Abu as-Su'udAl‑Waqi'ah · 56:47–92

Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic

Al-Waqi'ah 56:47–92

56:47Page 535

وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ٤٧

And they used to say, "When we die and become dust and bones, are we indeed to be resurrected?

﴿وَكانُوا يَقُولُونَ﴾ لِغايَةِ عُتُوِّهِمْ وعِنادِهِمْ.

﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا﴾ أيْ: كانَ بَعْضُ أجْزائِنا مِنَ اللَّحْمِ والجِلْدِ تُرابًا وبَعْضُها عِظامًا نَخِرَةً، وتَقْدِيمُ التُّرابِ لِعَراقَتِهِ في الِاسْتِبْعادِ وانْقِلابِهِ مِنَ الأجْزاءِ البادِيَةِ و"إذا" مُتَمَحِّضَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ والعامِلُ فِيها ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ لا نَفْسُهُ لِأنَّ ما بَعْدَ "إنَّ" واللّامِ والهَمْزَةِ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها وهو نُبْعَثُ وهو المَرْجِعُ لِلْإنْكارِ وتَقْيِيدُهُ بِالوَقْتِ المَذْكُورِ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ إنْكارِهِ بِهِ فَإنَّهم مُنْكِرُونَ لِلْإحْياءِ بَعْدَ المَوْتِ وإنْ كانَ البَدَنُ عَلى حالِهِ بَلْ لِتَقْوِيَةِ الإنْكارِ لِلْبَعْثِ بِتَوْجِيهِهِ إلَيْهِ في حالَةٍ مُنافِيَةٍ لَهُ بِالكُلِّيَّةِ، وتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ وتَحْلِيَةُ الجُمْلَةِ بِـ"إنَّ" لِتَأْكِيدِ الإنْكارِ لا لِإنْكارِ التَّأْكِيدِ كَما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن ظاهِرِ النَّظْمِ فَإنَّ تَقْدِيمَ الهَمْزَةِ لِاقْتِضائِها الصَّدارَةَ كَما في مِثْلِ قَوْلِهِ: " أفَلا تَعْقِلُونَ " عَلى رَأْيِ الجُمْهُورِ، فَإنَّ المَعْنى عِنْدَهم تَعْقِيبُ الإنْكارِ لا إنْكارُ التَّعْقِيبِ كَما هو المَشْهُورُ ولَيْسَ مَدارُ إنْكارِهِمْ كَوْنَهم ثابِتِينَ في المَبْعُوثِيَّةِ بِالفِعْلِ في حالِ كَوْنِهِمْ تُرابًا وعِظامًا بَلْ كَوْنُهم بِعَرَضِيَّةِ ذَلِكَ واسْتِعْدادِهِمْ لَهُ، ومَرْجِعُهُ إلى إنْكارِ البَعْثِ بَعْدَ تِلْكَ الحالَةِ وفِيهِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى غُلُوِّهِمْ في الكُفْرِ وتَمادِيهِمْ في الضَّلالِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ.

56:48Page 535

أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ٤٨

And our forefathers [as well]?"

وَتَكْرِيرُ الهَمْزَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ لِتَأْكِيدِ النَّكِيرِ والواوُ لِلْعَطْفِ عَلى المُسْتَكِنِّ في "لَمَبْعُوثُونَ" وحَسَّنَ ذَلِكَ الفَصْلُ بِالهَمْزَةِ يَعْنُونَ أنَّ بَعْثَ آبائِهِمُ الأوَّلِينَ أبْعَدُ مِنَ الوُقُوعِ، وقُرِئَ "أوْ آباؤُنا".

56:49Page 535

قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ ٤٩

Say, [O Muḥammad], "Indeed, the former and later peoples

﴿قُلْ﴾ رَدًّا لْإنْكارِهِمْ وتَحَقُّقًا لِلْحَقِّ.

﴿إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمْ أنْتُمْ وآباؤُكُمْ، وفي تَقْدِيمِ الأوَّلِينَ مُبالَغَةٌ في الرَّدِّ حَيْثُ كانَ إنْكارُهم لِبَعْثِ آبائِهِمْ أشَدَّ مِن إنْكارِهِمْ لِبَعْثِهِمْ مَعَ مُراعاةِ التَّرْتِيبِ الوُجُودِيِّ.

56:50Page 535

لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ٥٠

Are to be gathered together for the appointment of a known Day."

( لَمَجْمُوعُونَ ) بَعْدَ البَعْثِ، وقُرِئَ "لَمُجْمَعُونَ".

﴿إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ إلى ما وُقِّتَتْ بِهِ الدُّنْيا مِن يَوْمٍ مَعْلُومٍ، والإضافَةُ بِمَعْنى "مِن" كَخاتَمِ فِضَّةٍ.

56:51Page 536

ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ ٥١

Then indeed you, O those astray [who are] deniers,

﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ﴾ عَطْفٌ عَلى أنَّ الأوَّلِينَ داخِلٌ تَحْتَ القَوْلِ و"ثُمَّ" لِلتَّراخِي زَمانًا أوْ رُتْبَةً.

﴿المُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: بِالبَعْثِ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وأضْرابِهِمْ.(p-196)

56:52Page 536

لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ ٥٢

Will be eating from trees of zaqqūm

﴿لآكِلُونَ﴾ بُعْدَ البَعْثِ والجَمْعِ ودُخُولِ جَهَنَّمَ.

﴿مِن شَجَرٍ مِن زَقُّومٍ﴾ "مِن" الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ والثّانِيَةُ لِبَيانِ الشَّجَرِ وتَفْسِيرِهِ أيْ: مُبْتَدِئُونَ الأكْلَ مِن شَجَرٍ هو زَقُّومٌ، وقِيلَ: "مِن" الثّانِيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ هو وصْفٌ لِـ"شَجَرٍ" أيْ: كائِنٍ مِن زَقُّومٍ.

56:53Page 536

فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٥٣

And filling with it your bellies

﴿فَمالِئُونَ مِنها البُطُونَ﴾ أيْ: بُطُونَكم مِن شِدَّةِ الجُوعِ.

56:54Page 536

فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ ٥٤

And drinking on top of it from scalding water

﴿فَشارِبُونَ عَلَيْهِ﴾ عَقِيبَ ذَلِكَ بِلا رَيْثٍ ﴿مِنَ الحَمِيمِ﴾ أيِ: الماءُ الحارُّ في الغايَةِ، وتَأْنِيثُ ضَمِيرِ الشَّجَرِ أوَّلًا وتَذْكِيرُهُ ثانِيًا بِاعْتِبارِ المَعْنى واللَّفْظِ، وقُرِئَ "مِن شَجَرَةٍ" فَضَمِيرُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ لِلزَّقُّومِ، وقِيلَ: لِلْآكِلِ.

56:55Page 536

فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ ٥٥

And will drink as the drinking of thirsty camels.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَشارِبُونَ شُرْبَ الهِيمِ﴾ كالتَّفْسِيرِ لِما قَبْلَهُ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنا﴾ أيْ: لا يَكُونُ شُرْبُكم شُرْبًا مُعْتادًا بَلْ يَكُونُ مِثْلَ شُرْبِ الهِيمِ وهي الإبِلُ الَّتِي بِها الهُيامُ وهو داءٌ يُصِيبُها فَتَشْرَبُ ولا تُرْوى، جَمْعُ أهِيمَ وهَيْماءَ، وقِيلَ: الهِيمُ: الرِّمالُ عَلى أنَّهُ جَمْعُ الهَيامِ بِفَتْحِ الهاءِ وهو الرَّمْلُ الَّتِي لا يَتَماسَكُ، جُمِعَ عَلى فُعُلٍ كَسَحابٍ وسُحُبٍ ثُمَّ خُفِّفَ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ بِجَمْعِ أبْيَضَ، والمَعْنى: أنَّهُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ مِنَ الجُوعِ والتِهابِ النّارِ في أحْشائِهِمْ ما يَضْطَرُّهم إلى أكْلِ الزَّقُّومِ الَّذِي هو كالمُهْلِ فَإذا مَلَئُوا مِنهُ بُطُونَهم وهو في غايَةِ الحَرارَةِ والمَرارَةِ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنَ العَطَشِ ما يَضْطَرُّهم إلى شُرْبِ الحَمِيمِ الَّذِي يَقْطَعُ أمْعاءَهم فَيَشْرَبُونَ شُرْبَ الهِيمِ، وقُرِئَ "شَرْبَ الهِيمِ " بِالفَتْحِ وهو أيْضًا مَصْدَرٌ، وقُرِئَ بِالكَسْرِ عَلى أنَّهُ اسْمُ المَشْرُوبِ.

56:56Page 536

هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ ٥٦

That is their accommodation on the Day of Recompense.

﴿هَذا﴾ الَّذِي ذُكِرَ مِن أنْواعِ العَذابِ.

﴿نُزُلُهم يَوْمَ الدِّينِ﴾ أيْ: يَوْمَ الجَزاءِ فَإذا كانَ ذَلِكَ نُزُلُهم وهو ما يُعَدُّ لِلنّازِلِ مِمّا حَضَرَ فَما ظَنُّكَ بِما لَهم بَعْدَ ما اسْتَقَرَّ لَهُمُ القَرارُ واطْمَأنَّتْ بِهِمُ الدّارُ في النّارِ، وفِيهِ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ ما لا يَخْفى وقُرِئَ "نُزْلُهُمْ" بِسُكُونِ الزّايِ تَخْفِيفًا والجُمْلَةُ مَسُوقَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِطَرِيقِ الفَذْلَكَةِ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ الكَلامِ المُلَقَّنِ غَيْرُ داخِلَةٍ تَحْتَ القَوْلِ.

56:57Page 536

نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧

We have created you, so why do you not believe?

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ الإلْزامِ والتَّبْكِيتِ، والفاءُ لِتَرْتِيبِ التَّحْضِيضِ عَلى ما قَبْلَها أيْ: فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالخَلْقِ فَإنَّ ما لا يُحَقِّقُهُ العِلْمُ ولا يُساعِدُهُ بَلْ يُنْبِئُ عَنْ خِلافِهِ لَيْسَ مِنَ التَّصْدِيقِ في شَيْءٍ، وقِيلَ: بِالبَعْثِ اسْتِدْلالًا عَلَيْهِ بِالإنْشاءِ فَإنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْهِ قَدَرَ عَلى الإعادَةِ حَتْمًا والأوَّلُ هو الوَجْهُ كَما سَتُحِيطُ بِهِ خُبْرًا.(p-197)

56:58Page 536

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨

Have you seen that which you emit?1

﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ أيْ: تَقْذِفُونَ في الأرْحامِ مِنَ النُّطَفِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ التّاءِ مِن مَنى النُّطْفَةَ بِمَعْنى: أمْناها.

56:59Page 536

ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩

Is it you who creates it, or are We the Creator?

﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ﴾ أيْ: تُقَدِّرُونَهُ وتُصَوِّرُونَهُ بَشَرًا سَوِيًّا.

﴿أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ لَهُ مِن غَيْرِ دَخْلِ شَيْءٍ فِيهِ و"أمْ" قِيلَ: مُنْقَطِعَةٌ لِأنَّ ما بَعْدَها جُمْلَةٌ فالمَعْنى: بَلْ أنَحْنُ الخالِقُونَ عَلى أنَّ الِاسْتِفْهامَ لِلتَّقْرِيرِ، وقِيلَ: مُتَّصِلَةٌ ومَجِيءُ "الخالِقُونَ" بَعْدَ "نَحْنُ" بِطَرِيقِ التَّأْكِيدِ لا بِطَرِيقِ الخَبَرِيَّةِ أصالَةً.

56:60Page 536

نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠

We have decreed death among you, and We are not to be outdone

﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: قَسَّمْناهُ عَلَيْكم ووَقَّتْنا مَوْتَ كُلِّ أحَدٍ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ حَسَبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُنا المَبْنِيَّةُ عَلى الحِكَمِ البالِغَةِ، وقُرِئَ "قَدَرْنا" مُخَفَّفَةً.

﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أيْ: إنّا قادِرُونَ.

56:61Page 536

عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١

In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1

﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ لا يَغْلِبُنا أحَدٌ عَلى أنْ نُذْهِبَكم ونَأْتَيَ مَكانَكم أشْباهَكم مِنَ الخَلْقِ.

﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ مِنَ الخَلْقِ والأطَوارِ وتَعْهَدُونَ بِمِثْلِها قالَ الحَسَن ُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أيْ: نَجْعَلُكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المَعْنى: ونُنْشِئَكم في البَعْثِ عَلى غَيْرِ صُوَرِكم في الدُّنْيا فَمَن هَذا شَأْنُهُ كَيْفَ يَعْجِزُ عَنْ إعادَتِكم. وقِيلَ: المَعْنى: وما يَسْبِقُنا أحَدٌ فَيَهْرُبُ مِنَ المَوْتِ أوْ يُغَيِّرُ وقْتَهُ و"عَلى أنْ نُبَدِّلَ" ...إلَخْ إمّا حالٌ مِن فاعِلِ "قَدَّرْنا" أوْ عِلَّةٌ لِلتَّقْدِيرِ و"عَلى" بِمَعْنى اللّامِ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.

56:62Page 536

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢

And you have already known the first creation, so will you not remember?

﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأةَ الأُولى﴾ هي خَلْقُهم مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِن عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ، وقِيلَ: هي فِطْرَةُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التُّرابِ.

﴿فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ فَهَلّا تَتَذَكَّرُونَ أنَّ مَن قَدَرَ عَلَيْها قَدَرَ عَلى النَّشْأةِ الأُخْرى حَتْمًا فَإنَّهُ أقَلُّ صُنْعًا لِحُصُولِ المَوادِّ وتَخَصُّصِ الأجْزاءِ وسَبْقِ المِثالِ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ القِياسِ، وقُرِئَ "فَلَوْلا تَذْكُرُونَ" مِنَ الثُّلاثِيِّ وفي الخَبَرِ " عَجَبًا كُلَّ العَجَبِ لِلْمُكَذِّبِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَرى النَّشْأةَ الأوْلى وعَجَبًا لِلْمُصَدِّقِ بِالنَّشْأةِ الآخِرَةِ وهو يَسْعى لِدارِ الغُرُورِ.

56:63Page 536

أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ ٦٣

And have you seen that [seed] which you sow?

﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ أيْ: تَبْذُرُونَ حَبَّهُ وتَعْمَلُونَ في أرْضِهِ.

56:64Page 536

ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤

Is it you who makes it grow, or are We the grower?

﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ تُنْبِتُونَهُ وتَرُدُّونَهُ نَباتًا يَرِفُّ.

﴿أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ أيِ: المُنْبِتُونَ لا أنْتُمْ، والكَلامُ في "أمْ" كَما مَرَّ آنِفًا.

56:65Page 536

لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥

If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1

﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ هَشِيمًا مُتَكَسِّرًا مُتَفَتِّتًا بَعْدَ ما أنْبَتْناهُ وصارَ بِحَيْثُ طَمِعْتُمْ في حِيازَةِ غِلالِهِ.

(p-198)﴿فَظَلْتُمْ﴾ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تَتَعَجَّبُونَ مِن سُوءِ حالِهِ إثْرَ ما شاهَدْتُمُوهُ عَلى أحْسَنِ ما يَكُونُ مِنَ الحالِ أوْ تَنْدَمُونَ عَلى ما تَعِبْتُمْ فِيهِ وأنْفَقْتُمْ عَلَيْهِ أوْ عَلى ما اقْتَرَفْتُمْ لِأجْلِهِ مِنَ المَعاصِي فَتَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، والتَّفَكُّهِ التَّنَقُّلُ بِصُنُوفِ الفاكِهَةِ وقَدِ اسْتُعِيرَ لِلتَّنَقُّلِ بِالحَدِيثِ، وقُرِئَ "تَفَكَّنُونَ" أيْ: تَتَنَدَّمُونَ وقُرِئَ "فَظِلْتُمْ" بِالكَسْرِ و"فَظَلِلْتُمْ" عَلى الأصْلِ.

56:66Page 536

إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ ٦٦

[Saying], "Indeed, we are [now] in debt;

﴿إنّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أيْ: لَمُلْزَمُونَ غَرامَةَ ما أنْفَقْنا أوْ مُهْلَكُونَ بِهَلاكِ رِزْقِنا مِنَ الغَرامِ وهو الهَلاكُ، وقُرِئَ "أئِنّا" عَلى الِاسْتِفْهامِ والجُمْلَةُ عَلى القِراءَتَيْنِ مُقَدَّرَةٌ بِقَوْلٍ هو في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِن فاعِلِ "تَفَكَّهُونَ" أيْ: قائِلِينَ أوْ تَقُولُونَ إنّا لَمُغْرَمُونَ.

56:67Page 536

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٦٧

Rather, we have been deprived."

﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ حُرِمْنا رِزْقَنا أوْ مُحارَفُونَ مُحْدُودُونَ لاحَظَّ لَنا ولا بَخْتَ لا مَجْدُودُونَ.

56:68Page 536

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨

And have you seen the water that you drink?

﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ عَذْبًا فُراتًا، وتَخْصِيصُ هَذا الوَصْفِ بِالذِّكْرِ مَعَ كَثْرَةِ مَنافِعِهِ لِأنَّ الشُّرْبَ أهَمُّ المَقاصِدِ المَنُوطَةِ بِهِ.

56:69Page 536

ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩

Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?

﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ أيْ: مِنَ السَّحابِ واحِدُهُ مُزْنَةٌ، وقِيلَ: هو السَّحابُ الأبْيَضُ وماؤُهُ أعْذَبُ.

﴿أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ لَهُ بِقُدْرَتِنا.

56:70Page 536

لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠

If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?

﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ مِلْحًا زُعاقًا لا يُمْكِنُ شُرْبُهُ، وحَذْفُ اللّامِ هَهُنا مَعَ إثْباتِها في الشَّرْطِيَّةِ الأُولى لِلتَّعْوِيلِ عَلى عِلْمِ السّامِعِ أوِ الفَرْقِ بَيْنَ المَطْعُومِ والمَشْرُوبِ في الأهَمِّيَّةِ وصُعُوبَةِ الفَقْدِ والشَّرْطِيَّتانِ مُسْتَأْنَفَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ أنَّ عِصْمَتَهُ تَعالى لِلزَّرْعِ والماءِ عَمّا يُخِلُّ بِالتَّمَتُّعِ بِهِما نِعْمَةٌ أُخْرى بَعْدَ نِعْمَةِ الإنْباتِ والإنْزالِ مُسْتَوْجِبَةٌ لِلشُّكْرِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ تَحْضِيضٌ عَلى شُكْرِ الكُلِّ.

56:71Page 536

أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١

And have you seen the fire that you ignite?

﴿أفَرَأيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ﴾ أيْ: تَقْدَحُونَها وتَسْتَخْرِجُونَها مِنَ الزِّنادِ.

56:72Page 536

ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢

Is it you who produced its tree, or are We the producer?

﴿أأنْتُمْ أنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها﴾ الَّتِي مِنها الزِّنادُ وهي المَرْخُ والعَفارُ.

﴿أمْ نَحْنُ المُنْشِئُونَ﴾ لَها بِقُدْرَتِنا والتَّعْبِيرُ عَنْ خَلْقِها بِالإنْشاءِ المُنْبِئِ عَنْ بَدِيعِ الصُّنْعِ المُعْرِبِ عَنْ كَمالِ القُدْرَةِ والحِكْمَةِ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ الفارِقَةِ بَيْنَها وبَيْنَ سائِرِ الشَّجَرِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنِ النّارِ حَتّى قِيلَ في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعَفارُ كَما أنَّ التَّعْبِيرَ عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ بِالإنْشاءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْشَأْناهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ لِذَلِكَ.(p-199)

56:73Page 536

نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣

We have made it a reminder1 and provision for the travelers,2

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً ومَتاعًا لِلْمُقْوِينَ﴾

وقوله ﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً﴾ اسْتِئْنافٌ مُبَيِّنٌ لِمَنافِعِها أيْ: جَعَلْناها تَذْكِيرًا لِنارِ جَهَنَّمَ حَيْثُ عَلَّقْنا بِها أسْبابَ المَعاشِ لِيَنْظُرُوا إلَيْها ويَذْكُرُوا ما وُعِدُوا بِهِ مِن نارِ جَهَنَّمَ أوْ تَذْكِرَةً وأُنْمُوذَجًا مِن نارِ جَهَنَّمَ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ « "نارُكم هَذِهِ الَّتِي يُوقِدُها بَنُو آدَمَ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِن حَرِّ جَهَنَّمَ"،» وقِيلَ: تَبْصِرَةً فى أمْرِ البَعْثِ فَإنَّهُ لَيْسَ بِأبْدَعَ مِن إخْراجِ النّارِ مِنَ الشَّيْءِ الرَّطْبِ.

﴿وَمَتاعًا﴾ ومَنفَعَةً.

﴿لِلْمُقْوِينَ﴾ لِلَّذِينِ يَنْزِلُونَ القَواءَ وهي القَفْرُ وتَخْصِيصُهم بِذَلِكَ لِأنَّهم أحْوَجُ إلَيْها فَإنَّ المُقِيمِينَ أوِ النّازِلِينَ بِقُرْبٍ مِنهم لَيْسُوا بِمُضْطَرِّينَ إلى الِاقْتِداحِ بِالزِّنادِ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يُرادَ بِالمُقْوِينَ الَّذِينَ خَلَتْ بُطُونُهم ومَزاوِدُهم مِنَ الطَّعامِ وهو بَعِيدٌ لِعَدَمِ انْحِصارِ ما يُهِمُّهم ويَسُدُّ خَلَلَهم فِيما لا يُؤْكَلُ إلّا بِالطَّبْخِ وتَأْخِيرُ هَذِهِ المَنفَعَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ الأهَمَّ هو النَّفْعُ الأُخْرَوِيُّ.

56:74Page 536

فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

So exalt the name of your Lord, the Most Great.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ﴾ لِتَرْتِيبِ ما بَعْدَها عَلى ما عُدِّدَ مِن بَدائِعِ صُنْعِهِ تَعالى ورَوائِعِ نِعَمِهِ المُوجِبَةِ لِتَسْبِيحِهِ تَعالى إمّا تَنْزِيهًا لَهُ تَعالى عَمّا يَقُولُهُ الجاحِدُونَ بِوَحْدانِيَّتِهِ الكافِرُونَ بِنِعْمَتِهِ مَعَ عِظَمِها وكَثْرَتِها أوْ تَعَجُّبًا مِن أمْرِهِمْ في غَمْطِ تِلْكَ النِّعَمِ الباهِرَةِ مَعَ جَلالَةِ قَدْرِها وظُهُورِ أمْرِها أوْ شُكْرًا عَلى تِلْكَ النِّعَمِ السّابِقَةِ أيْ: فَأحْدِثِ التَّسْبِيحَ بِذِكْرِ اسْمِهِ تَعالى أوْ بِذِكْرِهِ فَإنَّ إطْلاقَ الِاسْمِ لِلشَّيْءِ ذِكْرٌ لَهُ و"العَظِيمُ" صِفَةٌ لِلِاسْمِ أوِ الرَّبِّ.

56:75Page 536

۞ فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ ٧٥

Then I swear by the setting of the stars,1

﴿فَلا أُقْسِمُ﴾ أيْ: فَأُقْسِمُ و"لا" مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ﴾ أوْ "فَلَأنا أُقْسِمُ" فَحَذَفَ المُبْتَدَأ وأشْبَعَ فَتْحَةَ لامِ الِابْتِداءِ ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ مَن قَرَأ "فَلْأُقْسِمْ" أوْ فَلا رادَّ لِكَلامٍ يُخالِفُ المُقْسَمَ عَلَيْهِ، وأمّا ما قِيلَ مِنَ المَعْنى فَلا أُقْسِمُ إذِ الأمْرُ أوْضَحُ مِن أنْ يَحْتاجَ إلى قَسَمٍ فَيَأْباهُ تَعْيِينُ المُقْسَمِ بِهِ وتَفْخِيمُ شَأْنِ القَسَمِ بِهِ.

﴿بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ أيْ: بِمَساقِطِها وهي مَغارِبُها وتَخْصِيصُها بِالقَسَمِ لِما في غُرُوبِها مِن زَوالِ أثَرِها، والدَّلالَةِ عَلى وُجُودِ مُؤَثِّرٍ دائِمٍ لا يَتَغَيَّرُ أوْ لِأنَّ ذَلِكَ وقْتُ قِيامِ المُتَهَجِّدِينَ والمُبْتَهِلِينَ إلَيْهِ تَعالى وأوانُ نُزُولِ الرَّحْمَةِ والرِّضْوانِ عَلَيْهِمْ أوْ بِمَنازِلِها ومَجارِيها فَإنَّ لَهُ تَعالى في ذَلِكَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عِظَمِ قدرته وكَمالِ حِكْمَتِهِ ما لا يُحِيطُ بِهِ البَيانُ، وقِيلَ: النُّجُومُ: نُجُومُ القرآن ومَواقِعُها أوْقاتُ نُزُولِها.

56:76Page 536

وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ ٧٦

And indeed, it is an oath - if you could know - [most] great.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ اعْتِراضٌ في اعْتِراضٍ قُصِدَ بِهِ المُبالَغَةُ في تَحْقِيقِ مَضْمُونِ الجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ وتَأْكِيدُهُ حَيْثُ اعْتَرَضَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ بَيْنَ القَسَمِ وجَوابِهِ الَّذِي هو قَوْلُهُ تَعالى:

56:77Page 537

إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧

Indeed, it is a noble Qur’ān.

﴿إنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (p-200)أيْ: كَثِيرُ النَّفْعِ لِاشْتِمالِهِ عَلى أُصُولِ العُلُومِ المُهِمَّةِ في صَلاحِ المَعاشِ والمَعادِ أوْ حَسَنٌ مَرْضِيٌّ أوْ كَرِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ﴾ بَيْنَ المَوْصُوفِ وصْفَتِهِ وجَوابُ "لَوْ" إمّا مَتْرُوكٌ أُرِيدَ بِهِ نَفِيُ عِلْمِهِمْ أوْ مَحْذُوفٌ ثِقَةً بِظُهُورِهِ أيْ: لَعَظَّمْتُمُوهُ أوْ لَعَمِلْتُمْ بِمُوجِبِهِ.

56:78Page 537

فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨

In a Register well-protected;1.

﴿فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ أيْ: مَصُونٍ مِن غَيْرِ المُقَرَّبِينَ مِنَ المَلائِكَةِ لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ مَن سِواهم وهو اللَّوْحُ.

56:79Page 537

لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩

None touch it except the purified [i.e., the angels].

﴿لا يَمَسُّهُ إلا المُطَهَّرُونَ﴾ إمّا صِفَةٌ أُخْرى لِـ"كِتابٌ" فالمُرادُ بِالمُطَهَّرِينَ: المَلائِكَةُ المُنَزَّهُونَ عَنِ الكُدُوراتِ الجُسْمانِيَّةِ وأوْضارِ الأوْزارِ أوْ لِلْقُرْآنِ فالمُرادُ بِهِمُ: المُطَهَّرُونَ مِنَ الأحْداثِ فَيَكُونُ نَفْيًا بِمَعْنى النَّهْيِ أيْ: لا يَنْبَغِي أنْ يَمَسَّهُ إلّا مَن كانَ عَلى طَهارَةٍ مِنَ النّاسِ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ:"المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ" أيْ: لا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَظْلِمَهُ، وقِيلَ: لا يَطْلُبُهُ إلّا المُطَهَّرُونَ مِنَ الكُفْرِ، وقُرِئَ "المُتَطَهِّرُونَ" و"المُطَّهِرُونَ" بِالإدْغامِ و"المُطْهِرُونَ" مِن أطْهَرَهُ بِمَعْنى طَهَّرَهُ و"المُطَهِّرُونَ" أيْ: أنْفُسَهم أوْ غَيْرَهم بِالِاسْتِغْفارِ أوْ غَيْرِهِ.

56:80Page 537

تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠

[It is] a revelation from the Lord of the worlds.

﴿تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ صِفَةٌ أُخْرى "لِلْقُرْآنِ" وهو مَصْدَرٌ نُعِتَ بِهِ حَتّى جَرى مَجْرى اسْمِهِ وقُرِئَ "تَنْزِيلًا".

56:81Page 537

أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ ٨١

Then is it to this statement that you are indifferent

﴿أفَبِهَذا الحَدِيثِ﴾ الَّذِي ذُكِرَتْ نُعُوتُهُ الجَلِيلَةُ المُوجِبَةُ لِإعْظامِهِ وإجْلالِهِ وهو القرآن الكَرِيمُ.

﴿أنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ أيْ: مُتَهاوِنُونَ بِهِ كَمَن يُدْهِنُ في الأمْرِ أيْ: يُلَيِّنُ جانِبَهُ ولا يَتَصَلَّبُ فِيهِ تَهاوُنًا بِهِ.

56:82Page 537

وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ ٨٢

And make [the thanks for] your provision that you deny [the Provider]?

﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أيْ: شُكْرَ رِزْقَكم.

﴿أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ أيْ: تَضَعُونَ التَّكْذِيبَ مَوْضِعَ الشُّكْرِ، وقُرِئَ "وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ" أيْ: تَجْعَلُونَ شُكْرَكم لِنِعْمَةِ القرآن أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ، وقِيلَ: الرِّزْقُ: المَطَرُ، والمَعْنى: وتَجْعَلُونَ شُكْرَ ما يَرْزُقُكُمُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الغَيْثِ أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِكَوْنِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى حَيْثُ تَنْسُبُونَهُ إلى الأنْواءِ والأوَّلُ هو الأوْفَقُ لِسِباقِ النَّظْمِ الكَرِيمِ وسِياقِهِ.

56:83Page 537

فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣

Then why, when it [i.e., the soul at death] reaches the throat

فَإنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ...إلَخْ تَبْكِيتٌ مَبْنِيٌّ عَلى تَكْذِيبِهِمْ بِالقرآن فِيما نَطَقَ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ إلى هُنا مِنَ القَوارِعِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِمْ تَحْتَ مَلَكُوتِهِ تَعالى مِن حَيْثُ ذَواتُهم ومِن حَيْثُ طَعامُهم وشَرابُهم وسائِرُ أسْبابِ مَعايِشِهِمْ كَما سَتَقِفُ عَلَيْهِ و"لَوْلا" لِلتَّحْضِيضِ لِإظْهارِ عَجْزِهِمْ و"إذا" ظَرْفِيَّةٌ أيْ: فَهَلّا إذا بَلَغَتِ النَّفْسُ أيِ: الرُّوحُ، وقِيلَ: (p-201)نَفْسُ الحُلْقُومِ وتَداعَتْ إلى الخُرُوجِ.

56:84Page 537

وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ٨٤

And you are at that time looking on -

﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ﴾ أيُّها الحاضِرُونَ حَوْلَ صاحِبِها.

﴿تَنْظُرُونَ﴾ إلى ما هو مِنَ الغَمَراتِ.

56:85Page 537

وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥

And We [i.e., Our angels] are nearer to him than you, but you do not see -

﴿وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ﴾ عِلْمًا وقُدْرَةً وتَصَرُّفًا.

﴿مِنكُمْ﴾ حَيْثُ لا تَعْرِفُونَ مِن حالِهِ إلّا ما تُشاهِدُونَهُ مِن آثارِ الشِّدَّةِ مِن غَيْرِ أنْ تَقِفُوا عَلى كُنْهِها وكَيْفِيَّتِها وأسْبابِها ولا أنْ تَقْدِرُوا عَلى دَفْعِ أدْنى شَيْءٍ مِنها ونَحْنُ المُتَوَلُّونَ لِتَفاصِيلِ أحْوالِهِ بِعِلْمِنا وقُدْرَتِنا أوْ بِمَلائِكَةِ المَوْتِ.

﴿وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ لا تُدْرِكُونَ ذَلِكَ لِجَهْلِكم بِشُؤُونِنا.

56:86Page 537

فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦

Then why do you not, if you are not to be recompensed,

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أيْ: غَيْرَ مَرْبُوبِينَ مِن دانَ السُّلْطانُ رَعِيَّتَهُ إذا ساسَهم واسْتَعْبَدَهم ناظِرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ فَإنَّ التَّحْضِيضَ يَسْتَدْعِي عَدَمَ المُحَضَّضِ عَلَيْهِ حَتْمًا.

56:87Page 537

تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٨٧

Bring it back,1 if you should be truthful?

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرْجِعُونَها﴾ أيِ: النَّفْسُ إلى مَقَرِّها هو العامِلُ في "إذا" والمُحَضَّضُ عَلَيْهِ بِـ"لَوْلا" الأُولى، والثّانِيَةُ مُكَرَّرَةٌ لِلتَّأْكِيدِ وهي مَعَ ما في حَيِّزِها دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْبُوبِينَ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ عَدَمُ تَصْدِيقِكم بِخَلْقِنا إيّاكم فَهَلّا تَرْجِعُونَ النَّفْسَ إلى مَقَرِّها عِنْدَ بُلُوغِها الحُلْقُومَ.

﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في اعْتِقادِكم فَإنَّ عَدَمَ تَصْدِيقِهِمْ بِخالِقِيَّتِهِ تَعالى لَهم عِبارَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ بِعَدَمِ خالِقِيَّتِهِ تَعالى بِمُوجِبِ مَذْهَبِهِمْ.

56:88Page 537

فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٨٨

And if he [i.e., the deceased] was of those brought near [to Allāh],

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ...إلَخْ شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُتَوَفّى بَعْدَ المَماتِ إثْرَ بَيانِ حالِهِ عِنْدَ الوَفاةِ أيْ: فَأمّا إنْ كانَ الَّذِي بُيِّنَ حالُهُ مِنَ السّابِقِينَ مِنَ الأزْواجِ الثَّلاثَةِ عُبِّرَ عَنْهم بِأجَلِّ أوْصافِهِمْ.

56:89Page 537

فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ ٨٩

Then [for him is] rest and bounty and a garden of pleasure.

﴿فَرَوْحٌ﴾ أيْ: فَلَهُ اسْتِراحَةٌ، وقُرِئَ "فَرُوحٌ" بِضَمِّ الرّاءِ وفُسِّرَ بِالرَّحْمَةِ لِأنَّها سَبَبٌ لِحَياةِ المَرْحُومِ وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ.

﴿وَرَيْحانٌ﴾ ورِزْقٌ.

﴿وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ أيْ: ذاتُ تَنَعُّمٍ.

56:90Page 537

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩٠

And if he was of the companions of the right,

﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ عَبَّرَ عَنْهم بِالعُنْوانِ السّابِقِ إذْ لَمْ يُذْكَرْ لَهم فِيما سَبَقَ وصْفٌ واحِدٌ يُنْبِئُ عَنْ شَأْنِهِمْ سِواهُ كَما ذَكَرَ لِلْفَرِيقَيْنِ الآخَرَيْنِ.

56:91Page 537

فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩١

Then [the angels will say], "Peace for you; [you are] from the companions of the right."

(p-202)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ إخْبارٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى بِتَسْلِيمِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ اللّامُ لا حِكايَةُ إنْشاءِ سَلامِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ وإلّا لَقِيلَ: "عَلَيْكَ" والِالتِفاتُ إلى خِطابِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم لِلتَّشْرِيفِ.

56:92Page 537

وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢

But if he was of the deniers [who were] astray,

﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ وهم أصْحابُ الشِّمالِ عَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ حَسَبَما وُصِفُوا بِهِ عِنْدَ بَيانِ أحْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم أيُّها الضّالُّونَ المُكَذِّبُونَ﴾ ذَمًّا لَهم بِذَلِكَ وإشْعارًا بِسَبَبِ ما ابْتُلُوا بِهِ مِنَ العَذابِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском