدْمِيرِ أهْلِها ﴿تَدْمِيرًا﴾ لا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ، ولا يُوصَفُ، هَذا هو المُناسِبُ لِما سَبَقَ. وقِيلَ: الأمْرُ مَجازٌ عَنِ الحَمْلِ عَلى الفِسْقِ، والتَّسَبُّبِ لَهُ، بِأنْ صَبَّ عَلَيْهِمْ ما أبْطَرَهُمْ، وأفْضى بِهِمْ إلى الفُسُوقِ. وقِيلَ: هو بِمَعْنى التَّكْثِيرِ، يُقالُ: أمَرْتُ الشَّيْءَ فَأُمِرَ، أيْ: كَثَّرْتُهُ فَكَثُرَ. وفي الحَدِيثِ: خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ، ومُهْرَةٌ مَأْمُورَةٌ، أيْ: كَثِيرَةُ النِّتاجِ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ (آمَرْنا) (وَأمَرْنا) مِنَ الإفْعالِ، والتَّفْعِيلِ. وقَدْ جُعِلَتا مِنَ الإمارَةِ، أيْ: جَعَلْناهم أُمَراءَ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُساعِدُهُ مَقامُ الزَّجْرِ عَنِ الضَّلالِ، والحَثِّ عَلى الِاهْتِداءِ، فَإنَّ مُؤَدّى ذَلِكَ أنَّ طُغْيانَهم مَنُوطٌ بِإرادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإنْعامِهِ عَلَيْهِمْ بِنِعَمٍ وافِرَةٍ أبْطَرَتْهُمْ، وحَمَلَتْهم عَلى الفِسْقِ حَمْلًا حَقِيقًا بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِالأمْرِ بِهِ.
17:17Page 283
وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ١٧
And how many have We destroyed from the generations after Noah. And sufficient is your Lord, concerning the sins of His servants, as Aware and Seeing.
﴿وَكَمْ أهْلَكْنا﴾ أيْ: وكَثِيرًا ما أهْلَكْنا ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ بَيانٌ لَكُمْ، وتَمْيِيزٌ لَهُ. و "القَرْنُ" مُدَّةٌ مِنَ الزَّمانِ يُخْتَرَمُ فِيها القَوْمُ، وهي عِشْرُونَ، أوْ ثَلاثُونَ، أوْ أرْبَعُونَ، أوْ ثَمانُونَ، أوْ مِائَةٌ. وقَدْ أُيِّدَ ذَلِكَ بِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «دَعا لِرَجُلٍ فَقالَ: عِشْ قَرْنًا فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، أوْ مِائَةً وعِشْرِينَ» .
﴿مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾ مِن بَعْدِ زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَعادٍ وثَمُودَ ومَن بَعْدَهم مِمَّنْ قُصَّتْ أحْوالُهم في القرآن العَظِيمِ، ومَن لَمْ تُقَصَّ، وعَدَمُ نَظْمِ قَوْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في تِلْكَ القُرُونِ المَهْلَكَةِ لِظُهُورِ أمْرِهِمْ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَمْزٌ إلى ذِكْرِهِمْ.
﴿وَكَفى بِرَبِّكَ﴾ أيْ: كَفى رَبُّكَ.
﴿بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ يُحِيطُ بِظَواهِرِها، وبَواطِنِها، فَيُعاقِبُ عَلَيْها، وتَقْدِيمُ الخَبِيرِ لِتَقَدُّمِ مُتَعَلَّقِهِ مِنَ الِاعْتِقاداتِ، والنِّيّاتِ الَّتِي هي مَبادِئُ الأعْمالِ الظّاهِرَةِ، أوْ لِعُمُومِهِ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ المُبْصَراتِ أيْضًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ البَعْثَ والأمْرَ وما يَتْلُوهُما مِن فِسْقِهِمْ لَيْسَ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الذُّنُوبِ، فَإنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ قَبْلَ ذَلِكَ، وإنَّما هو لِقَطْعِ الأعْذارِ، وإلْزامِ الحُجَّةِ مِن كُلِّ وجْهٍ.
17:18Page 284
مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨
Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.
﴿مَن كانَ يُرِيدُ﴾ بِأعْمالِهِ الَّتِي يَعْمَلُها سَواءٌ كانَ تَرَتُّبُ المُرادِ عَلَيْها بِطَرِيقِ الجَزاءِ كَأعْمالِ البِرِّ، أوْ بِطَرِيقِ تَرَتُّبِ المَعْلُولاتِ عَلى العِلَلِ كالأسْبابِ، أوْ بِأعْمالِ الآخِرَةِ. فالمُرادُ بِـ "المُرِيدِ" عَلى الأوَّلِ الكَفَرَةُ، وأكْثَرُ الفَسَقَةِ. وعَلى الثّانِي أهْلُ الرِّياءِ والنِّفاقِ، والمُهاجِرُ لِلدُّنْيا، والمُجاهِدُ لِمَحْضِ الغَنِيمَةِ.
﴿العاجِلَةَ﴾ فَقَطْ مِن غَيْرِ أنْ يُرِيدَ مَعَها الآخِرَةَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الِاسْتِمْرارُ المُسْتَفادُ مِن زِيادَةِ كانَ هَهُنا مَعَ الِاقْتِصارِ عَلى مُطْلَقِ الإرادَةِ في قَسِيمِهِ. والمُرادُ بِـ "العاجِلَةَ" الدّارُ الدُّنْيا. وبِإرادَتِها إرادَةُ ما فِيها مِن فُنُونِ مَطالِبِها، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا﴾، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ الحَياةُ العاجِلَةُ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾، لَكِنَّ الأوَّلَ أنْسَبُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَجَّلْنا لَهُ فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ العاجِلَةِ فَإنَّ (p-164)الحَياةَ، واسْتِمْرارَها مِن جُمْلَةِ ما عُجِّلَ لَهُ، فالأنْسَبُ بِذَلِكَ كَلِمَةُ مَن كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ ﴿ما نَشاءُ﴾ أيْ: ما نَشاءُ تَعْجِيلَهُ لَهُ مِن نَعِيمِها لا كُلَّ ما يُرِيدُ.
﴿لِمَن نُرِيدُ﴾ تَعْجِيلَ ما نَشاءُ لَهُ. وهو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في "لَهُ" بِإعادَةِ الجارِّ بَدَلَ البَعْضِ، فَإنَّهُ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ المُنْبِئِ عَنِ الكَثْرَةِ، وقُرِئَ: (لِمَن يَشاءُ) عَلى أنَّ الضَّمِيرَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ. وقِيلَ: هو لِمَن فَيَكُونُ مَخْصُوصًا بِـ "مَن" أرادَ بِهِ ذَلِكَ، وهو واحِدٌ مِنَ الدَّهْماءِ، وتَقْيِيدُ المُعَجَّلِ والمُعَجَّلِ لَهُ بِما ذُكِرَ مِنَ المَشِيئَةِ والإرادَةِ لِما أنَّ الحِكْمَةَ الَّتِي عَلْيَها يَدُورُ فَلَكُ التَّكْوِينِ لا تَقْتَضِي وصُولَ كُلِّ طالِبٍ إلى مَرامِهِ، ولا اسْتِيفاءَ كُلِّ واصِلٍ لِما يَطْلُبُهُ بِتَمامِهِ، وأمّا ما يَتَراءى مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إلَيْهِمْ أعْمالَهم فِيها وهم فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ مِن نَيْلِ كُلِّ مُؤَمِّلٍ لِجَمِيعِ آمالِهِ، ووُصُولِ كُلِّ عامِلٍ إلى نَتِيجَةِ أعْمالِهِ، فَقَدْ أُشِيرَ إلى تَحْقِيقِ القَوْلِ فِيهِ في سُورَةِ هُودٍ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعالى، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ﴾ مَكانَ ما عَجَّلْنا لَهُ ﴿جَهَنَّمَ﴾، وما فِيها مِن أصْنافِ العَذابِ ﴿يَصْلاها﴾ يَدْخُلُها. وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ، أوْ مِن جَهَنَّمَ، أوِ اسْتِئْنافٌ.
﴿مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ مَطْرُودًا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: الآيَةُ في المُنافِقِينَ، كانُوا يُراءُونَ المُسْلِمِينَ، ويَغْزُونَ مَعَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ غَرَضُهم إلّا مُساهَمَتَهم في الغَنائِمِ، ونَحْوِها. ويَأْباهُ ما يُقالُ إنَّ السُّورَةَ مَكِّيَّةٌ سِوى آياتٍ مُعَيَّنَةٍ.
17:19Page 284
وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩
But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].
﴿وَمَن أرادَ﴾ بِأعْمالِهِ ﴿الآخِرَةَ﴾ الدّارَ الآخِرَةَ، وما فِيها مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ، ﴿وَسَعى لَها سَعْيَها﴾ أيِ: السَّعْيَ اللّائِقَ بِها، وهو الإتْيانُ بِما أُمِرَ، والِانْتِهاءُ عَمّا نُهِيَ، لا التَّقَرُّبُ بِما يَخْتَرِعُونَ بِآرائِهِمْ. وفائِدَةُ اللّامِ اعْتِبارُ النِّيَّةِ والإخْلاصِ.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ إيمانًا صَحِيحًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ قادِحٌ فِيهِ، وإيرادُ الإيمان بالجُمْلَةِ الحالِيَّةِ لِلدَّلالَةِ عَلى اشْتِراطِ مُقارَنَتِهِ لِما ذُكِرَ في حَيِّزِ الصِّلَةِ.
﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارَةٌ إلى المَوْصُولِ بِعُنْوانِ اتِّصافِهِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ، وما في ذَلِكَ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشْعارِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ، وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، والجَمْعِيَّةِ لِمُراعاةِ جانِبِ المَعْنى إيماءً إلى أنَّ الإثابَةَ المَفْهُومَةَ مِنَ الخَبَرِ تَقَعُ عَلى وجْهِ الِاجْتِماعِ، أيْ: أُولَئِكَ الجامِعُونَ لِما مَرَّ مِنَ الخِصالِ الحَمِيدَةِ، أعْنِي إرادَةَ الآخِرَةِ، والسَّعْيَ الجَمِيلَ لَها والإيمانَ، ﴿كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ مَقْبُولًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى أحْسَنَ القَبُولِ، مُثابًا عَلَيْهِ. وفي تَعْلِيقِ المَشْكُورِيَّةِ بِالسَّعْيِ دُونَ قَرِينَيْهِ إشْعارٌ بِأنَّهُ العُمْدَةُ فِيها.
17:20Page 284
كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠
To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.
﴿كُلا﴾ التَّنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ لا الفَرِيقُ الأخِيرُ المُرِيدُ لِلْخَيْرِ الحَقِيقُ بِالإسْعافِ فَقَطْ.
﴿نُمِدُّ﴾ أيْ: نَزِيدُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِحَيْثُ يَكُونُ الآنِفُ مَدَدًا لِلسّالِفِ، وما بِهِ الإمْدادُ ما عُجِّلَ لِأحَدِهِما مِنَ العَطايا العاجِلَةِ، وما أُعِدَّ لِلْآخَرِ مِنَ العَطايا الآجِلَةِ المُشارِ إلَيْها بِمَشْكُورِيَّةِ السَّعْيِ، وإنَّما لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ تَعْوِيلًا عَلى ما سَبَقَ تَصْرِيحًا وتَلْوِيحًا واتِّكالًا عَلى ما لَحِقَ عِبارَةً، وإشارَةً كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ﴾ بَدَلٌ مِن كُلًّا ﴿وَهَؤُلاءِ﴾ عَطْفٌ عَلَيْهِ، أيْ: نُمِدُّ هَؤُلاءِ المُعَجَّلَ لَهُمْ، وهَؤُلاءِ المَشْكُورَ سَعْيُهُمْ، فَإنَّ الإشارَةَ مُتَعَرِّضَةٌ لِذاتِ المُشارِ إلَيْهِ بِما لَهُ مِنَ العُنْوانِ، لا لِلذّاتِ فَقَطْ، كالإضْمارِ فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِما بِهِ الإمْدادُ، وتَعْيِينُ المُضافِ إلَيْهِ المَحْذُوفِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ كَوْنِهِ أفْرادَ الفَرِيقِ الأخِيرِ، وتَأْكِيدًا لِلْقَصْرِ المُسْتَفادِ مِن تَقْدِيمِ (p-165)المَفْعُولِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ أيْ: مِن مُعْطاهُ الواسِعِ الَّذِي لا تَناهِيَ لَهُ مُتَعَلِّقٌ بِنُمِدُّ، ومُغْنٍ عَنْ ذِكْرِ ما بِهِ الإمْدادُ، ومُنَبِّهٌ عَلى أنَّ الإمْدادَ المَذْكُورَ لَيْسَ بِطَرِيقِ الِاسْتِيجابِ بِالسَّعْيِ والعَمَلِ بَلْ بِمَحْضِ التَّفَضُّلِ.
﴿وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ﴾ أيْ: دُنْيُوِيًّا كانَ، أوْ أُخْرَوِيًّا، وإنَّما أُظْهِرَ إظْهارًا لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، وإشْعارًا بِعِلِّيَّتِهِ لِلْحُكْمِ.
﴿مَحْظُورًا﴾ مَمْنُوعًا مِمَّنْ يُرِيدُهُ، بَلْ هو فائِضٌ عَلى مَن قُدِّرَ لَهُ بِمُوجِبِ المَشِيئَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكْمَةِ، وإنْ وُجِدَ مِنهُ ما يَقْتَضِي الحَظْرَ كالكافِرِ، وهو في مَعْنى التَّعْلِيلِ لِشُمُولِ الإمْدادِ لِلْفَرِيقَيْنِ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية في المَوْضِعَيْنِ لِلْإشْعارِ بِمَبْدَئِيَّتِها لِما ذُكِرَ مِنَ الإمْدادِ، وعَدَمِ الحَظْرِ.
17:21Page 284
ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١
Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.
﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ "كَيْفَ" في مَحَلِّ النَّصْبِ بِفَضَّلْنا عَلى الحالِيَّةِ، والمُرادُ تَوْضِيحُ ما مَرَّ مِنَ الإمْدادِ، وعَدَمُ مَحْظُورِيَّةِ العَطاءِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى اسْتِحْضارِ مَراتِبِ أحَدِ العَطاءَيْنِ، والِاسْتِدْلالِ بِها عَلى مَراتِبِ الآخَرِ، أيِ: انْظُرْ بِنَظَرِ الِاعْتِبارِ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ فِيما أمْدَدْناهم بِهِ مِنَ العَطايا العاجِلَةِ، فَمِن وضِيعٍ، ورَفِيعٍ، وظالِعٍ، وضَلِيعٍ، ومالِكٍ، ومَمْلُوكٍ، ومُوسِرٍ، وصُعْلُوكٍ. تَعْرِفْ بِذَلِكَ مَراتِبَ العَطايا الآجِلَةِ، ودَرَجاتِ تَفاضُلِ أهْلِها عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِشْهادِ بِحالِ الأدْنى عَلى حالِ الأعْلى. كَما أفْصَحَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلآخِرَةُ أكْبَرُ﴾ أيْ: هي وما فِيها أكْبَرُ مِن قَدْرِها، ولا يُكْتَنَهُ كُنْهُها كَيْفَ لا، وقَدْ عُبِّرَ عَنْهُ بِما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ؟ هَذا ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِما بِهِ الإمْدادُ العَطايا العاجِلَةُ فَقَطْ، ويُحْمَلُ القَصْرُ المَذْكُورُ عَلى دَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِها بِالفَرِيقِ الأوَّلِ، فَإنَّ تَخْصِيصَ إرادَتِهِمْ لَها، ووُصُولَهم إلَيْها بِالذِّكْرِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِبَيانِ النِّسْبَةِ بَيْنَها وبَيْنَ الفَرِيقِ الثّانِي، إرادَةً ووُصُولًا مِمّا تَوَهَّمَ اخْتِصاصَها بِالأوَّلِينَ، فالمَعْنى كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ نُمِدُّ بِالعَطايا العاجِلَةِ لا مَن ذَكَرْنا إرادَتَهُ لَها فَقَطْ مِنَ الفَرِيقِ الأوَّلِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ الواسِعِ، وما كانَ عَطاؤُهُ الدُّنْيَوِيُّ مَحْظُورًا مِن أحَدٍ مِمَّنْ يُرِيدُهُ، ومِمَّنْ يُرِيدُ غَيْرَهُ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا في ذَلِكَ العَطاءِ بَعْضَ كُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنهُما، ولَلْآخِرَةُ. الآيَةَ. واعْتِبارُ عَدَمِ المَحْظُورِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى الفَرِيقِ الأوَّلِ تَحْقِيقًا لِشُمُولِ الإمْدادِ لَهُ، كَما فَعَلَهُ الجُمْهُورُ. حَيْثُ قالُوا: لا يَمْنَعُهُ مِن عاصٍ لِعِصْيانِهِ يَقْتَضِي كَوْنَ القَصْرِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ اخْتِصاصِ الإمْدادِ الدُّنْيَوِيِّ بِالفَرِيقِ الثّانِي، مَعَ أنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ في الكَلامِ ما يُوهِمُ ثُبُوتَهُ لَهُ، فَضْلًا عَنْ إيهامِ اخْتِصاصِهِ.
17:22Page 284
لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢
Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.
﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، والمُرادُ بِهِ: أُمَّتُهُ. وهو مِن بابِ التَّهْيِيجِ، والإلْهابِ. أوْ كُلُّ أحَدٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِطابِ ﴿فَتَقْعُدَ﴾ بِالنَّصْبِ جَوابًا لِلنَّهْيِ، والقُعُودُ: بِمَعْنى الصَّيْرُورَةِ مِن قَوْلِهِمْ: شَحَذَ الشَّفْرَةَ حَتّى قَعَدَتْ، كَأنَّها خَرِبَةٌ أوْ بِمَعْنى العَجْزِ مِن قَعَدَ عَنْهُ، أيْ: عَجَزَ عَنْهُ.
﴿مَذْمُومًا مَخْذُولا﴾ خَبَرانِ، أوْ حالانِ، أيْ: جامِعًا عَلى نَفْسِكَ الذَّمَّ مِنَ المَلائِكَةِ، والمُؤْمِنِينَ، والخِذْلانَ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ المُوَحِّدَ جامِعٌ بَيْنَ المَدْحِ والنُّصْرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences