Abu as-Su'ud · Tafsir · in Arabic
An-Naba 78:22–40
﴿لِلطّاغِينَ﴾ مُتَعَلِّقٍ بِمُضْمَرٍ هو إمّا نَعْتٌ لِـ"مِرْصادًا" أيْ: كائِنًا لِلطّاغِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى:
مَآبًا
بَدَلٌ مِنهُ أيْ: مَرْجِعًا يُرْجَعُونَ إلَيْهِ لا مَحالَةَ، وإمّا حالٌ مِن "مَآبًا" قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ نَكِرَةٌ، ولَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَتْ صِفَةً لَهُ، وقَدْ جُوِّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِنَفْسِ "مَآبًا" عَلى أنَّها مِرْصادٌ لِلْفَرِيقَيْنِ مَآبٌ لِلْكافِرَيْنِ خاصَّةً ولا يَخْفى بُعْدُهُ، فَإنَّ المُتَبادِرَ مِن كَوْنِها مِرْصادًا لِطائِفَةٍ كَوْنُهم مُعَذَّبِينَ بِها، وقَدْ قِيلَ: إنَّها مِرْصادٌ لِأهْلِ الجَنَّةِ يَرْصُدُهُمُ المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَسْتَقْبِلُونَهم عِنْدَها؛ لِأنَّ مَجازَهم عَلَيْها وهي مَآبٌ لِلطّاغِينَ، (p-91)وَقِيلَ: المِرْصادُ صِيغَةُ مُبالَغَةٍ مِنَ الرَّصْدِ، والمَعْنى: أنَّها مُجِدَّةٌ في تَرَصُّدِ الكُفّارِ لِئَلّا يَشِذَّ مِنهم أحَدٌ، وقُرِئَ: أنَّ بِالفَتْحِ عَلى تَعْلِيلِ قِيامِ السّاعَةِ بِأنَّها مِرْصادٌ لِلطّاغِينَ.
﴿لابِثِينَ فِيها﴾ حالٌ مُقَدَّرَةٌ مِنَ المُسْتَكِنِّ في "لِلطّاغِينَ"، وقُرِئَ: (لَبِثِينَ)، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أحْقابًا﴾ ظَرْفٌ لِلَبْثِهِمْ، أيْ: دُهُورًا مُتَتابِعَةً، كُلَّما مَضى حُقْبٌ تَبِعَهُ حُقْبٌ آخَرُ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ، فَإنَّ الحُقْبَ لا يَكادُ يُسْتَعْمَلُ إلّا حَيْثُ يُرادُ تَتابُعُ الأزْمِنَةِ وتَوالِيها، فَلَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى تَناهِي تِلْكَ الأحْقابِ، ولَوْ أُرِيدَ بِالحُقْبِ ثَمانُونَ سَنَةً، أوْ سَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
78:24–25Page 582
لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤
They will not taste therein [any] coolness or drink.
إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥
Except scalding water and [foul] purulence -
﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا ولا شَرابًا﴾ ﴿إلا حَمِيمًا وغَسّاقًا﴾ جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ، أُخْبِرَ عَنْهم بِأنَّهم لا يَذُوقُونَ فِيها شَيْئًا ما مِن بَرْدٍ ورَوْحٍ يُنَفِّسُ عَنْهم حَرَّ النّارِ، ولا شَرابٍ يُسَكِّنُ مِن عَطَشِهِمْ، ولَكِنْ يَذُوقُونَ فِيها حَمِيمًا وغَسّاقًا، وقِيلَ: البَرْدُ النَّوْمُ، وقُرِئَ: (غَساقًا) بِالتَّخْفِيفِ وكِلاهُما ما يَسِيلُ مِن صَدِيدِهِمْ.
﴿جَزاءً﴾ أيْ: جُوزُوا بِذَلِكَ جَزاءً.
﴿وِفاقًا﴾ ذا وِفاقٍ لِأعْمالِهِمْ، أوْ نَفْسَ الوِفاقِ مُبالَغَةً، أوْ وافَقَها وِفاقًا، وقُرِئَ: (وَفاقًا) عَلى أنَّهُ فَعالٌ مِن وفَقُهَ كَذا، أيْ: لاقَهُ.
﴿إنَّهم كانُوا لا يَرْجُونَ حِسابًا﴾ تَعْلِيلٌ لِاسْتِحْقاقِهِمُ الجَزاءَ المَذْكُورَ، أيْ: كانُوا لا يَخافُونَ أنْ يُحاسَبُوا بِأعْمالِهِمْ.
﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ النّاطِقَةِ بِذَلِكَ.
﴿كِذّابًا﴾ أيْ: تَكْذِيبًا مُفْرِطًا، ولِذَلِكَ كانُوا مُصِرِّينَ عَلى الكُفْرِ وفُنُونِ المَعاصِي، و"فِعّالٌ" مِن بابٍ "فَعَّلَ" شائِعٌ فِيما بَيْنَ الفُصَحاءِ، وقُرِئَ: بِالتَّخْفِيفِ، وهو مَصْدَرُ "كَذَّبَ"، قالَ:
؎ فَصَدَقْتُها وكَذَبْتُها والمَرْءُ يَنْفَعُهُ كِذابُهُ
وانْتِصابُهُ إمّا بِفِعْلِهِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِـ"كَذَّبُوا"، أيْ: وكَذَّبُوا بِآياتِنا فَكَذَّبُوا كِذابًا، وإمّا بِنَفْسِ "كَذَّبُوا" لِتَضْمِينِهِ مَعْنى كَذَّبُوا، فَإنَّ كُلَّ مَن يُكَذِّبُ بِالحَقِّ فَهو كاذِبٌ، وقُرِئَ: (كُذّابًا) وهو جَمْعُ كاذِبِ، فانْتِصابُهُ عَلى الحالِيَّةِ، أيْ: كَذَّبُوا بِآياتِنا كاذِبِينَ، وقَدْ يَكُونُ الكَذّابُ بِمَعْنى الواحِدِ البَلِيغِ في الكَذِبِ، فَيُجْعَلُ صِفَةً لِمَصْدَرِ "كَذَّبُوا"، أيْ: تَكْذِيبًا كَذّابًا مُفْرِطًا كَذِبَهُ.
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ مِنَ الأشْياءِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أعْمالُهُمْ، وانْتِصابُهُ بِمُضْمَرٍ يُفَسِّرُهُ ﴿أحْصَيْناهُ﴾ أيْ: حَفِظْناهُ وضَبَطْناهُ، وقُرِئَ: (p-92)بِالرَّفْعِ عَلى الأبْتِداءِ ﴿كِتابًا﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِـ"أحْصَيْناهُ" لِما أنَّ الإحْصاءَ والكَتَبَةَ مِن وادٍ واحِدٍ، أوْ لِفِعْلِهِ المُقَدَّرِ، أوْ حالٌ بِمَعْنى مَكْتُوبًا في اللَّوْحِ، أوْ في صُحُفِ الحَفَظَةِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ، وقَوْلُهُ تَعالى:
78:30Page 582
فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠
"So taste [the penalty], and never will We increase you except in torment."1
﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكم إلا عَذابًا﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالحِسابِ وتَكْذِيبِهِمْ بِالآياتِ، وفي الألْتِفاتِ المُنْبِئِ عَنِ التَّشْدِيدِ في التَّهْدِيدِ، وإيرادُ "لَنْ" المُفِيدَةِ لِكَوْنِ تَرْكِ الزِّيادَةِ مِن قَبِيلِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الصِّحَّةِ مِنَ الدَّلالَةِ عَلى تَبالُغِ الغَضَبِ ما لا يَخْفى. وقَدْ رَوى النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أشُدُّ ما في القرآن عَلى أهْلِ النّارِ﴾ .
﴿إنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ مَحاسِنِ أحْوالِ المُؤْمِنِينَ إثْرَ بَيانِ سُوءِ أحْوالِ الكَفَرَةِ، أيْ: إنَّ لَلَذِينَ يَتَّقُونَ الكُفْرَ وسائِرَ قَبائِحِ أعْمالِ الكَفَرَةِ فَوْزًا وظَفَرًا بِمَباغِيهِمْ، أوْ مَوْضِعَ فَوْزٍ، وقِيلَ: نَجاةً مِمّا فِيهِ أُولَئِكَ، أوْ مَوْضِعَ نَجاةٍ، وقَوْلُهُ تَعالى:
﴿حَدائِقَ وأعْنابًا﴾ أيْ: بَساتِينَ فِيها أنْواعُ الأشْجارِ المُثْمِرَةِ وكُرُومًا، بَدَلٌ مِن "مَفازًا".
﴿وَكَواعِبَ﴾ أيْ: نِساءٌ فَلَّكَتْ ثَدْيُهُنَّ وهُنَّ النَّواهِدُ ﴿أتْرابًا﴾ أيْ: لِداتٍ.
﴿وَكَأْسًا دِهاقًا﴾ أيْ: مُتْرَعَةً، يُقالُ: أدْهَقَ الحَوْضَ أيْ: مَلَأهُ.
78:35Page 583
لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥
No ill speech will they hear therein or any falsehood -
﴿يَسْمَعُونَ فِيها﴾ أيْ: في الجَنَّةِ، وقِيلَ: في الكَأْسِ.
﴿لَغْوًا ولا كِذّابًا﴾ أيْ: لا يَنْطِقُونَ بِلَغْوٍ ولا يُكَذِّبُ بَعْضُهم بَعْضًا، وقُرِئَ: (كِذابًا) بِالتَّخْفِيفِ، أيْ: لا يُكَذِّبُهُ، أوْ لا يُكاذِبُهُ.
78:36Page 583
جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦
[As] reward from your Lord, [a generous] gift [made due by] account,1
﴿جَزاءً مِن رَبِّكَ﴾ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ مَنصُوبٌ بِمَعْنى أنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازًا، فَإنَّهُ في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: جازى المُتَّقِينَ بِمَفازٍ جَزاءً كائِنًا مِن رَبِّكَ، والتَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ الربوبية المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ شَيْئًا فَشَيْئًا، مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَزِيدُ تَشْرِيفٍ لَهُ ﷺ.
﴿عَطاءً﴾ أيْ: تَفْضِيلًا وإحْسانًا مِنهُ تَعالى إذْ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وهو بَدَلٌ مِن جَزاءً.
﴿حِسابًا﴾ صِفَةٌ لِـ"عَطاءً" بِمَعْنى: كافِيًا عَلى مَصْدَرٍ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، أوْ بُولِغَ فِيهِ مِن (أحْسَبَهُ الشَّيْءُ) إذا كَفاهُ حَتّى قالَ: حَسْبِي، وقِيلَ: عَلى حَسَبِ أعْمالِهِمْ، وقُرِئَ: (حِسّابًا) بِالتَّشْدِيدِ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى المُتَحَسِّبُ كالدِّراكِ بِمَعْنى: المُدْرِكُ.
78:37Page 583
رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا ٣٧
[From] the Lord of the heavens and the earth and whatever is between them, the Most Merciful. They possess not from Him [authority for] speech.1
(p-93)﴿رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ بَدَلٌ مِن "رَبِّكَ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ صِفَةٌ لَهُ، وقِيلَ: صِفَةٌ لِلْأوَّلِ، وأيًّا ما كانَ فَفي ذِكْرِ رُبُوبِيَّتِهِ تَعالى لِلْكُلِّ ورَحْمَتِهِ الواسِعَةِ إشْعارٌ بِمَدارِ الجَزاءِ المَذْكُورِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَمْلِكُونَ مِنهُ خِطابًا﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما أفادَهُ الربوبية العامَّةُ مِن غايَةِ العَظَمَةِ والكِبْرِياءِ واسْتِقْلالُهُ تَعالى بِما ذُكِرَ مِنَ الجَزاءِ والعَطاءِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ، وقُرِئَ: بِرَفْعِهِما، فَقِيلَ: عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ، وقِيلَ: الثّانِي نَعْتٌ لِلْأوَّلِ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ والثّانِي خَبَرُهُ، و"لا يَمْلِكُونَ" خَبَرٌ آخَرُ، أوْ هو الخَبَرُ والرَّحْمَنُ صِفَةٌ لِلْأوَّلِ، وقِيلَ: لا يَمْلِكُونَ حالٌ لازِمَةٌ، وقِيلَ: الأوَّلُ مُبْتَدَأٌ و"الرَّحْمَنُ" مُبْتَدَأٌ ثانٍ و"يَمْلِكُونُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرٌ لِلْأوَّلِ، وحَصَلَ الرَّبْطُ بِتَكْرِيرِ المُبْتَدَأِ بِمَعْناهُ عَلى رَأْيِ مَن يَقُولُ بِهِ، والأوْجَهُ أنْ يَكُونَ كِلاهُما مَرْفُوعًا عَلى المَدْحِ، أوْ يَكُونَ الثّانِي نَعْتًا لِلْأوَّلِ و"لا يَمْلِكُونَ" اسْتِئْنافًا عَلى حالِهِ، فَفِيهِ ما ذُكِرَ مِنَ الإشْعارِ بِمَدارِ الجَزاءِ والعَطاءِ، كَما في البَدَلِيَّةِ لِما أنَّ المَرْفُوعَ، أوِ المَنصُوبَ مَدْحًا تابِعٌ لِما قَبْلَهُ مَعْنى إنْ كانَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ إعْرابًا، كَما فُصِّلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ مِن سُورَةِ البَقَرَةِ، وقُرِئَ: بِجَرِّ الأوَّلِ عَلى البَدَلِيَّةِ، ورَفْعُ الثّانِي عَلى الأبْتِداءِ والخَبَرُ ما بَعْدَهُ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مُضْمَرٍ وما بَعْدَهُ اسْتِئْنافٌ، أوْ خَبَرٌ ثانٍ، أوْ حالٌ وضَمِيرُ "لا يَمْلِكُونَ" لِأهْلِ السماوات والأرْضِ، أيْ: لا يَمْلِكُونَ أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى مِن تِلْقاءِ أنْفُسِهِمْ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ لَفْظُ "المَلِكِ" خِطابًا ما في شَيْءٍ ما، والمُرادُ: نَفِيُ قدرتهمْ عَلى أنْ يُخاطِبُوهُ تَعالى بِشَيْءٍ مِن نَقْصِ العَذابِ، أوْ زِيادَةِ الثَّوابِ مِن غَيْرِ إذْنِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ وآكَدِهِ، وقِيلَ: لَيْسَ في أيْدِيهِمْ مِمّا يُخاطِبُ اللَّهُ بِهِ يَأْمُرُ بِهِ في أمْرِ الثَّوابِ والعِقابِ خِطابٌ واحِدٌ يَتَصَرَّفُونَ فِيهِ تَصَرُّفَ المُلّاكِ فَيَزِيدُونَ فِيهِ، أوْ يَنْقُصُونَ مِنهُ.
78:38Page 583
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا ٣٨
The Day that the Spirit [i.e., Gabriel] and the angels will stand in rows, they will not speak except for one whom the Most Merciful permits, and he will say what is correct.
﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ قِيلَ: الرُّوحُ خَلْقٌ أعْظَمُ مِنَ المَلائِكَةِ، وأشْرَفُ مِنهُمْ، وأقْرَبُ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وقِيلَ: هم مَلَكٌ ما خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بَعْدَ العَرْشِ خَلْقًا أعْظَمَ مِنهُ.
عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قامَ هو وحْدَهُ صَفًّا والمَلائِكَةُ كُلُّهم صَفًّا، وعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ﴿الرَّوْحُ جُنْدٌ مِن جُنُودِ اللَّهِ تَعالى لَيْسُوا مَلائِكَةً، لَهم رُؤْسٌ وأيْدٍ وأرْجُلٌ، يَأْكُلُونَ الطَّعامَ، ثُمَّ قَرَأ "يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ الآيَةَ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ، ومُجاهِدٍ قالُوا: ما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَلَكٌ إلّا ومَعَهُ واحِدٌ مِنهُمْ، نَقْلَهُ البَغَوِيُّ، وقِيلَ: هم أشْرافُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: هم حَفَظَةٌ عَلى المَلائِكَةِ، وقِيلَ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ و"صَفًّا" حالٌ، أيْ: مُصْطَفِينَ، قِيلَ: هُما صَفّانِ الرُّوحُ صَفٌّ واحِدٌ، أوْ مُتَعَدِّدٌ والمَلائِكَةُ صَفٌّ، وقِيلَ: صُفُوفٌ وهو الأُفُقُ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ وقِيلَ: يَقُومُ الكُلُّ صَفًّا واحِدًا، و"يَوْمَ" ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ صَوابًا﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ "لا يَتَكَلَّمُونَ" العائِدِ إلى أهْلِ السماوات والأرْضِ الَّذِينَ مِن جُمْلَتِهِمُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ، وذَكَرَ قِيامَهم واصْطِفافَهُمْ؛ لِتَحْقِيقِ عَظَمَةِ سُلْطانِهِ وكِبْرِياءَ رُبُوبِيَّتِهِ، وتَهْوِيلِ يَوْمِ البَعْثِ الَّذِي عَلَيْهِ مَدارُ الكَلامِ مِن (p-94)مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى مَقْطَعِها، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ﴾ ... إلَخْ. ومُؤَكِّدٌ لَهُ عَلى مَعْنى أنَّ أهْلَ السماوات والأرْضِ إذا لَمْ يَقْدِرُوا يَوْمَئِذٍ عَلى أنْ يَتَكَلَّمُوا بِشَيْءٍ مِن جِنْسِ الكَلامِ إلّا مَن أذِنَ اللَّهُ تَعالى لَهُ مِنهم في التَّكَلُّمِ، وقالَ ذَلِكَ المَأْذُونُ لَهُ قَوْلًا صَوابًا، أيْ: حَقًّا، فَكَيْفَ يَمْلِكُونَ خِطابَ رَبِّ العِزَّةِ مَعَ كَوْنِهِ أخَصَّ مِن مُطْلَقِ الكَلامِ وأعَزَّ مِنهُ مَرامًا، لا عَلى مَعْنى أنَّ الرُّوحَ والمَلائِكَةَ مَعَ كَوْنِهِمْ أفْضَلَ الخَلائِقِ وأقْرَبَهم مِنَ اللَّهِ تَعالى، إذا لَمْ يُقَدِّرُوا أنْ يَتَكَلَّمُوا بِما هو صَوابٌ مِنَ الشَّفاعَةِ لِمَنِ ارْتَضى إلّا بِإذْنِهِ، فَكَيْفَ يُكَلِّمُهُ غَيْرُهُمْ؟ كَما قِيلَ: فَإنَّهُ مُؤَسَّسٌ عَلى قاعِدَةِ الأعْتِزالِ فَمَن سَلَكَهُ مَعَ تَجْوِيزِهِ أنْ يَكُونَ "يَوْمَ" ظَرْفًا لِـ"يَمْلِكُونَ"، فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الشُّؤُنُ واخْتَلَطَ بِهِ الظُّنُونُ، وقِيلَ: إلّا مَن أذِنَ... إلَخْ. مَنصُوبٌ عَلى أصْلِ الأسْتِثْناءِ، والمَعْنى: لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا في حَقِّ شَخْصٍ أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ، وقالَ ذَلِكَ الشَّخْصُ صَوابًا، أيْ: حَقًّا هو التَّوْحِيدُ وإظْهارُ الرَّحْمَنِ في مَوْضِعِ الإضْمارِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَناطَ الإذْنِ هو الرَّحْمَةُ البالِغَةُ لا، أنَّ أحَدًا يَسْتَحِقُّهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى:
78:39Page 583
ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا ٣٩
That is the True [i.e., certain] Day; so he who wills may take to his Lord a [way of] return.1
﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى يَوْمِ قِيامِهِمْ عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ مَعَ قُرْبِ العَهْدِ بِالمُشارِ إلَيْهِ، لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ دَرَجَتِهِ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِ في الهَوْلِ والفَخامَةِ، ومَحَلُّهُ الرَّفْعُ عَلى الأبْتِداءِ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أيْ: ذَلِكَ اليَوْمُ العَظِيمُ الَّذِي يَقُومُ فِيهِ رُوحٌ والمَلائِكَةُ مُصْطَفِّينَ غَيْرَ قادِرِينَ هم وغَيْرُهم عَلى التَّكَلُّمِ مِنَ الهَيْبَةِ والجَلالِ.
﴿اليَوْمُ الحَقُّ﴾ أيِ: الثّابِتُ المُتَحَقِّقُ لا مَحالَةَ مِن غَيْرِ صارِفٍ يَلْوِيهِ، ولا عاطِفٍ يَثْنِيهِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ مَآبًا﴾ فَصِيحَةٌ تَصْفَحُ عَنْ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ، ومَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِوُقُوعِها شَرْطًا، وكَوْنِ مَفْعُولِها مَضْمُونَ الجَزاءِ، وانْتِفاءِ الغَرابَةِ في تَعَلُّقِهِ بِها حَسَبَ القاعِدَةِ المُسْتَمِرَّةِ و"إلى رَبِّهِ" مُتَعَلِّقٌ بِـ "مَآبًا" قُدِّمَ عَلَيْهِ اهْتِمامًا بِهِ ورِعايَةً لِلْفَواصِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وإذا كانَ الأمْرُ كَما ذُكِرَ مِن تَحَقُّقِ اليَوْمِ المَذْكُورِ لا مَحالَةَ، فَمَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ مَرْجِعًا إلى ثَوابِ رَبِّهِ الَّذِي ذُكِرَ شَأْنُهُ العَظِيمُ فَعَلَ ذَلِكَ بِالإيمانِ والطّاعَةِ، وقالَ قَتادَةُ: مَآبًا، أيْ: سَبِيلًا، وتَعَلُّقُ الجارِيَةِ لِما فِيهِ مِن مَعْنى الإفْضاءِ والإيصالِ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلا﴾
78:40Page 583
إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا ٤٠
Indeed, We have warned you of an impending punishment on the Day when a man will observe what his hands have put forth1 and the disbeliever will say, "Oh, I wish that I were dust!"
﴿إنّا أنْذَرْناكُمْ﴾ أيْ: بِما ذُكِرَ في السُّورَةِ مِنَ الآياتِ النّاطِقَةِ بِالبَعْثِ وبِما بَعْدَهُ مِنَ الدَّواهِي، أوْ بِها بِسائِرِ القَوارِعِ الوارِدَةِ في القرآن.
﴿عَذابًا قَرِيبًا﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ وقُرْبُهُ لِتَحْقِيقِ إتْيانِهِ حَتْمًا؛ ولِأنَّهُ قَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى وإنْ رَأوْهُ بَعِيدًا وسَيَرَوْنَهُ قَرِيبًا، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَأنَّهم يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إلا عَشِيَّةً أوْ ضُحاها﴾ .
وَعَنْ قَتادَةَ: هو عُقُوبَةُ الدُّنْيا؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ العَذابَيْنِ، وعَنْ مُقاتِلٍ: هو قَتْلُ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ فَإنَّهُ إمّا بَدَلٌ مِن "عَذابًا"، أوْ ظَرْفٌ لِمُضْمَرٍ هو صِفَةٌ لَهُ، أيْ: عَذابًا كائِنًا يَوْمَ يَنْظُرُ المَرْءُ، أيْ: يُشاهِدُ (p-95)ما قَدَّمَهُ مِن خَيْرٍ، أوْ شَرٍّ عَلى أنَّ "ما" مَوْصُولَةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ"يَنْظُرُ" والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أوْ يَنْظُرُ أيَّ شَيْءٍ قَدَّمَتْ يَداهُ عَلى أنَّها اسْتِفْهامِيَّةٌ مَنصُوبَةٌ بِـ"قَدَّمَتْ"، وقِيلَ: المَرْءُ عِبارَةٌ عَنِ الكافِرِ، و"ما" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَقُولُ الكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا﴾ ظاهِرٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِزِيادَةِ الذَّمِّ، قِيلَ: مَعْنى تَمَنِّيهِ لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا في الدُّنْيا، فَلَمْ أخْلُقْ ولَمْ أُكَلَّفْ، أوْ لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا في هَذا اليَوْمِ فَلَمْ أُبْعَثْ، وقِيلَ: يَحْشُرُ اللَّهُ تَعالى الحَيَوانَ فَيَقْتَصُّ لِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ تُرابًا فَيَوَدُّ الكافِرُ حالَهُ، وقِيلَ: الكافِرُ إبْلِيسُ يَرى آدَمَ ووَلَدَهُ وثَوابَهُمْ، فَيَتَمَنّى أنْ يَكُونَ الشَّيْءَ الَّذِي احْتَقَرَهُ حِينَ قالَ: خَلَقْتِنِي مِن نّارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ.
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿مَن قَرَأ سُورَةً عَمَّ يَتَساءَلُونَ سَقاهُ اللَّهُ تَعالى بَرْدَ الشَّرابِ يَوْمَ القِيامَةِ والحَمْدُ لِلَّهِ وحْدَهُ﴾ .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences